تركيا تطلق عملية «غصن الزيتون» العسكرية في عفرين

أنقرة أبلغت دمشق... وإصابة 108 أهداف بينها مطار منغ... وإردوغان يؤكد الانتقال إلى منبج

مقاتل سوري معارض ينظر إلى دخان يتصاعد من عفرين أمس (أ.ف.ب)
مقاتل سوري معارض ينظر إلى دخان يتصاعد من عفرين أمس (أ.ف.ب)
TT

تركيا تطلق عملية «غصن الزيتون» العسكرية في عفرين

مقاتل سوري معارض ينظر إلى دخان يتصاعد من عفرين أمس (أ.ف.ب)
مقاتل سوري معارض ينظر إلى دخان يتصاعد من عفرين أمس (أ.ف.ب)

أعلنت رئاسة الأركان العامة للجيش التركي انطلاق عملية عسكرية باسم «غصن الزيتون» في عفرين شمال سوريا، ودخلت عناصر من فصائل الجيش السوري الحر الموالية لتركيا إلى عفرين. واستدعت الخارجية التركية سفراء كل من الولايات المتحدة وروسيا وإيران وأبلغتهم بانطلاق العملية، فيما جرت اتصالات بين وزيري الخارجية التركي والأميركي ورئيس الأركان التركي ونظيريه الروسي والأميركي حول العملية.
وقالت رئاسة أركان الجيش التركي في بيان أمس، إن العملية العسكرية في عفرين انطلقت اعتباراً من الساعة الخامسة (14:00 ت. غ) تحت اسم «عملية غصن الزيتون». وأضاف البيان أن العملية تهدف إلى «إرساء الأمن والاستقرار على حدودنا، وفي المنطقة، والقضاء على (إرهابيي) كل من حزب العمال الكردستاني وحزب الاتحاد الديمقراطي ووحدات حماية الشعب الكردية وداعش في مدينة عفرين، وإنقاذ شعب المنطقة من قمع وظلم الإرهابيين».
وتابع البيان أن العملية «تجري في إطار حقوق بلادنا النابعة من القانون الدولي، وقرارات مجلس الأمن حول مكافحة الإرهاب، وحق الدفاع عن النفس المشار إليه في المادة 51 من اتفاقية الأمم المتحدة، مع احترام وحدة الأراضي السورية».
وشددت رئاسة الأركان على أن العملية «تستهدف الإرهابيين فقط، ويجري اتخاذ كل التدابير اللازمة للحيلولة دون إلحاق أضرار بالمدنيين». وقصفت قاذفات تركية نقاط مراقبة وكثيراً من الأهداف العسكرية التابعة لحزب الاتحاد الديمقراطي في مناطق تابعة لناحية جنديرس، وهي جلمة والحميدية وحاجلار وفريرية وتل سلور.
وذكر بيان لرئاسة هيئة الأركان التركية أنه تم تدمير 108 أهداف بين 113 هدفاً خططت لتدميرها، كما تم قصف مطار منغ العسكري، وتم نقل كثير من المصابين إلى النقاط الطبية التابعة للقوات التركية، وقالت مصادر طبية إن جميعهم من عناصر الميليشيات الكردية.
وشهدت قاعدة إنجرليك الجوية في أضنة، جنوب تركيا، حركة للطائرات الحربية بعد بدء عملية «غصن الزيتون» وشوهد هبوط 3 مقاتلات في القاعدة بعد بدء قصف مقاتلات سلاح الجو التركي لمواقع التنظيم الإرهابي وانتقلت المقاتلات إلى حظيرة الطائرات في القاعدة.
وبدأت عناصر من فصائل الجيش السوري الحر الموالية لتركيا دخول المناطق التي يسيطر عليها حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي في مدينة عفرين بمحافظة حلب.
وتحركت مدرعات تركية وعناصر من الجيش السوري الحر، متقدمة نحو حدود ولايتي كليس وهطاي التركيتين (جنوب)، باتجاه مناطق في عفرين، عقب استهداف سلاح المدفعية التابع للقوات المسلحة التركية أهدافاً بداخلها ظهر أمس. وبحسب مصادر إعلامية، لم تتعرض وحدات الجيش السوري الحر لأي مقاومة من قبل وحدات حماية الشعب الكردية. واستدعت وزارة الخارجية التركية سفيري روسيا وإيران والقائم بأعمال السفير الأميركي في أنقرة وأطلعتهم على العملية العسكرية. كما تلقى وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو أمس، اتصالاً هاتفياً من نظيره الأميركي ريكس تيلرسون حول عملية عفرين.
وقال جاويش أوغلو إنه تم تسليم النظام السوري مذكرة خطية بشأن العملية العسكرية كما تم إبلاغ الأمم المتحدة.
وفى الوقت نفسه، قالت مصادر إعلامية تركية إن اتصالات جرت بين رئيس الأركان التركي ونظيريه الروسي والأميركي فاليري غيراسيموف وجوزيف دانفورد عقب انطلاق العملية العسكرية.
وأعلنت الحكومة التركية على لسان المتحدث الرسمي باسمها نائب رئيس الوزراء بكير بوزداغ، أن العملية لا تستهدف وحدة الأراضي السورية أو سيادة سوريا، وأنها اتخذت جميع التدابير حتى لا تتعرض أرواح المدنيين أو ممتلكاتهم للخطر. وقال بوزداغ إن عملية «غصن الزيتون» لا تستهدف الأكراد أو التركمان أو العرب في المنطقة، وإنما تستهدف وحدات حماية الشعب الكردية وحزب الاتحاد الديمقراطي و«داعش».
وقال رئيس الوزراء التركي بن علي يلدريم، إن الهدف من عملية «عفرين» هو القضاء على الظلم الذي يمارسه «هؤلاء السفلة» (في إشارة إلى وحدات حماية الشعب الكردية) في المنطقة، «وإنهاء هجماتهم من عفرين تجاه منطقة درع الفرات وأراضينا». وقال في خطاب أمام المؤتمر العام لفرع حزب «العدالة والتنمية» (الحاكم) في ولاية زونجولداك، شمال البلاد، أمس على الهواء مباشرة: «يجري هذه الأيام التخطيط لمكائد جديدة على حدودنا الجنوبية، هناك بلدان يفترض أن تكون حليفة لنا (في إشارة إلى أميركا)، تغرقنا بالوعود باستمرار من جهة، وتقوم من جهة أخرى بتثبيت مواطئ قدم للميليشيات الكردية و(داعش) في المنطقة».
وأضاف: «الإرهابيون يقولون إن تركيا تنفذ عملية ضد الأكراد، هذا محض كذب... هناك 350 ألف شخص من أشقائنا الأكراد لجأوا إلى تركيا هاربين من ضغوط العمال الكردستاني والاتحاد الديمقراطي ووحدات حماية الشعب الكردية في شمال سوريا». وأشار إلى أن «ضمان سلامة وممتلكات المواطنين في الولايات الجنوبية الحدودية» من أهم أهداف عملية «غصن الزيتون» أيضاً. وأكد مواصلة تركيا محاربة الإرهاب وقيامها بما يلزم بخصوص ذلك.
وفي وقت سابق، أعلن الرئيس التركي رجب طيب إردوغان، أن العملية العسكرية «بدأت بالفعل على الأرض»، وأنها ستمتد إلى منبج بعد عفرين، وأن «الحرب على الإرهاب» ستستمر حتى حدود العراق.
وقال إردوغان، في خطاب بمدينة كوتاهيا السبت، إن «عملية عفرين بدأت عملياً على الأرض، ومنبج ستكون التالية»، مضيفاً: «سنطهّر دنس الإرهاب الذي يحاول تطويق بلادنا حتى حدود العراق».
واستنكر ضمنياً المطالبات الأميركية لبلاده بالعدول عن خططها بشأن عفرين، قائلاً: «ما دام لم يتم حتى الآن الوفاء بالوعود التي قطعت لنا بشأن منبج، فلا أحد يستطيع إبلاغنا بما ينبغي علينا فعله بهذا الخصوص».
وسبق أن تعهدت الولايات المتحدة العام الماضي بإخراج عناصر وحدات حماية الشعب الكردية من منبج إلى شرق الفرات، لكنها لم تفِ بتعهداتها.
وهاجم إردوغان واشنطن بسبب دعمها لما سماه «التنظيمات الإرهابية» في سوريا بالتدريب والسلاح تحت لافتات مختلفة، مشيراً إلى أن «الذين يخططون للعبة في سوريا من خلال تغيير اسم التنظيم يعتقدون أنهم يتمتعون بالدهاء. أقول لهم إن الاسم الحقيقي لذلك التنظيم هو العمال الكردستاني وحزب الاتحاد الديمقراطي ووحدات حماية الشعب الكردية».
وشدد إردوغان على تمسك بلاده بوحدة أراضي سوريا والمطالب الديمقراطية لشعبها، واصفاً رئيس النظام السوري بشار الأسد بـ«المحتل»، وقال: «لا نتبنى أدنى توجه سلبي إزاء وحدة الأراضي السورية ومستقبلها المستقل والمزدهر والمطالب الديمقراطية لشعبها». وتابع: «أتعلمون من هو المحتل في سوريا؟ إنه كل من يقتل الشعب السوري بجميع فئاته بمن فيهم الأطفال. وهل هناك محتل أكبر ممن قتل قرابة مليون شخص (في إشارة إلى الأسد)». وأكد إردوغان أن حكومته تعلم جيداً أن تركيا لن تكون في أمان ما دامت سوريا غير آمنة.
وكشفت تقارير صحافية تركية، نقلاً عن مصادر عسكرية، تفاصيل العملية العسكرية التركية في عفرين وقائد العملية، وقالت صحيفة «يني شفق» القريبة من الحكومة، إن العملية يقودها قائد الجيش الثاني الفريق إسماعيل متين تمل، الذي كان له دور بارز خلال عملية «درع الفرات». وأشارت إلى أن العملية يشارك فيها لواءان من القوات الخاصة، وستكون «عملية محاصرة» مدعومة بغطاء جوي، على خلاف عملية درع الفرات التي كانت «عملية تطهير». وذلك لاختلاف الشروط الجغرافية وطبيعة الأرض في أماكن تنفيذ العمليتين.
ومن المخطط أن تتم محاصرة عفرين غرباً من هطاي وشمالاً من كليس، وشرقاً من أعزاز، ومن الجنوب ستتم محاصرتها من تل رفعت وإدلب. وتم تعيين متين تمل قائداً للجيش الثاني عقب اعتقال قائد الجيش الثاني السابق آدم حدودي الذي شارك في محاولة الانقلاب الفاشلة التي شهدتها تركيا في 15 يوليو (تموز) 2016.
في غضون ذلك، واصلت المدفعية التركية، أمس، قصفها مواقع الوحدات الكردية في عفرين من مواقعها على الشريط الحدودي بين ولايتي كليس وهطاي الجنوبيتين، وسمع دوي الانفجارات من بعض القرى التركية الواقعة على الحدود السورية. ووصلت تعزيزات عسكرية جديدة، أمس، إلى ولاية هطاي مرسلة إلى الوحدات العسكرية على الحدود مع سوريا، ضمت مركبات وآليات عسكرية، استقدمت إلى هطاي من وحدات عسكرية مختلفة.
وأضيفت هذه التعزيزات إلى تعزيزات أرسلت أول من أمس إلى الوحدات المنتشرة على الحدود مع سوريا في ولاية كليس ضمت 20 شاحنة، محملة بعربات نقل جنود مدرعة، وعربات عسكرية، استقدمت من وحدات عسكرية مختلفة، في ظل تدابير أمنية مشددة.
وأقيمت تحصينات جديدة حول المخافر الحدودية التركية في هطاي، المقابلة لعفرين. ووصلت وحدات من الجيش السوري الحر، العاملة في مدينتي الباب والراعي ضمن نطاق عملية درع الفرات، شمال سوريا، إلى ولاية هطاي جنوب تركيا، في 20 حافلة جاءت عبر ولاية كليس لتنضم إلى القوات التركية. كما نشرت القوات التركية منظومة كورال التي تعمل على التشويش على تشويش الرادارات على الحدود مع سوريا قبالة مدينة عفرين.
وبحسب مصادر تركية، أدى نشر منظومة كورال إلى وقف تحليق الطائرات الأميركية والروسية ليلاً بسبب قدرتها على التشويش على الطائرات الحربية وعلى منظومات الدفاع الجوي، بما فيها منظومة إس - 400 الروسية، إضافة إلى التشويش على حركة الصواريخ.
وذكرت المصادر أن تركيا قامت أول من أمس، بتفعيل أنظمة الدفاع الجوي التابعة لحلف شمال الأطلسي (ناتو)، التي استقدمت من إيطاليا في 2016، والمتمركزة في ولاية كهرمان ماراش جنوب البلاد، حيث وضعت على أهبة الاستعداد للتصدي للهجمات المحتملة من الأراضي السورية باتجاه تركيا.
ووصل نائب قائد عمليات القوات المسلحة الإيطالية، نيكولا لانزا دي كريستوفوريس، إلى كهرمان ماراش، الخميس الماضي، وأجرى جولة تفقدية في المكان الذي تتمركز فيه الأنظمة.
على صعيد آخر، تمكنت تركيا بالتنسيق مع روسيا من إخراج 700 مريض ومصاب من غوطة دمشق المحاصرة منذ 5 سنوات من قبل النظام السوري إلى مستشفيات دمشق اعتباراً من الثلاثاء الماضي، بحسب مصادر في رئاسة الجمهورية التركية.
ويعيش نحو 400 ألف مدني بالغوطة الشرقية في ظروف إنسانية مأساوية، جراء حصار قوات النظام السوري، للمنطقة والقصف المتواصل عليها.



ازدياد أعداد السودانيين المغادرين من مصر رغم تراجع مبادرات «العودة المجانية»

«محطة رمسيس» وسط القاهرة تكتظ بالعائدين إلى السودان عبر مبادرة «العودة الطوعية» (مجلس الوزراء المصري)
«محطة رمسيس» وسط القاهرة تكتظ بالعائدين إلى السودان عبر مبادرة «العودة الطوعية» (مجلس الوزراء المصري)
TT

ازدياد أعداد السودانيين المغادرين من مصر رغم تراجع مبادرات «العودة المجانية»

«محطة رمسيس» وسط القاهرة تكتظ بالعائدين إلى السودان عبر مبادرة «العودة الطوعية» (مجلس الوزراء المصري)
«محطة رمسيس» وسط القاهرة تكتظ بالعائدين إلى السودان عبر مبادرة «العودة الطوعية» (مجلس الوزراء المصري)

قبل أيام من عيد الفطر، استقلَّ السوداني محمد السيد (33 عاماً) حافلةً من حي فيصل، بمحافظة الجيزة المصرية، إلى مدينة أسوان جنوب البلاد، حيث المنفذ البري الرابط بين البلدين، بعد 10 أشهر فقط قضاها في مصر، بينما عائلته في منطقة الجزيرة بالسودان، مرجعاً قرار العودة السريع، دون استكمال علاجه الذي جاء من أجله، إلى «حملات الترحيل المصرية لمخالفي الإقامة».

وتشهد رحلات العودة الطوعية زيادةً لافتةً في الأسبوعين الماضيين، رغم تراجع رحلات العودة المجانية، وفق ما أكدته مصادر سودانية لـ«الشرق الأوسط»؛ وذلك بسبب الحملات الأمنية لترحيل السودانيين ممَّن ليست لديهم إقامات سارية، «ما جعل كثيراً من الأسر تفضِّل الإنفاق على العودة، بدلاً من تحمل تكلفة البقاء في مصر، ودفع إيجار شقة بمبلغ كبير لشهر آخر، مع مواجهة خطر الترحيل»، حسب أمين عام الجالية السودانية في مدينة العاشر من رمضان، شرق القاهرة، إبراهيم عز الدين.

تكدس العائدين في «معبر أرقين» خلال أزمة الضرائب (حملة راجعين لي بلد الطيبين)

وتسبَّبت الحرب بالسودان في فرار الملايين داخل البلاد وخارجها، بينهم نحو 1.5 مليون دخلوا مصر، حسب إحصاءات رسمية. لكن منذ مطلع 2024 وحتى نهاية 2025، غادر عبر المنافذ البرية أكثر من 428 ألف سوداني، وفق تقديرات سودانية رسمية.

وقال عز الدين لـ«الشرق الأوسط»، إن «أعداد الأسر التي رحلت بعد عيد الفطر، أضعاف من كانت تغادر قبله... وبعد انتهاء امتحانات الشهادة السودانية في مايو (أيار) المقبل، ستتضاعف الأعداد أكثر وأكثر».

الأمر نفسه أكده مؤسِّس حملة «راجعين لي بلد الطيبين»، محمد سليمان، قائلاً لـ«الشرق الأوسط»، إن لدى الحملة قوائم طويلة مُسجَّلة سيتم تفويجها تباعاً للعودة، لافتاً، إلى «أنَّ الأعداد شهدت زيادةً كبيرةً منذ عيد الفطر وحتى الآن، وأنَّ الرحلات تسير بسلاسة بعدما تداركت السلطات السودانية أزمةً كادت تؤثر على حركة العودة قبل أيام في ميناء أرقين البري».

وكان ميناء أرقين البري، شهد يوم الجمعة الماضي تكدساً للعائدين، بعدما أعلن سائقو الحافلات الإضراب؛ اعتراضاً على زيادة الضرائب المفروضة على حافلاتهم. وافترش العائدون من النساء والأطفال الأرض إلى جانب حقائبهم الكثيرة... وبعد ساعات من الأزمة، قرَّر رئيس الوزراء السوداني، كامل إدريس، رفع الضرائب، واستأنف السائقون رحلاتهم إلى الداخل السوداني.

وعلق سليمان: «لو لم تحل الأزمة سريعاً لأثَّر ذلك على أعداد الوافدين يومياً، بعدما شهدت أعدادهم زيادةً ملحوظةً».

والزيادة في أعداد العائدين، أكدها أيضاً مدير معبر أرقين، والمشرف على المعابر، العميد مبارك داؤود سليمان، قائلاً في تصريح صحافي: «إن المعبر يشهد زيادةً مستمرةً في أعداد العائدين عقب عطلة عيد الفطر؛ حيث يتراوح عدد القادمين يومياً ما بين 1500 و2000 مواطن، رغم أن الرحلات المنتظمة لمنظومة الصناعات الدفاعية لم تبدأ بعد».

سودانيون يبحثون عن أسمائهم في قائمة المسافرين ضمن إحدى رحلات قطارات العودة (مجلس الوزراء المصري)

وبعد انتظار لشهور، تفكر السودانية لمياء محمد (32 عاماً) في استبدال الحافلات المدفوعة، بالعودة الطوعية المجانية، في ظلِّ تأخر الأخيرة، وغموض مواعيد رحلاتها، رغم أنَّ تدبير المبلغ الذي تحتاج إليه العودة المدفوعة بعد زيادة أسعارها، ليس سهلاً.

وارتفت أسعار الرحلات نحو ألف جنيه مصري، حسب منسق حملة «راجعين لي بلد الطيبين» عبد الناصر جعفر، قائلاً لـ«الشرق الأوسط»، إن الرحلات أصبحت بـ3500 جنيه (الدولار نحو 53 جنيهاً) للفرد بعدما كانت بـ2500 جنيه، مرجعاً ذلك إلى زيادة أسعار المحروقات.

تقول لمياء لـ«الشرق الأوسط»، إنها سجَّلت في المرحلة السابقة لـ«العودة الطوعية المجانية» قبل غلق باب التسجيل في أكتوبر (تشرين الأول) 2025، وظلَّت تنتظر اتصالاً يخبرها بموعد رحلتها، ولم يحدث ذلك، وبعد فتح باب التسجيل مجدداً، حاولت التسجيل، لكنها تفاجأت بالتعقيد في الأمر، سواء من حيث حجم البيانات المطلوبة، أو صعوبة تحميل الموقع.

وأسهمت رحلات العودة المجانية التي انطلقت في يوليو (تموز) من العام الماضي واستمرَّت حتى نهاية العام، في إعادة عشرات الآلاف من السودانيين، لكنها توقَّفت بداية العام في انتظار توفير تمويل لاستئنافها.

وقبل أسبوعين، فتحت الحملة باب التسجيل للراغبين في العودة مجاناً، دون إعلان موعد استئناف تفويج الرحلات، علماً بأن المرحلة الجديدة ستتضمن رحلات بحرية من أسوان إلى ميناء وادي حلفا السوداني.

ترغب لمياء، وعائلتها الكبيرة التي تتكوَّن من 9 أشخاص، في العودة خلال الشهر المقبل، وبحد أقصى قبل نهايته. وتقول: «نخشى حملات الترحيل، وفي الوقت نفسه لا نعلم متى ستستأنف رحلات العودة المجانية... سنحاول تدبير مبلغ العودة المدفوعة».

سيدتان سودانيتان تتجولان في شارع فيصل بمصر (الشرق الأوسط)

وبدأت قوات الأمن المصرية في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، حملات موسَّعة في مناطق تمركز الوافدين، وفي الطرق، لتدقيق الإقامات وتوقيف المخالفين وفق شهادات متنوعة.

وتستضيف مصر أكثر من 10 ملايين وافد، ما بين مهاجر ولاجئ وطالب لجوء، من 62 جنسية مختلفة، في مقدمتهم السودانيون والسوريون. ويكلّف ذلك الدولة أكثر من 10 مليارات دولار سنوياً، حسب تقديرات حكومية مصرية.

وقال مدير عام «هيئة وادي النيل البحرية»، العقيد محمد آدم محمد أبكر، لـ«الشرق الأوسط»، «إن العمل في ميناء وادي حلفا البديل، يجري على قدم وساق، وسيكون جاهزاً خلال أسبوعين»، متوقعاً أن تُستأنف رحلات العودة الطوعية منتصف أبريل (نيسان)، لكنه أشار في الوقت نفسه، إلى أنَّ ذلك، «ليس موعداً نهائياً».


«أسبيدس» تعزز إجراءات الحماية في البحر الأحمر وخليج عدن

دعوات أوروبية لتشديد الحذر مع تصاعد التهديدات للملاحة في البحر الأحمر (إعلام محلي)
دعوات أوروبية لتشديد الحذر مع تصاعد التهديدات للملاحة في البحر الأحمر (إعلام محلي)
TT

«أسبيدس» تعزز إجراءات الحماية في البحر الأحمر وخليج عدن

دعوات أوروبية لتشديد الحذر مع تصاعد التهديدات للملاحة في البحر الأحمر (إعلام محلي)
دعوات أوروبية لتشديد الحذر مع تصاعد التهديدات للملاحة في البحر الأحمر (إعلام محلي)

أعلنت المهمة البحرية الأوروبية (أسبيدس) تعزيز إجراءات الحماية في البحر الأحمر وخليج عدن، ودعت سفن الشحن إلى توخي أقصى درجات الحذر، تحسباً لأي هجمات محتملة.

وتشير تقارير دولية -من بينها ما صدر عن مجموعة الأزمات الدولية- إلى أن توقيت دخول الحوثيين في المواجهة بين إيران وأميركا وإسرائيل يحمل دلالات سياسية؛ إذ يسعى إلى تعزيز موقف إيران التفاوضي، عبر فتح جبهة إضافية تزيد الضغط على الولايات المتحدة وحلفائها.

كما توضح هذه التقارير أن امتناع الحوثيين حتى الآن عن استهداف السفن بشكل مباشر، قد يكون مرتبطاً برغبتهم في عدم خرق تفاهمات سابقة مع واشنطن بشأن الملاحة.

حسابات استراتيجية

وفي خضم التصعيد الإقليمي المتسارع، يبرز انخراط الجماعة الحوثية في الهجمات الموجهة نحو إسرائيل، بوصفه جزءاً من حسابات استراتيجية أوسع تتجاوز حدود المواجهة العسكرية المباشرة.

وتشير تقديرات مسؤولين يمنيين ومحللين إلى أن الهجمات الحوثية الأخيرة -رغم رمزيتها- لا تمثل سوى واجهة لتحركات أكثر خطورة تمنح طهران ورقة تفاوضية حساسة، في أي حوار مع الولايات المتحدة أو القوى الغربية.

وعلى الرغم من تبنِّي الحوثيين أولى هجماتهم بالصواريخ والطائرات المُسيَّرة باتجاه إسرائيل، فإن هذه العمليات تُوصف بأنها محدودة التأثير من الناحية العسكرية، وسبق أن جرى اختبار نمطها خلال الحرب في قطاع غزة.

الحوثيون استبقوا دخول الحرب إلى جانب إيران بمناورات ونقل أسلحة قرب سواحل البحر الأحمر (رويترز)

ويرى محللون أن الهدف منها ليس إحداث تحول ميداني؛ بل تأكيد الحضور ضمن ما يُعرف بمحور «المقاومة»، وإرسال رسائل سياسية محسوبة.

تحركات ميدانية

ويرى الباحث اليمني في شؤون الجماعة الحوثية عدنان الجبرني، أن التحرك الحوثي يرتبط بما يسميه «الضرورة العملياتية» التي تحددها غرفة عمليات مشتركة تضم أطرافاً من «الحرس الثوري» الإيراني وحلفائه في المنطقة.

الحوثيون خسروا سابقاً أبرز قادتهم العسكريين وفي مقدمهم رئيس أركانهم محمد الغماري (إعلام محلي)

ويصف الجبرني الهجمات الأخيرة بأنها «تمهيدية وتجريبية» تهدف إلى اختبار القدرات وتنسيق الهجمات المتزامنة، بما يسمح بإدخال الجماعة كطرف فاعل في أي تصعيد واسع. ويضيف أن الحوثيين يمثلون «خط الدفاع الأخير» لإيران؛ خصوصاً في حال توسعت الحرب أو تعرضت طهران لضغوط مباشرة.

وفي هذا السياق، سبقت الجماعة انخراطها الحالي بسلسلة من التحركات الميدانية، شملت نقل أسلحة إلى مناطق قريبة من الساحل الغربي، وتنفيذ مناورات بحرية، إضافة إلى تكثيف تدريبات وحدات الصواريخ والطائرات المُسيَّرة، ما يعكس استعداداً واضحاً لمرحلة تصعيد محتملة.


قلق شعبي يمني من ضربات انتقامية إسرائيلية

حوثيون يرفعون صور المرشد الأعلى علي خامنئي والعَلم الإيراني خلال مظاهرة في صنعاء (أ.ب)
حوثيون يرفعون صور المرشد الأعلى علي خامنئي والعَلم الإيراني خلال مظاهرة في صنعاء (أ.ب)
TT

قلق شعبي يمني من ضربات انتقامية إسرائيلية

حوثيون يرفعون صور المرشد الأعلى علي خامنئي والعَلم الإيراني خلال مظاهرة في صنعاء (أ.ب)
حوثيون يرفعون صور المرشد الأعلى علي خامنئي والعَلم الإيراني خلال مظاهرة في صنعاء (أ.ب)

يراقب الشارع اليمني انخراط الجماعة الحوثية في الحرب لدعم إيران عسكرياً في مواجهة أميركا وإسرائيل بقلق متزايد؛ خشية أن تتحول البلاد المنهكة بالحرب والأزمات الاقتصادية ساحةً جديدةً لصراع إقليمي أوسع. ويتساءل قطاع واسع من اليمنيين عن الفارق الذي ستحدثه هذه الخطة الحوثية، وسط آمال بانتهاء انقلاب الجماعة المتحالفة مع طهران.

وعلى الرغم من الخطاب التعبوي للجماعة عن «معركة كبرى» مزعومة ضد إسرائيل وحلفائها، يبدي السكان في صنعاء ومدن أخرى، مخاوف متنامية من تداعيات هذا الانخراط، بدءاً من احتمال تعرض البلاد لضربات عسكرية، وصولاً إلى مزيد من الضغوط المعيشية على مجتمع يواجه بالفعل واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم.

ومنذ الساعات الأولى لإعلان الجماعة إطلاق صواريخها باتجاه إسرائيل، بدأت ردود فعل متنوعة في أوساط السكان ما بين التهكم والقلق والغضب والاستعداد للنزوح وشراء مواد تموينية ضرورية، خصوصاً الوقود والغاز المنزلي، إلا أن هناك من رأى أن ما أقدمت عليه الجماعة قد يكون سبباً في حل الأزمة اليمنية، أو منحها بعداً جديداً.

يقول، مراد أحمد، وهو موظف عمومي، لـ«الشرق الأوسط» إنه وعائلته يتابعون التطورات بقلق متزايد، ويفكرون في خياراتهم إذا ما وجدوا أنفسهم مضطرين إلى مواجهة مزيد من أعباء الحياة اليومية إذا أصبحت البلد في قلب حرب إقليمية جديدة قد يدفع ثمنها المدنيون أولاً.

عنصر حوثي في صنعاء يحرس مظاهرة للجماعة تأييداً لإيران (رويترز)

وتتردد في أوساط اليمنيين تعليقات متكررة تنتقد أولويات الجماعة الحوثية في ظل الأزمة المعيشية، فبينما ينتظر غالبية الموظفين العمومين الرواتب منذ سنوات، تتحول النقاشات توقعات ردود الفعل بعد إطلاق الصواريخ بعيدة المدى التي يستنكر الغالبية حضورها بينما تنقطع الكهرباء ويختفي الغاز وغالبية الخدمات ويتأجل الحديث عن الرواتب المنقطعة منذ قرابة عقد.

يشير جمال مصطفى، وهو موظف عمومي آخر ممن انقطعت رواتبهم منذ سنين، إلى أن التهكم في حد ذاته أصبح قاسياً ومريراً. ويوضح لـ«الشرق الأوسط»، أن اليمنيين، وبينما يخشون من التأثيرات الاقتصادية للحرب وتداعيات استهداف منشآت الطاقة، يجدون أنفسهم عُرضة لأن يكونوا أكثر من يدفع ثمن صراع أكبر منهم.

مغامرة غير محسوبة

وتتفاوت تقديرات المتابعين لمدى فاعلية ومساهمة المشاركة الحوثية في المواجهة الجارية في المنطقة، خصوصاً أن صواريخها ومسيّراتها التي استهدفت إسرائيل سابقاً لم تكن مؤثرة عسكرياً، مقابل هجماتهم السابقة في البحر الأحمر التي عطلت الملاحة الدولية وتسببت بخسائر كبيرة في الاقتصاد والتجارة العالميين ورفعت تكلفة النقل والتأمين البحري.

الجماعة الحوثية تحشد أنصارها وتفعّل خطاباً تعبوياً للتصعيد رغم مخاوف السكان على معيشتهم (رويترز)

يذهب فارس البيل، الأكاديمي والباحث السياسي اليمني، إلى أن التدخل الحوثي المؤجل منذ بداية المواجهة كان مفروضاً على الجماعة، لكنه جاء في توقيت غير محسوب، فبعد أن كانت إيران تتوقع أن يؤثر الحوثيون في المعركة، فإن الضربات الأميركية - الإسرائيلية فككت قدرات النظام الإيراني وجعلت المساهمة الحوثية هشة وبلا مبرر، خلافاً للشروط التي وضعتها الجماعة قبل هجماتها.

ويضيف البيل، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، أن لا تأثير لدخول الحوثيين في حماية إيران أو تهديد إسرائيل عسكرياً، سوى أنه سيجلب على اليمنيين دمار بنيتهم التحتية، لكنه في الآن ذاته كتب على الحوثي النهاية، وسيفتح الباب لدخول أطراف جديدة لحماية الملاحة في البحر الأحمر؛ ما سيكون سبباً لخلاص اليمن والمنطقة من الجماعة.

المزاج الشعبي

ويبدو المزاج الشعبي في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية معزولاً عن خطابها التعبوي، فبينما يخشى كثيرون من تبعات مغامراتها، ينتظر غيرهم أن تعجّل جميع ممارساتها بإنهاء نفوذها.

يقول باحث يمني أكاديمي في السياسة والإعلام، إن قطاعاً من السكان باتوا يتوقعون أن تكون نهاية الأزمة اليمنية مرتبطة بالتصعيد الذي تشهده المنطقة، وإن مشاركة الجماعة الحوثية في المواجهة الحالية بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، يمكن أن تؤدي إلى حل غير متوقع للصراع في اليمن.

الشارع اليمني متخوف من تبعات دخول الحوثيين في الحرب إلى جانب إيران (غيتي)

وحسب ما ينقله الباحث، الذي تتحفظ «الشرق الأوسط» على هويته لإقامته في صنعاء، فإن أصحاب هذا الرأي لا ينتمون إلى طبقة أو فئة اجتماعية محددة، وإنهم موجودون في كل المستويات الاجتماعية والعلمية والثقافية. ويفسر آراءهم بأنها تأتي نتيجة الضبابية والغموض في مستقبل الأزمة اليمنية، وصعوبة توقع حل سلمي لها، خصوصاً مع تعنت الجماعة الحوثية، واستعداداتها الدائمة لمعارك لا تنتهي.

استنزاف داخلي

يتفق كثير من المراقبين على أن ارتباط الأزمة اليمنية بالحرب الإقليمية الحالية من التدخل الحوثي، سيمنحها مساراً جديداً، لكنهم يختلفون في طبيعته وتفاصيله.

فوقاً لما يورده الباحث، هناك من يرى أن الحوثيين - بقدر ما يعرّضون البلد للمزيد من الخراب وتدمير البنية التحتية ويهدّدون حياة وسلامة السكان، إذا ما قررت الولايات المتحدة وإسرائيل الرد على هجماتهم - يعرّضون أنفسهم بالمقابل لاستنزاف كبير، خصوصاً إذا طالت المواجهة، وهذا يسهِم في إضعافهم، ويعزز من إمكانية التمرد عليهم.

دخان غارة إسرائيلية وسط صنعاء في سبتمبر الماضي (أ.ف.ب)

وعلى جانب آخر، يرجّح آخرون أن يؤدي إضعاف الجماعة عسكرياً واستنزافها اقتصادياً إلى قبولها مستقبلاً بعملية سلام فعلية، بعد أن يجري تجريد النظام الإيراني من أدواته ووسائل دعم أذرعه في المنطقة، وفي هذه الحالة ستتعاطى بانتهازية لتجنب نفسها الانهيار الداخلي وصراع الأجنحة الذي ستتسبب به محدودية الموارد والنفوذ.

وطبقاً لتوقعات أخرى، فإن مغامرة الجماعة قد تؤدي إلى زيادة حظوظها في السيطرة والنفوذ في حال خروج إيران من المواجهة دون هزيمة كاملة تنهي قدرتها على التدخل في شؤون دول المنطقة؛ وهو ما سيعزز من خطاب الجماعة الذي يزعم قدرتها على فرض نفسها كقوة إقليمية، وسيقابله تفاقم معاناة السكان تحت سيطرتها.

ويرى أصحاب هذا التوقع أن ذلك سيفرض على اليمنيين مواجهة مباشرة وحاسمة مع الجماعة التي ستتوقع أنها فرضت نفوذها إلى الأبد، بينما هي عرضت نفسها لاستنزاف قدراتها وإمكانات سيطرتها، وضاعفت من غضب السكان عليها، كما حدث لنظام الأسد في سوريا أواخر العام قبل الماضي.