رسائل الحمائم والصقور تمهد الطريق أمام خطاب مفتوح الاحتمالات لترمب

دفاعٌ عن سياسات الإدارة وتعهدات بالتعاون لخير العالم

وزير الخزانة الأميركي ستيفن منوتشين قبيل توجهه إلى المؤتمر الصحافي في دافوس أمس (أ.ب)
وزير الخزانة الأميركي ستيفن منوتشين قبيل توجهه إلى المؤتمر الصحافي في دافوس أمس (أ.ب)
TT

رسائل الحمائم والصقور تمهد الطريق أمام خطاب مفتوح الاحتمالات لترمب

وزير الخزانة الأميركي ستيفن منوتشين قبيل توجهه إلى المؤتمر الصحافي في دافوس أمس (أ.ب)
وزير الخزانة الأميركي ستيفن منوتشين قبيل توجهه إلى المؤتمر الصحافي في دافوس أمس (أ.ب)

استباقا لحضور الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى المنتدى الاقتصادي العالمي في بلدة دافوس السويسرية، وخطابه المرتقب غدا الجمعة، ظهر مسؤولون أميركيون كبار في جلسات المنتدى أمس، وبينما سعى أحدهما لتليين الموقف الأميركي المناهض للحمائية الأميركية، مؤكدا أن سياسات بلاده تسعى لخير العالم أجمع، أكد الآخر أن بلاده ماضية بكل عزم في مواجهة كل من يخالف القواعد العادلة، دون النظر لأي رد فعل انتقامي.
وتأتي رسائل الحمائم والصقور في الإدارة الأميركية بعد ساعات قليلة من إعلان الولايات المتحدة عن فرض رسوم جمركية جديدة على عدد من الواردات الصينية، ما يهدد باشتعال معركة تجارية كبرى بين أكبر اقتصادين في العالم.
واجتمع أمس كل من وزير الخزانة الأميركي ستيفين منوتشين ووزير التجارة ويلبر روس، مع صحافيين في دافوس استباقا لزيارة الرئيس ترمب على رأس أكبر وفد أميركي يحضر إلى المنتدى على الإطلاق، ويضم قادة أعمال وسياسيين ونخبا، والذي من المتوقع أن يشهد استعراضا من الرئيس لتوجهاته الاقتصادية نحو العالم، وأيضا التباهي بالوضع الأميركي المزدهر، وذلك خلال إطلالته الأولى في دافوس... فيما كانت الزيارة تثير عددا من الاحتجاجات خارج مقرات المنتدى التي أعلن عدم ترحيبها بحضور حامل لواء «أميركا أولا» والسياسات الحمائية والإقصائية. وعلق منوتشين على الاحتجاجات المحدودة التي شهدتها زيوريخ وعدد من المدن في سويسرا قائلا: «لا داعي للقلق حول هذا الحشد... هدفنا هو أن نكون هنا للتفاعل مع نظرائنا المهمين»، مهمشاً دور هذه التجمعات في صناعة القرار العالمي.
وفي لهجة مهادنة، يؤكد منوتشين أن قوة أميركا الاقتصادية لها تأثير إيجابي على العالم، مضيفا: «لا نتحدث هنا عما يخص ما هو جيد للولايات المتحدة وحدها، ولكن ما هو جيد للعالم أجمع، وضعا في الاعتبار أننا أحد أكبر الشركاء التجاريين في العالم، وأحد أصحاب أكبر الفرص الاستثمارية حول العالم». وتابع: «نحن هنا لنتحدث ونتباحث عما قمنا به»، مشيرا إلى أن مشاركة الرئيس في المنتدى تهدف إلى تعزيز الشراكة بين أميركا والعالم، وقائلا إن شعار «أميركا أولا» الذي يتبناه ترمب يعني «العمل مع بقية العالم»، وأن بلاده «ملتزمة تماما» بالتبادل التجاري الدولي الحر والعادل.
ومن جهته، فإن روس، الذي ارتدى الثوب الأكثر حدة، لم يستبعد أن تفرض الصين إجراءات جمركية «انتقامية» على المنتجات الأميركية عقب قرار الإدارة هذا الأسبوع بفرض رسوم على بعض المنتجات المستوردة، على رأسها مكونات الطاقة الشمسية والغسالات الصينية.
وكانت الصين قد أعربت عن استيائها إزاء القرار، وانتقدت السياسات الحمائية المتكررة والمفرطة من جانب الولايات المتحدة. وقال وانغ هيغون، مدير مكتب تحقيقات تحرير التجارة الصيني، إن «القرار مضر بالتجارة العالمية» فيما دافع روبرت لايتزر، الممثل التجاري الأميركي عن القرار بالقول إن «هذه الرسوم جاءت وفقا لتقديرات المستشارين التجاريين للرئيس ترمب»، وإن القرار «يوضح مجددا أن إدارة ترمب ستدافع بكل السبل عن العمال والمزارعين والشركات الأميركية في هذا المجال».
وبالأمس، أوضح روس للصحافيين في دافوس أنه «حينما تقوم باتخاذ أي إجراء تجاري، فإن هناك دائما احتمالا للرد أو الانتقام... والأمر متروك للصينيين لاتخاذ قرارهم»، مهونا من الأمر بقوله: «الحروب التجارية تحدث وتخاض كل يوم... للأسف هناك أطراف مختلفة تحاول انتهاك القواعد أو الاستفادة بشكل غير عادل كل يوم، لكن الفارق الآن أن الولايات المتحدة تواجه ذلك بحسم».
وتعد تصريحات المسؤولين الأميركيين تمهيدا لكلمة ترمب المرتقبة يوم غد الجمعة في ختام فعاليات المنتدى الاقتصادي، والتي يثير مضمونها المرتقب حتى الآن فضولا واسعا للتكهن حول ما إذا كان الرئيس الأميركي سيواصل لهجته الهجومية ضد أكبر القوى الاقتصادية حول العالم، أم أنه سينتهج مسارا أكثر لينا ومحاولة للمواءمة... ولكن تصريحات المسؤولين الأميركيين فتحت الباب أكثر أمام الحيرة فيما يخص هذا التوجه.
ومن المرتقب أن يصل ترمب إلى دافوس اليوم الخميس، وبحسب الأجندة المعلنة فإنه سيلتقي كلاً من رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ورئيس رواندا بول كاجامي، والرئيس السويسري آلان بيرسيه على هامش المنتدى.
وبينما يقف عدد كبير من القادة ضد فكرة الحمائية، وعلى رأسهم الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون والمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، ودافع رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي عن العولمة في كلمته الافتتاحية، فإن رئيس الوزراء الإيطالي باولو جينتيلوني وضع أمس تعريفا فارقا بين الحمائية وبين العمل على مصلحة الدولة.
وشدد جينتيلوني على أن رغبة ترمب في تبنى شعار «أميركا أولا» تعد أمرا مشروعا، ولكن الحمائية ليست كذلك. وقال للصحافيين في دافوس، ردا على سؤال حول السياسات التجارية لترمب: «أعتبر ذلك أمرا مشروعا، أن أقول دولتي أولا، أستطيع أن أقول إيطاليا أولا لما لا».. لكنه أضاف: «ولكن في النهاية، ما نحتاجه، إذا أردنا تحقيق النمو الاقتصادي والرفاهية وحماية العاملين... فنحن في حاجة لتجارة حرة وأسواق حرة وليس حمائية».
وخارج قاعات المنتدى، نظم مناهضون للرأسمالية مسيرات بعدد من المدن السويسرية يوم الثلاثاء احتجاجا على زيارة ترمب، واخترقوا طوقا أمنيا في مدينة دافوس. ورفع المتظاهرون عاليا لافتات عليها شعارات مناوئة لترمب والمنتدى ومشاعل ملتهبة. ودعا المنظمون اليساريون للاحتجاجات تحت شعار «ترمب غير مرحب به» و«هشموا المنتدى الاقتصادي العالمي».
واقتحم نحو 20 متظاهرا السياج الأمني للوصول إلى مركز المؤتمرات في دافوس وهم يرفعون لافتات ويهتفون «امحوا المنتدى الاقتصادي العالمي» قبل أن تفرقهم الشرطة بشكل سلمي.
وقال أحد المحتجين ويدعى أليكس هدينغر لـ«رويترز»: «ترمب واحد من آخرين نختلف معهم. نحتج كل عام على المنتدى الاقتصادي العالمي وسواء جاء ترمب أو لم يأت لا يهمنا. ترمب هو أفضل رمز لهذا العالم». كما انتقدت تامارا فونيتشيلو، رئيسة اتحاد شباب الحزب الاشتراكي الديمقراطي، المنتدى... قائلة إنه «ليس بصانع للسلام بأي حال من الأحوال»، بحسب وكالة الأنباء الألمانية.
وجرى نشر أكثر من أربعة آلاف جندي سويسري لتأمين دافوس إضافة إلى ألف شرطي وفُرض حظر طيران في المكان. وكانت شرطة زيوريخ صرحت بتنظيم المسيرة، فيما رفضت سلطات منطقة غراوبوندن في وقت سابق تنظيم مظاهرة ضد المنتدى في منتجع دافوس، وعللت ذلك بأن هطول الجليد بشدة خلال الأيام الماضية أدى إلى عدم وجود مكان للمظاهرة في المنطقة الواقعة في جبال الألب.
وقالت الشرطة إن عدد المتظاهرين في زوريخ بلغ نحو ألفي شخص، وإنهم قد توجهوا إلى حي المال في المدينة. ونظم مئات المحتجين أيضا مسيرات في ساحات عامة في جنيف ولوزان وفرايبورغ.



مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
TT

مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)

كشف مصدر ‌باكستاني مشارِك ‌في ​المحادثات ‌لوكالة «رويترز»، ⁠اليوم (​السبت)، عن أن ⁠وزير الخارجية الإيراني، عباس ⁠عراقجي، ‌أبلغ ‌المسؤولين ​الباكستانيين ‌بمطالب ‌طهران في المفاوضات، ‌وكذلك تحفظاتها على المطالب ⁠الأميركية، ⁠وذلك خلال زيارته إلى إسلام آباد.

والتقى عراقجي، اليوم قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير، في ظلِّ مساعٍ متجددة لإحياء محادثات السلام المتوقفة بين الولايات المتحدة وإيران، وإعادة الجانبين إلى طاولة المفاوضات.

وقال مسؤولون إن وفداً إيرانياً برئاسة عراقجي التقى المشير عاصم منير، بحضور وزير الداخلية الباكستاني ومستشار الأمن القومي.

وأكدت مصادر أمنية باكستانية أن عراقجي جاء ومعه رد على المقترحات الأميركية التي تمَّ نقلها خلال زيارة منير لطهران، التي استمرَّت 3 أيام، الأسبوع الماضي.


إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
TT

إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)

بدت العاصمة الباكستانية إسلام آباد كأنها في إغلاق شبه تام صباح اليوم (السبت)، بعد ساعات من وصول وزير خارجية إيران عباس عراقجي، مع ترقب وصول الوفد الأميركي في وقت لاحق، في زيارة تحظى بمتابعة من كثب، فيما تحاول باكستان تخفيف التوترات بين الولايات المتحدة وإيران.

وعرقلت القيود الأمنية التي تستمر على مدى أسبوع، الحياة اليومية، حيث يواجه مئات الآلاف من السكان صعوبات في التنقل حتى لمسافات قصيرة.

وأصبحت نقاط التفتيش وإغلاق الطرق وتحويل حركة المرور مشاهد روتينية، لا سيما حول المناطق الحساسة.

وبدت الطرق الرئيسية التي عادة ما تكون مزدحمة والمؤدية إلى المطار والمنطقة الحمراء شديدة التحصين، شبه خالية في وقت مبكر من صباح اليوم (السبت)، حيث تم فرض قيود على الحركة بشكل صارم.

وانتشر الجنود والشرطة في تقاطعات رئيسية، بينما حلقت المروحيات في الأجواء.

وتم تشديد الإجراءات خلال الساعات الـ24 الماضية في ضواحي المدينة، حيث انتشرت قوات إضافية على طول طرق رئيسية مؤدية إلى المطار.

وشوهد جنود على أسطح المباني التي تطل على طرق رئيسية مؤدية إلى المطار، لا سيما القريبة منه، حيث وصل الوفد الإيراني في وقت متأخر من أمس (الجمعة).


بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
TT

بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)

«فضحت» التطوّرات الأخيرة في الشرق الأوسط، وما رافقها من صدمات جيوسياسية، ومتاعب اقتصادية، هشاشة البنية التي حكمت العلاقات الدولية لعقود. فالأزمات لم تعد منفصلة، أو قابلة للاحتواء بطرق تقليدية، بل أصبحت متداخلة على نحو يُنتج تداعيات متصلة، ومتسلسلة تتجاوز حدود الجغرافيا لتطال النظام العالمي بأسره. وفي هذا السياق، يتزايد الاعتقاد بأننا أمام مرحلة تفكّك لنظام حسبناه متعدد الأقطاب، وتمنّيناه متعدد الأطراف، وبداية حقبة يسودها مقدار أكبر من الاضطراب، وعدم الانتظام، وربما في وقت قريب فوضى شاملة.

في خضمّ هذا التحوّل، لا مفر من الحديث عن مفهوم «تعدّد الأقطاب» وتفسيره، فهل هو مجرّد إطار نظري لديناميكيات العلاقات الدولية، أم إنه أداة صالحة لتحقيق نظام دولي أكثر عدالة؟ والواقع أنّ غياب تعريف موحّد لهذا المفهوم، حتى بين الدول التي تتبنّاه، يدلّ على تباين عميق في الرؤى، والمصالح.

سفينة شحن في مضيق هرمز... ممر مائي مسرح لصراع آخر (رويترز)

فالولايات المتحدة التي احتلت طويلاً مقعد القطب الوحيد منذ انهيار الاتحاد السوفياتي في عام 1991 تنظر تقليدياً إلى تعدّد الأقطاب باعتباره تهديداً لمكانتها الاستراتيجية، في حين ترى فيه كلّ من روسيا والصين أداة لموازنة النفوذ الأميركي، مع اختلاف في النهج بين تحوّل سريع تسعى إليه موسكو، وتحوّل تدريجي تفضّل بكين سلوك دروبه. أما قوى أخرى، مثل الهند، والبرازيل، وجنوب أفريقيا، فترى في التعددية فرصة لتوسيع هامش حركتها في السياسة الخارجية، ولبناء تصوّرات إصلاحية للنظام الدولي من داخله.

في المقابل، تجد أوروبا نفسها أمام ضرورة إعادة تقييم هذا المفهوم بدل رفضه، أو اختزاله في كونه أداة لإضعاف النفوذ الأميركي، خصوصاً بعد التباينات، بل الخلافات، التي ظهرت بين ضفّتي المحيط الأطلسي في السنوات الأخيرة في شأن العلاقات التجارية، وبالطبع حرب أوكرانيا التي تجاوز عمرها أربع سنوات.

*بين النظريات والخطوات العملية

قد يشكّل تعدّد الأقطاب إطاراً مشتركاً لفهم التحوّلات الجارية واجتراح طرق للتعامل معها، لكنه في الوقت نفسه محمّل بشحنات سياسية، وأهداف اقتصادية متباينة، الأمر الذي يجعل مساراته ومآلاته محفوفة بالأخطار.

لذلك لا يكفي الانخراط في الجدل النظري، بل تبرز الحاجة إلى خطوات عملية لإصلاح النظام الدولي في مجالات حيوية كالتجارة، والصحة، والطاقة، والمناخ. كما ينبغي النظر إلى الرفض الواسع لأحادية القطب، والدعوات المتزايدة لقيام نظام عالمي تعدّدي كدلالة على الحاجة إلى إصلاحات عميقة تستدعي إطلاق آليات تفاوض جديدة بين الدول. غير أنّ تحقيق ذلك يتطلّب أولاً بلورة رؤية واضحة لمستقبل العالم، بما يمكّن من تحديد الشركاء المستعدّين للتعاون في بناء مؤسسات قادرة على التعامل مع عالم يتّسم بتعقيد غير مسبوق يعود في المقام الأول إلى تهافت المجتمعات الثرية على تكديس الثروات في مقابل كفاح المجتمعات الفقيرة للحصول على ما يتيح لها الاستمرار، وبين الفئتين تقف مجتمعات متوسطة عينُها على صعود السّلم في موازاة التخوّف من الانزلاق، والانضمام إلى الفئة الأدنى.

دمار في دنيبرو الأوكرانية بعد ضربة روسية... حرب مستمرة منذ أربعة أعوام (رويترز)

ولا يسعنا إلا أن نلاحظ أن صُنّاع القرار متوافقون على أنّ العالم يشهد تحوّلات متسارعة وعميقة مدفوعة في المقام الأول بتطوّر التكنولوجيا. غير أن الرؤى تختلف بشأن طبيعة المرحلة الراهنة: فبينما ترى بعض الدول أنّ العالم قد دخل بالفعل طور تعدّد الأقطاب، تفترض أخرى أنّه يتّجه تدريجياً نحو هذا الشكل، في حين تنظر أطرافٌ ثالثة إلى الوضع القائم باعتباره مرحلة انتقالية مفتوحة تتّسم بالغموض، وعدم الاستقرار. وبالتالي هناك خلافٌ آخر حول ما إذا كانت هذه التغيّرات تحمل في طيّاتها فرصاً إيجابية، أم تنذر بأخطار متزايدة، ومتعاظمة.

*مقاربات ورؤى

في هذا السياق توظّف كلٌّ من روسيا والصين مفهوم تعدّد الأقطاب أداة لتغيير المعادلات، وإعادة تشكيل موازين القوة العالمية، وتحدّي الهيمنة الأميركية. فالنخب السياسية في بكين ترى أنّ النظام الدولي يشهد انتقالاً تدريجياً من أحادية أميركية إلى عالم أكثر تعددية. ويُختصر هذا التصوّر في العبارة المتداولة داخل الخطاب الرسمي الصيني: «إنّ العالم يمرّ بتغيّرات عميقة لم يشهدها منذ قرن»، وهي مقولة باتت جزءاً من الإطار الفكري الذي يطبع صعود الصين كقوة عالمية. ويرتبط هذا التصوّر، من المنظور الصيني، بتراجع النفوذ الأميركي، وما يرافقه من فرص وتحدّيات يولّدها انتقال النظام الدولي نحو صيغة أكثر توازناً.

أما روسيا فتنظر إلى التحوّل الجاري بطريقة جذرية، إذ لا يقتصر في رؤيتها على نهاية «الاحتكار» الأميركي، بل يمتدّ ليشمل تآكل البنية الغربية برمّتها. وترى موسكو أنّ هذا المسار بدأ منذ نهاية الحرب الباردة مطلع تسعينات القرن الماضي، وتسارع مع صعود قوى كالصين، والهند، ما أدّى إلى إضعاف الهيمنة الأميركية، وفتح الطريق أمام نظام متعدد الأقطاب. وتؤكد موسكو أن رفض الغرب التحلّي بالواقعية، والتخلّي عن موقعه المهيمن يُعدّ عاملاً رئيساً في تفجّر النزاعات، والصراعات الدولية.

في المقابل، نادراً ما يظهر مصطلح تعدّد الأقطاب بوضوح في الخطاب الرسمي الأميركي، ففي واشنطن يُفضَّل الحديث عن «القيادة»، أو «الأسبقية» بدلاً من توصيف النظام العالمي بالأحادي. ورغم إقرار بعض المسؤولين الأميركيين بأنّ العالم يتّجه نحو مزيد من التعددية، فإنّ هذا التحوّل لم يُعالَج داخل الأطر الرسمية، بل ظلّ حاضراً بشكل متقطّع في النقاشات الأكاديمية، والمؤسسات البحثية.

نزوح وجوع في الصومال (أ.ف.ب)

في ضوء هذه الرؤى المتباينة، يتّضح أنّ العالم لا يشهد تحوّلاً في موازين القوة فحسب، بل يشهد أيضاً صراعاً على تفسير هذا التحوّل، وتحديد معناه. ومن هنا فإنّ مستقبل النظام الدولي لن يتوقّف على طبيعة هذه التغيّرات فحسب، بل على الطريقة التي تختار بها الدول فهمها، والتفاعل معها، في غياب السردية الواحدة، والمرجع الواحد.

*اللحظة الحاسمة

يعيش المجتمع البشري بملياراته الثمانية لحظة حاسمة. فالنظام الدولي الذي تشكّل عقب الحرب العالمية الثانية، والقائم على فكرة تحقيق السلام المستدام، يفقد تماسكه على نحو مطّرد.

لا يُنكر أحد أن بعض الدول سعت منذ العام 1945 إلى بناء منظومة دولية ترتكز على احترام القانون الدولي (المؤلّف من مجموعة معاهدات ومواثيق وأعراف ومبادئ عامة)، بهدف منع الحروب، والحدّ من تركّز السلطة والثروة في يد قلة. وكان هذا النظام، لو احتُرم، ليضمن قيام عالم تسوده العدالة والمساواة، وتُصان فيه الحقوق بدل أن تُنتهك.

والواقع أنّ السنوات الأخيرة، خصوصاً المرحلة الراهنة، تشير إلى تدهور متسارع: فلم يعد القانون الدولي يُنتهك فحسب، بل صار موضع تحدٍّ علني من قوى تسعى إلى المضيّ في تشكيل العالم وفق منطق الهيمنة المطلقة، والتوسّع اللامحدود. وتُظهر النزاعات الجارية، من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط، حجم الضغوط التي يتعرّض لها هذا الإطار القانوني، حتى باتت المؤسسات التي تجسّده مهدّدة بفقدان فاعليتها، بل علّة وجودها.

يثير هذا الواقع أسئلة جوهرية: لماذا أصبح القانون الدولي هدفاً مباشراً للهجوم؟ وما الذي تخشاه القوى الكبرى منه؟ ولماذا تزداد الحاجة إلى الدفاع عنه في هذه اللحظة بالذات؟

جفاف في ولاية كولورادو الأميركية (أ.ب)

الجواب واضح: القانون الدولي يشكّل قيداً على منطق القوة المجردة؛ فهو يضع حدوداً للتوسّع، ويمنع الاستحواذ غير المشروع على الموارد، ويمنح أدوات للمساءلة، حتى وإن كانت غير مكتملة، أو متفاوتة التطبيق.

على الرغم من ذلك، يمكن القول إن القانون الدولي لا يزال حيّاً، بل إنه لم يكن قَطّ حاضراً في النقاشات العالمية كما هو اليوم. ففي «حضرة» كل المآسي والانتهاكات، تعلو الأصوات المطالبة باحترام القانون الدولي، ولا سيما الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي صدر عام 1948. فالمطلوب بإلحاح بثّ الروح في النصوص المعنية لتكون أهم الحواجز التي تحول دون الانزلاق إلى عالم تحكمه الفوضى المطلقة، أو شريعة الأقوى.

ولا شك في أن الانطلاق من التمسك بالقانون الدولي لا يكفي إذا لم يتبعه عمل دؤوب لإقامة نظام عالمي، بل عالم جديد. وإذا لم يحصل ذلك، فسنبقى أسرى عالم تتآكل فيه القواعد، وتُختزل فيه السياسة إلى صراع مفتوح بلا ضوابط، مع التذكير بأننا في «مرمى» تسع دول تملك أسلحة نووية...

تقول آنييس كالامار، سيدة القانون الفرنسية التي أمضت عقوداً تدافع عن حقوق الإنسان من مواقع مختلفة، وتتولى حالياً الأمانة العامة لمنظمة العفو الدولية: «في حين أنه لا يمكن إنكار أن هذا النظام (الدولي) لم يفِ بوعوده حتى الآن، فإنه ليس من حق أولئك الذين ينكثون بالوعود أن يزعموا أنه وهمي»...

يبقى أن المطلوب المثالي ليس عالماً متعدد الأقطاب فحسب، بل متعدد الأطراف، حيث يكون لكل دولة، أيّاً كان حجمها، الحق في الوجود الآمن، والتمتع بخيرات أراضيها...

لا بأس بقليل من «يوتوبيا» توماس مور...