جيمي آرمفيلد... السحر الأبدي لكرة القدم عبر الراديو

الصورة تبدو أفضل عبر الإذاعة إذا حظيت بمعلق رفيع الأداء قادر على أن يحملك معه إلى أرض الملعب

الراديو لا يزال وسيلة مهمة للاستمتاع بكرة القدم حتى في عالمنا الحالي
الراديو لا يزال وسيلة مهمة للاستمتاع بكرة القدم حتى في عالمنا الحالي
TT

جيمي آرمفيلد... السحر الأبدي لكرة القدم عبر الراديو

الراديو لا يزال وسيلة مهمة للاستمتاع بكرة القدم حتى في عالمنا الحالي
الراديو لا يزال وسيلة مهمة للاستمتاع بكرة القدم حتى في عالمنا الحالي

بدا الصوت الصادر عن كرة القدم لافتاً على نحو خاص، وبينما اتخذت الكرة الصاروخية التي أطلقها محمد صلاح باتجاه مرمى «مانشستر سيتي» مساراً منحنياً لتستقر داخل الشباك، صدر عنها صوتاً مختلفاً على نحو لافت عن الأهداف التي سبقتها. وأضاف صوت الجماهير الهادرة مزيداً من الدهشة إلى المشهد، إضافة إلى التحركات المتسارعة داخل أرض الملعب وما أعقبها من الاحتفالات المعتادة بتسجيل هدف. وبالنسبة للذين لم يتمكنوا من متابعة مباراة الموسم عبر التلفاز (أو لم يكونوا من الفئة الأكثر حظاً التي حضرت المباراة داخل استاد «أنفيلد»)، فإنها نجحت في معايشة تجربة مثيرة واستثنائية من نوعها رغم هذه الظروف بالاستماع إلى أحداث المباراة عبر الراديو. وبدا جلياً من الأصوات الهادرة في الخلفية أن هذه ليست بمباراة عادية.
من جهته، قال روب نوثمان، المنتج السابق والذي يتولى حالياً مهمة التدريب على العمل الإذاعي، بينما حمل وجهه ابتسامة عريضة: «ثمة قول قديم بأن الصورة تبدو أفضل عبر الراديو. إذا حظيت بمعلق رفيع الأداء قادر على أن يحملك معه إلى أرض الملعب، ويطرح وصفاً حياً لما يدور حوله، ويقدم للمستمعين جميع المعلومات، إضافة إلى قدرته على رسم الصورة على نحو يستثير العواطف ويأسر ألباب المستمعين».
جدير بالذكر أن فك شفرة الأصوات الدقيقة لكرة القدم الحية وتمييزها من بين الأصوات المتدفقة إلى أذنيك من الراديو كان إحدى المهارات الأكثر إفادة بكثير منذ جيل تقريباً مضى عندما كانت المباريات التي يجري بثها حية عبر شاشات التلفزيون لا تحمل كثيراً من الأحداث. ولا يزال الكثيرون يحملون بداخلهم ذكريات أثيرة لجلوسهم منصتين وفي هدوء تام كأن على رؤوسهم الطير وفي آذانهم سماعات تمثل الوسيلة الوحيدة أمامهم لمتابعة مباراة بالغة الأهمية.
في الواقع، لعب الراديو دوراً هائلاً في كيفية تعاطينا مع كرة القدم، ومصدر ضخم للمعلومات بخصوص الأهداف وتشكيل الفرق والأخبار المتعلقة بكرة القدم والآراء والمناخ العام داخل الملاعب. ونعايش اليوم لحظة عاطفية على نحو خاص باحتفائنا بقوة الراديو وتأثيره في خضم مساعينا للاحتفاء بذكرى جيمي آرمفيلد الذي كان واحداً من عمالقة فن إذاعة المنافسات الكروية بفضل صوته المميز ودفء نبرته وخبرته الطويلة.
من ناحيته، قال نوثمان متحدثاً عن آرمفيلد: «كان يمتلك المعرفة والقوة والوضوح. وعندما تنظر في جعبته، تجدها تعج بمجموعة متنوعة من الميداليات - فهو لاعب رائع ومدرب عظيم وكان قادراً على طرح كل هذا خلال إذاعته للمباريات على نحو دافئ عذب. لقد امتلك روحاً محبوبة وسنفتقده بشدة».
في خضم هذا العصر الإعلامي الحديث، من المنطقي أن يتساءل المرء حول ما يخبئه المستقبل لكرة القدم المذاعة عبر الراديو، خاصة أن الجيل الأصغر من عاشقي الساحرة المستديرة نشأ على اللقطات السريعة لأهداف المباريات المنتشرة عبر الهواتف المحمولة والآراء الفورية المنتشرة عبر «تويتر» والقنوات التلفزيونية الخاصة بالمشجعين وما إلى غير ذلك. ومع تبدل الأذواق على نحو يتواءم مع التوجهات السائدة حالياً على صعيد وسائل التواصل الاجتماعي، أصبحت مسألة مشاهدة مباراة بأكملها دون تشتت انتباه المرء باتجاه أي شيء آخر بمثابة تحدي غير هين. اليوم، يميل الصبية لتفضيل مشاهدة أبرز لحظات المباريات ومزيد من اللعب وقليل من التحليل.
من جهته، يعتبر مارك تشابمان، الإذاعي الذي عمل عبر وسائل إعلام متنوعة، من المدافعين المتحمسين عن السمات المتميزة التي يملكها الراديو. وأعرب عن اعتقاده بأن الراديو لا يزال وسيلة مهمة لاستيعاب كرة القدم، حتى في خضم عالمنا الحالي الذي تسيطر عليه الحركة السريعة. وقال: «لا أزال أؤكد أنه السبيل الأسرع للتعرف على الأهداف. أما التلفاز فمتأخر بعض الشيء. كما أننا بالتأكيد سنحصل على الخبر قبل تحديث تطبيق ما. في خضم هذا العالم السريع، لا يزال الراديو الوسيلة الأكثر فورية للحصول على المعلومات».
وأضاف: «إذا كانت هناك قصة صحافية كبرى، فإنه عندما تنظر لما يتعين فعله للشروع في تغطيتها تلفزيونياً، ستجد أن الأمر يستغرق وقتاً كبيراً مقارنة بالراديو الذي يمكن أن يتصل بشخص ما عبر الهاتف في غضون 10 ثوان ويبدأ التواصل بينه وبين المذيع على الفور. ورغم أن الراديو قائم بيننا منذ فترة أبعد مقارنة بالوسائط الأخرى، فإنه لا يزال يبدو عصري للغاية بالنسبة لي».
واستطرد موضحاً: «ثمة رغبة فورية في مشاهدة الهدف و(تويتر) وما إلى غير ذلك، لكن هناك مساحة للتعليق الحي على المباراة وللدخول في نقاشات. الفكرة الأساسية التي أود طرحها هنا أن الاستماع إلى إذاعة مباراة ما عبر الراديو ربما لا يكافئ مشاهدتها، لكن في بعض الجوانب ربما تكون تجربة الاستماع أفضل. ومع أن هذا الطرح قد يبدو غريباً للكثيرين، فإنني أؤكد أنه حال اعتمادك على فريق العمل الإذاعي المناسب، فإن بمقدورك خلق تجربة استمتاع بالمباراة أفضل كثيراً».
وأضاف: «سأطرح عليكم مثالاً: كنت أقود السيارة عائداً من مباراة ببطولة كأس الاتحاد الإنجليزي لكرة القدم في كوفنتري منذ قرابة أسبوعين، وفي ليلة الاثنين تلك كانت هناك مباراة ليلية بين برايتون وكريستال بالاس. وتألف فريق التعليق ببرنامج (5 لايف) من جوناثان بيرس وستيف كلاريدج، وبدت التجربة برمتها رائعة. ومع أنني لا أتذكر الكثير من أحداث الشوط الأول من المباراة، فإن الاستماع إلى الراديو كان في مجمله تجربة رائعة».
جدير بالذكر أن الأسبوع الحالي تمر ذكرى أول بث حي لمباراة كرة قدم عبر موجات الهواء. في 22 يناير (كانون الثاني) 1927، من داخل كوخ خشبي شيد في ملعب آرسنال بمنطقة هايبيري، وكانت المباراة بين آرسنال وشيفيلد يونايتد وجرت إذاعتها عبر محطة «بي بي سي». اللافت أن ثمة جدالا امتد لفترة ليست بالقصيرة حول استصدار تصريح بالبث الإذاعي لمباريات كرة القدم من داخل الملاعب، وذلك لخشية السلطات من تأثير البث الإذاعي على معدلات حضور المباريات ومبيعات التذاكر. أما أول معلق على مباريات كرة القدم فكان يدعى هنري بليث ثورنهيل ويكلام - لاعب كرة رغبي سابق.
وشدد تشابمان من جديد على عشقه لتجربة الاستماع لمباريات كرة القدم عبر الراديو، قائلاً: «ليس هناك أكثر إمتاعاً من بين جميع الوظائف التي اضطلع بها من قولي: (إنها الخامسة، تستمعون الآن إلى «5 لايف» وهذا التقرير الرياضي). وكما تعرفون هناك مليونا شخص في السيارات يكونون في طريق عودتهم من مباريات وعلى أتم استعداد للإنصات لعناوين الأخبار الرياضية».



نقابة الصحافيين المصرية تتضامن مع أعضائها ضد حسام حسن

حسام حسن وإبراهيم حسن (الاتحاد المصري لكرة القدم)
حسام حسن وإبراهيم حسن (الاتحاد المصري لكرة القدم)
TT

نقابة الصحافيين المصرية تتضامن مع أعضائها ضد حسام حسن

حسام حسن وإبراهيم حسن (الاتحاد المصري لكرة القدم)
حسام حسن وإبراهيم حسن (الاتحاد المصري لكرة القدم)

أعلنت «نقابة الصحفيين» المصرية تضامنها مع أعضائها الذين قدم ضدهم المدير الفني لمنتخب مصر لكرة القدم، حسام حسن، ومدير المنتخب إبراهيم حسن بلاغات تتضمن اتهامات بنشر أخبار كاذبة و«تحريض الجماهير» على خلفية تناول 3 من النقاد الرياضيين أداء المنتخب خلال الفترة الماضية.

وأعربت «نقابة الصحفيين» المصرية أنها تتابع ببالغ الاستياء ما تم تداوله بشأن قيام الكابتن حسام حسن (المدير الفني للمنتخب الوطني) والكابتن إبراهيم حسن (مدير المنتخب) بتقديم بلاغات ضد الزملاء: أبو المعاطي زكي، وأحمد عبد الباسط، ومحمد المهدي، وذلك على خلفية نشرهم أخباراً ومعلومات تخص الشأن الرياضي.

وأكدت النقابة في بيان نشره النقيب خالد البلشي على صفحته بموقع «فيسبوك» تضامنها الكامل مع الزملاء، وتمسكها بحقهم في ممارسة عملهم الصحافي بحرية ومسؤولية، وأنها تُدين هذه الممارسات التي من شأنها تصعيد الأزمة، وتحويل الخلاف المهني إلى نزاع قانوني.

«نقابة الصحفيين» المصرية (فيسبوك)

وشددت النقابة على أن «النقد الرياضي ليس جريمة، بل هو حق أصيل، وأن تقييم أداء الأجهزة الفنية والقرارات المتعلقة بالمنتخبات الوطنية جزء من الدور، الذي تضطلع به الصحافة الرياضية، مع الالتزام بأصول المهنة ومواثيقها» وأكد البيان أن ما يقوم به الصحافيون الرياضيون هو جزء أصيل من العمل الصحافي، وهم أحد أعمدة الرياضة المصرية، وقد كانوا دائماً السند الحقيقي للمنتخبات الوطنية في مختلف المحافل.

وعدَّت النقابة تقديم بلاغات ضد أعضائها الثلاثة بسبب نشر أخبار أو آراء نقدية، حتى إن كانت مخالفة للرأي العام، أو لوجهة نظر الأجهزة الفنية، يمثل خروجاً عن السياق العام للعلاقة بين الجهاز الفني للمنتخب، والصحافة الرياضية. ولفتت إلى أن القانون ومواثيق الشرف الصحافي تؤكد أن الأصل في التعامل مع أي خلاف مهني هو «حق الرد»، وليس اللجوء الفوري للتقاضي.

وأضافت النقابة أن الأولى بحسام وإبراهيم حسن، إذا كان لديهما اعتراض على ما نُشر أو أُذيع، أن يقدما روايتهما والحقائق التي يستندان إليها، أو يتقدما بشكوى إلى «نقابة الصحفيين» بصفتها الجهة المهنية المعنية بفحص الشكاوى المتعلقة بالعمل الصحافي.

وليست هذه هي الواقعة الأولى التي يتقدم فيها حسام حسن وشقيقه إبراهيم حسن ببلاغات أو شكاوى ضد الصحافيين والإعلاميين؛ فقد سبق أن تقدما بشكاوى ضد إعلاميين بسبب تناول بعض التفاصيل الفنية المرتبطة بأداء المنتخب، وكان المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، برئاسة المهندس خالد عبد العزيز، قد قرر في أغسطس (آب ) الماضي حفظ الشكوى المقدمة من الكابتن حسام حسن، المدير الفني لمنتخب مصر، ضد بعض وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي، بشأن ما تضمنته من تناول لأخبار عدَّها تعدياً على حرمة حياته الخاصة، في واقعة مصوَّرة في مكان عام، ورأى المجلس تدخله ضد وسائل الإعلام في هذه الحالة يمثل مساساً بحرية الصحافة والإعلام المكفولة وفق الأطر القانونية والدستورية.

فيما قرر المجلس في سبتمبر (أيلول) الماضي، اتخاذ إجراءات حيال التناول الإعلامي المتعلق بالحياة الخاصة بأسرة الكابتن حسام حسن، المدير الفني للمنتخب الوطني.

حسام حسن خلال إحدى المباريات (الاتحاد المصري لكرة القدم)

وبينما يُبدي الناقد الرياضي المصري أسامة صقر اختلافه مع بيان النقابة، يفسر ذلك بأن المخالفات ليست مرتبطة بالصحافة والجرائد المقروءة وإنما ببرامج فضائية أو رقمية يطرح خلالها البعض وجهات نظرهم. وقال لـ«الشرق الأوسط»: «النقابة أصدرت بياناً لدعم زملائنا الصحافيين، وإذا كان هؤلاء الصحافيون اختاروا نشر الأخبار محل الجدل في برامجهم الفضائية التي يتكسبون منها، فلماذا لم يعبّروا عن رأيهم في جرائدهم أو مواقعهم الإلكترونية الصحافية؟».

وتابع أنه «يجب أن تكون هناك ضوابط لنشر الأخبار والمعلومات، وفي ظل الشد والجذب الذي يحدث لم نصل إلى أصل الموضوع؛ هل هذه الأخبار والمعلومات حقيقية أم كاذبة؟ يجب وضع آليات وضوابط لحسم هذه المسألة، فإن لم تكن لدى الصحافي أو الإعلامي معلومة كافية وموثقة ومؤكدة لا ينشرها، ونحن نرى حالياً المعركة الدائرة بين محمود الخطيب ومدحت شلبي للأسباب نفسها وهي عدم التيقن من حقيقة الخبر». فيما طلب الناقد الرياضي المصري، سعد صديق، من المدير الفني لمنتخب مصر حسام حسن، التنازل عن كل القضايا وفتح صفحة جديدة مع النقاد الرياضيين.

وقال لـ«الشرق الأوسط»: «أتمنى منه التركيز في مهمته مع منتخب مصر لأن اتهامه للزملاء قرار غير موفق وعليه أن يكون أكثر هدوءاً في تعاملاته، وأن يعمل على لمّ الشمل مع الإعلام وكذلك مع عدد من اللاعبين على رأسهم محمد الشناوي حارس مرمى نادي الأهلي».


هل تعود كأس أمم أفريقيا لنظام العامين؟

رئيس الاتحاد الأفريقي لكرة القدم «الكاف» باتريس موتسيبي ورئيس الـ«فيفا» جياني إنفانتينو يحييان الجماهير من المنصة الشرفية خلال بطولة كأس الأمم الأفريقية 4 يناير 2026 (أ.ب)
رئيس الاتحاد الأفريقي لكرة القدم «الكاف» باتريس موتسيبي ورئيس الـ«فيفا» جياني إنفانتينو يحييان الجماهير من المنصة الشرفية خلال بطولة كأس الأمم الأفريقية 4 يناير 2026 (أ.ب)
TT

هل تعود كأس أمم أفريقيا لنظام العامين؟

رئيس الاتحاد الأفريقي لكرة القدم «الكاف» باتريس موتسيبي ورئيس الـ«فيفا» جياني إنفانتينو يحييان الجماهير من المنصة الشرفية خلال بطولة كأس الأمم الأفريقية 4 يناير 2026 (أ.ب)
رئيس الاتحاد الأفريقي لكرة القدم «الكاف» باتريس موتسيبي ورئيس الـ«فيفا» جياني إنفانتينو يحييان الجماهير من المنصة الشرفية خلال بطولة كأس الأمم الأفريقية 4 يناير 2026 (أ.ب)

لم يكد الحِبر الذي كُتب به قرار تحويل بطولة كأس الأمم الأفريقية إلى نظام السنوات الأربع يجفّ حتى خرج رئيس «الكاف» باتريس موتسيبي ليفجّر مفاجأة من العيار الثقيل، مُعلناً رغبة «الاتحاد» في التراجع والعودة إلى النظام التقليدي التاريخي: إقامة البطولة كل عامين.

هذا التحول الدراماتيكي يعكس صراعاً مكتوماً بين الرغبة في الحفاظ على الهوية الأفريقية الشعبية، والضغوط المالية والروزنامات الدولية التي تفرضها الأندية الأوروبية والاتحاد الدولي «فيفا».

أبعاد القرار... زلزال في الرأس الأخضر يخلط أوراق الأجندة الدولية

تأتي تصريحات موتسيبي، التي أطلقها، اليوم الجمعة، خلال «المؤتمر الاستراتيجي للاتحاد الأفريقي لكرة القدم» بجزيرة «سال» في الرأس الأخضر، بحضور رئيس الـ«فيفا» جياني إنفانتينو، ونخبة من خبراء اللعبة، لتؤكد أن القرار القارّي ليس مجرد تنظيم مواعيد، بل هو مسألة استراتيجية ترتبط بمداخيل الاتحادات الوطنية التي تعتمد على هذه البطولة كمصدر تمويل رئيسي لتطوير اللعبة والمنشآت.

ويبدو أن التراجع السريع نحو نظام العامين يكشف عن مراجعة عميقة للتوجه السابق للاتحاد الأفريقي، إذ كان الهدف من ذلك التغيير استيعاب نظام جديد لإقامة بطولة دوري الأمم الأفريقية سنوياً لتملأ الأجندة الدولية، وهو ما قال موتسيبي حينها إنه سيكون أكثر ربحية للمؤسسة القارية والاتحادات التابعة لها. فالتفكير في إلغاء نظام السنوات الأربع يوضح أن «الكاف» استشعر خطورة غياب «الكان» لفترات طويلة على الشغف الجماهيري والقيمة التسويقية للمسابقة القارية الأولى، مفضلاً التمسك بخصوصية قارتهم وعدم التنازل عن إرثهم الكُروي تلبية لرغبات أندية القارة العجوز.

رئيس «الكاف» باتريس موتسيبي يتابع قمة صن داونز والأهلي المصري من مدرجات ملعب «لوفتوس فيرسفيلد» بجنوب أفريقيا 19 سبتمبر 2026 (رويترز)

تاريخ البطولة... من 3 منتخبات في الخرطوم إلى قمة التنافس القاري

لفهم عمق هذا الإرث، يجب العودة بالذاكرة إلى شتاء عام 1957، حين انطلقت الشرارة الأولى للبطولة في العاصمة السودانية الخرطوم بمشاركة 3 منتخبات فقط هي مصر، والسودان، وإثيوبيا، عقب تأسيس الاتحاد الأفريقي.

ومنذ تلك النسخة التي تُوّج الفراعنة بلقبها الأول، تحولت البطولة إلى تظاهرة ثقافية ورياضية تُعبر عن استقلال الشعوب الأفريقية وتماسكها القاري، حيث استمرت تلعب بانتظام شديد كل عامين، مقدمةً للعالم أساطير كُروية حفرت أسماءها في السجلات العالمية.

وطوال عقود، صمد هذا الموعد الثابت أمام كل التحديات السياسية والاقتصادية، ليصبح بمثابة «الأولمبياد الأفريقي»، الذي لا يمكن لعشاق الساحرة المستديرة في القارة العيش من دونه.

خريطة الأبطال والدول المشارِكة... صراع العمالقة على عرش السمراء

عبر تاريخها الطويل، شهدت البطولة تحولات جذرية في عدد الدول المشارِكة، إذ قفز العدد من 3 منتخبات ليصبح 8 في السبعينيات، ثم 12، و16، وصولاً إلى النظام الحالي الذي يضم 24 منتخباً يتنافسون في نهائيات شرسة تقام على ملاعب القارة.

وتتربع مصر على عرش الأرقام القياسية كأكثر الدول فوزاً باللقب برصيد 7 كؤوس، يليه منتخب الكاميرون «الأسود غير المروَّضة» بـ5 ألقاب، ثم غانا بـ4 ألقاب، وتأتي نيجيريا وساحل العاج في المراتب التالية بـ3 ألقاب لكل منهما، في خريطة تنافسية تعكس تقلب موازين القوى الرياضية بين شمال القارة وغربها ووسطها.

لوائح وقوانين اللعبة... تطور تنظيمي يواكب معايير الاحتراف العالمي

لم يقتصر التطور على عدد المنتخبات، بل امتد إلى القوانين المنظِّمة وتوقيتات المسابقة، فبعد عقود من إقامة البطولة في شهريْ يناير (كانون الثاني) وفبراير (شباط) وسط الموسم الكُروي الأوروبي، مما كان يثير أزمات حادة مع الأندية الكبرى التي تضم النجوم الأفارقة، اتجه «الكاف»، في السنوات الأخيرة، إلى ترحيل البطولة لتقام في فصل الصيف تماشياً مع الأجندة الدولية، وإن كانت بعض النسخ تعود للشتوية لظروف الطقس الاستوائي.

وتخضع المسابقة راهناً لأحدث قوانين الاتحاد الدولي، بما في ذلك تطبيق تقنية الفيديو المساعد «VAR» منذ الأدوار الأولى، ونظام المجموعات الست التي يتأهل منها المتصدر والوصيف وأفضل أربعة ثوالث إلى دور الستة عشر، وهي حزمة من القوانين التي نقلت «الكان» من العشوائية التاريخية إلى قمة الاحترافية التنظيمية العالمية.


لندن تستضيف «أسبوع القادة الرياضي»... وعيون صناع القرار تتجه نحو استراتيجيات «السيادي السعودي»

جانب من فعاليات أسبوع القادة الرياضي في لندن (الشرق الأوسط)
جانب من فعاليات أسبوع القادة الرياضي في لندن (الشرق الأوسط)
TT

لندن تستضيف «أسبوع القادة الرياضي»... وعيون صناع القرار تتجه نحو استراتيجيات «السيادي السعودي»

جانب من فعاليات أسبوع القادة الرياضي في لندن (الشرق الأوسط)
جانب من فعاليات أسبوع القادة الرياضي في لندن (الشرق الأوسط)

انطلقت في العاصمة البريطانية لندن، أعمال قمة «أسبوع القادة الرياضي» (Leaders Week London) الممتدة على مدار يومين في معقل نادي تشيلسي الإنجليزي «ستامفورد بريدج»، وسط حضور استثنائي يضم أكثر من 100 متحدث من كبار الرؤساء التنفيذيين والمستثمرين وصناع القرار في قطاع الرياضة والأعمال حول العالم.

وتأتي نسخة هذا العام لتناقش ملفات ساخنة تُعيد رسم خريطة الاقتصاد الرياضي العالمي، وفي مقدمتها تدفقات رؤوس الأموال الجريئة، والتحولات الرقمية المدفوعة بالذكاء الاصطناعي، بجانب القفزات التجارية غير المسبوقة التي تشهدها الرياضة النسائية.

ثقل سعودي في المشهد الرياضي الدولي

وتتجه أنظار المراقبين والمشاركين في القمة نحو المشاركة السعودية الحيوية، التي تجسد العمق الاستراتيجي للمملكة كقوة تحولية في صناعة الرياضة العالمية. ويبرز اسم صندوق الاستثمارات العامة (PIF) كأحد أهم محاور النقاش في أروقة القمة، نظراً للدور المحوري الذي يلعبه الصندوق في صياغة نماذج استثمارية مستدامة عابرة للقارات.

وتأتي هذه المشاركة في وقت نجحت فيه الرياضة السعودية في فرض نفسها كمركز جذب رئيسي للأحداث الرياضية الكبرى عالمياً، تماشياً مع مستهدفات «رؤية السعودية 2030» التي وضعت القطاع الرياضي كأحد الروافد الأساسية لتنويع الاقتصاد، وبناء الشراكات الدولية، وتعزيز جودة الحياة.

إعادة تعريف «اقتصاد الرياضة» والاستثمار الجريء

وتشهد جلسات القمة نقاشات موسعة حول صعود صناديق الثروة السيادية ومجموعات الملكية الخاصة، حيث يستعرض قادة قطاع المال والرياضة آليات تقييم الأندية والبطولات وتطوير البنية التحتية للمسابقات.

ويرى خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط» أن النموذج السعودي في الاستثمار الرياضي، والقائم على الموازنة بين الاستحواذات الدولية النوعية وتطوير المواهب المحلية، بات يشكل مرجعية دراسية في كيفية تحويل الرياضة من مجرد نشاط ترفيهي إلى قطاع اقتصادي منتج ومستدام.

الذكاء الاصطناعي ومستقبل البث الرقمي

المحور التقني لم يغب عن الأجندة؛ حيث تفرد القمة مساحات واسعة لبحث دمج الذكاء الاصطناعي في تحليل الأداء الرياضي وتخصيص تجربة المشجعين. وتناقش الجلسات كيف يمكن للأندية والاتحادات الكبرى الاستفادة من البيانات الضخمة لتعزيز الإيرادات التجارية وتطوير البث الرقمي عبر منصات العرض المباشر للمستهلك (DTC)، وهي خطوة تسعى من خلالها المؤسسات الرياضية إلى جذب الأجيال الجديدة التي باتت تفضل المحتوى الرقمي التفاعلي والقصير على حساب البث التلفزيوني التقليدي.

استدامة مالية ونمو تاريخي للرياضة النسائية

وفي سياق متصل، تسلط القمة الضوء على «الانفجار التجاري» للرياضة النسائية، وميلاد عهد جديد يعتمد على فصل الحقوق التجارية والرعايات للأندية النسائية عن فرق الرجال. ويبحث المجتمعون سبل الحفاظ على وتيرة هذا النمو التاريخي، وتطوير البنى التحتية الإدارية والفنية لتواكب القيمة السوقية المتصاعدة للبطولات النسائية حول العالم.

وتختتم القمة أعمالها ببحث التوسع الجغرافي للمسابقات الكبرى، وبناء الشراكات العابرة للحدود، في وقت يجمع فيه خبراء المال والرياضة على أن لغة الاستثمار الرياضي باتت المحرك الأساسي للدبلوماسية الناعمة وبناء الجسور الاقتصاديّة بين شرق العالم وغربه.