التفكير والمشي... الجسد والكتابة

نيتشه  -  ايمانويل كانط  -  جان جاك روسو
نيتشه - ايمانويل كانط - جان جاك روسو
TT

التفكير والمشي... الجسد والكتابة

نيتشه  -  ايمانويل كانط  -  جان جاك روسو
نيتشه - ايمانويل كانط - جان جاك روسو

هناك ظاهرة تستحق الانتباه والاهتمام هي: العلاقة بين التفكير والمشي، أو كما يقول بعضهم بين الجسد والكتابة. فالمفكر يفكر بعقله ووجدانه من دون شك. ولكنه يفكر أيضاً بجسده وكل كيانه. وقد توقف بعض النقاد الفرنسيين عند ظاهرة الجسد والكتابة، أو العلاقة بينهما. وخصصت «مجلة الفلسفة» الفرنسية الرصينة محورها الأخير لهذه الظاهرة التي لا ينتبه إليها أحد عادة. وكان عنوانها: «المشي مع كبار الفلاسفة». والواقع أنه إذا ما استعرضنا تاريخ الفلاسفة وجدنا أشياء مدهشة ومثيرة. فمعظمهم كان يحب عادة المشي أو النزهة للترويح عن النفس، وتخفيف التوتر الذهني، وزيادة التأمل والتفكير بحرية. وسوف أضرب على ذلك ثلاثة أمثلة شهيرة في تاريخ الفكر والكتابة.
الأول يتعلق بمؤسس العقل الأوروبي وربما العالمي الحديث كله: إيمانويل كانط. فقد كان رجلاً غريب الأطوار، كرس حياته المديدة كلها للفكر والفلسفة، فلم يتزوج ولم ينجب الأطفال، لكيلا يشغله ذلك عن التفرغ لأبحاثه وكشوفاته المعرفية. وأكثر ما كان يزعجه أن يسأله أحدهم: لماذا لم تتزوج يا أستاذنا الكبير؟ وفي معظم الأحيان كان يتجاهل السؤال، ويحرف المحادثة في اتجاه آخر لكي يصرف الأنظار عن هذه النقطة التي تحرجه، ويروي أشياء أخرى. ولكنه أجابهم مرة قائلاً: «عندما كنت شاباً وراغباً في النساء كنت فقيراً لا أستطيع أن أتحمل مسؤولية العائلة. وعندما أصبحت قادراً على ذلك كنت قد كبرت في السن، وما عدت راغباً في النساء». ولكن الشيء الذي اشتهر به أكثر من غيره هو نزهته اليومية بعد الظهر، وبالتحديد الساعة الخامسة من مساء كل يوم. ولم يكن يتخلف عنها أبداً. كانت موعداً شبه مقدس بالنسبة له. كان يضع قبعته على رأسه ويمسك بعصاه ثم يخرج من منزله في هذه الساعة بالتمام والكمال. وكان الناس يعيّرون ساعتهم على لحظة خروجه لمعرفتهم بأنه لا يمكن أن يتأخر دقيقة أو يتقدم دقيقة. ولم يخلْ كانط بنزهته الشهيرة هذه إلا مرة واحدة أو قل مرتين طوال عمره المديد: المرة الأولى عندما سمع بصدور كتاب جان جاك روسو عن التربية «إميل» عام 1762. وكان يحب روسو إلى أقصى الحدود، بل ويضع صورته على مكتبه، لكي يستأنس بحضوره، ويستضيء بنوره. والمرة الثانية بعد ربع قرن من ذلك التاريخ عندما اندلعت الثورة الفرنسية. كان ينبغي أن يحدث زلزال سياسي في حجم هذه الثورة التي غيرت مجرى التاريخ، لكي يغير الأستاذ كانط من عاداته الروتينية! في الحالة الأولى غاص في كتاب روسو حتى نسي نفسه. وفي الحالة الثانية اضطر للذهاب إلى بيت الجرائد للاطلاع على آخر الأخبار الآتية من جهة فرنسا.
هل يعني ذلك أن صدور كتاب روسو لا يقل أهمية عن الثورة الفرنسية؟ بالطبع لا، ولكني أبالغ بالكاد... وعلى أي حال فلولا هذا لما كانت تلك. روسو هو أبو الثورة الفرنسية التي رفعت صورته عالياً على رؤوس الأشهاد. وقد أصبحت هذه الحادثة نكتة يرويها الناس، وتسجلها كتب الأدب والسير. ومن المعروف أن كانط، مثل فيخته وهيغل وشيلنغ وهولدرلين فيما بعد، كان معجباً جداً بالثورة الفرنسية، ويعلّق عليها أكبر الآمال، على الأقل في البداية، وقبل أن تنحرف في اتجاه مرحلة الرعب الثوري المعروف... كان يعتبر الثورة الفرنسية بمثابة العلامة الفارقة على أن عصراً بأكمله قد انتهى، وأن عصراً آخر جديداً قد ابتدأ في تاريخ البشرية. وقد أمضى حياته كلها في التنظير والتحضير لهذا العصر الجديد: عصر الحريات الحديثة والانعتاق من أسر العصر الإقطاعي الأصولي الاستبدادي القديم. لذلك يعتبر بعضهم أن الثورة الفكرية التي دشنها كانط لا تقل أهمية عن الثورة السياسية التي دشنها الفرنسيون. وهما مرتبطتان على أي حال ومتزامنتان. وهذا يعني أنه لا ثورة سياسية من دون ثورة فكرية تحتضنها وتمهد لها الطريق.
وهنا يكمن الفرق الأساسي بين الثورة الفرنسية وثورات ما يدعى بـ«الربيع العربي» التي حصلت مؤخراً، وأدت إلى ازدهار غير مسبوق للحركات «الإخوانجية الداعشية». ثم يستغرب الناس ذلك في حين أنه لا داعٍ للاستغراب على الإطلاق. فأين هي الثورة الفكرية التي حصلت مسبقاً داخل الإسلام لكي تكون الأمور مختلفة؟ الوعاء ينضح بما فيه أيها السادة. أين هو التنوير الديني أو الفلسفي الذي سبق الانتفاضات العربية، واحتضنها، ومهد لها الطريق؟ أين هم أمثال ديكارت وسبينوزا وفولتير وروسو وديدرو وكانط وسواهم في جهة المثقفين العرب؟ لا شيء تقريباً... الثورة السياسية من دون ثورة فكرية عمياء، أو قل تخبط خبط عشواء. لهذا السبب أقول بأن الانتفاضات العربية قد تكون عملاقة جماهيرياً أو تعبوياً، ولكنها قزمة فكرياً وسياسياً... وما كان بالإمكان أن تعطي أكثر مما أعطته أو غير الذي أعطته... وبالتالي فالثورة الحقيقية أقصد الثورة الفلسفية - التنويرية التي ستخلع جذور الاستبداد اللاهوتي - وتالياً السياسي - من أساساته لم تحصل بعد في العالم العربي. ولا يبدو أنها ستحصل في المدى المنظور.
أما المفكر الثاني الذي اشتهر بعادة المشي وحب النزهات والجولات فهو جان جاك روسو بالذات. لكن روسو كان يمشي أكثر بكثير من كانط، وكان حبه للطبيعة يفوق الوصف. روسو هو الذي دشن الرومانطيقية. فأجمل لحظات حياته قضاها وهو يمشي بلا سبب ولا هدف في أحضان الطبيعة الغناء. وهل هناك أجمل من تلك المنطقة الساحرة الواقعة بين سويسرا وفرنسا؟ وكثيراً ما كان يتوقف أمام منظر طبيعي خارق، ويتأمل ببديع صنع الخالق بنوع من النشوة الروحية التي تكاد تذهله عن نفسه... وأحياناً كان ينام في البرية متوسداً الأرض وملتحفاً قبة السماء المرصعة بالنجوم. وعندما يستيقظ تكون قطرات الندى قد بللت جبينه وخديه. فقد عاش شريداً ومات شريداً... ويحكى أنه عندما تهيأ لكتابة رد على سؤال الأكاديمية عن سبب اللامساواة بين البشر أخذ صاحبته وأمها معه إلى منطقة الغابات خارج باريس في منطقة «السان جرمان أن لي» من أجل التأمل والتفكير بعيداً عن ضجيج العاصمة وصخب الناس. ولم ينس أن يضع في جيبه قلم رصاص وورقة بيضاء لكي يسجل انطباعاته وأفكاره مباشرة قبل أن تفلت منه وتتبخر في الهواء.
وكانت هذه هي عادته دائماً. ولكن هذه المرة كان يعرف أنه مقبل على أمر عظيم. كان يشعر بأنه سيكتب نصاً عاصفاً يزلزل التاريخ الأوروبي. وعندما وصل إلى الغابة ترك المرأتين تمشيان بهدوء أو تستريحان على أحد المقاعد، وراح هو يصعد ويهبط في جنباتها بنوع من العصبية الزائدة عن الحد. راح جسده يختلج يميناً وشمالاً، وفي كل الاتجاهات لكي يساير توتر فكره وروحه، ولكي يتطابق توتر الجسد مع توتر الذهن فينصهران في حركة إبداعية واحدة. وكان الفكر يغلي في رأسه غلياناً فلا يتركه يهدأ أو يستقر على حال. وبالتالي فقد كان المشي السريع والبطيء، الصاعد والهابط، هو الوسيلة الوحيدة لتخفيف التوتر وإنجاب الفكر. ويبدو أنه قد دخل عندئذ في مرحلة الحسم الفكري لقضايا مهمة كانت تعتمل في نفسه منذ زمن طويل دون أن يتجرأ على خوضها. وهكذا قرَّر للمرة الأولى أن يدخل في صدام مباشر ومكشوف مع القوى الجبارة المهيمنة على المجتمع الفرنسي القديم من إقطاعيين وأثرياء فاحشين وأصوليين مزمجرين. كان روسو قد ابتدأ عندئذ يحضر نفسه للمعركة الكبرى. وكان أن نتج عن ذلك خطابه الشهير عن أصل الظلم واللامساواة بين البشر.
وهو أحد الخطابات التي أدت بعد أقل من ثلاثين سنة إلى اندلاع الثورة الفرنسية! وقد دفعوه ثمنه غالياً أثناء حياته. فقد احمرت عليه الأعين من عدة جهات، ولاحقوه في كل مكان، ونغصوا عيشه حتى مات... ولكن ما همَّ! فهو قد زرع لكي يحصد الآخرون... وقد حصدوا. لقد كتب لكي يهدم عالماً ويدشن عالماً جديداً على أنقاضه أكثر عدالة وإنسانية.
أما عن نيتشه فحدث ولا حرج! فهو قد أمضى معظم حياته سائراً على الأقدام، يجوب دروب أوروبا طولاً وعرضاً. وكان توتره الذهني من الكثافة والحدة إلى درجة مخيفة حقاً. فلم يكن يستطيع أن يهدأ في مكان واحد أكثر من ساعة أو ساعتين، على الرغم من مرضه، أو بالأحرى أمراضه العديدة. وكان من عادته ما أن يصل إلى منطقة ما ويخلع عن نفسه وعثاء السفر حتى يخرج فوراً لاستكشاف الدروب والمسالك الصغيرة الضيقة المحيطة بالمنطقة. وكان يجد لذة كبيرة في هذا الاستكشاف لا تعادلها إلا لذة اكتشاف دروب الفكر ومسالكه العويصة نفسها. وما الفرق بينهما في نهاية المطاف؟ أليس الطريق المسدود يشبه بشكل ما خطاً فكرياً مسدوداً؟ لكم انسدَّت أمام نيتشه دروب الفكر، ولكم انفتحت أيضاً! وبانفتاحها تجلى كون بأسره. ولكم حاول أن يفتحها عن طريق التجوال والغوص في مجاهل الطبيعة ودهاليز الفكر! كان المشي يساعده على التفكير، ويروّح عن ذهنه آلام التوتر النفسي الهائج الذي لا يكاد يفارقه لحظة واحدة. وكان وحيداً يسافر مع ظله فقط. من هنا نتج كتابه الصغير المعروف باسم «المسافر وظله». فظله يلاحقه أو يرافقه أينما ذهب. وربما لو استطاع لتخلص حتى من ظله! فنيتشه كان يحب الوحدة والحرية المطلقة. أو قل فرضت عليه فرضاً نتيجة ظروف عديدة لا حيلة له بها، تماماً مثل روسو، وإن لأسباب مختلفة. وكان يعتبرها شرطاً أساسياً لممارسة الفكر والتفرغ للفلسفة. أما أولئك الذين لا يستطيعون أن يكونوا وحيدين ثلث نهارهم على الأقل، فلا يمكن أن يصبحوا فلاسفة! نيتشه كان وحيداً ليلاً- نهاراً فقط! وفي صحراء الوحدة الشاسعة والمترامية الأطراف كان يحلو له أن يغوص في أعماق الفكر فلا يكاد يرجع. وقد غاص مرة وما عاد... يضاف إلى ذلك أن نيتشه كان يحب الدروب الجبلية الوعرة فيتسلقها على الرغم من مرضه تسلق الهواة حتى يصل إلى أعلى قمة فيها. ومن الأعالي الشاهقة كان ينظر إلى البشر تحته بستة آلاف قدم! وهناك كان يتنفس هواء الأعالي في جبال الأنغادين الساحرة بسويسرا: جنة الله على الأرض. وهناك أيضاً جاءته، لأول مرة، فكرة العودة الأبدية للأشياء ذاتها إلى ما لا نهاية فخر صريعاً على الأرض. لقد كسرتْ ظهره! وهي من أعمق الأفكار التي توصل إليها، وربما كانت تشكل لب فلسفته. وقد جاءت على هيئة إلهام صاعق... لم يكن نيتشه قادراً على تحمل وجود البشر حوله أو أمامه أو حتى على مستواه عندما يفكر.
فالآخر، حتى لو كان بعيداً، كان يمثل جداراً أو حصاراً يمنعه من التنفس والانطلاق. الجحيم هو الآخرون كما يقول جان بول سارتر... لطالما مشى نيتشه وتاه! نيتشه أكبر مشاء في تاريخ الفكر... ويحكى أن أحد المعجبين زاره مرة في منطقة الجبال بسويسرا، لكي يحظى برؤيته، ويسلم عليه، ويسمع كلامه، فلم يجده في غرفته. فغاب ساعة من الزمن ثم عاد فوجده مطروحاً على الفراش وهو يئن ويتوجع، فسأله عما به؟ فأجاب: لقد «وضعْت» أو «خلَفت»! وكان قد سطَّر آخر صفحة من كتابه الشهير: «هكذا تكلم زرادشت». وعلى هذا النحو «يحبل» الفلاسفة الكبار بالفكر، ويعانون الآلام المبرحة قبل الولادة السعيدة والمخاض العسير.


مقالات ذات صلة

كراسات ألبير كامو تُنشر كاملةً للمرة الأولى

ثقافة وفنون ألبير كامو

كراسات ألبير كامو تُنشر كاملةً للمرة الأولى

صدر المجلد الأول من مذكرات ألبير كامو عام 1963، بعد ثلاث سنوات من وفاته في حادثة سيارة عن 46 عاماً.

دوايت غارنر
ثقافة وفنون إبراهيم الكوني

الصحراء كمبتدأ وخبر في مكاشفات الكوني ومكي

في البدء لم تكن الكلمة. كان الصمت. صمتٌ لم يتردّد في أروقة الجنّة، استوطن قلب الصحراء. وفي الصحراء يولد المعنى قبل العبارة، وتتشكل الحقيقة قبل نصّها.

ندى حطيط
ثقافة وفنون بسمة الخطيب في رواية «حائكات الأزل» تثأر للنساء بالغزل

بسمة الخطيب في رواية «حائكات الأزل» تثأر للنساء بالغزل

رواية نسائية بامتياز، هي «حائكات الأزل» للأديبة اللبنانية بسمة الخطيب. بطلاتها يتحركن، وكأنما وجود الرجال في حياتهن هلامي، لكن وطأته ساحقة، ثقيلة، متسلطة وكاسحة

سوسن الأبطح (بيروت)
ثقافة وفنون أول ترجمة عربية لديوان «فن الطيور» لبابلو نيرودا

أول ترجمة عربية لديوان «فن الطيور» لبابلو نيرودا

صدر أخيراً عن مجموعة «كلمات» للنشر بالشارقة، ديوان «فن الطيور» لبابلو نيرودا بترجمة عربية أنجزها الشاعر والمترجم السعودي غسان الخنيزي.

«الشرق الأوسط» (الدمام)
كتب روي بلانت جونيور

كرة القدم الأميركية محكوم عليها بالفناء

لعل إحدى أقوى الحجج المدافعة عن كرة القدم هي تلك التي ساقها روي بلانت جونيور في كتابه «نقص بمقدار ثلاث لبنات - About Three Bricks Shy of a Load».

دوايت غارنر

كرة القدم الأميركية محكوم عليها بالفناء

روي بلانت جونيور
روي بلانت جونيور
TT

كرة القدم الأميركية محكوم عليها بالفناء

روي بلانت جونيور
روي بلانت جونيور

لعل إحدى أقوى الحجج المدافعة عن كرة القدم هي تلك التي ساقها روي بلانت جونيور في كتابه «نقص بمقدار ثلاث لبنات - About Three Bricks Shy of a Load»، الذي أرّخ فيه لمسيرة فريق «بيتسبرغ ستيلرز» عام 1973. كتب بلانت حينها واصفاً الصخب العارم: «يا له من أمر عظيم ذلك الذي تمنحنا إياه كرة القدم؛ إنها تتيح لنا في لحظات نادرة أن نتحرر من كل قيد وننغمس في فوضى صاخبة ومبهجة».

غير أن تشاك كلوسترمان يجادل في كتابه الجديد الذي يحمل عنوان «كرة القدم»، بأن هذا الصخب والهرج سيبلغان المنتهى في وقت أقرب مما نتصور، ربما في غضون أربعة أو خمسة عقود؛ فكرة القدم، في نظره، محكوم عليها بالفناء.

يرى المؤلف أن هذه الرياضة دخلت بالفعل في «دوار الموت» (وهو تعبير قد يشبه في قوته تمريرة لـ«جوش ألين» بسرعة 62 ميلاً في الساعة). ويشبه كلوسترمان كرة القدم بسباقات الخيول؛ تلك الرياضة التي هيمنت يوماً على الخيال الجمعي للأمة قبل أن تتحول إلى نشاط هامشي غريب ومهجور.

إنني أستمتع بالقراءة لكلوسترمان؛ فهو يمتلك روح الفيلسوف الذي يحلل الأمور بعمق، وهو في القضايا الشعبية «المفكر الذي يبارز كبار المفكرين» تأملاً. وثمة ملحوظتان سريعتان لا بد من ذكرهما بشأن كتابه «كرة القدم»؛ وهو الكتاب الذي استمتعت به رغم إسهابه في التفاصيل الدقيقة، على الأقل بالنسبة لمشجع عابر ومشتت الذهن مثلي.

الملحوظة الأولى هي أن إطلاق تنبؤات جنونية بعيدة المدى ليس بالأمر الشجاع تماماً، فكما قال جون ماينارد كينز ذات مرة: «على المدى الطويل، سنكون جميعاً في عداد الموتى». وكلوسترمان يدرك ذلك جيداً، إذ يكتب: «الأحياء ليسوا جمهوري المستهدف»، وكأنه يتقمص روح الروائية آن رايس (بنزعتها الجنائزية) بدلاً من روح غرانتلاند رايس (المحلل الرياضي الشهير).

أما الملحوظة الثانية، فهي أن حجته هذه لا تشغل سوى حيز متواضع من الكتاب، وتحديداً في بدايته ونهايته؛ فمادة «فناء كرة القدم» تشبه طبق «البانكيك» الذي يُقدم كطبق جانبي لطبق «بط بكين» الرئيسي؛ إذ إن المحتوى الأكثر دسامة يكمن في التفاصيل المطوية بالداخل.

يجادل كلوسترمان مثلاً بكلمات قد تمزق قلوب البعض بأن كرة القدم هي «النموذج الأكثر نجاحاً ووضوحاً للاشتراكية الأميركية»، وذلك بسبب الطريقة التي تُوزع بها عائدات البث التلفزيوني بالتساوي بين الفرق الاثنين والثلاثين (بينما قد يصفها آخرون بأنها مجرد تكتل احتكاري تجاري آخر).

كما يستفيض كلوسترمان في شرح الأسباب التي تجعل جيم ثورب يتربع على عرش أعظم لاعبي هذه الرياضة، ولماذا تبدو كرة القدم الكندية مثيرة للسخرية، ولماذا لم يقتنع الكثيرون بصورة حاكم ولاية داكوتا الشمالية، تيم والز، كمدرب لكرة القدم، رغم أنه كان كذلك بالفعل، ورغم إصرار كامالا هاريس على مناداته بلقب «المدرب». ويكتب كلوسترمان، الذي نشأ في ولاية «حمراء» (محافظة) هي داكوتا الشمالية:

«لم يبدُ والز مدرباً لكرة القدم إلا في عيون الناخبين الذين لا تربطهم صلة مسبقة بهذه الرياضة؛ فقد جسدت صورته المفهوم الليبرالي لـ(الرجولة غير السامة)، فكان بمثابة نسخة عكسية من مارغريت ثاتشر».

يتناول كلوسترمان وضع فريق «دالاس كاوبويز» بوصفه «فريق أميركا» قائلاً: «الكل يقبل هذه التسمية، لكن لا أحد يؤمن بها حقاً»، ويحلل سر براعة نيك نولتي في فيلم «نورث دالاس فورتي»، مشيراً إلى أن «كل ما كان عليه فعله هو تجسيد دور الشخص الضجر الذي يعاني من آثار الثمالة، وهما أقوى نقاط قوته كأداء تمثيلي».

ثم يغوص بعمق في عوالم «دوري الفانتازيا»، وألعاب الفيديو مثل «مادن إن إف إل»، لا سيما المراهنات، مسلطاً الضوء على ذلك «الشر الانتشائي» الكامن في تمني الفوز ببعض الرهانات ضد «فارق النقاط». ويكتب أن مباريات كرة القدم الحقيقية قد تكون مملة، لكن النسخة التي تدور في رؤوس المراهنين نادراً ما تكون كذلك: «ركلة ميدانية محجوبة واحدة كفيلة بنقل ملايين الدولارات غير المرئية، وربما تكون سبباً في انهيار زواج أحدهم». ويرى أن واضعي خطوط المراهنات في لاس فيغاس هم من بين أكثر الأشخاص كفاءة في العالم.

ويساور كلوسترمان الشك في أن فضيحة مراهنات كبرى، قد تصل لدرجة التسبب في «زوال» هذه الرياضة، ستلوح في الأفق يوماً ما، لكنه يعتقد أن المراهنة تُثري اللعبة، «على الأقل من الناحية الحوارية»؛ إذ يكتب: «الاستماع لشخص يتحدث عن فريقه في (الفانتازيا) يشبه الاستماع لشخص يتحدث عن حديقة منزله، أما الاستماع للشخص نفسه وهو يروي إخفاقاته في المراهنات، فهو أمر مثير للاهتمام إلى أبعد الحدود».

كما يخوض في نقاش حول العلاقة بين كرة القدم والعِرق، وهو نقاش لافت للنظر، جزئياً، لأنه يتناول الموضوع من زوايا غير معتادة، واضعاً تساؤلات من شاكلة:

ماذا يعني غياب اللاعبين السود تقريباً عن مركز «الهداف»؟ هل هذا دليل على التحيز، أم هو تقليل من شأن هذا المركز؟ وهل حقيقة ندرة اللاعبين البيض في مركز «الظهير الركني» تشير إلى أن هذا المركز هو الأكثر تطلباً من الناحية البدنية في خط الدفاع الخلفي، بما أن اللاعبين البيض غالباً ما يتألقون في مركزي «الظهير القوي» و«الظهير الحر»؟ وإذا كان الأمر كذلك، فلماذا يتجاوز متوسط راتب لاعب «الظهير» متوسط راتب «الظهير الركني»؟

ينثر كلوسترمان في طريقه الحِكَم والعبارات الموجزة وكأنها زجاجات مشروبات فارغة يلقيها وهو يركض؛ فيقول: «لا شيء أكثر زيفاً من التواضع الزائف»، و«عالم الرياضة علماني بقدر علمانية إيران»، و«لا يمكنك هزيمة جدار من الطوب في التنس»، وأخيراً «الحياة غير عادلة، لكنها أحياناً تكون غير منصفة لصالحك».

يذكرني كلوسترمان بنسخة عصرية من أولئك الشباب الثرثارين في فيلم باري ليفينسون الرائع «داينر»، وهم يتساجلون حول الأسطوانات الموسيقية وفريق «بالتيمور كولتس» بحماس محموم وكأن سمعة أمهاتهم تتوقف على نتيجة الجدال. كما يذكرني بالصحافي والمعلق الساخر «درو ماغاري»، مع فارق أن كلوسترمان يتسم بالبرود بينما يتوقد ماغاري حماساً؛ وكم وددت رؤيتهما - كجهاز ترطيب وجهاز تجفيف - وهما يتصارعان في قبو رطب واحد.

يجادل كلوسترمان بأن كرة القدم هي «عضو» لا يتجزأ من جسد المجتمع، سيُبتر في نهاية المطاف. ويكتب: «اللعبة لن تختفي تماماً، تماماً كما لا يزال بإمكانك سماع موسيقى الجاز على إذاعة (إن بي آر)، أو تدخين سجائر (لاكي سترايك) القديمة داخل الكازينوهات»؛ لكن المقدر لها هو الخروج من تلك المكانة المركزية التي تحتلها في الحياة الأميركية.

الأسباب وراء ذلك عديدة، لكنني سوف أوجزها في سببين؛ الأول مباشر وبسيط: يرى كلوسترمان أن المعلنين سيعودون إلى رشدهم ويدركون أن إنفاق مبالغ طائلة «مقابل 30 ثانية من العرض (الذي يتم تجاهله غالباً) هو استثمار سيئ».

أما السبب الثاني فيتطلب توضيحاً أعمق، وخلاصته هي أن سباقات الخيول انحسرت من المخيلة الأميركية لأن الناس فقدوا صلتهم اليومية الوثيقة بالخيول. وشيء مماثل سيحدث لكرة القدم؛ فنحن نفقد بالفعل صلتنا الفطرية بها.

يعود هذا التراجع جزئياً إلى أن أعداداً أقل من الأمهات - حتى في الولايات المهووسة بهذه الرياضة - سيرغبن في ممارسة أبنائهن للعبة، وذلك بدافع الخوف من إصابات الرأس (الارتجاجات). وعليه، فإن معظم الشباب لن يعرفوا هذه الرياضة إلا من خلال شاشات التلفاز وألعاب الفيديو، لتصبح بذلك منفصلة تماماً عن التجربة الحياتية المُعاشة.

كما يلقي المؤلف باللوم على «الرابطة الوطنية للرياضة الجامعية» (NCAA) بسبب سلسلة من القرارات الخاطئة؛ من بينها إنهاء الاتحادات التقليدية، وإتاحة «بوابة الانتقالات» التي تسمح للاعبين بجني أموال طائلة، مما جعل اللعبة الجامعية تشبه إلى حد بعيد نظيرتها الاحترافية. إن كرة القدم الجامعية - كحال الكثير من تفاصيل الحياة الأميركية - تفقد ذلك الطابع المحلّي الشعبي الغريب الذي كان يمنحها نكهتها الخاصة؛ ومن ثمّ، فإن الارتباط الوجداني بها محكوم عليه بالانحسار لا محالة.

للمفكر إتش إل مينكين فكرة طريفة لإنقاذ الموقف: إذ يرى أن المباريات الجامعية ستكون أكثر إثارة إذا لعب أعضاء هيئة التدريس بدلاً من الطلاب، وستكون أفضل بكثير لو لعب أعضاء مجلس الأمناء بأنفسهم!

يمتاز كلوسترمان بقدرة فائقة على صياغة أفكاره بنبرة تنبؤية واثقة، إلا أن أجمل ما في كتاباته هو مراقبته لنفسه وهو يضع أفكاره تلك في قفص الاتهام؛ فهو القاضي وهيئة المحلفين، وهو الشهود والحاجب، وهو المدعي العام ومحامي الدفاع، كلٌ في آن واحد.

وكما كتب في مؤلف آخر له: «إن أفضل فرضية هي تلك التي تقبل بشكل تلقائي احتمالية كونها خاطئة منذ البداية».

*خدمة: «نيويورك تايمز»


النيل في الفكر الأوروبي عبر الزمن

النيل في الفكر الأوروبي عبر الزمن
TT

النيل في الفكر الأوروبي عبر الزمن

النيل في الفكر الأوروبي عبر الزمن

عن دار «العربي» بالقاهرة، صدر كتاب «النيل – نهر التاريخ» لأستاذ الجغرافيا والباحث النرويجي تارييه تافيت الذي يرصد فيه حضور النهر في الفكر الأوروبي عبر حقب زمنية مختلفة وبأسلوب يجمع بين التحليل الدقيق أكاديمياً والأسلوب الأدبي. يقع الكتاب في 544 صفحة من القطع الكبير وقامت بترجمته المترجمة منة الخازندار.

في البداية، يشير المؤلف إلى أن دار النشر المسؤولة عن إصدار النسخة العربية من الكتاب سألته كيف يمكن لمؤرخ نرويجي لا تربطه أي صلات سابقة بالقارة الأفريقية أن يقضي جل سنوات حياته في البحث والكتابة عن نهر النيل، فأجاب بأن السبب الأساسي وراء ذلك هو ما أصابه من «الولع المائي» في مدينة بيرجن النرويجية، عاصمة الساحل الإسكندنافي المطير.

وذكر كيف أنه منذ عقود انتقل من الجانب الشرقي من النرويج حيث تهطل الأمطار بمعدل طبيعي إلى المدينة التي يزيد فيها معدل الهطول لدراسة تاريخ العالم. ونظراً لكونه ينتمي إلى طبقة الطلاب المعدمين، فقد كانت أرضية السيارة القديمة التي يستقلها مهترئة بفعل الصدأ. كان يتعيّن عليه انتعال حذاء مطر مطاطي في الأيام المطيرة حتى لا يبتل بنطاله.

وفي صباح يوم ملبد بالغيوم حيث كان المطر ينهمر بلا هوادة، قاد سيارته بحذر من مسكن الطلاب إلى الجامعة ووجد نفسه دون قصد ينظر إلى أسفل حيث قدمه، وفجأة خطر له أنه ينتعل حذاء المطر المطاطي، أخضر اللون ذا الرقبة الطويلة ذاته يومياً منذ وصوله إلى هنا طوال فصل الخريف، متسائلاً: ما الذي كان يحدث حولي؟

أدرك حينها أن الأمطار الخريفية تتحكم في حياته بشكل كامل، وحيث إن جميع المجتمعات تحتاج إلى المياه للنمو، وحيث إن مصادر المياه وخريطتها في الوقت ذاته تختلف من مكان إلى آخر وتكون دائماً في حالة تغير مستمرة، فقد رأى أن مثل هذا التركيز على علاقة المجتمع بالمياه يمكن أن يكون مفيداً لفهم الأنماط المختلفة للتنمية على مستوى العالم وقام بتحويل أبحاثه التي كانت تستهدف تاريخ العالم إلى برنامج بحثي شخصي يستمر على مدار عدة أعوام ويستهدف المياه والمجتمع في جميع أنحاء العالم.

منذ ذلك الحين أنتج أكثر من 20 كتاباً عن الدور الذي لعبته المياه في التاريخ وسافر متتبعاً مسارات العديد من أكبر وأهم الأنهار في العالم، من الصين والهند واليابان شرقاً، إلى فرنسا وألمانيا وإسبانيا غرباً، ومن فنلندا والسويد شمالاً، إلى جنوب أفريقيا والأرجنتين جنوباً، لكن كان أكثر ما أثار خياله وشغفه حبّاً، نهر النيل.

وفي عام 2023 ترأس مؤتمر الرابطة نصف السنوي الذي ينعقد في مكتبة الإسكندرية في مصر، كما تمكن بدعم من وزير الموارد المائية المصري الدكتور محمود أبو زيد، والسفير المصري في النرويج الدكتور مجدي حفني، من إطلاق برنامج أبحاث حوض النيل مع باحثين مشاركين من عشر دول من حوض النيل، كما أنهى فيلمه الوثائقي الثالث والأخير عن المياه بعنوان «تحقيق بشأن النيل» الذي أعاده مرة أخرى إلى التجول في منطقة حوض النيل.

فسيفساء النيل

يشير تارييه تافيت إلى أنه في الطابق الرابع بمتحف أثري متواضع يبعد نحو 35 كيلومتراً عن روما ستجد العمل الفني البارز الذي لا يعلم به كثيرون وهو «فسيفساء النيل» والذي يعود تاريخه إلى 2000 عام. يبلغ عرضه ستة أمتار ويتخطى ارتفاعه الأربعة أمتار ويصور النيل ومظاهر الحياة على ضفتيه بشكل إبداعي ويتناوله من مناظير مختلفة ومتعددة.

يصور الجزء العلوي منه عناصر أفريقية ويحاكي الجزء السفلي مناظر خاصة بالحياة على شواطئ البحر المتوسط. ورغم ضرورة مشاهدة الأعمال الفنية المصنوعة من الفسيفساء من مسافة لتبين تفاصيلها، مع ضرورة الالتزام بالوقوف خلف الحواجز الموضوعة لحماية الأعمال الفنية من اقتراب المتفرجين الذي قد يلحق بها ضرراً، لكن الرسوم الكاملة والزاهية بشكل استثنائي التي تكونها الأحجار الملونة الملتصق بعضها ببعض بواسطة الملاط تظهر جلية من جميع المسافات.

ولكن الأمر الإبداعي حقاً في «فسيفساء النيل» الموجودة في بلدة «بالسترينا» هو تصوير النيل وتصوير الشعوب وهي تمارس حياتها بنظرة حديثة تماماً كما لو كان الفنان الذي أبدعها قد نظر إلى النيل وهو على متن طائرة. ويعد أيضاً هذا العمل الفني مصدراً تاريخياً تعبيرياً مثيراً للإعجاب، فهو يؤكد بقاء النيل كشريان حياة المجتمع ومحور اهتمامه إلى الأبد، كما رسم البحر المتوسط كمحتضن لتاريخ القارة الذي سطرته المياه.

وتصور «فسيفساء النيل» المكانة المحورية التي يشغلها النيل في حياة أولئك الذين يعيشون على ضفافه كما تنقل لنا كذلك كيفية تشكل النيل كجزء من تاريخ أوروبا الثقافي عبر الحضارات المختلفة، لا سيما اليونانية والرومانية. وتذكرنا اللوحة بماض كان يُعبد فيه النيل كنهر مقدس ولم تقتصر عبادته على الكهنة بالمعابد الضخمة المنتشرة على ضفافه في مصر بل امتدت أيضاً إلى أوروبا.

ويضم المتحف البريطاني في لندن واحداً من عدة تماثيل للإلهة إيزيس «حامية الطبيعة وإلهة الخصوبة»، حيث يصورها هذا التمثال وهي تحمل في يدها اليسرى جرة بها مياه النيل المقدسة كوسيلة للخلاص.

روائع إبداعية

ويلاحظ المؤلف أن النحاتين في العصور الرومانية والنهضة اعتادوا تصوير النيل ككيان مهيب مقدس، كما في تمثال «إله النيل» في الفاتيكان وهو واحد من أشهر التماثيل الرومانية في القرن الأول الميلادي الذي يصور النيل كرجل عجوز مستلقٍ يحيط به 16 طفلاً يرمزون لارتفاع منسوب النيل بـ16 ذراعاً لضمان الخصوبة.

وهناك أيضاً تمثال رخامي في «ساحة النيل» بمدينة نابولي الإيطالية، يعود للقرن الثاني الميلادي، ويظهر فيه «الإله النيل» متكئاً على أبو الهول، بينما تنافس الرسامون الأوروبيون في القرن التاسع عشر على توثيق حياة النيل اليومية، كما في تجربة ديفيد روبرتس الذي اشتهر بلوحاته الدقيقة للمعابد والقرى على ضفاف النيل، مثل لوحاته لجزيرة فيلة ومدينة الجيزة. ويشير كذلك إلى ليون بيليه في لوحته الشهيرة «فلاحات على ضفاف النيل» الموجودة في متحف أورسيه، التي تصور النساء وهن يملأن الجرار بوقار ودقة واقعية، فضلاً عن لوحة «على ضفاف النيل» للفنان شارل ثيودر فرير التي تصور هدوء النهر بلمسات رومانسية.


عرفات من وجهة نظر إسرائيلية

عرفات من وجهة نظر إسرائيلية
TT

عرفات من وجهة نظر إسرائيلية

عرفات من وجهة نظر إسرائيلية

«ياسر عرفات/ وجهات نظر إسرائيلية» كتاب جديد لماجد كيالي، من إصدار «دار كنعان»، دمشق (2026). يتحدث الكتاب عن مكانة الزعيم الفلسطيني الراحل، ودوره في استنهاض الشعب الفلسطيني، على صعيد الهوية والكيانية والكفاح الوطني. كما يقدم عرضاً للمواقف الإسرائيلية المختلفة من ياسر عرفات. ويركز الكتاب بشكل خاص على مرحلة مفاوضات «كامب ديفيد 2» (2000)، كلحظة فصلية مكثفة، تتعلق بمكانة هذا الرجل، ودوره في الكفاح السياسي، بوجهيه التفاوضي، والمسلح، ونظرته إلى ذاته كالممثل للوطنية الفلسطينية، بتناقضاتها، في الصراع، بين الحلم والواقع، والطموح والممكن، والقوة والحق، ويتضمن الكتاب فصلاً موسعاً كشهادات ومقالات لشخصيات سياسية وصحافية إسرائيلية.

يقع الكتاب في 206 صفحات، من القطع المتوسط.

من الكتاب: «عرفات انتصر بشكل قاطع... فعرفات وضع المشكلة الفلسطينية على الخريطة بشكل يستحيل تجاهله... لقد حدد للفلسطينيين هويتهم وعناصر تميزهم في العالم العربي وأشكال نضالهم، وقد وحدهم من الناحية التنظيمية، وبث فيهم الحوافز، وهناك أجيال كاملة من الفلسطينيين ترعرعت في ظلال أسطورة ورمزية عرفات...؟»، كما يقول البروفسور شاؤول مشعال، باحث في شؤون الحركة الوطنية الفلسطينية في جامعة تل أبيب، «يديعوت أحرونوت»، (29-10-2004).

لم يعرف الشعب الفلسطيني في تاريخه زعيماً، قاده أو شغله وملأ تاريخه، كما عرف ياسر عرفات، إذ كان هذا الرجل بحق ظاهرة استثنائية في تاريخ شعبه، وربما في تاريخ حركات التحرر الوطني، على الصعيدين العربي والدولي، بغض النظر عن الخلاف أو التوافق معه، أو الإعجاب به من عكس ذلك، إذ نهض بشعبه وبقضيته من نقطة الصفر، في ظروف دولية وعربية صعبة بل ومستحيلة، وفي ظل اختلال بيّن في موازين القوى لصالح إسرائيل».