هبوط الدولار يرفع أسعار السلع والعملات والنفط والذهب

العملة الأميركية تهبط على مؤشر بلومبيرغ لأدنى مستوى في 3 سنوات

متعاملون يتابعون مؤشرات بورصة نيويورك أمس (أ.ب)
متعاملون يتابعون مؤشرات بورصة نيويورك أمس (أ.ب)
TT

هبوط الدولار يرفع أسعار السلع والعملات والنفط والذهب

متعاملون يتابعون مؤشرات بورصة نيويورك أمس (أ.ب)
متعاملون يتابعون مؤشرات بورصة نيويورك أمس (أ.ب)

أكد تقرير صادر عن قسم تداول السلع في «ساكسو بنك» أن عمليات بيع الدولار على مدى سبعة أسابيع متتالية أدت إلى دعم ارتفاع قوي في أسعار السلع، ليس أقلها الطاقة والمعادن الثمينة. وبلغ الأمر ذروته الأسبوع الماضي عندما وصل مؤشر «بلومبيرغ» لموقع الدولار، والذي يتتبع أداء العملة الأميركية بالمقارنة مع عشر عملات أجنبية رئيسية، بما في ذلك اليوان الصيني، إلى مستوى جديد هو الأدنى له منذ ثلاثة أعوام.
ونجح النفط الخام في استرداد نصف خسائره التي تكبدها خلال عمليات البيع في الفترة بين عامي 2014 و2016، بينما عاد الذهب مجدداً ليتحدى منطقة المقاومة فوق 1350 دولارا، حيث كان فشل في الوصول إلى ذلك في ثلاث مناسبات سابقة منذ عام 2014.
وشهدت أسعار الغاز الطبيعي ارتفاعاً أكبر لتتجاوز نطاق التداول الذي كان سائداً لأكثر من عام. ورغم المسار الحالي للإنتاج القياسي، مالت كفة المقياس لصالح المضاربين على الارتفاع نتيجة للسحوبات الأسبوعية الكبيرة والمتتالية من المخزونات، والتوقعات بطقس بارد ومستمر حتى فبراير (شباط).
وأدى تراجع أسعار الدولار أيضا إلى دعم قطاع الحبوب الذي بدت عليه مؤشرات نشاطٍ طفيفة. وحدث ذلك في مزيج من زيادة القدرة التنافسية للصادرات بالنسبة للعقود المقومة بالدولار، وحاجة الصناديق إلى الحد مما كان إلى وقت قريب مركز بيع قياسي على المكشوف في المحاصيل الرئيسية الثلاث، وهي الذُرة والقمح وفول الصويا. وفي الوقت الذي حصلت فيه عقود المحاصيل التي تم تداولها في بورصة شيكاغو على الدعم، لم يكن الأمر سهلاً بالنسبة لعقود القمح المقوّمة باليورو والمتداولة في باريس. وبينما لم تتغير الأساسيات السلبية من حيث الارتفاع الحالي لحجم العرض كثيراً، تبقى رؤية مدى قدرة القطاع على التداول بأسعار أعلى بالاعتماد فقط على الارتباط بالعملة.
وواصلت أسعار الذهب ارتفاعها على مدار الأسبوع، ورغم الحاجة إلى تعزيزها، وتمكنت هذه الأسعار من الصعود إلى منطقة المقاومة الرئيسية بين 1357 و1380 دولارا للأونصة. وفي هذه المرحلة، أصبحت مختلف العوامل المحددة لحركة الذهب والمعادن الثمينة عموماً تميل حالياً لصالح المعدن.
ولا شك في أن الدافع الأكبر ما يزال الدولار الذي - وعلى الرغم من تسجيله مستوى ثابتاً تقريباً من الدعم خلال الأسابيع السبعة الماضية - استمر في حالة الضعف السابقة.
ولكن إلى جانب الدولار، ينبغي الإشارة إلى الكثير من العوامل الأخرى، وأبرزها أثر رفع معدلات الفائدة الأميركية في أسواق تداول السلع، ومستويات التضخم لا سيما مؤشر أسعار الاستهلاك في الولايات المتحدة. ويشير الاتجاه العام لأسعار السلع الأساسية إلى الارتفاع، بينما يستفيد الذهب من ذلك عبر باعتباره من المكونات الأساسية لمعظم المؤشرات الرئيسية.
وقد أدت حالة الرضا السائدة في السوق حالياً حيال الضغوط على التقلبات في معظم فئات الأصول والأسهم عند مستويات قياسية إلى زيادة الطلب على الحماية والتنويع.
كما ازدادت مؤشرات المخاطر الجيوسياسية. ويتجه التركيز الحالي نحو مخاطر الحروب التجارية وأزمات كوريا الشمالية وإيران. ولا يزال الطلب على الاستثمار ثابتاً، حيث وصلت الحيازات في المنتجات المتداولة في البورصة إلى أعلى مستوى لها منذ 55 شهراً من حيث الطلب الثابت من المستثمرين على المدى الطويل، في حين كانت صناديق التحوط بمثابة مشترٍ قوي منذ منتصف ديسمبر (كانون الأول).
وبرأي «ساكسو بنك»، وصل الذهب إلى عتبة المقاومة عند 1366 دولارا للأونصة قبل العثور على البائعين، وبعد ارتفاعه بمقدار 130 دولارا منذ 12 ديسمبر (كانون الأول) الماضي، ومن دون أي تراجع كبير؛ وبصورة متزايدة، تظهر حاجة المعدن الأصفر الكبيرة للتدعيم. وما يزال الطلب الأساسي قوياً، ومن شأن وقوع تغير كبير في التوقعات السلبية الحالية لأسعار الدولار المساس بهذه المعنويات. ومع ذلك، لا ينبغي استبعاد حصول تصحيح صحي تراجعي مجدداً نحو 1316 دولارا في هذه المرحلة.
أما النفط الخام، فقد واصل ارتفاعه حيث وجد الدعم نتيجة تراجع أسعار الدولار والتعليقات والممارسات الداعمة من المملكة العربية السعودية وروسيا، واستمرار انخفاض مخزونات النفط الخام في أميركا. ولم يتوقف هذا الارتفاع إلا بعد أن تمكن كل من خام غرب تكساس الوسيط وبرنت من استعادة نصف خسائرهما خلال عمليات البيع في الفترة بين عامي 2014 و2016.
ويرجح أولي هانسن، رئيس استراتيجية السلع في «ساكسو بنك»، أن يؤدي التباطؤ الموسمي في الطلب على المصافي، وارتفاع مخزونات البنزين نظراً لانخفاض الطلب خلال شهور الشتاء والارتفاع المستمر في معدلات الإنتاج، إلى إيقاف التمدد القياسي للتخفيضات الأسبوعية في مخزون النفط الخام. وبمجرد حصول ذلك، من المرجح أن يتحول تركيز السوق نحو الارتفاع الحثيث في الإنتاج الأميركي الذي يمكن أن يتجاوز قريباً 10 ملايين برميل يومياً. وفضلاً عن عملية شراء قياسية بلغت نحو 1.1 مليار برميل أجرتها حسابات مضاربة، فإن ذلك قد يؤدي - بالحد الأدنى - إلى عملية توقف وإمكانية تصحيح.
ويمكن تلمس حساسية أسعار النفط بالنظر إلى تأثير بضع مئات من آلاف البراميل يومياً في العرض أو الطلب المتغير، وخاصة خلال الأشهر المقبلة، على أن الأكثر احتمالاً هو الاستقرار في النطاق بين 60 و70 دولاراً للبرميل بدلاً من الارتفاع المستمر. لكن يشكل ضعف الدولار المقترن بالمخاطر الجيوسياسية، التي شهدنا جزءا منها في النصف الثاني من عام 2017، مصدراً رئيسياً لدعم أسعار السلع عموما والنفط خصوصا، وعلى المدى القصير، سيتوفر الدعم عبر الارتفاعات الأخيرة عند 65 دولارا في خام غرب تكساس الوسيط و70 دولارا في خام برنت، فيما قد يشير الاختراق إلى بداية محتملة لمرحلة التصحيح.
وعلى صعيد العملات، أكد تقرير حديث صادر عن بنك الكويت الوطني تراجع الدولار بحدة وبنحو 3.6 في المائة منذ بداية السنة، ويأتي ذلك بعد التراجع الحاد السنة الماضية بنحو 10 في المائة. ونتيجة لذلك، خسر الدولار تقريبا ثلثي ما ربحه بين أعوام 2014 و2016.
وقد ساعدت المخاوف من التحول إلى السياسات التجارية الحمائية خلال رئاسة دونالد ترمب ورغبة وزير الخزينة الأميركي بتراجع الدولار، على بيع الدولار في بداية هذه السنة.. وبلغ الدولار أدنى مستوى له في ثلاث سنوات الأسبوع الماضي.
في المقابل، ارتفعت العملة الأوروبية الموحدة بشكل كبير مقابل الدولار الأسبوع الماضي، يدعمها في ذلك تراجع الدولار، والبيانات القوية لمنطقة اليورو والصورة المستقبلية المتفائلة التي رسمها رئيس البنك المركزي الأوروبي ماريو دراغي. وارتفع اليورو بحدة مقابل الدولار متجاوزا أعلى مستوى بلغه في ثلاث سنوات عند 1.253 دولار الخميس الماضي. وتمكن اليورو من إنهاء الأسبوع مقابل الدولار مرتفعا بنسبة 1.42 في المائة.
أما بالنسبة للجنيه الإسترليني، فقد كان أحد العملات العالمية الأفضل أداء حتى الآن هذه السنة. ويرجع سبب ذلك جزئيا إلى المزيد من الخفض في علاوة الخطر الناتجة عن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وتنامي التوقعات بأن بنك إنجلترا قد يتحرك باتجاه رفع الأسعار مجددا هذه السنة. وكان الأسبوع الماضي جيدا أيضا من حيث البيانات الاقتصادية البريطانية، ومع تراجع الدولار، ارتفع الجنيه إلى أعلى مستوى له منذ يونيو (حزيران) 2016، وأنهى الجنيه الأسبوع مقابل الدولار الأسبوع الماضي مرتفعا بنسبة زادت على 2 في المائة.
كما ارتفع الين الياباني بعد أن أصبح بنك اليابان متفائلا بشكل طفيف حيال مستقبل التضخم في البلاد. وتراجع الدولار مقابل العملة اليابانية إلى أدنى مستوى له منذ سبتمبر (أيلول) 2017 الأسبوع الماضي، وخسر الدولار نحو 3.5 في المائة من قيمته مقابل الين منذ بداية السنة.


مقالات ذات صلة

آمال إنهاء الحرب تهبط بالدولار لأدنى مستوياته في 6 أسابيع

الاقتصاد صورة جورج واشنطن تظهر على ورقة نقدية أميركية من فئة دولار واحد (أ.ب)

آمال إنهاء الحرب تهبط بالدولار لأدنى مستوياته في 6 أسابيع

استقر الدولار الأميركي قرب أدنى مستوياته منذ أوائل مارس (آذار) مقابل العملات الرئيسية يوم الخميس.

«الشرق الأوسط» (هونغ كونغ)
الاقتصاد أوراق نقدية من الدولار الأميركي (رويترز)

الدولار يمحو مكاسب الحرب ويستقر عند أدنى مستوياته في 6 أسابيع

استقر الدولار الأميركي قرب أدنى مستوياته في 6 أسابيع يوم الأربعاء، متخلياً عن معظم مكاسبه التي سجلها منذ اندلاع الحرب مع إيران.

«الشرق الأوسط» (سنغافورة)
الاقتصاد عيّنات من الذهب عُرضت في برنامج تابع للشرطة الفيدرالية البرازيلية والمتخصص في تتبع الذهب في برازيليا (رويترز)

الذهب يتراجع من أعلى مستوى له في شهر مع ارتفاع الدولار

انخفضت أسعار الذهب بشكل، طفيف يوم الأربعاء بعد أن سجلت أعلى مستوى لها في شهر في وقت سابق من الجلسة.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد قاطرات تدفع ناقلة نفط خام إلى موقعها على رصيف مخصص لاستيراد النفط في مدينة تشينغداو بشرق الصين (أ.ب)

النفط يتراجع دون 98 دولاراً مع بزوغ آمال بحوار جديد لإنهاء حرب إيران

انخفضت أسعار النفط في التعاملات الآسيوية المبكرة، يوم الثلاثاء، مع تراجع المخاوف بشأن مخاطر الإمدادات الناجمة عن الحصار الأميركي لمضيق هرمز.

«الشرق الأوسط» (سنغافورة)
الاقتصاد صورة لجورج واشنطن معروضة على كومة من الأوراق النقدية الأميركية من فئة الدولار الواحد في دالاس (أ.ب)

الدولار يتراجع لليوم السابع مع ترقب انفراجة دبلوماسية في الشرق الأوسط

يتجه الدولار الأميركي لتسجيل سابع تراجع يومي يوم الثلاثاء، مع احتمالات حدوث خرق دبلوماسي في أزمة الشرق الأوسط.

«الشرق الأوسط» (طوكيو)

صندوق النقد الدولي: منطقة الشرق الأوسط تعيش لحظة اقتصادية فارقة

أزعور يتحدث خلال عرض تحديث تقرير «آفاق الاقتصاد الإقليمي» (أ.ف.ب)
أزعور يتحدث خلال عرض تحديث تقرير «آفاق الاقتصاد الإقليمي» (أ.ف.ب)
TT

صندوق النقد الدولي: منطقة الشرق الأوسط تعيش لحظة اقتصادية فارقة

أزعور يتحدث خلال عرض تحديث تقرير «آفاق الاقتصاد الإقليمي» (أ.ف.ب)
أزعور يتحدث خلال عرض تحديث تقرير «آفاق الاقتصاد الإقليمي» (أ.ف.ب)

أكد صندوق النقد الدولي أن منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وباكستان تعيش لحظة فارقة وصعبة في تاريخها الاقتصادي المعاصر، إثر الحرب التي اندلعت في فبراير (شباط) 2026، موضحاً أن هذا النزاع لم يمثل مجرد أزمة حدودية، بل تحول إلى زلزال ضرب قلب الممرات الاقتصادية الاستراتيجية، مخلفاً صدمة طاقة عالمية وشللاً في سلاسل الإمداد. وفي خضم هذه التحديات، برز اقتصاد السعودية بوصفه نموذجاً للصمود؛ حيث أظهر «متانة استثنائية» مكنته من امتصاص تداعيات إغلاق مضيق هرمز وتراجع الإنتاج الإقليمي، بفضل ركائز «رؤية 2030» التي عززت السياسات المالية القوية والقدرة اللوجيستية على التكيف مع أعنف المتغيرات الجيوسياسية.

وصف مدير إدارة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى في صندوق النقد الدولي، الدكتور جهاد أزعور، خلال عرضه لتحديث «تقرير آفاق الاقتصاد الإقليمي» في واشنطن، على هامش اجتماعات الربيع لصندوق النقد والبنك الدوليين، الحرب الحالية بأنها تعيد رسم خريطة النمو الإقليمي بنسب لم تشهدها الأسواق منذ عقود، حيث أدى توقف الملاحة في مضيق هرمز إلى تعطل تدفق 21 مليون برميل نفط يومياً، ما دفع بأسعار خام برنت لتجاوز حاجز 100 دولار. ولم تقف الصدمة عند النفط، بل طالت إمدادات الغاز الطبيعي، حيث قفزت أسعاره في أوروبا بنسبة 40 في المائة، متخطية المستويات القياسية التي سجلتها إبان أزمة أوكرانيا عام 2022، مما وضع أمن الطاقة العالمي في مهب الريح.

وقال إن اضطرابات الطاقة الناجمة عن الحرب الإيرانية ستؤثر بشدة على اقتصادات الدول الخليجية المصدرة للنفط والغاز، بينما تواجه الدول المستوردة للنفط في الشرق الأوسط، مثل مصر والأردن، صدمات من ارتفاع أسعار السلع الأساسية واحتمال انخفاض دخل تحويلات العاملين في دول الخليج.

أزعور يتحدث خلال عرض تحديث تقرير «آفاق الاقتصاد الإقليمي» (رويترز)

وبشكل عام، من المتوقع أن تشهد منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تباطؤاً ملحوظاً في النمو هذا العام، حيث يُتوقع أن يبلغ نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي 1.1 في المائة، أي أقل بنسبة 2.8 نقطة مئوية من التوقعات قبل الحرب، قبل أن تشهد انتعاشاً في عام 2027، وفقاً لأحدث تقرير للتوقعات الإقليمية الصادر عن صندوق النقد الدولي.

قال أزعور: «إنها ليست مجرد قصة نفط وغاز، بل هي أيضاً تأثير هذه الحرب على جميع المنتجات الأخرى التي تُنتج في المنطقة، والتي تتمتع فيها المنطقة بموقع استراتيجي»، بما في ذلك صادرات الأسمدة والعديد من المنتجات الكيميائية وغيرها من المنتجات المتخصصة التي تجعلها ممراً اقتصادياً استراتيجياً عالمياً. وحذر من أن ارتفاع تكاليف الغذاء بات يهدد الفئات الضعيفة في الشرق الأوسط وأفريقيا وآسيا بشكل مباشر، خصوصاً مع تأثر الصادرات الخليجية الحيوية؛ حيث تورد دول المنطقة 40 في المائة من صادرات الكبريت و20 في المائة من أسمدة النيتروجين عالمياً. وأشار إلى أن أي اضطراب طويل الأمد في هذه الإمدادات يعني تهديداً مباشراً للمواسم الزراعية العالمية والقدرة الشرائية لملايين البشر.

وأضاف: «علاوة على ذلك، أثر الصراع على القطاع غير النفطي، حيث تتمتع دول مجلس التعاون الخليجي بموقع استراتيجي عالمي، لا سيما في مجال الطيران والخدمات اللوجيستية».

وأشار صندوق النقد الدولي إلى أن بعض الدول المستوردة للنفط في المنطقة تعتمد اعتماداً كبيراً على اقتصادات الخليج في استيراد الطاقة والتدفقات المالية، مما يجعلها عرضة للخطر في حال اشتدت الحرب أو طالت مدتها.

تجربة السعودية

أكد أزعور أن أحد أبرز الدروس القاسية والملهمة التي استخلصها الاقتصاد العالمي من الحرب وإغلاق مضيق هرمز، يكمن في ضرورة «تنويع طرق التجارة» بوصفها ضمانة وجودية لاستمرار تدفق السلع والطاقة.

وفي هذا السياق، اعتبر أزعور أن النهج الذي سلكته السعودية ضمن رؤيتها الاستراتيجية لم يكن مجرد تطوير للبنية التحتية، بل كان إعادة رسم شاملة لخريطة العبور اللوجيستي؛ حيث نجحت المملكة من خلال تطوير الموانئ البديلة على البحر الأحمر، وتوسيع شبكات الربط البري والسككي، في تقليل حالة «الهشاشة» التقليدية الناتجة عن الارتباط بممر مائي واحد وضيق.

ويرى أزعور أن هذه «الرشاقة السيادية» في خلق مسارات تجارية موازية هي التي مكنت التجارة السعودية من الاستمرار بفاعلية رغم الشلل الذي أصاب ممرات إقليمية أخرى، مما حول المملكة إلى نموذج عالمي في كيفية حماية الأمن الاقتصادي عبر فك الارتباط بالممرات البحرية القابلة للتعطل الجيوسياسي، وضمان وصول الإمدادات الحيوية إلى الأسواق المحلية والدولية دون انقطاع، وهو ما يجسد نجاح المرحلة الثانية من الرؤية في تحصين الاقتصاد الوطني ضد أعنف الصدمات الجيوسياسية.

مصر

وقال أزعور إن الإصلاحات الاقتصادية التي نفذتها مصر وتعزيزها لهوامش الأمان يمكّنان البلاد من التعامل بشكل أفضل مع الصدمات الخارجية.

وأضاف: «لقد سمحوا لسعر الصرف بأن يكون أكثر مرونة، لامتصاص أي صدمة خارجية، كما أنهم قاموا بزيادة وبناء مستوى مرتفع من الاحتياطيات بما يتيح لهم توفير مزيد من الطمأنينة للسوق».

تفاوت إقليمي

رصد التقرير تفاوتاً حاداً في القدرة على امتصاص الصدمة؛ فبينما واجهت قطر خفضاً تاريخياً في توقعات النمو بواقع 15 نقطة مئوية نتيجة تضرر بنيتها التحتية للغاز، أظهرت سلطنة عُمان صموداً بفضل موقعها الجغرافي. وعلى صعيد آخر، تزايدت الضغوط التمويلية على مصر وباكستان والأردن نتيجة ارتفاع الفوارق السيادية، مما دفع أزعور للتأكيد على جاهزية الصندوق لتقديم الدعم الفني والمالي لمواكبة متطلبات المرحلة المقبلة.

وقال أزعور: «إذا شهدنا انتعاشاً في إنتاج النفط، وفتحاً كاملاً لمضيق هرمز، فسيعني ذلك أن الدول ستزيد إنتاجها بسرعة كبيرة. كما أن مستوى أسعار النفط، المتوقع أن يبقى مرتفعاً مقارنةً بمستويات ما قبل عام 2026، سيمكن الدول المنتجة للنفط من استعادة بعض المكاسب التي تتكبدها حالياً بسبب الأزمة».


ويليامز: الحرب تعزز ضغوط التضخم و«الفيدرالي» في موقع يسمح له بالاستجابة

جون ويليامز يتحدث إلى «النادي الاقتصادي» في نيويورك (أرشيفية - رويترز)
جون ويليامز يتحدث إلى «النادي الاقتصادي» في نيويورك (أرشيفية - رويترز)
TT

ويليامز: الحرب تعزز ضغوط التضخم و«الفيدرالي» في موقع يسمح له بالاستجابة

جون ويليامز يتحدث إلى «النادي الاقتصادي» في نيويورك (أرشيفية - رويترز)
جون ويليامز يتحدث إلى «النادي الاقتصادي» في نيويورك (أرشيفية - رويترز)

قال جون ويليامز، رئيس «بنك الاحتياطي الفيدرالي» في نيويورك، الخميس، إن الحرب الدائرة في الشرق الأوسط تؤدي بالفعل إلى زيادة ضغوط التضخم، في وقت أكد فيه أن «البنك المركزي الأميركي» في موقع يسمح له بالاستجابة للتطورات الاقتصادية المحتملة.

وأوضح ويليامز، في كلمة ألقاها أمام ندوة أعضاء «بنك الإقراض العقاري الفيدرالي» في نيويورك لعام 2026، أن «التطورات في الشرق الأوسط تؤدي إلى ارتفاعات كبيرة في أسعار الطاقة؛ مما ينعكس بالفعل في زيادة التضخم العام»، وفق «رويترز».

وأضاف أنه في حال انتهاء الاضطرابات سريعاً، فإن من المرجح أن تتراجع أسعار الطاقة، «إلا إن استمرار الصراع مدة أطول قد يؤدي إلى صدمة عرض كبيرة، تدفع التضخم إلى الارتفاع عبر زيادة تكاليف السلع الوسيطة والأسعار النهائية، وفي الوقت نفسه تُضعف النشاط الاقتصادي».

وحذّر ويليامز بأن هذه العملية «بدأت بالفعل»، مشيراً إلى مؤشرات متصاعدة على اضطرابات في سلاسل الإمداد، وإلى أن ارتفاع تكاليف الوقود بدأ ينعكس على أسعار تذاكر الطيران والمواد الغذائية والأسمدة وغيرها من السلع الاستهلاكية.

ورغم هذه الضغوط، فإن ويليامز جدّد تأكيده على «الالتزام الراسخ» بإعادة التضخم إلى مستهدفه البالغ اثنين في المائة. وقال إنه في ظل «ظروف استثنائية»، فإن السياسة النقدية الحالية في وضع جيد يسمح بالموازنة بين مخاطر تحقيق أقصى قدر من التوظيف والحفاظ على استقرار الأسعار، من دون تقديم توجيهات واضحة بشأن الخطوة المقبلة لأسعار الفائدة.

وتتسق تصريحاته مع نهج «الترقب والانتظار» الذي يتبناه مسؤولو «الاحتياطي الفيدرالي» في تقييم تأثير الحرب وارتفاع أسعار الطاقة على الاقتصاد. وكان «البنك المركزي» قد أبقى سعر الفائدة دون تغيير في اجتماعه بمنتصف مارس (آذار) الماضي عند نطاق يتراوح بين 3.5 و3.75 في المائة، مع توقعات بخفض إضافي خلال العام الحالي. ومن المقرر أن يعقد اجتماعه المقبل يومي 28 و29 أبريل (نيسان) الحالي، دون توقعات بتغيير فوري في السياسة النقدية.

وفي الأيام الأخيرة، تجنب مسؤولو «الفيدرالي» تقديم إشارات واضحة بشأن مسار الفائدة على المدى القريب، رغم أن بيث هاماك، رئيسة «بنك الاحتياطي الفيدرالي» في كليفلاند، أشارت في مقابلة مع «سي إن بي سي» إلى احتمال تحرك السياسة في أي اتجاه؛ سواء بالخفض والرفع، تبعاً لتطورات الاقتصاد.

وأشار ويليامز إلى أن الصدمة النفطية الناتجة عن الحرب في الشرق الأوسط، التي اندلعت بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة؛ وإيران من جهة، أسهمت في رفع التضخم العام، الذي كان أصلاً عند مستويات مرتفعة نتيجة الزيادات الكبيرة في الرسوم الجمركية المفروضة على الواردات.

ويترقب مسؤولو «الفيدرالي» ما إذا كانت هذه الضغوط السعرية ستستمر، وما إذا كانت ستنعكس على التضخم الأساسي، في ظل مخاوف من سيناريو معقد يجمع بين ارتفاع التضخم وضعف النشاط الاقتصادي؛ مما يضع «البنك المركزي» أمام معادلة صعبة: إما تشديد السياسة النقدية، وإما تخفيفها.

وتوقع ويليامز أن يرتفع معدل التضخم إلى ما بين 2.75 و3 في المائة خلال العام الحالي، قبل أن يتراجع تدريجياً ليصل إلى هدف اثنين في المائة بحلول عام 2027. كما رجّح أن يتراوح معدل البطالة بين 4.25 و4.5 في المائة هذا العام، مع نمو اقتصادي بين اثنين و2.5 في المائة.


تراجع «غير متوقع» للإنتاج الصناعي الأميركي في مارس

يقوم عامل بلحام الجزء السفلي من لوح تسوية لآلة رصف الطرق داخل مصنع كالدير براذرز في ولاية كارولينا الجنوبية (رويترز)
يقوم عامل بلحام الجزء السفلي من لوح تسوية لآلة رصف الطرق داخل مصنع كالدير براذرز في ولاية كارولينا الجنوبية (رويترز)
TT

تراجع «غير متوقع» للإنتاج الصناعي الأميركي في مارس

يقوم عامل بلحام الجزء السفلي من لوح تسوية لآلة رصف الطرق داخل مصنع كالدير براذرز في ولاية كارولينا الجنوبية (رويترز)
يقوم عامل بلحام الجزء السفلي من لوح تسوية لآلة رصف الطرق داخل مصنع كالدير براذرز في ولاية كارولينا الجنوبية (رويترز)

سجّل الإنتاج الصناعي في الولايات المتحدة انخفاضاً غير متوقع خلال شهر مارس (آذار)، منهياً بذلك شهرين متتاليين من المكاسب القوية، ومتأثراً بشكل رئيسي بتراجع إنتاج السيارات وعدد من السلع الأخرى.

وأعلن مجلس «الاحتياطي الفيدرالي»، يوم الخميس، أن الإنتاج الصناعي تراجع بنسبة 0.1 في المائة في مارس، بعد تعديل بيانات فبراير (شباط) لتُظهر ارتفاعاً أقوى بلغ 0.4 في المائة. وكان اقتصاديون استطلعت «رويترز» آراءهم قد توقعوا ارتفاعاً بنسبة 0.1 في المائة في مارس، بعد زيادة سابقة قدرها 0.2 في المائة في فبراير.

وعلى أساس سنوي، ارتفع الإنتاج الصناعي بنسبة 0.5 في المائة في مارس، فيما سجل نمواً بمعدل سنوي بلغ 3 في المائة خلال الربع الأول، متعافياً من انخفاض نسبته 3.2 في المائة في الربع الرابع. ويأتي هذا الأداء في وقت يُظهر فيه قطاع التصنيع، الذي يمثل نحو 10.1 في المائة من الاقتصاد الأميركي، مؤشرات تعافٍ تدريجي بعد الضغوط التي تعرض لها نتيجة الرسوم الجمركية التي فرضها الرئيس دونالد ترمب على الواردات.

غير أن تصاعد التوترات المرتبطة بالحرب الأميركية-الإسرائيلية مع إيران ساهم في دفع أسعار النفط إلى الارتفاع بأكثر من 35 في المائة، ما قد يضيف مزيداً من الضغوط على وتيرة التعافي الاقتصادي. وفي هذا السياق، أشار تقرير «الكتاب البيج» الصادر عن «الاحتياطي الفيدرالي»، يوم الأربعاء، إلى أن الصراع يُعد «مصدراً رئيسياً لعدم اليقين، بما يعقّد قرارات التوظيف والتسعير والاستثمار الرأسمالي»، حيث تبنّت العديد من الشركات نهج «الترقب والانتظار».

وسجّل إنتاج السيارات انخفاضاً حاداً بنسبة 3.7 في المائة، بعد ارتفاعه بنسبة 2.6 في المائة في فبراير، فيما تراجع إنتاج المعادن الأساسية والآلات، إضافة إلى الأثاث والمنتجات ذات الصلة. كما انخفض إنتاج السلع المعمرة بنسبة 0.2 في المائة، في حين تراجع إنتاج السلع غير المعمرة بنسبة 0.1 في المائة، رغم ارتفاع إنتاج البترول والفحم ومنتجات البلاستيك والمطاط.

وفي قطاع التعدين، انخفض الإنتاج بنسبة 1.2 في المائة بعد أن كان قد ارتفع بنسبة 2.1 في المائة في فبراير، بينما تراجع إنتاج الطاقة بنسبة 1.6 في المائة مع انخفاض أنشطة حفر آبار النفط والغاز بنسبة 2.4 في المائة.

وأشار «الكتاب البيج» كذلك إلى أنه رغم تسجيل نشاط طفيف في قطاع الطاقة مطلع أبريل (نيسان)، فإن العديد من المنتجين ما زالوا متحفظين حيال توسيع عمليات الحفر، في ظل استمرار حالة عدم اليقين بشأن استدامة ارتفاع الأسعار.

أما إنتاج المرافق العامة فقد تراجع بنسبة 2.3 في المائة نتيجة انخفاض الطلب على التدفئة، بعد أن كان قد ارتفع بنسبة 1.8 في المائة في فبراير. وبذلك، انخفض الإنتاج الصناعي الإجمالي بنسبة 0.5 في المائة بعد أن تم تعديل بيانات فبراير لتُظهر ارتفاعاً إلى 0.7 في المائة، مقارنة بتقدير سابق بلغ 0.2 في المائة.

وعلى أساس سنوي، ارتفع الإنتاج الصناعي بنسبة 0.7 في المائة في مارس، وسجل نمواً قدره 2.4 في المائة خلال الربع الأول. في المقابل، تراجع معدل استغلال الطاقة الإنتاجية في القطاع الصناعي، وهو مؤشر يعكس مدى استخدام الشركات لمواردها، إلى 75.7 في المائة مقارنة بـ76.1 في المائة في فبراير، ليظل أقل بنحو 3.7 نقاط مئوية من متوسطه طويل الأجل للفترة 1972–2025.

كما انخفض معدل التشغيل في قطاع التصنيع بمقدار 0.2 نقطة مئوية ليصل إلى 75.3 في المائة، وهو أقل بنحو 2.9 نقطة مئوية من متوسطه التاريخي على المدى الطويل.