السلطة الفلسطينية تدرس دوراً روسياً بديلاً عن الوساطة الأميركية

عريقات: قرار ترمب يشكل بداية حقبة جديدة يمكن تسميتها «مرحلة فرض الإملاءات»

عائلة فلسطينية تتجمع حول موقد للنار داخل أحد مخيمات خان يونس الذي يعرف موجة برد قارس (رويترز)
عائلة فلسطينية تتجمع حول موقد للنار داخل أحد مخيمات خان يونس الذي يعرف موجة برد قارس (رويترز)
TT

السلطة الفلسطينية تدرس دوراً روسياً بديلاً عن الوساطة الأميركية

عائلة فلسطينية تتجمع حول موقد للنار داخل أحد مخيمات خان يونس الذي يعرف موجة برد قارس (رويترز)
عائلة فلسطينية تتجمع حول موقد للنار داخل أحد مخيمات خان يونس الذي يعرف موجة برد قارس (رويترز)

كشف الدكتور صائب عريقات، أمين سر اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية ورئيس دائرة شؤون المفاوضات، عن طبيعة الصفقة الأميركية المنتظرة في تقرير سياسي، قدمه للرئيس الفلسطيني محمود عباس، وحصلت «الشرق الأوسط» على نسخة منه، يتضمن خريطة طريق فلسطينية للتعاطي مع الأطراف المختلفة في المرحلة المقبلة.
وقال عريقات إن خطاب الرئيس الأميركي دونالد ترمب في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، وقراره الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، ونقل السفارة من تل أبيب إلى القدس، يشكل البداية لمرحلة أميركية جديدة في عملية السلام داخل الشرق الأوسط، يمكن تسميتها «مرحلة فرض الإملاءات»، تقوم على أن كل من يريد السلام فعليه أن يوافق على ما تفرضه أميركا، وأن كل ما يعارض ذلك سيعتبر من قوى الإرهاب والتطرف المتوجب على القيادات السياسية في المنطقة طردها ومحاربتها.
وأضاف عريقات موضحا: «لقد بدأ الرئيس ترمب بفرض المرحلة الأميركية الجديدة من خلال الإعلان عن القدس عاصمة لإسرائيل، وسوف تشمل مرحلة فرض الحل على الفلسطينيين والعرب، وبشكل تدريجي فرض إملاءات الحكومة الإسرائيلية حول جميع قضايا الوضع النهائي».
وطالب عريقات بعدم إعطاء الرئيس ترمب أي فرصة، أو الصبر عليه حتى يطرح معالم الصفقة التاريخية، لأن هذا الموقف يعني بالضرورة قبول قرار ترمب باعتبار القدس عاصمة لإسرائيل، ونقل السفارة الأميركية إليها، إضافة إلى قبول سياسة المرحلة الأميركية الجديدة.
وفند عريقات صفقة ترمب، وقال إنها تقوم على الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل ونقل سفارتها إليها، وبالتالي انتهاء مسألة القدس.
وبحسب وثيقة عريقات فإن إدارة ترمب سوف تقوم باختراع عاصمة لدولة فلسطين في ضواحي القدس (خارج إطار 6كم2) عام 1967. وستعلن خلال شهرين أو ثلاثة على أبعد حد الموافقة على ضم الكتل الاستيطانية (نتنياهو يطرح ضم 15 في المائة، فيما يقترح ترمب 10 في المائة، وهذا ما قرره حزب الليكود بالإجماع أواخر ديسمبر الماضي).
وأوضح عريقات أن «إدارة الرئيس ترمب ستقوم بعد ذلك بالإعلان عن مفهوم أمني مُشترك لدولة إسرائيل ودولة فلسطين كشركاء في السلام، يشمل دولة فلسطين منزوعة السلاح مع قوة بوليس قوية، وتعاون أمني ثنائي وإقليمي ودولي، وبما يشمل مشاركة الأردن ومصر وأميركا، وسيكون الباب مفتوحا أمام دول أخرى، ووجود قوات إسرائيلية على طول نهر الأردن والجبال الوسطى، وذلك لحماية الدولتين، على أن تبقي إسرائيل على صلاحيات الأمن القصوى في يدها لحالات الطوارئ، وفي المقابل تنسحب القوات الإسرائيلية، وتعيد تموضعها تدريجياً خارج المناطق (أ+ب)، مع إضافة أراض جديدة من المنطقة (ج)، وذلك حسب الأداء الفلسطيني (لم يحدد الزمن)، وتعلن دولة فلسطين بهذه الحدود».
وتريد أميركا ضمن الخطة الجديدة، كما أوضح عريقات، أن تعترف دول العالم بدولة إسرائيل كوطن قومي للشعب اليهودي، وبدولة فلسطين كوطن قومي للشعب الفلسطيني، وتقوم إسرائيل بضمان حرية العبادة في الأماكن المُقدسة للجميع، مع الإبقاء على الوضع القائم بها.
وكما جاء في الوثيقة: «سيتم تخصيص أجزاء من مينائي أسدود وحيفا، ومطار اللد للاستخدام الفلسطيني، على أن تكون الصلاحيات الأمنية بيد دولة إسرائيل، وسوف يكون هناك ممر آمن بين الضفة وقطاع غزة تحت سيادة إسرائيل، وستكون المعابر الدولية بمشاركة فلسطينية فاعلة، فيما صلاحيات الأمن القصوى بيد إسرائيل، وتبقى المياه الإقليمية، والأجواء والموجات الكهرومغناطيسية تحت سيطرة إسرائيل، دون الإجحاف بحاجات دولة فلسطين. ويتضمن الحل كذلك حلا عادلا لقضية اللاجئين من خلال دولة فلسطين».
وأكد عريقات أن هذه هي معالم الصفقة التاريخية، التي سوف تسعى إدارة الرئيس ترمب فرضها على الجانب الفلسطيني، مع الإبقاء على عبارة «الحدود النهائية وقضايا الوضع الدائم يتم الاتفاق عليها بين الجانبين ضمن جدول زمني محدد ومتفق عليه».
وأوصى عريقات، الذي يشغل منصب رئيس اللجنة السياسية التي شكلها الرئيس الفلسطيني محمود عباس لوضع خطط وسيناريوهات المرحلة المقبلة، بعدم انتظار قيام أميركا بطرح معالم ومضمون هذه الصفقة «التصفوية الإملائية»، التي تُبقي الوضع القائم على ما هو عليه، والذي يعني دولة واحدة بنظامين، أي تشريع «الأبرتايد» والاستيطان بمعايير أميركية، من خلال حكم ذاتي أبدي. واستبعد عريقات في تقريره تصويب العلاقات الفلسطينية - الأميركية في عهد الرئيس الحالي دونالد ترمب لأن «ذلك لا يمكن أن يتم إلا من خلال إلغاء قرار اعتبار القدس عاصمة لإسرائيل، وإلغاء قرار اعتبار منظمة التحرير الفلسطينية منظمة إرهابية»، مضيفا أن «إدارة الرئيس ترمب لن تقوم بأي من الأمرين، لذلك لا بد من التمسك بوقف كل الاتصالات مع إدارة الرئيس ترمب حول عملية السلام، مع رفض اعتبارها وسيطاً، أو راعياً لعملية السلام بأي شكل من الأشكال».
وجاء تقرير عريقات في وقت أعلن فيه المجلس المركزي الفلسطيني رفضه قرار ترمب، وكلف اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية تعليق الاعتراف بإسرائيل، وتجسيد الدولة الفلسطينية بديلا للسلطة باعتبار أن المرحلة الانتقالية انتهت، والتخلص من الاتفاقات مع إسرائيل وإنهاء الانقسام الفلسطيني.
وطالب عريقات اللجنة التنفيذية بتنفيذ قرارات «المركزي»، ودعا إلى إبقاء المجلس المركزي في حالة انعقاد دائم لمراقبة ومتابعة تنفيذ قراراته.
ويعطي تقرير عريقات انطباعا كاملا عن التحركات الفلسطينية المستقبلية، وهي تحركات تخالف توجهات دول قريبة وبعيدة بالتريث وإعطاء الأميركيين فرصة. لكن الفلسطينيين يميلون إلى إيجاد آلية دولية بديلة للدور الأميركي، على غرار آلية (5 زائد 1) التي وضعت اتفاق النووي الإيراني. كما يعول الفلسطينيون على دول وازنة من الاتحاد الأوروبي، ودول قوية مثل روسيا والصين من أجل لعب هذا الدور. وفي هذا السياق يدرس الفلسطينيون الآن دعوة روسية من أجل لقاء يضم الرئيس الفلسطيني محمود عباس ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.
وكان وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف قد أعلن أول من أمس أن المقترح الروسي حول لقاء الرئيس عباس مع رئيس الوزراء الإسرائيلي ما يزال على الطاولة، ودون شروط مسبقة. وأضاف لافروف: «لقد اقترحنا على رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو والرئيس الفلسطيني محمود عباس عقد لقاء في موسكو دون شروط مسبقة. وهذا الاقتراح لا يزال قائما. وحسبما أفهم فإن الرئيس الفلسطيني على استعداد لمثل هذا اللقاء... وستكون لدينا قريبا اتصالات مع القيادتين الفلسطينية والإسرائيلية، ونحن نود سماع الفرص المتوفرة للخروج من هذا الوضع الصعب».
ومن المقرر أن يصل عباس إلى موسكو في فبراير (شباط) المقبل لنقاش إمكانية «رؤية جديدة للسلام». وفي هذا السياق قالت مصادر فلسطينية لـ«الشرق الأوسط» إن العرض الروسي سيتم نقاشه في موسكو، بما في ذلك إمكانية عقد مؤتمر دولي للسلام، أو إيجاد آلية دولية تقوم على (5+ 2) أو (7+ 2) بديلا لنمط المفاوضات القديمة.



موريتانيا: النقاش يحتدم حول تفشي الفساد وآليات محاربته

سياسيون وفاعلون بالمجتمع المدني خلال جلسة نقاش حول الفساد في موريتانيا يوم السبت (الائتلاف الوطني لمحاربة الفساد)
سياسيون وفاعلون بالمجتمع المدني خلال جلسة نقاش حول الفساد في موريتانيا يوم السبت (الائتلاف الوطني لمحاربة الفساد)
TT

موريتانيا: النقاش يحتدم حول تفشي الفساد وآليات محاربته

سياسيون وفاعلون بالمجتمع المدني خلال جلسة نقاش حول الفساد في موريتانيا يوم السبت (الائتلاف الوطني لمحاربة الفساد)
سياسيون وفاعلون بالمجتمع المدني خلال جلسة نقاش حول الفساد في موريتانيا يوم السبت (الائتلاف الوطني لمحاربة الفساد)

بعد أيام من محاكمة رئيس «منظمة الشفافية الشاملة» في موريتانيا وعضو مجلس الشيوخ السابق، محمد ولد غده، في قضية «تشهير» إثر كشفه عن وثائق زعم أنها تثبت حدوث «فساد» في صفقة شراء مختبر للشرطة، تصدر الحديث عن «ملفات الفساد» الساحة السياسية بالبلاد.

وتزامن الجدل مع هدم السلطات منازل في أحد أحياء العاصمة نواكشوط، بسبب عمليات فساد شابت الحصول على قطع الأراضي التي بُنيت عليها، مما ألقى الضوء على مزاعم الفساد في قطاع العقارات.

وفي هذا السياق، نظم حزب «الإصلاح» الداعم للحكومة، السبت، جلسة نقاش تحت عنوان «الإصلاح في مواجهة الفساد»، ودعا لها عدداً من الشخصيات السياسية والإعلامية والمجتمع المدني.

وخلال الجلسة، قال رئيس الحزب، محمد ولد طالبن، إن الفساد من منظور حزبه «لا يقتصر على الفساد المالي، ولا على سوء التسيير، وإنما الفساد بالمفهوم الشامل».

كما وصف محمد السالك ولد إبراهيم، وهو مستشار سابق في رئاسة الجمهورية، الفساد بأنه «ظاهرة» تؤثر بشكل عميق على الدولة والمجتمع، وقال: «ظاهرة الفساد بمختلف أبعادها تمثل تحدياً كبيراً أمام أي جهود للتحول الديمقراطي، وتحقيق الاستقرار، وبناء دولة قوية».

مصدر التربح الأول

وفي سياق متصل، نظم «الائتلاف الوطني لمحاربة الفساد» جلسة نقاش، يوم الجمعة، طرح فيها موضوع «الفساد في القطاع العقاري وآليات محاربته».

وقال الوالي السابق، صيدو حسن صال، إن الفساد العقاري «يشكل نحو 80 في المائة من مصادر الثراء في موريتانيا»، كما أكد أن ما يقارب 70 في المائة من النزاعات المعروضة أمام القضاء تعود إلى إشكالات مرتبطة بالفساد العقاري.

وخلال النقاش، قال الصحافي، الهيبة الشيخ سيداتي، إن الفساد العقاري «يرتبط بشبكة واسعة ومتجذرة في الدولة والمجتمع»، ولكنه شدّد على أن «المسؤولية الأكبر تقع على عاتق الحكومة».

وأكد سيداتي في مداخلته أن «تفشي الفساد في موريتانيا لا يعود إلى غياب القوانين، بل إلى ضعف تطبيقها، وغياب الصرامة في تنفيذ الأحكام القضائية».

تفشٍ «غير مسبوق»

ومنذ وصوله إلى سدة الحكم في موريتانيا عام 2019، أعلن الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني الحرب على الفساد.

الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني (الرئاسة)

وفتح ولد الغزواني ملفات الفساد في عهد الرئيس السابق محمد ولد عبد العزيز، الذي أودع السجن منذ خمس سنوات بتهم تتعلق بالفساد، بعد صدور حكم عليه بالحبس 15 عاماً.

ومع ذلك تقول أطراف معارضة إن الفساد تفشى بشكل غير مسبوق خلال سنوات حكم ولد الغزواني، رغم ما تعلن عنه الحكومة من إجراءات وأدوات لمحاربة الفساد في الصفقات العمومية والتعيينات.

وأسس ولد غده منذ سنوات «منظمة الشفافية الشاملة» التي أعلنت حينها أن هدفها هو مساعدة الحكومة في الكشف عن الفساد، وكشفت من وقتها عن عدة ملفات انتهى أغلبها في أروقة القضاء.

وتعرض ولد غده للسجن أكثر من مرة. وكان قد خرج لتوه من السجن في أبريل (نيسان) الحالي، بعد أن اتهمته النيابة العامة بالتشهير ونشر معلومات مغلوطة على الإنترنت، خلال حديثه عن شبهات فساد في صفقة لاقتناء مختبر للشرطة الوطنية.

ومَثُل ولد غده الأسبوع الماضي أمام محكمة الاستئناف، التي أكدت براءته من ثلاث تهم، هي إعاقة سير العدالة، وإهانة موظفي وأعوان القوة العمومية، ونشر معلومات كاذبة عبر شبكة الإنترنت، فيما أدانته بتهمة التقليل من أهمية القرارات القضائية، وحكمت عليه بالسجن ثلاثة أشهر مع وقف التنفيذ.


العليمي يشدد على تسريع الإصلاحات واستعادة الثقة الدولية

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني يشدد على تعظيم الموارد الحكومية (سبأ)
رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني يشدد على تعظيم الموارد الحكومية (سبأ)
TT

العليمي يشدد على تسريع الإصلاحات واستعادة الثقة الدولية

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني يشدد على تعظيم الموارد الحكومية (سبأ)
رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني يشدد على تعظيم الموارد الحكومية (سبأ)

وسط مؤشرات على تحسن موقع اليمن في دوائر القرار الاقتصادي الدولي، شدد رئيس مجلس القيادة الرئاسي، رشاد العليمي، على تثبيت المكاسب التي حققتها الحكومة خلال مشاركتها في «اجتماعات ربيع 2026» لمجموعة «البنك الدولي» و«صندوق النقد»، عبر مقاربة تربط بين استعادة الثقة الخارجية وتسريع الإصلاحات الداخلية، بما يضمن ترجمة الدعم الدولي إلى نتائج ملموسة على الأرض.

وخلال اجتماع عقده العليمي مع الوفد الحكومي المشارك في الاجتماعات التي استضافتها واشنطن، بحضور رئيس الوزراء شائع الزنداني، استعرضت الحكومة حصيلة لقاءاتها مع مسؤولي «البنك الدولي» و«صندوق النقد»، إلى جانب ممثلين عن شركاء اليمن والمنظمات والصناديق المانحة، في اجتماعات عكست، وفق التقييم الرسمي، تحسناً واضحاً في نظرة المجتمع الدولي إلى أداء الحكومة ومسارها الإصلاحي.

وأظهرت الإحاطات التي قدمها رئيس الوزراء ومحافظ «البنك المركزي»، أحمد غالب، ووزيرَي المالية والتخطيط، أن اللقاءات شهدت تفاعلاً إيجابياً مع البرنامج الحكومي، لا سيما بشأن الإصلاحات الاقتصادية والمالية والإدارية، وما نتج عنها من ارتفاع في مستوى الثقة بالحكومة بصفتها شريكاً قادراً على إدارة الدعم الخارجي بكفاءة ومسؤولية، واستيعاب الالتزامات التمويلية ضمن أطر مؤسسية منظمة.

مؤشرات على تحسن موقع اليمن على خريطة ثقة المؤسسات المالية الدولية (سبأ)

وأفاد الإعلام الرسمي بأن العليمي وضع نتائج «اجتماعات واشنطن» في سياق أوسع من مجرد نجاح دبلوماسي أو اقتصادي عابر، عادّاً أن ما تحقق يمثل تحولاً مهماً في مسار علاقة اليمن بالمؤسسات المالية الدولية، خصوصاً مع استئناف التواصل والعمل مع «صندوق النقد الدولي» والبرامج التمويلية المرتبطة به، و«هو تطور يحمل دلالات واضحة على عودة البلاد إلى مسار الدعم الدولي المنظم بعد سنوات من التعثر والاضطراب».

حماية الإنجاز

وفق المصادر الرسمية، فقد أشاد رئيس مجلس القيادة اليمني بالانطباعات الإيجابية التي خرج بها شركاء اليمن ومجتمع المانحين تجاه أداء الحكومة، عادّاً أن هذا التحسن لم يكن وليد ظرف سياسي مؤقت، «بل نتيجة مباشرة لجهود متواصلة بذلتها الحكومة و(البنك المركزي) في ضبط السياسات المالية والنقدية، وتعزيز الانسجام داخل مؤسسات السلطة التنفيذية؛ بما أسهم في تقديم صورة أشد تماسكاً للدولة وقدرة على إدارة ملفاتها الاقتصادية بمسؤولية».

لكن العليمي، في الوقت ذاته، شدد على أن هذا المسار لا يزال بحاجة إلى حماية سياسية وإدارية، محذراً بأن أي تراجع في وتيرة الإصلاحات، أو عودة ازدواجية القرار الاقتصادي، من شأنهما التقويض السريع لما تحقق من مكاسب، وتبديد حالة الزخم التي بدأت تتشكل في علاقة اليمن بالمؤسسات الدولية والمانحين.

وأكد أن المرحلة المقبلة تتطلب الانتقال من استعادة الثقة إلى تثبيت الشراكة مع المجتمع الدولي، «عبر الالتزام الصارم بتنفيذ البرنامج الحكومي، وتعزيز الشفافية في إدارة الموارد والتمويلات، وربط الدعم الخارجي بمخرجات عملية تنعكس مباشرة على حياة المواطنين، خصوصاً في قطاعات الخدمات الأساسية».

الحوكمة وتعظيم الموارد

في موازاة الرهان على الشراكات الدولية، وضع رئيس مجلس القيادة اليمني ملف الموارد العامة في صدارة أولويات المرحلة، مؤكداً أن نجاح الحكومة سيقاس بقدرتها على تحسين الإيرادات وتوظيفها بصورة رشيدة ومسؤولة في خدمة المواطنين، «بما يستدعي معالجة الاختلالات القائمة، ومضاعفة الجهود لتعظيم الموارد السيادية، ووقف أي هدر أو تجنيب للإيرادات خارج الأطر القانونية».

وجدد العليمي تأكيده على ضرورة استكمال إغلاق الحسابات خارج «البنك المركزي»، وتوريد جميع الإيرادات إلى الحساب العام للدولة، إلى جانب تعزيز الحوكمة والرقابة المؤسسية، والتنفيذ الصارم لـ«قرار مجلس القيادة رقم 11 لسنة 2025»، بوصفه أحد المفاتيح الأساسية لإعادة ضبط الإدارة المالية العامة.

كما وجه رئيس مجلس القيادة بتفعيل الأجهزة الرقابية، والمضي في أتمتة العمليات المالية، ضمن خطة شاملة لمكافحة الفساد، «بما يسهم في بناء نموذج إداري أعلى انضباطاً وكفاءة في المحافظات المحررة، ويعزز ثقة المواطنين والشركاء الدوليين في آن معاً».

وربط العليمي هذا التحسن في الحضور الدولي باستمرار الدعم السعودي لليمن، مشيراً إلى «الدور القيادي للمملكة في دعم استقرار الاقتصاد الوطني، وتأمين التمويلات الحيوية للخدمات الأساسية، ومساندة جهود الحكومة في تنفيذ الإصلاحات»، مؤكداً أن «الشراكة الاستراتيجية مع الرياض تمثل إحدى الركائز الرئيسية لتعزيز الاستقرار ودفع مسار التعافي».


حضرموت تستعيد ذكرى تحريرها باستعراض قوتها

حضرموت قطعت شوطاً كبيراً في دمج التشكيلات الأمنية والعسكرية (إعلام حكومي)
حضرموت قطعت شوطاً كبيراً في دمج التشكيلات الأمنية والعسكرية (إعلام حكومي)
TT

حضرموت تستعيد ذكرى تحريرها باستعراض قوتها

حضرموت قطعت شوطاً كبيراً في دمج التشكيلات الأمنية والعسكرية (إعلام حكومي)
حضرموت قطعت شوطاً كبيراً في دمج التشكيلات الأمنية والعسكرية (إعلام حكومي)

في ظل متغيرات سياسية وأمنية وعسكرية متسارعة، تواصل محافظة حضرموت ترسيخ حضورها في صدارة المشهد اليمني، مستندة إلى ما تحقق من استقرار أمني وتقدم في إعادة تنظيم المؤسسات العسكرية والأمنية، بالتوازي مع حضورها السياسي المتنامي في النقاشات المتعلقة بمستقبل الدولة وترتيبات المرحلة المقبلة.

وفي هذا السياق، أحيت السلطة المحلية في المحافظة، إلى جانب قيادة المنطقة العسكرية الثانية والأجهزة الأمنية، الذكرى العاشرة لتحرير ساحل حضرموت من سيطرة تنظيم «القاعدة»، في فعالية رسمية حملت رسائل رمزية وميدانية بشأن تثبيت الأمن وتعزيز الجاهزية.

وتأتي هذه المناسبة في وقت تواصل فيه المنطقتان العسكريتان، الأولى والثانية، تنفيذ عملية دمج التشكيلات المسلحة ضمن وزارتي الدفاع والداخلية، بإشراف سعودي، في مسار يستهدف إعادة بناء المؤسسة العسكرية والأمنية على أسس أكثر انتظاماً ومهنية، واستكمال جهود تطبيع الأوضاع في مدن المحافظة عقب الأحداث التي شهدتها مطلع العام الحالي، بما يُعزز الاستقرار ويدعم حضور مؤسسات الدولة.

مناسبة تحرير ساحل حضرموت جاءت مع تصدر المحافظة المشهد اليمني (إعلام حكومي)

وفي إطار إحياء هذه الذكرى، وضع وكيل محافظة حضرموت حسن الجيلاني، ممثلاً عن عضو مجلس القيادة الرئاسي محافظ حضرموت سالم الخنبشي، ومعه قائد المنطقة العسكرية الثانية اللواء محمد اليميني، ومدير عام الأمن وشرطة ساحل حضرموت العميد عبد العزيز الجابري، إكليلاً من الزهور على ضريح الجندي المجهول في النصب التذكاري وساحة الشهداء بمدينة المكلا.

وأكد الجيلاني حرص قيادة السلطة المحلية على تخليد تضحيات الشهداء الذين قدّموا أرواحهم فداءً لحضرموت والوطن، مشيراً إلى أن تلك التضحيات ستظل محل فخر واعتزاز، بعدما سطّر أصحابها أروع ملاحم البطولة في مواجهة التنظيمات الإرهابية واستعادة مؤسسات الدولة.

وما لفت الانتباه خلال الفعالية ارتداء فرقة الموسيقى العسكرية زي قوات البادية الحضرمية التي تشكّلت قبل الاستقلال عن الاستعمار البريطاني في أواخر ستينات القرن الماضي، في خطوة رمزية هدفت إلى استحضار الإرث العسكري المحلي، وربط الحاضر بجذور تاريخية شكلت جزءاً من هوية حضرموت العسكرية والوطنية.

جاهزية قتالية

وشهدت حضرموت سلسلة من الفعاليات العسكرية والوطنية وفاءً لتضحيات مَن أسهموا في دحر الإرهاب واستعادة الأمن والاستقرار؛ حيث نظّم معسكر «قيادة لواء حضرموت» في مديرية دوعن عرضاً عسكرياً وحفلاً خطابياً بالمناسبة، تخلله الاحتفاء بتخرج دفعة جديدة من المشاركين في دورة تنشيطية، بحضور قائد اللواء العميد الركن سالم بن حسينون، ورئيس شعبة التدريب بقيادة المنطقة العسكرية الثانية العميد ناصر الذيباني.

وأكد بن حسينون ضرورة الحفاظ على الجاهزية القتالية في أعلى مستوياتها، مع الالتزام الصارم بالضبط والربط العسكري، مشيداً بصمود أفراد اللواء في مواجهة التحديات الأمنية خلال الأحداث الأخيرة، مشيراً إلى أن تلك التجارب أسهمت في تعزيز قدراتهم القتالية وخبراتهم الميدانية، ورفعت من مستوى الاستعداد للتعامل مع مختلف السيناريوهات الأمنية والعسكرية.

فرقة الموسيقى العسكرية بالزي التراثي لجيش البادية الحضرمي (إعلام حكومي)

وشدّد على أن اللواء سيظل درعاً منيعة في مواجهة أي تهديدات، مؤكداً أن وعي المقاتلين وثباتهم أفشل مختلف الرهانات المعادية، وأن مواصلة برامج التدريب المكثف تُمثل ضرورة لتعزيز كفاءة الأفراد ورفع مستوى الجاهزية العامة للوحدات، بما يضمن الحفاظ على المكتسبات الأمنية التي تحققت خلال السنوات الماضية.

من جانبه، أشاد رئيس شعبة التدريب بمستوى الأداء والانضباط الذي أظهره المشاركون في الدورة التنشيطية، معتبراً ذلك ثمرة مباشرة للجهود التدريبية المكثفة خلال المرحلة الأولى من العام التدريبي، ومؤكداً أن المنطقة العسكرية الثانية تواصل، بمختلف وحداتها، مسيرة التميز والانضباط بدعم متواصل من قيادتها، وبما يُرسخ الأمن والاستقرار في حضرموت.

كما استعرض ركن التدريب في اللواء النقيب محمد الميدعي مراحل الإعداد القتالي والمعنوي التي خضعت لها الدفعة المتخرجة، مؤكداً جاهزيتها للانخراط في مختلف المهام العسكرية، قبل أن تختتم الفعالية بعرض عسكري، استعرضت خلاله السرايا والوحدات المشاركة مهاراتها القتالية بانضباط عالٍ، ما عكس مستوى متقدماً من التدريب والاستعداد الميداني.

عرض بحري

في السياق نفسه، شهد خور مدينة المكلا عرضاً بحرياً لتشكيلات من قوة خفر السواحل ضمن فعاليات الاحتفال بالذكرى العاشرة لتحرير ساحل المحافظة من سيطرة تنظيم «القاعدة»، بحضور عدد من القيادات في السلطة المحلية والعسكرية والأمنية، إلى جانب حشد من السكان الذين تابعوا الاستعراض البحري الذي حمل بدوره رسائل واضحة بشأن تطور القدرات الأمنية في حماية الساحل.

واستعرضت زوارق الدوريات البحرية تشكيلات منتظمة عكست مستوى الجاهزية والانضباط العالي الذي تتمتع به قوة خفر السواحل، وقدرتها على تنفيذ المهام الأمنية في المياه الإقليمية بكفاءة واقتدار، إلى جانب تنفيذ مناورات بحرية متنوعة ضمن مجموعات، واستعراض الزوارق الخاصة والمجهزة التي تُستخدم في حماية الشريط الساحلي ومكافحة التهريب والجريمة المنظمة.

تشكيلات خفر السواحل تستعرض قدراتها في سواحل المكلا (إعلام حكومي)

وأكد قائد قوة خفر السواحل بحضرموت، العقيد البحري عمر الصاعي، أن هذا العرض يُجسد ما وصلت إليه القوات من تطور ملحوظ في مجالات التدريب والتأهيل، بفضل الدعم والاهتمام الذي توليه القيادة السياسية والعسكرية، معتبراً أن تحرير ساحل حضرموت شكّل نقطة تحول مفصلية في تعزيز الأمن والاستقرار وترسيخ دعائم الدولة.

وأوضح أن قوات خفر السواحل تواصل أداء مهامها الوطنية بعزيمة عالية لحماية الشريط الساحلي، ومواجهة مختلف التحديات الأمنية، بما يُسهم في حفظ الأمن والاستقرار، ويُعزز قدرة الدولة على بسط حضورها في المجال البحري، في امتداد لجهود أوسع تشهدها حضرموت لإعادة بناء المؤسسات وترسيخ نموذج أمني أكثر تماسكاً وقدرة على مواجهة التحديات.