الجنود ما عادوا جنوداً... والموت صار تقنية رقمية

عن «أدب الحرب» الذي يلفظ أنفاسه الأخيرة

الروايات عن  حرب العراق عكست مشاعر الرّعب والقلق عند الجنود الأميركان متجاهلة معاناة الضحايا
الروايات عن حرب العراق عكست مشاعر الرّعب والقلق عند الجنود الأميركان متجاهلة معاناة الضحايا
TT

الجنود ما عادوا جنوداً... والموت صار تقنية رقمية

الروايات عن  حرب العراق عكست مشاعر الرّعب والقلق عند الجنود الأميركان متجاهلة معاناة الضحايا
الروايات عن حرب العراق عكست مشاعر الرّعب والقلق عند الجنود الأميركان متجاهلة معاناة الضحايا

تكمن قيمة الأدب أساساً وقبل كل شيء في قدرته على نقل المشاعر الإنسانية الاستثنائية التي تنتجها تجارب عميقة في مواجهة الموت والحياة والحب والأقدار خارج إطار اليومي والعادي والمألوف. ولطالما كان أدب الحروب في الغرب مساحة رحبة وموضعاً ثرياً لاستكشاف أقصى حدود الخوف الإنساني ومعنى التجربة الوجودية برمتها، لا سيما أن مسرح الحضارة الغربية بمجمله عاش مآسي وحروباً كونية وإقليمية عديدة خلال المائة سنة الأخيرة أُبيدت خلالها أجيال كاملة وأُزيلت مدن برمتها عن وجه المعمورة أو كادت.
لكن هذا اللون الأدبي الخاص في الرواية والشعر والذي عاش عهده الذهبي خلال النصف الأول من القرن العشرين متأثراً بأجواء الحربين العالميتين والحرب الأهلية الإسبانية، يبدو هذه الأيام كأنه يلفظ أنفاسه الأخيرة، فالأعمال الصادرة حديثاً والتي يمكن أن تصنَّف ضمنه -وإن فاز بعضها بجوائز أدبية أو حقق أرقام مبيعات ممتازة– لا ترقى بأي حال إلى مستوى النصوص الكلاسيكية لهذا الأدب، وتكتفي بمناوشات سيكولوجية فردية تقصر عن نقل عمق التجربة المفترضة لمن شهد هذه الحروب، بل وتحول البعض منها إلى مجرد حكايات مشتقة من سردية البروباغندا الرسمية عن الحرب. فما الذي حدث لأدب الحرب حتى بدا كأنه يذهب إلى موته كجنرال قديم متقاعد، كانت له صولات وجولات لكن خدماته لم تعد تصلح في الحروب الجديدة، ولم يتبقَّ له من الحياة سوى انتظار قدره المحتم؟
لقد كانت الحرب العالمية الأولى بمثابة حرب مثقفين بامتياز حتى عدّها المؤرخون أكثر حروب البشر اشتغالاً بالأدب، وكانت حقائب الجند المقتولين لا تخلو بأي حال من كتاب أو كتابين، رواية أو شعراً أو قصصاً قصيرة، فاختلطت نصوص العهد الفيكتوري الرومانسية بالدماء والطين في الخنادق. لكن تلك اللغة المتأنقة القديمة لم تكن بقادرة على التعبير عن تجربة الجنود القاسية ومواجهاتهم اليائسة قبل الموت الأكيد، فكتب الناجون من الحرب رسائل ونصوصاً وأشعاراً تحررت من ربقة الشكل الأدبي السائد وجمود لغته، وانتهوا إلى أن أطلقوا أدباً جديداً بالكلية -سواء بالشكل وبالأدوات اللغوية أو بالمضمون- نجح في نقل أجواء الخنادق الكئيبة إلى كل بيت. أشعار كيبلنغ من تلك الفترة مثلاً تأخذ قارئها دون رحمة إلى أجواء أسلاك شائكة وأميال من اختلاط الموت بالتراب اللزج والبرد القارص والاكتئاب الأسود. كتابات تلك الفترة جبلتها تجربة الحرب بالأساطير الموروثة التي حملها الجنود معهم، وتمتماتهم الدينية ولغتهم الفجة بدت مترددة بين النثر والشعر وبين الحاضر والماضي، في حيرة جميلة ساعدتها الرموز على موازنة النص ليلامس شغاف القلوب.
بين الحربين العالميتين، عاشت إسبانيا في الفترة 1936 – 1939 ما كان بمثابة حرب عالمية صغرى اتسمت بدمويتها المفرطة ومواجهاتها القريبة وعلى نحو أهم بانخراط نخب رفيعة التثقيف لا سيما بين اليساريين الذين تدفقوا من بلاد كثيرة لإسناد الجمهوريين في مواجهتهم لعدوان جيش الجنرال فرانكو المدعوم من القوى الفاشية. كان بين تلك الأفواج من حاملي السلاح شعراء وروائيون وفنانون وحالمون كثر شُكِّلوا من خلال انخراطهم المباشر في أهوال حرب أهلية مؤلمة وتجربة إنسانية متقدمة على حدود الفجيعة والألم أنتجت بعضاً من أهم كلاسيكيات الرواية والشعر والرسائل والفن التشكيلي، وأسهمت في إعادة صياغة المناخ الأدبي الغربي برمته.
الحرب الإسبانية مع ذلك كانت آخر الحروب التقليدية المعتمدة على شجاعة المقاتلين وصلابتهم في تحمل القصف وعوامل الطبيعة ومن ثم مواجهة العدو وجهاً لوجه. فالحرب العالمية الثانية شهدت بداية سحب التكنولوجيات لزمام المبادرة من العنصر البشري في المعارك، وكسرها لكل مقياس إنساني في القتال، لتنتهي وقد أعادت تشكيل قصة الحرب بمجملها. لقد اصطدم الوعي البشري وبحدة غير مسبوقة بفكرة التقدم العبثي الذي أنتج قدرة هائلة على الإيذاء منتصراً على المسافة والجغرافيا بل وسرعة الصوت ليأخذ القتل إلى أناس أكثر في وقت أقل. غيّرت التكنولوجيا الإحساس بالحرب، إذ لم تعد مجرد معارك يخوضها الجنود، بل صارت حروب مدن يقضي فيها ألوف المدنيين ويتحكم بها علماء رياضيات وفيزياء وكيمياء لم تعرفهم معارك البشر من قبل. وقد انعكس ذلك بطبيعة الحال على أدب تلك الفترة الذي بدا سجلاً أميناً لمشاعر الذهول الجمعي والعجز وفقدان الأمل أو المعنى، إذ لم تعد الأسلاك الشائكة والخنادق تعبر عن أهوال الحرب، فهذا عصر رموزه الهولوكوستات ومعسكرات الموت الجماعي والقنابل النووية والهلع، ولم تعد الشجاعة أو النبل لتعني شيئاً.
الحرب الكورية ولاحقاً حرب فيتنام كانت بشكل أو آخر امتداداً للحرب العالمية الثانية على مستوى الوعي الإنساني، ومثّل أدبها انقطاعاً تاماً عن الماضي وتحولاً عن أدب الحرب كما عرفناه قبل 1939. ومع ذلك فإننا يمكن أن نبدأ بتلمس تطور نوعي شامل في طبيعة الحرب ذاتها بدءاً من حرب أفغانستان، ثم حرب الخليج الأولى عام 1991 والثانية 2003 لدرجة أن فيلسوف ما بعد الحداثة الفرنسي بودليارد نشر مقالة هامة شاعت وقتها كان عنوانها «حرب الخليج لم تقع»، بمعنى أن الحرب تغيرت بالمجمل، ولم تعد مطلقاً تشبه خبرتنا -حتى ذلك الحين- عن الحرب.
حرب الإمبراطورية الأميركية اليوم دخلت في أفق جديد تماماً. فتقنيات القتل الجديدة مثل «الدرون» والصواريخ الموجَّهة حصرت موضوع الموت في المقتول دون القاتل، وحوَّلت المقتول إلى مجرد إحداثيات يعتمد رصدها على شبكة تحتية من أدوات الاتصال فائقة الذكاء. لم تعد المعارك مواجهة بين طرفين، بل هي أشبه بصياد يطارد فريسته وهو يحتسي القهوة في مكتب آمن على بعد آلاف الأميال، كما لو كانت لعبة فيديو أخرى. نتيجةُ ذلك كانت عزل الإنسان عن أجواء المعركة، فبينما شارك 15% من الأميركيين مثلاً في الحرب العالمية الثانية بأنفسهم، فإن المجهود الحربي الأميركي في أثناء حرب العراق لم يحتجْ إلا إلى أقل من 1% منهم، غالبهم في مهمات مساندة لوجيستية واتصالات، وكثير منهم شاركوا في الحرب –بشكل أو بآخر– دون مغادرة مقرات عملهم في القواعد الأميركية، الأمر الذي جعل التجربة الإنسانية عن الحرب تتضاءل وتتسطح وتقتصر على عدد محدود من التقنيين، مع شبه انعدام في الخسائر البشرية مقابل كتلة ضحايا هائلة سحقها الموت على الجهة الأخرى.
النموذج المستجدّ للحرب جعل كل كتابة أدبية عنها بمثابة خداع للذات حول ادعاء فهم أبعاد التجربة الإنسانية التي ترافق أهوال الموت الجماعي هذه، ناهيك بتصور صيغة الحرب ذاتها. ولذا فإن مراجعة سريعة للأعمال الروائية الأميركية الصادرة حديثاً تحت تيمة أدب الحرب تكشف عن هزال فظيع في القيمة الإنسانية والفنية للأعمال رغم أرقام المبيعات الخادعة أحياناً. مثلاً رواية «أخضر على أزرق» (إليوت أكيرمان – 2015) التي تروي جانباً من حرب أفغانستان، تبدو كأنها نص كتبه موظفو استخبارات لا أكثر، بينما رواية «دمٌ شاب» (مات غالاغر – 2016) التي تعالج حرب العراق تبدو كرواية سيكولوجية تحبس مشاعر الرعب والقلق على المستوى الفردي المحض للجندي الأميركي، ولا تمسّ معاناة مئات الألوف من ضحاياهم، فكأنها أدب اعترافات شخصية لتاجر مخدرات في مدينة أميركية باهتة أكثر منها رواية حربٍ هائلة.
عندما جمع الشاعر البريطاني المعروف ويليام بتر ييتس كتاب أكسفورد عن النتاجات الأدبية التي أفرزتها الحرب العالمية الأولى، أخذ قصائد الشعر التي خطتها أيدي الجنود، واستبعد تلك التي كتبها الضباط وكبار القادة رغم أن بعض الأخيرة كانت قيِّمة دون شك. بالنسبة إلى ييتس، المعاناة السلبية من الخطوط الخلفية لا تؤهل صاحبها لوصف تجربة الحرب على حقيقتها.
كل أدب الحرب المعاصر ينتمي إلى مجموعة المعاناة السلبية ذاتها التي تفشل في التأهل للحديث عن عمق التجربة البشرية في هذه الحالة الاستثنائية حد التلاشي. لقد تغيرت الحرب: فالجنود ما عادوا جنوداً، والموت صار تقنية رقمية، وغدت الضحايا بالأكوام، ولن يكون آخرها «أدب الحروب».



97 مليون قاصد لـ«الحرمين» خلال 20 يوماً من رمضان

المسجد الحرام استقبل نحو 58 مليون مصلٍّ و16 مليون معتمر (واس)
المسجد الحرام استقبل نحو 58 مليون مصلٍّ و16 مليون معتمر (واس)
TT

97 مليون قاصد لـ«الحرمين» خلال 20 يوماً من رمضان

المسجد الحرام استقبل نحو 58 مليون مصلٍّ و16 مليون معتمر (واس)
المسجد الحرام استقبل نحو 58 مليون مصلٍّ و16 مليون معتمر (واس)

بلغ إجمالي أعداد قاصدي وزوار الحرمين الشريفين 96 مليوناً و638 ألفاً و865 شخصاً خلال الفترة من 1 حتى 20 رمضان الحالي، الموافق من 18 فبراير (شباط) إلى 9 مارس (آذار) 2026.

وأوضحت «هيئة العناية بشؤون الحرمين الشريفين» أن هذه الإحصائية جاءت وفق مؤشرات تشغيلية تقيس إجمالي مرات الدخول للمصليات والعمرة، في مشهد يعكس المكانة الروحية والإيمانية للحرمين الشريفين، والإقبال الكبير من المسلمين لأداء العبادات في الشهر الفضيل.

وأفادت الهيئة بأن المسجد الحرام في مكة المكرمة استقبل 57 مليوناً و595 ألفاً و401 مصلٍّ أدّوا الصلوات الخمس وصلاة القيام، إضافةً إلى 15 مليوناً و605 آلاف و86 معتمراً.

وبيّنت أن المسجد النبوي في المدينة المنورة استقبل 21 مليوناً و143 ألفاً و259 مصلّياً أدّوا الصلوات الخمس وصلاة القيام، و579 ألفاً و191 في الروضة الشريفة، مضيفة أن عدد من قام بالسلام على النبي - صلى الله عليه وسلم- وصاحبيه - رضي الله عنهما - بلغ مليوناً و715 ألفاً و928 زائراً.

وأكدت الهيئة أن هذه الأرقام تعكس الجاهزية التشغيلية العالية وتكامل منظومة الخدمات المقدمة لقاصدي الحرمين الشريفين خلال شهر رمضان، بما يضمن انسيابية الحركة وتهيئة بيئة تعبّدية آمنة.


حضور سعودي لافت في «مالمو للسينما العربية» بالسويد

الممثلة لامار فدان في فيلم «هجرة» (الشركة المنتجة)
الممثلة لامار فدان في فيلم «هجرة» (الشركة المنتجة)
TT

حضور سعودي لافت في «مالمو للسينما العربية» بالسويد

الممثلة لامار فدان في فيلم «هجرة» (الشركة المنتجة)
الممثلة لامار فدان في فيلم «هجرة» (الشركة المنتجة)

تشهد الدورة السادسة عشرة من مهرجان «مالمو للسينما العربية» بالسويد حضوراً لافتاً للسينما السعودية بوجود أفلام سعودية في مختلف مسابقات المهرجان الأبرز للسينما العربية بالدول الإسكندنافية، المقرر انطلاق فعالياته خلال الفترة من 10 إلى 16 أبريل (نيسان) المقبل.

وتشارك المخرجة السعودية شهد أمين بفيلمها «هجرة» في المسابقة الرسمية للمهرجان، وهو الفيلم الذي عرض للمرة الأولى ضمن فعاليات النسخة الماضية من مهرجان «البندقية»، ونال لدى عرضه عربياً في مهرجان «البحر الأحمر» جائزة «فيلم العلا» لأفضل فيلم سعودي بتصويت الجمهور، بالإضافة إلى جائزة «لجنة التحكيم».

وتدور أحداثه حول حكاية جدة تسافر مع حفيدتَيها إلى مكة المكرمة عام 2001، في رحلة تتخلّلها مواقف إنسانية مؤثرة. وعندما تختفي الحفيدة الكبرى في ظروف غامضة، تبدأ رحلة البحث عنها برفقة الحفيدة الصغرى، وسط مزيج الألم والأمل.

أما مسابقة «الأفلام الوثائقية» فتشهد حضور المخرج علي سعيد بفيلمه «ضد السينما» الذي عرض للمرة الأولى في النسخة الماضية من مهرجان «القاهرة السينمائي»، وهو العمل الذي يروي حكاية انطلاق السينما السعودية متتبعاً جيل أطفال الثمانينات الذين أحبوا السينما وتعلقوا بها.

الملصق الترويجي لفيلم «ضد السينما» (الشركة المنتجة)

ويرصد الفيلم المحاولات الأولى لصناعة الأفلام والتحديات التي واجهتهم، مستعيناً بالأرشيف الصحافي ومانشيتات الصحف السعودية، ومن بينها مانشيتات صحيفة «الشرق الأوسط» موثقاً لمائة عام من رحلة السينما السعودية، منذ انطلق أول شريط تصوير للفرنسي «جو براش» في جدة.

بينما تحضر المخرجة السعودية سارة بالغنيم بفيلمها القصير «ارتزاز» الذي عرض في الدورة الماضية لمهرجان «البحر الأحمر»، وتدور أحداثه في الرياض من خلال أم تعاني إحباطاً من ابنتها، وتمارس الضغوط عليها حتى تخطط للزواج، وهو من بطولة ريم الحبيب ورند القصيبي.

ويشهد برنامج «ليالي عربية» عرض الفيلم السعودي «إسعاف» الذي يقوم ببطولته إبراهيم الحجاج مع بسمة داود ومحمد القحطاني، ومن إخراج كولين توج، وتتناول قصته شابين يعملان مسعفَين، الأول مستهتر والثاني جاد، وكلاهما يتورط مع مجرم يلاحق كلاً منهما بشكل مريب، فيحاولان الهرب منه، ولكن يقعان في ورطة طريفة عبر مواقف كوميدية متتالية.

فريق فيلم «إسعاف» مع المخرج كولين توج (الشركة المنتجة)

وتشهد المسابقة الرسمية للمهرجان في الأفلام الروائية الطويلة عرض أفلام شاركت غالبيتها في مهرجانات سينمائية عالمية، منها الفيلمان المصريان «كولونيا» للمخرج محمد صيام، و«القصص» للمخرج أبو بكر شوقي، بالإضافة إلى الفيلم المغربي «زنقة ملقا» الذي مثّل السينما المغربية في ترشيحات الأوسكار، بالإضافة إلى الفيلم الأردني «غرق» للمخرجة زين دريعي.

كما حضر في المسابقة الفيلم العراقي «إركالا: حلم كلكامش»، وفيلم «يونان» للمخرج أمير فخر الذي عرض العام الماضي في مهرجان «برلين السينمائي»، بالإضافة إلى الفيلم التونسي «وين ياخدنا الريح» للمخرجة آمال قلاتي، والفيلم الإماراتي «باب» للمخرجة نايلة الخاجة، بالإضافة إلى الفيلم الفلسطيني «اللي باقي منك» للمخرجة شيرين دعبيس.

وكان المهرجان قد أعلن الشهر الماضي عن تكريم «رائد السينما السعودية» المخرج عبد الله المحيسن ليكون الشخصية المكرمة في النسخة الجديدة، مع عرض فيلمه «اغتيال مدينة» وتنظيم «ماستر كلاس» يناقش فيه تجربته السينمائية ورؤيته الفنية.

وأرجع الناقد السعودي أحمد العياد وجود أفلام سعودية في مختلف مسابقات المهرجان خلال النسخة المقبلة إلى الحضور المتزايد للسينما السعودية عالمياً، بما يعكس حالة التنوع التي باتت تتسم بها داخل المملكة، ما بين الأفلام الروائية الطويلة والقصيرة إلى جانب الأفلام الوثائقية.

وأضاف العياد لـ«الشرق الأوسط» أن «الحراك السينمائي الذي تشهده السعودية في السنوات الأخيرة أسهم في لفت أنظار المهرجانات المعنية بالسينما العربية إلى التجارب السعودية الجديدة، وهو نشاط جعل كثيراً من تلك المهرجانات يحرص على إدراج أعمال سعودية ضمن برامجه المختلفة، لما وصلت إليه من مستوى فني ملحوظ وتنوع في الموضوعات والأساليب».

ولفت إلى أن مهرجان «مالمو للسينما العربية» يعدّ من أبرز المنصات التي تتابع هذا التطور عن قرب، مؤكداً أن حضور الأفلام السعودية في أكثر من مسابقة وبرنامج يعكس الاهتمام المتزايد بهذه التجربة السينمائية، ويمنح صناعها فرصة أوسع للتعريف بأعمالهم أمام جمهور أوروبي ومهنيين في صناعة السينما، مشيداً بإتاحة المهرجان عرض الأفلام السعودية في مدن إسكندنافية مختلفة على غرار ما حدث العام الماضي مع أفلام «فخر السويدي» و«نورة».


حين يتحوَّل الفن في لبنان وسيلة للتغلب على القصف

نازحون إلى المسرح الوطني في صور (المسرح الوطني اللبناني)
نازحون إلى المسرح الوطني في صور (المسرح الوطني اللبناني)
TT

حين يتحوَّل الفن في لبنان وسيلة للتغلب على القصف

نازحون إلى المسرح الوطني في صور (المسرح الوطني اللبناني)
نازحون إلى المسرح الوطني في صور (المسرح الوطني اللبناني)

يتنقل الممثل والمخرج قاسم إسطنبولي بين المسارح الثلاثة التي يديرها في طرابلس وصور وبيروت، مطمئناً على حال رواده الذين أتوا هذه المرة لا لمشاهدة مسرحية ولا لمتابعة مهرجان، بل أتوا هاربين من القصف الإسرائيلي. عشرات النازحين وجدوا في هذه المسارح المكان الوحيد الذي استطاعوا الالتجاء إلى سقفه.

«المسرح الوطني اللبناني» بفروعه في المدن الثلاث تحوَّل إلى مأوى لنازحين من مختلف الجنسيات. في مدينة صور التي تلفّها النيران، تجد لبنانيين وسوريين وفلسطينيين، وعاملات منزليات من إثيوبيا وبنغلاديش، إضافة إلى أطفال ومسنين. كلٌّ يمضي وقته بالطريقة التي تروق له. ومع النازحين في المسرح حيواناتهم الأليفة التي اصطحبوها معهم؛ فهناك من أتى بعصفور، وآخر يعتني بكلبه الذي رفض أن يتركه خلفه. 50 شخصاً في صور يعيشون معاً في هذا المسرح، ويحاولون إضفاء المرح على جلساتهم رغم الخطر المحدق بهم.

ورشة رسم في المسرح (المسرح الوطني اللبناني)

يخبرنا إسطنبولي أن الأمر ليس بالسوء الذي نتصوره. يقول: «ننظم أنشطة باستمرار، وثمة أطفال بالعشرات يأتوننا من خارج المسرح خصيصاً ليشاركوا في برامجنا خلال النهار رغم أجواء الحرب». وينوِّع القيّمون على المسرح وسائل التسلية المفيدة لتزجية الوقت. ويضيف: «ننتقل بين الرسم والقراءة والأشغال اليدوية، ونركز على السيكودراما كي نساعد الأولاد على التغلب على مخاوفهم التي لا يعبرون عنها. التمثيل كفيل بذلك، والحكواتي مفيد أيضاً في مثل هذه الظروف».

وحين نسأل إن لم يكن الخوف أقوى من الفن في مثل هذه اللحظات، يجيبنا إسطنبولي متفائلاً: «الله هو المسلِّم». ويستطرد ضاحكاً: «الغريب أنه بدلاً من الخوف نجد الناس في المسرح يتواطؤون ضمناً على خلق أجواء من البهجة والراحة مع بعضهم بعضاً. هناك ألفة وتعاطف. ثمة من يأتون لليلة واحدة ثم يغادرون لأنهم وجدوا مكاناً آخر، أو ارتأوا العودة إلى منازلهم».

ميزة أن تكون هارباً من الحرب إلى مسرح أنك تخرج من أجواء الحرب قسراً. ثمة نازح يجيد العزف على البيانو يرفّه عن الموجودين كل يوم بقدر استطاعته، كما تُعرض أفلام بشكل مستمر لتمضية الوقت، وتُنظَّم ورشات رسم وتمثيل. إنها طريقة للترفيه عن أناس تركوا بيوتهم ولا يعرفون إن كانوا سيجدونها عند عودتهم إليها، خصوصاً أن غالبية الموجودين في المسرح الوطني في صور هم من القرى الحدودية التي تتعرض لأشد أنواع القصف والتدمير.

النوم في المسرح شأن آخر (المسرح الوطني اللبناني)

الألم كبير والقلق دائم. الأطفال يجدون ضالتهم في المسرح، تحديداً في هذه المدينة المرهقة بالقصف، حيث يحرص إسطنبولي على البقاء مع النازحين. يقول: «ثمة من قال إنه ينسى أحياناً الحرب وهو يتابع فيلماً أو يسمع معزوفة. تلك طريقتنا في المقاومة».

ولا يكتفي إسطنبولي بالترفيه عن رواد مسرحه، بل يجول أيضاً في مراكز إيواء مختلفة مع أعضاء من «جمعية تيرو للفنون»، وينشّط ورشات عمل للأطفال في مراكز متعددة موزعة في هذه المدينة الجنوبية.

بين النازحين في المسارح الثلاثة من كانوا قد لجأوا إلى المكان نفسه في الحرب العام الماضي؛ فقد باتوا يعرفون العنوان ويأنسون له.

في «المسرح الوطني» في طرابلس تقيم عائلة من جنوب أفريقيا وأخرى فرنسية، إلى جانب 7 عائلات تضم 27 شخصاً. يقول إسطنبولي: «معنا شعروا بالأمان العام الماضي، وهم يقيمون اليوم معزَّزين مكرَّمين».

وتشرح سيدة سورية في المسرح أنها لم تتمكن من العودة إلى بلادها مع أولادها اللبنانيين، ففضَّلت البقاء هنا إلى أن تنجلي الغمة.

تمضي الأيام بطيئة على النازحين، لكنهم يتعاونون في تحضير الوجبات في مطبخ المسرح. فقد أمّنت هذه المراكز الثلاثة كل ما يلزم من ضروريات أولية: كهرباء، وماء ساخن، وإنترنت على مدار اليوم، إضافة إلى الكتب والألعاب. ويقول إسطنبولي: «من حسن حظنا أننا احتفظنا بالفرش والأغطية من حرب العام الماضي. بمجرد أن وصل الملتجئون إلينا، كنا في جاهزية».

بعض المساعدات تصل إلى النازحين؛ إذ بدأت جمعيات تعرف بالحاجة في طرابلس وتحاول تقديم العون، لكنها غير كافية. لذلك أطلق المسرح دعوة للتبرع، ووزّع أرقام هواتف لمن يريد تقديم المعونة، ومن يرد أن يتوجه إلى المسرح شخصياً ويتبرع لعائلة بعينها، فالأمر مفتوح ومتاح.

المسرح يتَّسع لرواده في كل الأوقات (المسرح الوطني اللبناني)

لكن هذا ليس ما يشغل المنظمين أساساً؛ فالمهم هو الإحساس بالراحة والتعاون بين المقيمين في المسرح الواحد، وروح الأخوّة بينهم.

الصعوبات مقدور عليها، والحرب كانت متوقعة؛ لذلك منذ اللحظات الأولى لاندلاعها بدأت الاجتماعات.

ويقول إسطنبولي: «كانت لدينا كميات من الماء، والعصير، والكيك، وبعض الأشياء الأخرى، وما يقارب من 50 فرشة جاهزة، لذلك جاءت الاستجابة سريعة».

يرى إسطنبولي أن «المسرح الوطني» و«جمعية تيرو للفنون» يعملان أقل من الواجب في ظروف تستدعي نخوة الجميع. ويوضح: «المسرح هو نبض الناس وصوتهم، وقد وُجِد في الأصل لخدمتهم. وهذه علاقة لا تتوقف على تقديم المسرحيات وتنظيم المهرجانات». ويضيف: «ما قيمة المسرح إن أغلق أبوابه في وجه رواده في الأوقات العسيرة التي يكونون فيها بأشد الحاجة إلى الدعم؟».

وحين سأل إسطنبولي امرأة نازحة إلى المسرح، في اليوم العالمي للمرأة، عمَّا تتمناه في عيدها، قالت: «أن يبقى لكل امرأة بيتها».