مصطفى الفقي: الإصلاح في السعودية حداثي... ونأمل في أن يعم العالم العربي

مدير مكتبة الإسكندرية قال لـ {الشرق الأوسط} إن إيران دولة وهم... والصراع عربي ـ فارسي وليس سنياً ـ شيعياً

مصطفى الفقي: الإصلاح في السعودية حداثي... ونأمل في أن يعم العالم العربي
TT

مصطفى الفقي: الإصلاح في السعودية حداثي... ونأمل في أن يعم العالم العربي

مصطفى الفقي: الإصلاح في السعودية حداثي... ونأمل في أن يعم العالم العربي

مفكر سياسي ودبلوماسي وبرلماني وأكاديمي له باع في العلاقات الدولية، ومحلل حصيف للوقائع والأحداث، كل هذه الأدوار المتعددة جعلته جديرا بتولي منصب مدير مكتبة الإسكندرية، في لحظة تاريخية حرجة تقلم فيها مصر مخالب الإرهاب، وتسعى لنشر الفكر التنويري.
منذ شبابه انخرط الفقي في العمل الوطني والسياسي وهو يرفض «الماضوية» ويراها سببا في الهوة الفكرية بين العالمين العربي والغربي، ويؤمن بأن مصر قادرة على أن تقود حركة الإصلاح ومحاربة التطرف.
التقته «الشرق الأوسط» في مكتبه بمكتبة الإسكندرية... حديثه متشعب تتشابك فيه السياسة مع الثقافة، تقلب معه صفحات التاريخ وتستشرف المستقبل، اطلعنا على رؤيته لإدارة المكتبة كمركز فكري عالمي، وسعيه لدمغها بروح القومية العربية، وقال إن الإرهاب لا يمكن القضاء عليه بل يمكن التعايش معه ومحاربته بالفكر، وهو يستبعد المواجهة العسكرية مع إثيوبيا بسبب سد النهضة. ويعتبر أن «الربيع العربي» أثر سلبا على القضية الفلسطينية، وأشاد بحركة الإصلاح في المملكة العربية السعودية، وتمنى أن تعم العالم العربي.
- ترفع المكتبة هذا العام شعار محاربة التطرف، فما رؤيتك لمستقبل مكتبة الإسكندرية؟
- هي مؤسسة ثقافية حضارية تنويرية ذات طابع عالمي على أرض مصرية لكن يجب ألا تصور أنها تتحمل كل مشكلات الكون أو مشكلات مصر. هي جزء من التنمية الثقافية وتنمية العقل المصري وتحريره من قيود التطرف والعنف والتيارات الإرهابية؛ لذا سيكون تركيزنا مرتبطا بتحرير العقل المصري من الشوائب التي وفدت عليه وجعلته يبتعد عن روح العصر وجعلته نهبا للغلو والشطط الذي يؤدي لفهم مغلوط للدين. سنتوجه في الفترة القادمة لمخاطبة طلاب المعاهد الدينية والمدارس الإعدادية والشباب في السن الذي يمكن أن نؤثر فيه، هؤلاء الأطفال لا أحد يخاطبهم وكل ما يأتيهم لا نعرف مصادره، نود أن تكون المكتبة مفتوحة للجميع تصنع الفنون والفكر وهي صناعة الحياة في مواجهة صناعة الموت.
- هل يعني أنها ستتخلى قليلا عن عباءتها الدولية وتتجه للمحلية؟
- لا بل ستكون هناك مواءمة. لقد كانت توصيات الرئيس واضحة عند تسلمي مهام منصبي وهي ضرورة الاهتمام بالإنسان المصري وترقيته في المدن والقرى والنجوع، ليس هذا أنها ستتحول إلى هيئة ثقافة جماهيرية ولكن مثلا مشروع مثل «سفارات المعرفة» هي أحد نماذج هذا التواصل بين المكتبة في موقعها مع مختلف أطياف المجتمع المصري. نحن امتداد للمكتبة القديمة بوصفها مركزا ثقافيا عالميا، وبعد 15 عاما أدت فيها دورا مهما ورسخت مكانتها بالمجتمع الدولي، عليها الآن أن تقدم لمصر ما يجب أن تقدمه؛ لأنها ممولة من ميزانية الدولة المصرية.
- ذكرت في حوار لك، أنه «لا يمكن القضاء على الإرهاب وعلينا التعايش معه»، كيف يمكن التعايش معه؟
- الإرهاب لم يسقط نظاما ولم يغير شكل دولة، وإنما يعرقل المسيرة ويستنزف الشعوب. لابد أن نعي أن عاما أو عامين ليست كافية للقضاء على الإرهاب. معركة القضاء على الإرهاب معركة نفس طويل؛ لأنه يصمد فيها من يستطيع أن يصبر ويكافح ويضرب الإرهاب في مقتل وليس بذراع عسكرية أو استراتيجية بل هو ضرب فكري يحتاج لفترة طويلة تصل لعقود. ولكن باختصار: «مصر عصية على السقوط ولن تسقط أبدا».
- هل نستطيع الخروج من دائرة التطرف والإرهاب؟
- الإنسانية عانت من خوارج لهم انتماءات مختلفة وليست في المجتمعات الإسلامية فقط، هؤلاء الخوارج تصوروا أن القوة وحدها هي السبيل، لكنهم لم يتمكنوا من صناعة أمة أو إرساء نظام، هي مرحلة عابرة في تاريخ الأمم والشعوب والثقافات يجب أن ندرك أنهم زائلون. الأمر يتوقف على موقف الدول الغربية من درجة الصدق في مواجهة والقضاء على الإرهاب أم أنهم يستغلونه للضغط على المنطقة وترويعها ولا يتحركون إلا عندما يصل إليهم. وهل سوف تستمر الأوضاع في العالم العربي على ما هي عليه الآن؟ الأمر غير محسوم ولا يمكن تحديده بوقت.
- نود أن نعرف تصورك لدور المكتبة بالتوازي مع استراتيجية مصر 2030؟
- نحن جزء من الدولة المصرية، والعدالة الاجتماعية ليست فقط في الطعام والشراب ولكنها في الجرعات الثقافية. من حق الشباب أن يتلقوا جرعات ثقافية كافية، لا أريد وصاية على الشباب، بل نريد أن نفتح لهم نوافذ تعينهم على فهم الدنيا من حولهم. وهذا لا يتأتى إلا بإعمال منطق العدالة الاجتماعية في كل المجالات. وتتجه المكتبة في الفترة المقبلة لإقامة مراكز بحثية يمولها أصحابها، مثل: مركز سراج الدين للعلوم، ومركز زاهي حواس للمصريات وهي مراكز حديثة تنضم لمركز مجدي يعقوب لأبحاث القلب، لخلق كوادر لديها القدرة على مواجهة المستقبل.
- تحتفل مكتبة الإسكندرية بمئوية جمال عبد الناصر، حدثنا عن علاقتك به وهل تعتقد أن الفكر الناصري لم يضر بمصر؟
- كنت شابا في العشرينات حينما رأيت عبد الناصر في المعسكرات الطلابية في حلوان، وكنت عضوا في منظمة الشباب، وكان بالنسبة لي زعيمي وقائدي وأملي وحلمي، ثم حدثت النكسة هزت جزءا كبيرا من هذه الصورة، لكن في النهاية يجب ألا نحكم على الزعماء بالنهايات بل بمجمل ما قدمته تلك الشخصية الفريدة من زخم وتأثير، ويظل بريق الزعامة في الروح التي بثته، فمثلا: نابليون وضع أسس أوروبا الحديثة، ومات مهزوما محبوسا، محمد علي باشا مات مجنونا في حجرة مغلقة، وعرابي مات في الشارع والناس تبصق عليه. ولكن الحكم بمجمل ما قدمته تلك الشخصية الفريدة من تأثير والكل له إنجازات وأخطاء. يمكنني أن أقول لك بكل صراحة أن أكثر من 95 في المائة من أفكار عبد الناصر صحيحة. والدليل أن الإمبريالية هي الإمبريالية، الولايات المتحدة الداعمة لإسرائيل هي نفسها، وإسرائيل هي التي تعادي المنطقة لا تزال تمارس أساليبها، الحديث عن العدالة الاجتماعية كقضية أولى في المجتمع المصري، ما زالت في الصدارة. برأيي خانه الحظ في التطبيق ودخل أكثر من معركة في وقت واحد. كان عليه أن يضع سلما للأولويات. لكن يجب ألا ننسى أنه وضع مصر في أتون أمتها العربية وجعلها دولة محورية وأعادها في قلب القارة الأفريقية، وجعلها مركزا لحركة عدم الانحياز، التراجع في جميع المستويات بدأ بعد ذلك. ربما آثار النكسة بدأت تظهر بقوة على الاقتصاد المصري والمجتمع المصري والأخلاق المصرية.
- هناك نداءات داخل البرلمان المصري باستصدار قانون لمنع إهانة الرموز المصرية، هل تؤيده؟
- أخشى أن يتحول هذا لقيد على حرية الرأي ونرى أنفسنا محاطين بمجموعة من الأصنام التي لا تمس، لا قداسة لشخص ولا عصمة إلا لنبي، الفكر الحر يضاهيه فكر حر، ولكن التحصين والحماية من شؤون المجتمعات التي تتسم بالفساد الفكري والترهل.
- مؤتمرات الإصلاح العربي التي أقامتها المكتبة 2004 لا تزال كثير من توصياتها لم تطبق بعد وأهمها ضمان حرية الإنتاج الثقافي... فما رأيك؟
- إذا كانت الحاجة أم الاختراع، فأنا مؤمن أن الحرية أم الإبداع. لا يمكن أن يتحقق قدر من الخروج على المألوف وفتح آفاق جديدة للشباب بأفكار مختلفة إلا بمزيد من الحرية وتوسيع دائرة التحريض على التفكير وفتح المجالات أمام هذا الشباب لكي يفكر ويبدع. لكن عمليات الانغلاق وفرض الآراء والوصاية وإشعار جيل أن هناك جيلا آخر يراقبه يملي عليه ما يجب أن يفكر فيه هذا أمر لا يؤدي لنتيجة وغير مقبول على الإطلاق.
- هناك حالة من الانغلاق في المجتمع المصري، برأيك كيف يمكن الخروج منها؟
- صحيح، ولكن نسعى أن تكون المكتبة بوابة على العصر وقناة تواصل بين الشباب المصري والعربي والأفريقي والعالم. لا بد أن ندعم الخيال لأنه سيساعد الشباب على تصور دولة مختلفة وهو بداية الخيط نحو التحول للأفضل. لماذا لا نقيم أسابيع ثقافية بيننا وبين دول مثل إثيوبيا والسودان واليمن وغيرها؟ في الواقع لسنا مغلقين عن العالم العربي أبدا بل نستقطب جزءا كبيرا من اهتمام كل الدول وحاليا نعد لمشروع ضخم عن ذاكرة العالم العربي التي سوف تحيي مفهوم العروبة وتدعم إنعاش الذاكرة العربية وإحياء الدور المصري عربيا. وسيكون لدينا أول متحف للأديان نسعى من خلاله لترسيخ ثقافة قبول الآخر التي كانت موجودة لدى الشعب المصري عبر العصور.
- إلى ماذا يفتقر الخطاب الثقافي المصري؟
- يفتقر إلى الجدية والموضوعية والاقتراب من الواقع المعاصر، وتنقصه الأبعاد العالمية ويبدو أحيانا محليا ويبدو أحيانا أخرى أقرب للاستهلاك الداخلي منه إلى رسالة ثقافية حقيقية. الرسالة الثقافية يجب أن يكون لها ديمومة وألا يكون لها هدف وألا تكون بنت السلطة بل بنت العصر، أن تكون تعبيرا عن إرادة الشعب وليست أبدا نفاقا للحاكم كما درجنا على ذلك في السنوات الأخيرة. نحن نفتقر إلى المثقف الموضوعي الوطني الذي يدافع عن أفكاره بجسارة دون تراجع حتى النهاية.
- هل ترى أن وجود الشبكات الاجتماعية أثر على هيمنة الدولة على صناعة الثقافة؟
- الدولة لا يمكن أن تصنع ثقافة هي تنظم توزيعها، إنما صناعة الثقافة يقف وراءها جيش من المثقفين والمبدعين، والمفكرون كلما أعطوا الفرصة أكثر بمزيد من الحرية أمكن وجود سلعة ثقافية يتم تداولها.
- هل تعتقد أنه آن الأوان للبحث عن بديل للعولمة في ظل «الشعبوية» المتنامية في العالم؟
- الغرب صدر لنا مجموعة أفكار متناقضة، صدر العولمة التي تعني انسياب السلع والخدمات والأفكار فوق الحدود والحواجز إلا الأفراد، في مواجهة هذه السيولة التي تروج لها العولمة صدر لنا أيضا صراع الحضارات، لذا هناك تخوف وتجزئة في قوميات مختلفة وصراعات كامنة بين الشعوب داخل الدولة الواحدة. الحضارة بوصفها نسقا ثقافيا لا يمكن أن تقوم على العنصرية والعداء. لم تكن حركة الأفراد مقيدة من الجنوب للشمال مثلما هي الآن، الغرب ينتقي ما يناسب مصالحه.
- كيف ترى حركة الإصلاح في المملكة العربية السعودية؟
- ما يجري في السعودية إصلاح حداثي، قد يكون هذا ما نأمله في عالمنا العربي خلال الفترة المقبلة ألا وهو مسألة الدفع للخروج من «الماضوية»، ومن الفكر السلفي والتطرف، ونأمل في أن تأتي العدوى لمصر، وينتشر هذا الفكر الإصلاحي في العالم العربي.
- هل يمثل سد النهضة بإثيوبيا خطرا حقيقيا على مصر، وهل يمكن أن يصل الأمر لـ«الحرب من أجل المياه»؟
- أستغرب حقا أنهم متصورون أن مصر مكبلة اليدين. مصر دولة مهمة في المنطقة لها بحران منفتحان، ولها أسطول بحري ضخم وجيشها من أقوى جيوش العالم العشرة. لكن لا أتصور أننا نصل لمرحلة المواجهة العسكرية، أو حرب، لأن إثيوبيا من الذكاء أنها لن تستعدي مصر أو تتصرف على نحو يضرها... لهم حق التنمية ولنا حق المياه.
- إيران... هل تمثل خطرا حقيقيا على العالم العربي أم أنها دولة تهديدات فقط؟
- الولايات المتحدة تقوم بعملية حشد تستبدل فيها بالعدو الإسرائيلي العدو الإيراني عدوا للعرب، وإذا كانت إيران خطرا فهو ثانوي لكن يبقى الخطر الحقيقي هو العدو الإسرائيلي. هي دولة لها أجندة تعبث في مختلف أنحاء العالم العربي وتريد أن تمد ذراعيها في كل مكان فيه. إيران عندها وهم السيطرة على العالم العربي، أذكر أن الخميني حينما كان عائدا على الطائرة من فرنسا، قال: «لقد قاد العرب الأمة الإسلامية عدة قرون (الأموي والعباسي الأول والثاني)، وقاد الأتراك لسبعة قرون (الدول العثمانية) وجاء دور إيران لكي تقود الأمة الإسلامية». فكرة إيران هي السيطرة، نقلق من هذا ولا نريده، لكن ليس الصراع سنة وشيعة، بل هو صراع فرس وعرب؛ لذا لا ينبغي أن تترك لها الساحة لتتحدث نيابة عنا أو عن العالم العربي خاصة في الملف النووي.
- ماذا عن الصراع العربي الإسرائيلي، لماذا لم تعد القضية الفلسطينية قضية العرب الأولى؟
- هناك عدة أسباب، أولها أن القضية انتقلت من التأييد السياسي إلى التعاطف الإنساني، وقد أساء إليها جدا ما سمي «الربيع العربي»، جعلها تتوارى أمام الاهتمام القومي والعربي وانشغلت كل دولة بمشكلتها. كانت سوريا حائط صد مهما في القضية بغض النظر عن تقييمنا لنظام الأسد وأسرته، ما جرى في العراق والخليج العربي عموما ومحاولة استنزاف مصر في سيناء وغيرها من المناطق، كل هذا جعل القضية تحتل الصدارة نظريا فقط.
أما عمليا فأصبح هناك أجندات لكل دولة وفقا لمصالحها. الدول العربية تؤمن بثوابت القضية لكنها أيضا لديها هواجس أمنها المتصلة بما يحدث مع دول أخرى في المنطقة في مقدمتها إيران.



أموال الزكاة والأوقاف تؤجج الصراع بين القادة الحوثيين

عناصر حوثيون بأحد شوارع صنعاء يحملون رشاشات خفيفة (إ.ب.أ)
عناصر حوثيون بأحد شوارع صنعاء يحملون رشاشات خفيفة (إ.ب.أ)
TT

أموال الزكاة والأوقاف تؤجج الصراع بين القادة الحوثيين

عناصر حوثيون بأحد شوارع صنعاء يحملون رشاشات خفيفة (إ.ب.أ)
عناصر حوثيون بأحد شوارع صنعاء يحملون رشاشات خفيفة (إ.ب.أ)

شهدت العاصمة اليمنية المختطَفة صنعاء ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، خلال الأيام الأخيرة، حالة من الصراع الداخلي المُتصاعد؛ على خلفية اتهامات متبادلة بين قادة نافذين ومشرفين ميدانيين بالاستحواذ على أموال خُصصت لأنشطة دينية وميدانية، وفق ما أفادت به مصادر مطلعة، لـ«الشرق الأوسط».

وبعيداً عن معاناة ملايين السكان، خصصت ما تُسمى «هيئة الأوقاف» الحوثية، عبر مكاتبها في خمس محافظات وهي: صنعاء وريفها والحديدة وذمار وإب، نحو 250 مليون ريال يمني، (الدولار يساوي 530 ريالاً) لتحشيد السكان بتلك المناطق من أجل تنفيذ زيارات جماعية إلى مقابر القتلى، وتجهيز قوافل متنوعة لمقاتليهم في الجبهات، تنفيذاً لتعليمات صادرة من زعيم الجماعة.

ووفق مصادر مقرَّبة من دائرة حكم الجماعة في صنعاء، فإن الخلافات تفجّرت، خلال اليومين الماضيين، عقب الكشف عن شُبهات فساد طالت آلية توزيع تلك المُخصصات التي رُصدت لتنظيم الزيارات الجماعية إلى مقابر القتلى، وهي فعاليات تحرص الجماعة على تنظيمها كل فترة لتعزيز التعبئة المعنوية لأنصارها.

مبنى هيئة الأوقاف التابع للجماعة الحوثية بالعاصمة صنعاء (فيسبوك)

كما شملت الاتهامات عمليات نهب وسرقة لمبالغ أخرى خُصصت لتجهيز قوافل دعم متنوعة للمقاتلين في الجبهات، بما في ذلك مواد غذائية ومستلزمات أخرى.

وأكدت المصادر أن قيادات حوثية، يتصدرها القيادي عبد المجيد الحوثي المعيَّن رئيساً لما تُسمى «هيئة الأوقاف»، تتهم مسؤولين إداريين في مكاتب تتبع «الهيئة» بالتواطؤ مع مشرفين ميدانيين والقيام بسرقة جزء كبير من تلك المخصصات لمصلحتهم، في حين ردّ الطرف الآخر بشن موجة انتقاد لاذعة، وفق المصادر، متهمين قيادة الهيئة الحوثية المستحدَثة بالفساد وسوء إدارة موارد الأوقاف، في ظل صراع نفوذ مُتزايد داخل هياكل الجماعة.

سياق أوسع

أتت هذه التطورات في سياق أوسع من التوتر المتصاعد في أوساط الأجنحة الحوثية، وسط اتهامات متبادلة ومُستمرة بالاستحواذ على مزيد من الموارد والنفوذ، ما يعزز المخاوف بشأن تفاقم الفساد وتأثيره على الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية بمناطق سيطرة الجماعة.

كما يتزامن ذلك مع ظروف معيشية صعبة يكابدها ملايين اليمنيين، وسط تدهور اقتصادي حاد وارتفاع مستمر في أسعار السلع الأساسية، إلى جانب تراجع فرص العمل وانقطاع رواتب شريحة واسعة من الموظفين.

ويرى مراقبون أن هذه التحركات تعكس مدى حجم التحديات التي لا تزال تواجهها الجماعة في الحفاظ على تماسكها التنظيمي، في وقتٍ تعتمد فيه، بشكل كبير، على هذه الأنشطة لتعزيز الولاء والاستمرار في الحشد.

قافلة حوثية زعمت الجماعة أنها تبرعات من سكان مديرية السبعين بصنعاء (فيسبوك)

ويعتقد هؤلاء أن هذه الخلافات الأخيرة وما سبقها تشير إلى وجود حالة من التنافس الحوثي الحاد على أهم الموارد، ولا سيما في ظل تراجع مصادر التمويل وازدياد الضغوط الاقتصادية، ما يفاقم حِدة الانقسامات الداخلية داخل أروقة الجماعة.

في غضون ذلك، يشير عاملون إغاثيون في صنعاء إلى أن تصاعد الخلافات الحوثية الداخلية واتهامات نهب الأموال المُخصصة للأنشطة ذات الطابع التعبوي، يأتي في وقتٍ يعاني فيه السكان بمناطق سيطرة الجماعة ضغوطاً اقتصادية ومعيشية غير مسبوقة.

ويتهم الناشطون قادة حوثيين يديرون شؤون «هيئة الأوقاف» بمواصلة مزيد من العبث بالأموال العامة وتوجيهها نحو أنشطة ذات طابع تعبوي وعسكري، بدلاً من توظيفها في مجالات خِدمية أو إنسانية أكثر إلحاحاً.

خطر الجوع

على وقْع هذه التطورات، تؤكد «الأمم المتحدة» أن أكثر من 18 مليون شخص في اليمن معرَّضون لخطر الجوع، خلال العام الحالي، في حال عدم توفر التمويلات اللازمة لمنع تفاقم الأزمة الغذائية المنتشرة على نطاق واسع في البلاد.

وأوضح مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية «أوتشا»، في تقرير له، أن الأزمة الغذائية لا تزال عند مستويات مثيرة للقلق، حيث يشير أحدث تحليل للتصنيف المرحلي المتكامل لانعدام الأمن الغذائي إلى مزيد من التدهور، بما في ذلك انزلاق بعض المناطق من مستوى الأزمة (المرحلة الثالثة) إلى الطوارئ (المرحلة الرابعة) وما فوق».

جانب من زيارات جماعية موَّلها الحوثيون لزيارة مقابر قتلاهم (إكس)

وأكد «أوتشا» وجود نحو 41 ألف يمني يعانون مستويات كارثية (المرحلة الخامسة من التصنيف)، ومع استمرار تفاقم انعدام الأمن الغذائي، من المتوقع «ظهور بُؤر إضافية تواجه ظروفاً شبيهة بالمجاعة في بعض المجتمعات الأكثر هشاشة داخل البلاد».

وبيَّن التقرير أن أزمة التغذية في اليمن تُعد من بين الأسوأ عالمياً، حيث يحتاج 2.2 مليون طفل، دون الخامسة، إلى علاج لسوء التغذية الحاد، ودون ذلك سيعانون أضراراً جسدية ومعرفية دائمة لا رجعة فيها، مما سيؤدي إلى ارتفاع حاد بمعدلات التقزم والوفيات التي يمكن الوقاية منها، بينما ستواجه 1.3 مليون امرأة حامل ومرضعة مضاعفات خطيرة تُهدد حياتهن مع تفاقم سوء التغذية وتراجع خدمات الصحة الإنجابية.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


الحوثي يرهن التدخل عسكرياً إلى جانب إيران بـ«تطورات المعركة»

عناصر حوثيون في صنعاء خلال حشد دعا إليه زعيمهم (إ.ب.أ)
عناصر حوثيون في صنعاء خلال حشد دعا إليه زعيمهم (إ.ب.أ)
TT

الحوثي يرهن التدخل عسكرياً إلى جانب إيران بـ«تطورات المعركة»

عناصر حوثيون في صنعاء خلال حشد دعا إليه زعيمهم (إ.ب.أ)
عناصر حوثيون في صنعاء خلال حشد دعا إليه زعيمهم (إ.ب.أ)

في ثالث ظهور متلفز له منذ اندلاع الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران، جدد زعيم الجماعة الحوثية عبد الملك الحوثي تأكيد موقف جماعته، القائم على الدعم الخطابي والآيديولوجي لطهران، مقابل تأجيل الانخراط العسكري وربطه بما وصفه بـ«تطورات المعركة»، في إشارة إلى أن قرار التدخل لا يزال خاضعاً لحسابات ميدانية لم يكشف عن طبيعتها.

ويعكس الخطاب الحوثي استمرار النهج الذي تبنته الجماعة منذ بداية المواجهة أواخر فبراير (شباط) الماضي، حيث حافظت على مستوى مرتفع من التصعيد الخطابي، دون أن تترجم ذلك إلى خطوات عسكرية مباشرة كما فعل «حزب الله» اللبناني والفصائل العراقية الموالية لإيران.

تظاهرة في صنعاء نظمها الحوثيون للتضامن مع إيران (أ.ف.ب)

وعلى الرغم من أن زعيم «الحوثية» أشاد بما وصفه بـ«الفاعلية العالية» للأداء الإيراني في المعركة، مدعياً قدرته على اختراق أنظمة الدفاع المتعددة وتحقيق أهداف داخل مواقع أميركية وإسرائيلية، فإنه أبقى على صيغة مشروطة بشأن تدخل جماعته، مؤكداً أن أي تحرك عسكري سيأتي فقط إذا فرضته التطورات، دون أن يحدد ماهية هذه التطورات.

ويتناغم حديث الحوثي مع مواقف الجماعة السابقة خلال الأسابيع الماضية، التي أكدت فيها أنها «لن تقف مكتوفة الأيدي»، لكنها في الوقت ذاته تجنبت إعلان الانخراط المباشر في الحرب، مكتفية ببيانات تحذيرية وتصعيدية، مع التشديد على الجاهزية لجميع السيناريوهات.

حسابات معقدة

تشير تقديرات مراقبين يمنيين إلى أن إحجام الحوثيين عن التدخل العسكري المباشر يرتبط بحسابات معقدة، في مقدمتها الخشية من استدراج ضربات أميركية وإسرائيلية واسعة قد تستهدف البنية التحتية للجماعة ومواقعها العسكرية، خصوصاً في ظل الأهمية الحيوية للمناطق التي تسيطر عليها، بما في ذلك السواحل المطلة على البحر الأحمر ومضيق باب المندب، أحد أهم الممرات التجارية العالمية.

الحوثيون اكتفوا بالدعم السياسي والخطابي لإيران دون مساندتها عسكرياً (أ.ف.ب)

كما أن الجماعة، التي نفذت خلال العامين الماضيين مئات الهجمات باستخدام الصواريخ والطائرات المسيّرة والزوارق المفخخة تحت شعار دعم الفلسطينيين في غزة، تدرك أن أي تصعيد جديد قد يعيد فتح جبهة مكلفة، بعد أن تعرضت بالفعل لضربات أميركية وبريطانية وإسرائيلية استهدفت موانئ ومطارات ومنشآت حيوية، وأدت إلى خسائر في قياداتها.

ويبدو من كل ذلك، أن الحوثيين يفضلون الاحتفاظ بورقة التصعيد العسكري كورقة ضغط مؤجلة، يمكن استخدامها في توقيت أكثر ملاءمة، سواء لخدمة الأجندة الإيرانية أو لتعزيز موقعهم التفاوضي إقليمياً.

الارتباط بطهران

الجديد في خطاب الحوثي الأخير تمثل في تأكيده على مبدأ «الوفاء بالوفاء» تجاه إيران، التي قال إنها كانت «المتضامن الوحيد» مع جماعته خلال سنوات الحرب التي كانت أشعلتها جماعته بالانقلاب على التوافق الوطني والمسار الانتقالي اليمني.

ويمثل هذا الطرح إقراراً صريحاً بعمق العلاقة بين الطرفين، ويعزز التقديرات التي ترى أن القرار الحوثي يظل جزءاً من حسابات أوسع ضمن ما يُعرف بـ«محور المقاومة» الذي تقوده إيران.

مسلح حوثي في صنعاء يحمل صورة خامنئي بعد مقتله في ضربة إسرائيلية (أ.ف.ب)

في الوقت ذاته، واصل الحوثي توظيف الخطاب التعبوي داخلياً، داعياً إلى خروج جماهيري واسع في مناطق سيطرة الجماعة، تأكيداً على دعم إيران والقضية الفلسطينية. وربط هذا الحشد الشعبي بما وصفه بـ«مواجهة المشروع الصهيوني»، متهماً إسرائيل بمواصلة انتهاكاتها في غزة وعدم الالتزام بالاتفاقات.

كما حرص زعيم الحوثيين على التأكيد على أن جماعته «ليست على الحياد»، وأنها جزء من معركة أوسع ضد الولايات المتحدة وإسرائيل، مع التشديد في الوقت نفسه على أنها لا تحمل «نوايا عدوانية» تجاه الدول الإسلامية.

وتظهر القراءة العامة للخطاب الحوثي وجود ثلاثة أهداف رئيسية وهي الحفاظ على التحالف الاستراتيجي مع إيران، وتجنب الانزلاق إلى مواجهة عسكرية مباشرة قد تكون مكلفة، وكذا تعزيز الحضور السياسي والإعلامي للجماعة داخلياً واستغلال ذلك للتعبئة والحشد.


مصر وسوريا تعززان تقاربهما من بوابة إعادة الإعمار والتعاون الاقتصادي

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نظيره السوري أسعد الشيباني خلال لقاء بنيويورك في سبتمبر الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نظيره السوري أسعد الشيباني خلال لقاء بنيويورك في سبتمبر الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر وسوريا تعززان تقاربهما من بوابة إعادة الإعمار والتعاون الاقتصادي

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نظيره السوري أسعد الشيباني خلال لقاء بنيويورك في سبتمبر الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نظيره السوري أسعد الشيباني خلال لقاء بنيويورك في سبتمبر الماضي (الخارجية المصرية)

تسعى مصر وسوريا إلى البناء على خطوات التقارب بينهما، وذلك بتعزيز التعاون الثنائي، وتوسيع الشراكات الاقتصادية والتجارية بينهما، وذلك بعد زيارات ولقاءات على مستويات مختلفة جرت خلال الأسابيع الماضية.

وأكد وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي «حرص بلاده للمساهمة الفاعلة في دعم جهود إعادة الإعمار في سوريا»، وأشار خلال اتصال هاتفي مع نظيره السوري، أسعد الشيباني، إلى «أهمية البناء على نتائج الزيارة التي قام بها الوفد الاقتصادي المصري إلى دمشق قبل عدة أسابيع، ومتابعة تنفيذ مخرجاتها بما يحقق مصالح البلدين»، وفق بيان لـ«الخارجية» المصرية الخميس.

واستضافت دمشق في شهر يناير (كانون الثاني) الماضي، أول «ملتقى اقتصادي واستثماري» مصري - سوري، بمشاركة 26 من قيادت الغرف التجارية المصرية والمال والأعمال، بهدف بناء شراكات فاعلة بين الغرف التجارية للبلدين، واستكشاف آفاق التعاون في مجالات التجارة والصناعة والخدمات والبنية التحتية وإعادة الإعمار.

وقال اتحاد الغرف التجارية بمصر، وقتها، إن «الملتقى يهدف إلى خلق تحالفات سورية مصرية أوروبية، من خلال اتحاد غرف البحر الأبيض وتنمية الصادرات السورية إلى أفريقيا من خلال اتحاد الغرف الأفريقية».

وناقش وزير الخارجية المصري، مع نظيره السوري، «سبل دفع وتطوير العلاقات في مختلف المجالات، لا سيما على الصعيدين الاقتصادي والتجاري»، حسب الخارجية المصرية.

وبموازاة ذلك، بحث وزير الاقتصاد والصناعة نضال الشعار، مع القائم بأعمال السفير المصري في دمشق السفير أسامة خضر، الأربعاء، «سبل تطوير العلاقات والشراكات الاقتصادية»، وحسب وكالة الأنباء السورية، «تناول الطرفان فرص توسيع الشراكات الاقتصادية، وتعزيز التبادل التجاري»، إلى جانب «تطوير التعاون في مختلف القطاعات».

وأكد الشعار «أهمية تعزيز العلاقات الاقتصادية بين سوريا ومصر، والعمل على تفعيل مجالات التعاون بما يخدم المصالح المشتركة، ويدعم حركة الأسواق بين البلدين».

الملتقى الاقتصادي السوري - المصري بدمشق خلال شهر يناير الماضي (اتحاد الغرف التجارية بمصر)

ويرى مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير يوسف الشرقاوي، أن «التقارب المصري السوري تحكمه جوانب اقتصادية بالأساس خلال الفترة الحالية»، وأشار إلى أن «هناك اتفاقيات تجارية بين البلدين في حاجة إلى التفعيل من أجل تعزيز التعاون»، وأكد على أن «القاهرة لم تتوقف عن دعم دمشق سياسياً واقتصادياً».

وأضاف في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن «التعاون الاقتصادي يشكل نافذة لدعم التقارب بين مصر وسوريا، وتحسين التفاهم السياسي»، وقال إن «الأوضاع في المنطقة العربية تفرض التواصل والتنسيق المستمر مع جميع الأطراف»، مشيراً إلى أن «القاهرة حريصة على دعم استقرار وسيادة سوريا ودول الجوار لها، خصوصاً لبنان».

وحسب بيان «الخارجية» المصرية، تناول اتصال عبد العاطي والشيباني، الأوضاع بالغة الخطورة بسبب التصعيد العسكري الذي تشهده المنطقة، وأشار وزير الخارجية المصري، إلى «الجهود المصرية والإقليمية المبذولة لاحتواء التوتر وخفض التصعيد المتعلق بالتطورات الأخيرة المرتبطة بإيران».

وهناك تقدم في التعاون الاقتصادي والتجاري بين مصر وسوريا، وفق رئيس الغرف التجارية بالقاهرة، أيمن العشري، منوهاً بأن «الحكومة السورية تقدم تسهيلات كثيرة للمستثمرين المصريين».

وأشار العشري - كان ضمن الوفد التجاري الذي زار دمشق في يناير الماضي - في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن «الغرف التجارية السورية بدأت في استيراد منتجات مصرية، خصوصاً في مواد البناء»، وقال إن «هناك تعويلاً من الجانب السوري على الخبرات والشركات المصرية في جهود إعادة الإعمار». وأشار إلى أن «هناك طلباً على المنتجات الغذائية المصرية، وتعمل الغرف التجارية على تلبية احتياجات السوق السورية».

مصر وسوريا نحو البناء على خطوات التقارب عبر تعزيز التعاون الاقتصادي وتطوير العلاقات (اتحاد الغرف التجارية بمصر)

وكان الرئيس السوري أحمد الشرع التقى وفد رجال الأعمال المصريين خلال زيارتهم إلى دمشق في يناير الماضي، وتحدث بإيجابية عن العلاقات المصرية السورية، ووجه الشكر للقاهرة «على الاستقبال الحافل للاجئين السوريين خلال فترة الحرب»، وقال إن «هذا ليس غريباً على طباع إخوتنا المصريين».

وفي ذلك الحين، وجّه الشرع دعوة إلى مجتمع الأعمال والشركات المصرية للانخراط في مشاريع إعادة إعمار سوريا، وفي قطاعات اقتصادية أخرى مثل الزراعة والطاقة.

وأكد الرئيس السوري في ذلك الحين، أن الشركات المصرية هي «الأولى للمساهمة في إعادة إعمار سوريا»، عادّاً أن سوريا تحتاج «إلى الاستفادة من الخبرات الكبيرة والعظيمة الموجودة داخل مصر، حتى تعود إلى مواكبة التطور الذي حصل خلال السنوات الماضية، لأن سوريا كانت غائبة قليلاً عن مشهد التطور والنمو الاقتصادي بسبب الحرب».

وقدّر «البنك الدولي» تكلفة إعادة الإعمار في سوريا بنحو 216 مليار دولار، وتشمل التكلفة التقديرية 75 مليار دولار للمباني السكنية، و59 مليار دولار للمنشآت غير السكنية، و82 مليار دولار للبنية التحتية.