السبق الصحافي... المقابلة أم المحتوى؟

السبق الصحافي... المقابلة أم المحتوى؟

مقابلة «نيويورك تايمز» مع ترمب أشعلت السجال
الاثنين - 6 جمادى الأولى 1439 هـ - 22 يناير 2018 مـ رقم العدد [ 14300]
واشنطن: محمد علي صالح
قبل أسابيع قليلة، نشرت مجلة «كولومبيا جورناليزم ريفيو» (تصدرها كلية الصحافة في جامعة كولومبيا، في نيويورك) عرضا لأهم الأحداث الصحافية خلال العام الماضي. وقالت إن تغريدات الرئيس دونالد ترمب في موقع «تويتر» قللت قدرة الصحافيين على تحقيق سبق صحافي معه. وقللت رغبتهم في إجراء مقابلات صحافية معه. وذلك لأنه يكرر ما كان غرد.
لهذا، قبل مدة وجيزة، عندما حققت صحيفة «نيويورك تايمز» سبقا صحافيا، وأجرت مقابلة خاصة معه، اعترفت الصحيفة نفسها بأن ترمب لم يعلن خبرا هاما أثناء المقابلة. لكن، في تقرير منفصل، افتخر مايكل شمت، الذي أجرى المقابلة بما قام به.
وبدأ صحافيون وخبراء إعلام يسألون: ما هو الأهم: المقابلة أم المحتوى؟
قالت مجلة «كولومبيا جورناليزم ريفيو»: «في عصر الإنترنت، صارت كل مقابلة صحافية سبقا صحافيا. وذلك لأن الإنترنت كله يعتمد على من ينشر ماذا قبل من».
وقال جيك شيرمان، صحافي في صحيفة «بوليتيكو»: «في عصر الإنترنت، صار كل واحد منا يريد مزيدا من المتابعين. ليس فقط لأهمية ما يكتب، ولكن، أيضا، لأهمية عدد المتابعين». وأضاف: «لهذا، يجب ألا نخجل من المقابلات الصحافية التي نجريها (مع أي شخص تقريبا). يجب أن نفتخر، وأن نعمل لنشر المقابلة (في أكثر من موقع)».
يسأل السؤال عينه عدد كبير من الصحافيين أنفسهم. وفعلا، أجرت أكثر من قناة تلفزيونية مقابلات مع شمت، صحافي «نيويورك تايمز» عن مقابلة ترمب. وكان صحافي تلفزيون «إم إس إن بي سي» خشنا عندما كرر هذا السؤال في مقابلته مع شمت.
لكن، في تقريره المنفصل في صحيفة «نيويورك تايمز»، افتخر شمت بما قام به. وقال إنه لا يفعل ذلك لأنه شخص مغرور، ولكن، لأن ما قام به يمكن اعتباره درسا مفيدا للصحافيين، وللعمل الصحافي.
وفي تواضع واضح، قلل شمت من الجهد الذي بذله لتحقيق المقابلة الصحافية. وقال إن «مجموعة من الصدف» خدمته.
قال إن أول صدفة كانت اختياره ليرافق ترمب في إجازته في فلوريدا، خلال احتفالات بداية العام الجديد. وذلك لأن شمت ليس من صحافيي الصحيفة الذين يغطون البيت الأبيض.
خدمت ثاني صدفة شمت عندما وصل إلى فلوريدا. حجز في فندق قريب من نادي ترمب، واستأجر سيارة يتنقل بها خلال الأسبوع. كتب عن وصول ترمب إلى هناك. وكتب عن النادي نفسه، وعن زيادة رسوم العضوية بعد أن صار ترمب رئيسا. وعن البذخ والترف عندما يختلطان مع الحكم والقوة.
كان ينزل في نفس الفندق كريستوفر رادي، من أثرياء رجال الأعمال والمستثمرين في نيويورك، وصديق قديم لترمب. وجد شمت أن هذه فرصة ليقابل رادي، ويجمع منه معلومات عن ترمب. واقترح رادي أن يتحدثا خلال وجبة غداء. واقترح أن يكون ذلك في نادي ترمب الذي ظل رادي عضوا فيه منذ أكثر من 10 أعوام.
صدفة ثالثة خدمت شمت عندما دخل قاعة الطعام مع مضيفه. وجلسا حول مائدة عند ركن قريب. وفوجئ الرجلان بدخول ترمب والشرطة السرية التي ترافقه. كانا يعرفان أن ترمب يلعب كرة الغولف في النادي، لكنهما لم يتوقعا حضوره إلى قاعة الطعام.
وسارع رجال الأمن، ومدير النادي، ومدير قاعة الطعام، وفي هرج ومرج، جهزوا مائدة ليجلس عليها ترمب مع بعض أصدقائه. في البداية، لم يجلس ترمب، بل حيا بعض الحاضرين، وتحدث قليلا مع بعضهم.
بعد أن جلس ترمب، قال رادي لشمت إنه سيذهب إلى ترمب، ويحييه، ثم يعود. واقترح على شمت أن يذهب معه «لتقل هاي للرئيس».
لاحظ شمت أن ترمب حيا رادي في ود واضح. ولماذا لا، وتلفزيونات رادي (وإذاعاته ومواقعه في الإنترنت) تمدح ترمب صباحا ومساء. وقدم رادي شمت لترمب، وقال له إنه صحافي من صحيفة «نيويورك تايمز».
لاحظ شمت أن ترمب فوجئ به: لم يعرف من هذا؟ وكيف دخل إلى قاعة الطعام في النادي؟ وما هي علاقته مع رادي؟
لكن، تصرف شمت تصرف الصحافي الذكي والمحترم. وذكر ترمب أنه كان أجرى معه مقابلة صحافية في الصيف الماضي (مع زميله بيتر بيكر، وزميلتهما ماغي هابرمان).
رد ترمب بأنه يتذكر شمت. وتندر (وربما لم يتندر) بأن شمت هو مراسل «صحيفة نيويورك تايمز الفاشلة»، بوصف الرئيس الأميركي. لكن، قال ترمب إن المقابلة الصحافية التي نشرها الثلاثة، بعد أن قابلوه، كانت «عادلة».
لم يتوقف ترمب عن الكلام، ووجد أنها فرصة ليفتخر أمام الصحافي بإنجازاته (على رأسها قانون تخفيض الضرائب الذي كان ترمب وقع عليه قبل سفره من واشنطن إلى فلوريدا).
وفكر شمت: «ما دام ترمب يريد الحديث معي وأنا واقف وهو جالس، لماذا لا أحول الحديث إلى مقابلة صحافية؟» في الحال، جلس شمت القرفصاء على الأرض، قرب المقعد الذي يجلس عليه ترمب. قال شمت إنه فعل ذلك لأكثر من سبب: أولا ليتحدث ترمب وهو أعلى من شمت، وليحس أن هذا الصحافي لا يريد مواجهته. ثانيا: إذا استمر ترمب ينظر إلى أدنى، إلى الصحافي، لن تشغله أشياء أخرى حول مائدة الطعام، أو في قاعة الطعام. ثالثا: إذا طال الحديث، يمكن أن يتحول إلى مقابلة صحافية.
تذكر شمت، وهو ساجد القرفصاء على الأرض، أنه تعلم هذا النوع من الجلوس عندما كان طالبا في المدرسة الثانوية. كان يلعب في فريق كرة البيسبول في المدرسة. عادة، يجلس واحد من اللاعبين القرفصاء ليتلقى كرات الفريق المضاد.
أحس شمت أن الجلسة لم تكن مريحة، لكن رغبته في مقابلة صحافية مع ترمب كانت أهم من راحته الجسمانية.
وتذكر شمت أن ترمب كان، في اليوم السابق، تحدث إلى مجموعة من الصحافيين، وقال لهم إنه سيتحدث معهم مرة أخرى قريبا. لهذا، قال شمت لترمب: «أود، يا سيادة الرئيس، أن أحول هذا الحديث إلى مقابلة صحافية، إذا يمكن ذلك». صدفة رابعة: وافق ترمب. وقال: «بعد أن أكمل الغداء». عاد شمت، مع رادي، إلى مائدتهما.
بعد 5 دقائق، سمع شمت ترمب ينادي: «مايكل، مايكل، تعال إلى هنا».
عندما وصل، وهو يكاد يطير من الفرح، إلى مائدة ترمب، حرك ترمب كرسيا قريبا منه، ودعا شمت ليجلس عليه. سارع شمت، وأخرج مسجلا صغيرا من جيبه. وكعادة الصحافيين، سأل ترمب إذا يوافق على تسجيل المقابلة.
قال ترمب: «أوكي».
بينما كان ترمب يتحدث، كان فكر شمت يتنقل هنا وهناك: حيث أحس أن المكتب الصحافي للبيت الأبيض لن يرضى عنه، وذلك لأنه لم يقابل ترمب عن طريق المكتب. ولأن ترمب يريد دائما السيطرة على مقابلاته الصحافية، سأله شمت، في البداية، أسئلة سهلة، حتى يطمئن إليه.
وها هي 30 دقيقة تقريبا، والمقابلة الصحافية مستمرة، منفردين، ووجها لوجه.
بعد نهاية المقابلة، استأذن شمت من رادي الذي كان دعاه إلى النادي. واستقل السيارة التي كان أجرها ليعود إلى الفندق الذي ينزل فيه، وليجهز المقابلة الصحافية. لكن، قبل أن يدير مفتاح ماكينة السيارة، اتصل تليفونيا مع زملائه في رئاسة مكاتب «نيويورك تايمز» في نيويورك. وقال لهم إنه أنهى مقابلة 30 دقيقة مع ترمب، منفردين.

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة