ماكرون يعيد فرنسا قائدة للإصلاح... داعياً لـ«ميثاق عالمي جديد»

ميركل تحذر من الحمائية... والصين تؤكد التزامها التبادل الحر

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون خلال إلقاء كلمته أمام المنتدى الاقتصادي العالمي أمس (أ.ف.ب)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون خلال إلقاء كلمته أمام المنتدى الاقتصادي العالمي أمس (أ.ف.ب)
TT

ماكرون يعيد فرنسا قائدة للإصلاح... داعياً لـ«ميثاق عالمي جديد»

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون خلال إلقاء كلمته أمام المنتدى الاقتصادي العالمي أمس (أ.ف.ب)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون خلال إلقاء كلمته أمام المنتدى الاقتصادي العالمي أمس (أ.ف.ب)

بمزحة استهدفت الرئيس الأميركي دونالد ترمب دون تسميته، استهل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أمس كلمته أمام جموع «دافوس» الرافضة للمد الحمائي الذي تشهده الساحة الاقتصادية العالمية، الداعمة لنظام تجاري عادل وعولمة شاملة للجميع.
وقال ماكرون مازحاً، مخاطباً مؤسس المنتدى الاقتصادي العالمي كلاوس شواب: «نتحدث عن العولمة في مكان معزول عن العالم بسبب الثلوج. يصعب الإيمان هنا بتغير المناخ، وأنتم لم تدعوا أي مشكِّك في الاحتباس الحراري هذه السنة». بهذا الانتقاد المبطن لنظيره الأميركي، أكد ماكرون العزم الأوروبي الراسخ للحفاظ على الأهداف الدولية التي وضعتها اتفاقية باريس، رغم إعلان واشنطن انسحابها.
ووضعت كلمة ماكرون، التي تجاوزت الساعة وألقاها باللغتين الفرنسية والإنجليزية تماشياً مع روح المؤتمر، الالتزامات المناخية، في إطار العولمة الواسع والعمل الدولي متعدد الأقطاب، مهاجماً انسحاب بعض الدول من اتفاقات التجارة الحرة واعتمادها سياسات حمائية ذات أثر سلبي على المدى الطويل.
ولعلّ الأبرز في كلمة ماكرون كان إعادة بلاده إلى قيادة الساحة الأوروبية، بل الدولية، التي جسدها في ثلاث كلمات هي «فرنسا قد عادت». وبهذه الروح الحماسية التي استقبلها مئات الحاضرين بترحيب حارّ، أعلن ماكرون عن خطة وطنية من خمسة محاور لاستعادة قوة بلاده الاقتصادية، هي الاستثمار في القدرات البشرية عبر الاستثمار في التعليم والمهارات، ثانياً الاستثمار في الابتكار والمشاريع الاقتصادية الجريئة رغم هامش خطرها المرتفع، ثالثاً اعتماد سياسة اقتصادية مرنة، رابعاً تحويل فرنسا إلى مثال في مكافحة التغير المناخي وزيادة جاذبية المشاريع المرتبطة به، معلناً إغلاق جميع محطات توليد الطاقة القائمة على الفحم، وخامساً التغيير الثقافي الإيجابي عبر تخفيف الضوابط البيروقراطية.
وعلى الصعيد الأوروبي، اقترح ماكرون وضع استراتيجية مشتركة تُنفّذ خلال عشر سنوات «تمنح للمواطنين رؤية مستقبلية»، معتبراً أن الاتحاد الأوروبي يحمل على عاتقه مسؤولية تحقيق التوازن مع الصين والولايات المتحدة.
وقال الرئيس الشاب إن الاتحاد يقوم على مبدأَيْ الحريات والعدالة، اللذين يميزانه عن بقية القوى العظمى. وتابع أن «أمام أوروبا عشر سنوات لتصبح قوة خضراء وعلمية وسياسية».
وعلى الساحة الدولية، شدّد ماكرون، كما كان متوقَّعاً، على أهمية الحفاظ على مكتسبات العولمة وإصلاحها باتجاه تقسيم عادل للفرص بين الأقلية الثرية، والطبقتين المتوسطة والعاملة، داعياً إلى صياغة العولمة على نحو أكثر عدالة، عبر «ميثاق عالمي جديد». واعتبر أن دول العالم، وفرنسا في مقدمتها، تعاني من التحديات نفسها، وهي بالتالي عاجزة عن تجاوزها دون تنسيق خطة مشتركة. وقال الرئيس: «قبل أشهر قليلة، كنت أواجه حزباً شعبوياً، لأن المواطنين في بلدي كانوا يفتقدون إلى الفهم الصحيح للعولمة. بعضهم يعتقد أن الحل يكمن في الانسحاب منها».
وشدد على أن «مسؤوليتي هي بناء دولة مزدهرة ومنفتحة، ودعم والدفاع عمَّن هُمّشوا». وتحقيق ذلك يمر وفق ماكرون عبر تعزيز تنافسية فرنسا لتمويل نظام عادل، فضلاً عن العمل في إطار كتلة أوروبية متماسكة وقوية.
وجاء خطاب ماكرون داعماً ومكمّلاً لكلمة المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، التي حذرت بدورها من أن «الحمائية» ليست الحل لمشكلات العالم. وقالت المستشارة الألمانية في خطابها أمام المنتدى: «نعتقد أن عزل أنفسنا لن يقودنا إلى مستقبل جيد (...)، إذا كنا نظن أن الأمور ليس عادلة، وأن الآليات ليست متبادلة، فعلينا إيجاد حلول متعددة الأطراف وليست أحادية الجانب».
وتابعت ميركل التي تواجه مفاوضات صعبة لتشكيل حكومة ائتلافية إن «الشعبوية بمثابة سُمّ».
من جانبها، دعت الصين التي برز رئيسها شي جينبينغ، العام الماضي، كمدافع قوي على العولمة، إلى تعزيز التبادل الحر، تزامناً مع مساعي الولايات المتحدة تهدئة مخاوف العالم إزاء شعار الرئيس دونالد ترمب «أميركا أولاً». وجاء ذلك قبل وصول الرئيس الأميركي لإلقاء خطابه، الجمعة، بعدما أغضب الصين وكوريا الجنوبية أخيراً بفرضه رسوماً جمركية جديدة على الألواح الشمسية والغسالات كبيرة الحجم.
وأكد ليو هي المستشار الاقتصادي للرئيس الصيني شي جينبينغ، أن بلاده تعتزم إجراء إصلاحات إضافية لتحقيق المزيد من الانفتاح. وتابع مهندس السياسة الاقتصادية الصينية: «نرفض كل أشكال الحمائية (...) الانفتاح أساسي ليس فقط للصين بل للعالم أجمع». وأضاف أن بكين «ستتبنى تدابير إضافية» للتوصل إلى مزيد من الانفتاح وجعل اقتصادها أقرب من المستثمرين الدوليين، واعداً بـ«تدابير تفوق توقعات العالم».
وفي حين يحبس الحاضرون في دافوس أنفاسهم في انتظار خطاب الرئيس الأميركي الذي يريد الدفاع عن برنامجه «أميركا أولاً» في مواجهة الدعوات إلى العولمة والتبادل الحر، أفاد كبار المسؤولين الأميركيين بأن مشاركة ترمب تهدف إلى الدفاع عن المصالح الأميركية مع الترويج في الوقت نفسه للشراكات الدولية.
وقال وزير الخزانة الأميركي ستيفن منوتشين للصحافيين خلال اجتماع رؤساء لحكومات وكبار رجال الأعمال والناشطين والمشاهير: «(أميركا أولاً) تعني العمل مع باقي العالم».
وأضاف أن شعار سيد البيت الأبيض «يعني فقط أن الرئيس ترمب يدافع عن المصالح الأميركية كما يفعل أي زعيم آخر». في المقابل، دافع وزير التجارة الأميركي ويلبر روس بشدة عن الرسوم الجمركية التي أعلنها، الاثنين، مؤكداً أنه لا يمكن لواشنطن أن تتوانى عن اتخاذ إجراءات بحق الدول التي تخالف القواعد. وقال روس: «الحروب التجارية تُخاض كل يوم (...) وللأسف، في كل يوم هناك جهات متعددة تنتهك القواعد وتحاول الاستغلال بشكل غير عادل».
إلى ذلك، اعتبر روس أن «فرص» إعادة التفاوض حول اتفاقية التبادل الحر في أميركا الشمالية (نافتا) كبيرة مذكراً بالشرط الضروري، وهو تلبية مطالب الرئيس. وقال روس لقناة «سي إن بي سي» الأميركية خلال المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس: «أعتقد أن الجميع يفضل اتفاقاً مرضياً للأطراف الثلاثة (الولايات المتحدة وكندا والمكسيك)، لكن الرئيس كان واضحاً بشأن رفضه للاتفاق في حال لم يَرُق له».
من جهته، قال وزير المال المكسيكي خوسيه أنطونيو غونزاليس لقناة «سي إن بي سي» في دافوس إن «السيناريو الرئيسي هو أن تفضي المفاوضات إلى اتفاق جيد». وأضاف: «نعتقد أن التجارة جيدة لبلداننا الثلاثة».
وتأتي هذه التصريحات فيما تُستأنف الجولة السادسة من المباحثات الثلاثاء في مونتريال. وأقر ترمب شخصيا الثلاثاء بأنها تحرز تقدماً «جيداً».
وفي حين ترفض نخبة عالم الأعمال في دافوس فَرض الرسوم التجارية، رحبت وفود عدة بإصلاحات ترمب الضريبية المثيرة للجدل، التي خفضت معدل الضرائب على الشركات في الولايات المتحدة إلى 21 في المائة، وهي نسبة أقل بكثير من المعتَمَد في كثير من الدول الأوروبية، كما نقلت وكالة الصحافة الفرنسية.
في سياق آخر، دافع ملك إسبانيا فيليبي السادس، أمس، في كلمة أمام المنتدى عن صورة بلاده في أوج أزمة كاتالونيا، محذراً في الوقت نفسه من أن «الخلافات السياسية» يجب أن تُحل في إطار الدستور، فيما أكد وزير التجارة الدولية البريطاني ليام فوكس أن اجتماعات دافوس هي الفرصة المثالية من أجل عرض وجهة نظر لندن. وقال لوكالة الصحافة الفرنسية إن «هناك رغبة قوية للقيام بأعمال تجارية في بريطانيا، فمن لا يريد الوصول إلى خامس أكبر اقتصاد في العالم؟».
ولم يقف تحدي ترمب عند النخب المجتمعة في دافوس، حيث احتشد أكثر من ألف متظاهر في وسط زيوريخ احتجاجاً على زيارة الرئيس الأميركي.
وهتف المتظاهرون «ترمب غير مرحب به»، و«سويسرا تستضيف نازيين». وانضم إلى المظاهرة ناشطون ضد العولمة ومدافعون عن البيئة.



هل تنجح «القوى المتوسطة» في التحوّل إلى «عملاق ثالث» ينقذ العالم؟

جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
TT

هل تنجح «القوى المتوسطة» في التحوّل إلى «عملاق ثالث» ينقذ العالم؟

جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)

للمرة الأولى منذ عام 1945، تتقارب الولايات المتحدة والصين وروسيا حول مفهوم سلطوي للسيادة يعتمد على القوة المجردة أكثر مما يعتمد على القانون الدولي. غير أن التاريخ يثبت أن تقسيم العالم إلى كتل متنافسة يقود إلى الصراع أكثر مما يقود إلى الاستقرار.

وفي خضم ما يحصل في الكرة الأرضية من حروب وأزمات، تتلبَّد غيوم التخوُّف من الأسوأ، خصوصاً أنه لا ضوابط حقيقية على السلاح النووي، ولا عقلانية ظاهرة تطمئن الناس إلى أن الكارثة لن تقع.

مع التسليم بأن النظام العالمي يشهد تغيّراً جذرياً إلى درجة الزوال وولادة نظام آخر لا نعرف الآن شكله ومضمونه، ومع الإقرار بأن الأمم المتحدة فشلت في إدارة النظام المتداعي وحمايته ومعالجة سقمه، بالإضافة إلى تضاؤل احتمال وصول القوتين العظميين - الولايات المتحدة والصين - إلى تفاهم بسبب اختلاف الثقافة والنهج والمصالح، يجدر السؤال عن الجهة التي يمكن أن ترسي نوعاً من الاستقرار والعودة إلى عالم متعدد الأطراف يكون التفاهم والتعاون قاعدته الصلبة التي تمنع نشوب النزاعات واندلاع الحروب، أو على الأقل تجترح آليات لحصرها وإنهائها.

في هذه اللحظة الحرجة من الاضطراب العالمي، نتذكر أن هناك دولاً متوسطة ووسطية في مختلف القارات، تملك الخبرة والرؤية لإعادة القطار إلى السكة السليمة. ويقول المنطق والواجب إن هذه القوى مرشحة لأن يكون لها تأثير في فرض الاستقرار العالمي وإدارة التحديات العابرة للحدود.

جنود من البحرية الصينية يلوحون بالأعلام وتبدو مجسَّمات لصواريخ مضادة للسفن خلال الاحتفال بذكرى تأسيس البحرية الصينية في تشينغداو بمقاطعة شاندونغ (أرشيفية - رويترز)

لا شك في أن المهمة كبيرة والصعاب التي تنطوي عليها كثيرة، فعالم متعدد الأطراف عماده التعاون يحتاج تطوره إلى وقت، وإلى تجاوز عقبات سيزرعها حتماً عملاقا الاقتصاد العالمي. يضاف إلى ذلك أن على القوى المتوسطة أن تتجاوز واقع عدم التجانس الذي يصل في مراحل ومواضع كثيرة إلى التنافر، كما حصل على سبيل المثال عندما خرجت بريطانيا من الاتحاد الأوروبي بعد مسلسل «درامي» حمل عنوان «بريكست».

التعريف والتصنيف وجوفاني بوتيرو

في التعريف، القوى المتوسطة هي دول تمارس نفوذاً وتضطلع بدور مهم في العلاقات الدولية، لكنها ليست قوى عظمى. وهي تمتلك قدرات معينة، مثل اقتصادات قوية، وتقنيات متقدمة، ونفوذ دبلوماسي، مما يسمح لها بالتأثير في الشؤون العالمية لتكون جسور تواصل بين القوى الكبرى وتتوسط في النزاعات وتعزّز التعاون في شؤون ملحّة، مثل الجوائح والتغيّر المناخي والأزمات الاقتصادية.

والواقع أن هذا التصنيف للدول غير حديث، بل كان المفكر الإيطالي جوفاني بوتيرو (1544 - 1617) أول من صنف الدول صغيرة ومتوسطة وكبيرة. ومعلوم أن الدول كيانات متحركة، فالدولة الصغيرة قد تتوسع وتنمو وتصير متوسطة أو كبيرة، كما أن العكس صحيح. وقد اكتسب المصطلح رواجاً بعد الحرب العالمية الثانية بفضل دبلوماسيين وأكاديميين من أستراليا وكندا كانوا يسعون إلى تحديد دور لبلديهما داخل الأمم المتحدة الناشئة حديثاً وغيرها من الهيئات المتعددة الأطراف. وفي الواقع، استحضر وزير الخارجية الأسترالي هربرت إيفات المصطلح عند تأسيس الأمم المتحدة في سان فرانسيسكو، للإشارة إلى الدول «التي، بحكم مواردها وموقعها الجغرافي، ستكون ذات أهمية رئيسية في الحفاظ على الأمن في مناطق مختلفة من العالم».

تجربة إطلاق صاروخ «ترايدنت» من غواصة أميركية قبالة سواحل كاليفورنيا (أرشيفية - رويترز)

ويقول غاريث إيفانز، وهو أيضاً وزير خارجية أسترالي سابق (1988 - 1996)، إن تصنيف القوى المتوسطة أسهل من خلال «صيغة النفي»، فهي ليست قوى عالمية قادرة على فرض إرادتها دولياً، أو حتى إقليمياً. لكنها، بخلاف القوى الصغيرة، تمتلك قدرات دبلوماسية وغيرها من الإمكانات الكافية لترك بصمتها في مجالات محددة، إضافة إلى سجل موثوق من القيادة الإبداعية والمثابرة في دفع الابتكار في السياسات العالمية. وإذا لم تكن هي التي تضع القواعد الأساسية للنظام الدولي، فهي أيضاً ليست مجرد دول تكتفي بتلقي هذه القواعد وتطبيقها بلا نقاش.

في عالم اليوم، الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة والصين، يمكن لهذا التصنيف من حيث المبدأ أن يشمل معظم الأعضاء الآخرين في مجموعة العشرين، على الرغم من تفاوت القدرات والإمكانات، وهو أمر جيد إذا دفع هذه القوى إلى التعاون من أجل التكامل وزيادة منسوب التأثير الإيجابي. أما الدول الأخرى في مجموعة العشرين فهي: روسيا، الأرجنتين، إندونيسيا، تركيا، المملكة العربية السعودية، بريطانيا، أستراليا، فرنسا، إيطاليا، البرازيل، ألمانيا، اليابان، جنوب أفريقيا، كندا، الهند، المكسيك، كوريا الجنوبية. ونلاحظ أن عدد هذه الدول 17 لأن العضو الثامن عشر هو الاتحاد الأوروبي. وفي عام 2023 انضم أيضاً الاتحاد الأفريقي كعضو دائم، مما جعل عدد الأعضاء فعلياً 21 عضواً، لكن الاسم بقي «مجموعة العشرين».

بالطبع هناك دول ضمن هذه المجموعة كانت عظمى ولا تزال تملك حق النقض (فيتو) في مجلس الأمن الدولي (روسيا، بريطانيا، فرنسا)، وأخرى تتطلع إلى صعود السلّم درجات في مقدمها الهند. غير أن هذا لا يلغي الواقع الحالي الذي يضع الولايات المتحدة والصين في خانة خاصة بالنظر إلى حجمَي اقتصاديهما (30.6 تريليون دولار و20 تريليون دولار على التوالي).

رئيس الوزراء الكندي مارك كارني يتحدث خلال زيارة للنرويج (أ.ف.ب)

البراغماتية لا تلغي الواجب

يجب التسليم بأن القوى المتوسطة تملك مصالحها وطموحاتها وتحالفاتها واصطفافاتها. وهذا من حقها. وهي في المقابل تدرك أن الواقع مرير ويجب القيام باللازم والواجب لتغييره خوفاً من أن تقتلع العواصف التي تتجمَّع نُذُرها في أفق قريب كل شيء. لذا من البراغماتية أن تعمل هذه القوى على حل المشكلات والأزمات وإعادة العالم إلى خط التعقُّل والتعاون، بدل ما نراه من سعي محموم لزعزعة الاستقرار في كل بقعة من بقاع العالم.

والأفضل حتماً أن تعمل هذه القوى بشكل جماعي بحيث يكون تأثيرها أكبر. وقد حصل تحرك في هذا الاتجاه عام 2008 عندما رُفع التمثيل في مجموعة العشرين إلى مستوى قادة الدول. غير أن الانقسام العمودي والأفقي في الكرة الأرضية بين شمال وجنوب وشرق وغرب أحبط الآمال في قيام عالم مستقرّ.

اليوم هناك فرصة جديدة لتآزر القوى المتوسطة لأن حلفاء الولايات المتحدة لم يعودوا ينظرون إليها بوصفها المدافع الأول عن الأمن الجماعي والتجارة الحرة وسيادة القانون. وفي المقابل، يثير صعود الصين الاقتصادي والسياسي قلق كثير من الدول التي صار ازدهارها يعتمد على «العملاق الأصفر».

وقد عبَّر رئيس الوزراء الكندي مارك كارني عن إدراك عميق للواقع عندما قال إن «القوى المتوسطة يجب أن تعمل معاً». ولا شك في أن هذا الرجل الضليع في عالم الاقتصاد والمال هو من الأقدر على التعامل مع الواقع العالمي، خصوصاً أنه اضطلع بمسؤوليات كبيرة على جانبي المحيط الأطلسي لأنه كان أول مواطن من دول الكومنولث من خارج بريطانيا يُعيَّن حاكماً لبنك إنجلترا (2013 - 2018) منذ إنشاء هذه المؤسسة في عام 1694.

جلسة عامة للقادة في قمة مجموعة العشرين بجوهانسبرغ في 23 نوفمبر 2025 (رويترز)

الدور الأوروبي

يمكن تصنيف كل الدول الأوروبية قوى متوسطة قادرة عل القيام بدور فاعل في ترتيب شؤون «البيت العالمي». غير أن اعتماد غالبية هذه الدول على الولايات المتحدة للدفاع عن أمنها وعلى الصين لإبقاء محركاتها الاقتصادية عاملة، يمنعها من أن تبادر للسير في الاتجاه المطلوب. والأمر نفسه ينطبق على كندا وأستراليا واليابان وكوريا الجنوبية. غير أن بقاء هذه القوى في زنزانة الخوف الأمني والقلق الاقتصادي سيضعفها أكثر ويعمّق حالة انعدام الوزن والاضطراب التي يعيشها العالم، وهو ما يُنبئ بالأسوأ في ظل سير «القطارين» الأميركي والصيني على خطّين متعارضين بما يحتّم حصول التصادم.

لذا يؤمَل أن يتحلى القادة بالشجاعة اللازمة لإحداث صدمة إيجابية تحيي الأمل بتجنُّب حرب عالمية ثالثة ستكون مدمِّرة بمختلف المقاييس، وتحدد الهدف الجماعي للأمم لئلا ينزلق النظام الدولي إلى حقبة من الفوضى والعنف والدمار. ولن يكون ذلك إلا بـ«تمرّد» القوى المتوسطة على القطبين الكبيرين، وإنشاء تحالفات جديدة وآليات تعاون قادرة على إحداث التغيير. أي يجب بمعنى آخر إيجاد «عملاق ثالث» يضم دولاً متآزرة ومتضامنة لئلا يقع المحذور.

لخَّص مارك كارني التخوف والقلق والمطلوب بقوله: «إذا لم نكن على الطاولة، سنكون على قائمة الطعام».


أكثر من 6 ملايين مسافر جواً تضرروا من الحرب ضد إيران

طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
TT

أكثر من 6 ملايين مسافر جواً تضرروا من الحرب ضد إيران

طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)

قدَّرت شركة متخصصة، الجمعة، أن أكثر من ستة ملايين مسافر جواً من الشرق الأوسط وإليه، أُلغيت رحلاتهم منذ بدء الحرب ضد إيران قبل أسبوعين.

وأفادت شركة «سيريوم»، التي تُصدر بيانات عن حركة النقل الجوي، بأن أكثر من 52 ألف رحلة جوية أُلغيت منذ بدء الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران في 28 فبراير (شباط) الماضي، واليوم الجمعة، من أصل أكثر من 98 ألف رحلة مُجدْوَلة.

وأضافت أنه استناداً إلى معدل إشغال الطائرات البالغ 80 في المائة ووجود 242 مقعداً في المتوسط على متن كل طائرة، «نُقدّر أن أكثر من ستة ملايين مسافر تأثروا، حتى الآن، بإلغاء رحلات»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وتردّ إيران على الهجوم بإطلاق صواريخ ومُسيّرات نحو بلدان عدة في المنطقة، خصوصاً في الخليج، ما أجبر هذه الدول على إغلاق مجالها الجوي. وبينما أعاد بعضها فتحه، لكن مطارات رئيسية في مدن مثل دبي والدوحة، لا تزال تعمل بقدرة منخفضة.

وأدى الشلل شِبه التام بهذه المرافق إلى فوضى عارمة في النقل الجوي العالمي، حيث وجد مسافرون أنفسهم عالقين، ولا سيما في آسيا.

وأعلنت شركات طيران أوروبية وآسيوية، تمتلك طائرات تُجري رحلات طويلة، زيادة رحلاتها المباشرة بين القارتين.

وتُعد الخطوط الجوية القَطرية الأكثر تضرراً من حيث جداول رحلاتها من الشرق الأوسط، حيث اضطرت لإلغاء نحو 93 في المائة منها، وفق «سيريوم».

أما «الاتحاد للطيران»، ومقرها في أبوظبي، فألغت 81.7 في المائة من رحلاتها، بينما ألغت شركة طيران الإمارات في دبي 56.5 في المائة فقط من رحلاتها المنطلقة من الإمارة.

وتنقل شركة «طيران الإمارات» عدد ركاب يفوق بكثيرٍ المعدل الإقليمي في كل رحلة. ويبلغ معدل عدد المسافرين على متن رحلاتها 407 مسافرين، مقابل 299 مسافراً للخطوط الجوية القطرية، و261 مسافراً لـ«الاتحاد للطيران»، وفقاً لـ«سيريوم».

وانخفض معدل إلغاء الرحلات في المنطقة، بعدما تجاوز 65 في المائة، خلال الفترة من 1 إلى 3 مارس (آذار)، إلى أقل من 50 في المائة هذا الأسبوع، ليصل إلى 46.5 في المائة، الخميس، وفق «سيريوم».


أميركا ستدافع أمام محكمة العدل الدولية عن إسرائيل المتهمة بالإبادة في غزة

قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
TT

أميركا ستدافع أمام محكمة العدل الدولية عن إسرائيل المتهمة بالإبادة في غزة

قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)

أعلنت محكمة العدل الدولية، الجمعة، أن الولايات المتحدة ستدافع أمامها عن حليفتها إسرائيل المتهمة بانتهاك اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية خلال حربها على قطاع غزة.

وقدّمت واشنطن ما يُعرف بـ«إعلان التوسط» إلى محكمة العدل الدولية، التي تنظر في القضية المرفوعة من جنوب أفريقيا ضد إسرائيل.

وأكدت واشنطن في الملف المقدم للمحكمة «بأشد العبارات الممكنة أن مزاعم (الإبادة الجماعية) الموجهة ضد إسرائيل باطلة».

وقالت الولايات المتحدة إن قضية جنوب أفريقيا هي الأحدث في سلسلة من «اتهامات باطلة بـ(الإبادة الجماعية) موجهة ضد إسرائيل» قالت إنها مستمرة منذ عقود.

وأضافت أن هذه الاتهامات تهدف إلى «نزع الشرعية عن دولة إسرائيل والشعب اليهودي، وتبرير أو تشجيع الإرهاب ضدهما»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ورفعت جنوب أفريقيا دعواها أمام محكمة العدل الدولية في ديسمبر (كانون الأول) 2023، معتبرة أن حرب غزة انتهكت اتفاقية الأمم المتحدة لمنع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها لعام 1948، وهو ما نفته إسرائيل بشدة.

وتقدمت أكثر من 12 دولة بطلبات للانضمام إلى القضية، ما يعني أنها ستعرض وجهات نظرها أمام المحكمة عند انعقادها، وهي عملية قد تستغرق سنوات.

وأبدت دول عدة نيتها الدفاع عن موقف جنوب أفريقيا ما يؤذن بمواجهة حاسمة في قصر السلام مقر المحكمة.

وأصدر قضاة محكمة العدل الدولية أحكاماً عاجلة في القضية من بينها أمر إسرائيل ببذل كل ما في وسعها لمنع الإبادة الجماعية في غزة والسماح بدخول المساعدات.

وفي حكم منفصل أكدت المحكمة أيضاً وجوب أن توفر إسرائيل «الاحتياجات الأساسية» للفلسطينيين للصمود.

وقرارات محكمة العدل الدولية، ومقرها لاهاي، ملزمة قانوناً لكن المحكمة لا تملك آلية لتنفيذها.

وتراجعت حدة القتال في غزة منذ اتفاق وقف إطلاق النار الذي توسطت فيه الولايات المتحدة في أكتوبر (تشرين الأول) بين إسرائيل وحركة «حماس»، رغم وقوع أعمال عنف متفرقة.