فاضل ميراني لـ: الاتفاق الاستراتيجي بين «الديمقراطي الكردستاني» و«الاتحاد الوطني» لم ينته

سكرتير المكتب السياسي للحزب الديمقراطي: على الأكراد عدم التنازل عن «رئاسة الجمهورية» وهو استحقاق قومي

فاضل ميراني
فاضل ميراني
TT

فاضل ميراني لـ: الاتفاق الاستراتيجي بين «الديمقراطي الكردستاني» و«الاتحاد الوطني» لم ينته

فاضل ميراني
فاضل ميراني

أعلن فاضل ميراني سكرتير المكتب السياسي للحزب الديمقراطي الكردستاني أن حزبه «لا يفرض شروطه على أي من الأحزاب والكيانات السياسية التي سيتفاوض معها، وفي المقابل لن يقبل بالشروط التعجيزية المستحيلة التي لن يستطيع أحد تنفيذها»، نافيا أن يكون نوشيروان مصطفى زعيم حركة التغيير قد فرض شروطا على الحزب.
وقال «لا شروط لنا، ولا نقبل أي شروط تعجيزية، السيد نوشيروان مصطفى هو على درجة عالية من الدراية والثقافة والخلق من أن يفرض شروطا على الرئيس بارزاني حتى من باب البروتوكول والأدبيات الكردية، ناهيك عن الأدبيات الحزبية، وهذا ما يعتز به الكرد في التعامل مع الآخرين. نحن لا ننكر أنه هناك استحقاقات ومن حق صاحب الحق أن يطالب بحقه ومن حق الطرف المفاوض أيضا أن يقر بما يمكن إقراره من الاستحقاقات».
ميراني نفى في حوار خاص مع «الشرق الأوسط» أن تكون نتائج الانتخابات النيابية الأخيرة التي حصل فيها حزبه على المركز الأول بـ38 مقعدا «فوزا بطعم الخسارة»، مقتبسا جملة المستشار الألماني السابق غيرهارد شرودر حينما قال إن «الأغلبية هي الأغلبية»، وأضاف: «ربما كانت طموحاتنا وتطلعاتنا أكثر مما حصلنا عليه في الانتخابات ولكن لدينا من الحلفاء ما يؤمن الـ(نصف+1)، لدينا من الحلفاء ما يؤمن الأكثر في حالة الأزمات سواء في الاتحاد الوطني أو الأحزاب التي كانت للأمس في صفوف المعارضة. الحزب الديمقراطي الكردستاني هو الفائز الأول وأولويتنا هنا أن الشعب الكردستاني هو الفائز الحقيقي وهو الفائز الأكبر وبشهادة المراقبين الدوليين والمحليين ومنظمات المجتمع المدني والمفوضية العليا المستقلة للانتخابات، وحتى رغم ما قيل ويقال داخل الأحزاب والكيانات فإن انتخابات برلمان كردستان في هذه الدورة كانت جيدة بامتياز من حيث النزاهة وإقبال الناس ونسبة التصويت ويكاد الفرد الكردستاني يشعر بأن الانتخابات أصبحت جزءا من ثقافة الحياة هنا ويعد التصويت حقا وواجبا في آن واحد، وهذا هدف نصبو إليه جميعا بأن ننضج المجتمع إلى حالة نرى فيها الانتخابات حقا وواجبا في آن واحد».
وأبدى سكرتير المكتب السياسي للحزب الديمقراطي الكردستاني ارتياحه من «الاستجابة الإيجابية للأحزاب والمكونات السياسية في الإقليم حول المشاركة في الحكومة القادمة بعد تكليف نيجيرفان بارزاني حزبيا بتشكيلها»، وقال إن «الأحزاب الفائزة في الانتخابات بغض النظر عن عدد مقاعدها ترغب بالمشاركة في الحكومة التي سيشكلها نيجيرفان، وهذا أيضا يخلق موضوعا جدليا، فالبعض يعتقد أن حكومة بهذا الشكل ستكون ضعيفة أو هشة أو غير قادرة على أداء المهمات، وهناك من ينظر لها بإيجابية لكون الحكومة المشكلة حكومة ذات مشاركة واسعة وقاعدة قوية، وأنا شخصيا أنظر إليها نظرة إيجابية، فنحن في كردستان العراق وفي العراق بشكل عام بحاجة إلى الهدوء في السنوات الأربع القادمة بالتصالح بين الأحزاب والتفاهم بين البرلمان والحكومة».
وجدد ميراني تأكيده على التزام حزبه بـ«الاتفاق الاستراتيجي المبرم بينهم وبين الاتحاد الوطني الكردستاني»، رافضا الأقاويل التي ترددت حول انتهاء هذه الاتفاقية بعد اجتماع مسعود بارزاني ونيجيرفان بارزاني بنوشيروان مصطفى زعيم حركة التغيير، وقال «نحن نرى أن هذا هو ضروري أيضا في الوقت الحاضر والمستقبل أيضا، هناك بند في الاتفاقية ينص على أن هذه الاتفاقية ستستمر بين الحزبين إلى الفترة التي ترى الحركة الكردية ويرى إقليم كردستان نفسه في وضع أحسن من الوضع الحالي، لكن الظروف لا تزال غير متطورة إلى الآن ونحن في الإقليم وحتى على مستوى العراق ما زلنا بحاجة لاستمرار هذه الاتفاقية (إن أراد الطرفان)، فالاتفاقية عقد ويمكن لأي طرف من أطرافه أن ينسحب أينما وكيفما شاء، وما دام الإخوان في الاتحاد الوطني راغبين في استمرار هذه الاتفاقية فهي مستمرة وإن أرادوا العكس فلا يمكن أن نفرض عليهم أي إرادة لا يرغبون بها».
وأوضح أن «(الاتحاد الوطني) حرر نفسه من أحد بنود هذه الاتفاقية بخوضه انتخابات برلمان كردستان وانتخابات نقابة المحامين حيث اصطفوا في الأخيرة مع القوائم الأخرى ضد قائمة (الديمقراطي الكردستاني)»، مؤكدا على أن «الديمقراطي الكردستاني» يرى أن «الحليف الاستراتيجي والمهم في هذه المرحلة هو (الاتحاد الوطني الكردستاني) بدليل أن المحادثات، السياسية غير الرسمية، لتشكيل الحكومة بدأت مع (الاتحاد الوطني الكردستاني) ثم حركة التغيير».
كما بين ميراني أن حزبه يؤكد دوما على عاملي «التاريخ والجغرافيا» في تعامله مع الأحزاب السياسية، بمعنى أنه «يتعامل على أساس التاريخ النضالي والشراكة السياسية والدور الذي لعبته هذه الأحزاب في تاريخ الحركة التحررية الكردية، كما لا يهمل أيضا الاستحقاقات الانتخابية والجماهيرية التي تتمتع بها الأحزاب في مواقع نفوذها وشعبيتها الجماهيرية»، وقال «نحن لا نتجاهل الاستحقاقات الانتخابية ولكن هناك أيضا استحقاقات تاريخية، وعندما أذكر عبارة (الاستحقاقات التاريخية) أخص بالذكر الإخوة في (الاتحاد الوطني الكردستاني)، هم شركاؤنا في الأمس واليوم، وفي كل الأحوال على الجميع وضع مصلحة الإقليم فوق كل المصالح الشخصية وألا نشاكس في هذه العملية الكبيرة القومية والوطنية في موضوع وزير أو وكيل وزير أو نوع الوزارة، لكن هذا لا يعني أيضا أن نمنع الآخرين من المطالبة باستحقاقاتهم الانتخابية أو لا نتحمل مطالباتهم»، مشددا على أن الوزارات الأمنية والسيادية يمكن أن تراعى فيها القوائم الأولى الفائزة في الانتخابات، وقال إن «المسائل الأمنية والوزارات الأمنية لا بد من استحصال موافقة رئيس الإقليم عليها بإناطتها لهذه الكتلة أو تلك أو هذا الشخص أو ذاك، أي أن الراعي لهذا الموضوع سيكون رئيس الإقليم».
وحول رأيه في ما يخص نظام «النقاط» المقترح من قبل بعض الأحزاب حول المشاركة في الحكومة على غرار بغداد، بين ميراني أنه «من الطبيعي أن يستفيد الإقليم من كل ما هو مفيد لتعميمه على التجربة السياسية في كردستان»، مؤكدا أن «هذا النظام أثبت أن الانتقادات الموجهة ضده أكثر من المزايا». وقال إنه «من غير المعقول أن يحرم شخص ذو كفاءة عالية وخبرة واسعة في اختصاص معين من أحد المناصب الوزارية فقط لكونه لا ينتمي لأي حزب أو ليس عضوا قياديا أو عضوا في المكتب السياسي لحزب معين، فإن كان التفكير بهذا المنطق فلن نقبل به لأنه سيحرم بقية الأحزاب من حقها في المشاركة، وفي رأيي الشخصي نظام النقاط هو الممانعة من مشاركة الآخرين في الحكومة بشكل وأسلوب مؤدب، لذا توجب علينا إيجاد حلول وسطية»، مشددا على وجود «فهم مشترك أو قواسم مشتركة للذين سيعملون معا لأنهم سيشكلون فريقا مشتركا حيث سيكون رأي نيجيرفان بارزاني مهما في اختيار أعضاء فريقه الحكومي وبالأخص نائبه».
وبين سكرتير المكتب السياسي لـ«الديمقراطي الكردستاني» أن انتخابات مجالس محافظات الإقليم جرى تأجيلها أكثر مما يجب وأن إجراءها أصبح «مطلبا مهما للشارع الكردستاني»، مشددا في الوقت ذاته على خوض الأحزاب الكردية «انتخابات مجلس النواب العراقي بقائمة مستقلة»، لأن ذلك «سيصب في مصلحة الإقليم».
كما بين عدم الارتياح الكامل للطرف الكردي حول التعديلات على قانون انتخابات مجلس النواب، لكنه بين أنه خشية من أن «يتملص الآخرون من مبدأ التوافق في حينها لن يكون للوضع أي فائدة للكرد حتى لو كان لديهم 80 مقعدا في مجلس النواب، وتبقى القائمة الكردية هي الأقلية».
وقال إن «الأكراد قبلوا بقانون الانتخابات مع أنه لم يلب طلباتهم وكان ذلك لغرض استمرارية التوافق بالاستناد على مبدأ الأخذ والعطاء». وتساءل: «إلى متى سيقبل الكرد التعامل معهم على أنهم أقلية؟ وإلى متى سيعامل حلفاؤنا وشركاؤنا الكرد بمبدأ الأقلية والأغلبية؟».
ميراني لم يخف أن «غياب طالباني ترك فراغا وأثرا كبيرا في العراق والإقليم وفي داخل (الاتحاد الوطني) بشكل خاص مما أضر بالأكراد، فالمنصب السيادي الذي كان من نصيب الأكراد فارغ منذ سنة تقريبا والآن يزاول خضير الخزاعي مهام رئيس الجمهورية، ورغم الأداء الإيجابي للرجل يبقى المنصب من حصة الأكراد و(الاتحاد الوطني الكردستاني)».
وأكد ميراني على أن حزبه يرى أنه «على الأكراد ألا يتنازلوا عن منصب رئاسة الجمهورية فهو استحقاق قومي»، وأوضح أن «رئيس الجمهورية هو رمز العراق وهو القائد الأعلى للقوات المسلحة وهو الذي يمثل العراق في المؤتمرات والمحافل الدولية والعالمية وهو رئيس السلطة التنفيذية، وحسب المادة 66 من الدستور فإن رئيس الجمهورية لديه صلاحية طلب سحب الثقة من رئيس الوزراء ومن خلال هذا سيعد الكرد مواطنين من الدرجة الأولى». كما لم يستبعد «تكرار تجربة لبنان في توزيع المناصب السيادية إلى حين استقرار الوضع في العراق وشعور المواطن أن صاحب المنصب يتصرف كعراقي لا بأجندات قومية وطائفية وحزبية ضيقة».
وحول المناقشات بين الأحزاب في ما يخص دستور الإقليم بين ميراني أن فكرة الدستور كانت «من نسيج فكرة الحزب الديمقراطي الكردستاني منذ عام 2002 حيث تحويله للبرلمان بعد موافقة جميع الأحزاب عليه وأخذ نصيبه من النقاش في قبة البرلمان». وأكد ميراني على أن «المناقشات القادمة حول هذه الوثيقة التي تعد الأولى في تاريخ الكرد ستعتمد على الضوء الأخضر الذي أعطاه رئيس الإقليم لمناقشتها وتبيان الملاحظات عليها»، وأكد أيضا على أن «اعتراضات الأحزاب التي كانت في جبهة المعارضة والبعض في (الاتحاد الوطني) كانت (سياسية لا قانونية)».
ورفض ميراني أن تكون الدعوة التي وجهت لبارزاني لزيارة ديار بكر كانت بصفته رئيسا للحزب، وأوضح أن «أردوغان كرر كلمة الرئيس بارزاني أكثر من مرة وقدم في المراسم بهذه الصفة»، مؤكدا على أن «بارزاني لا يحتاج لمجاملة هذا أو ذاك، فالجميع يعلم من هو وما مدى الاحترام الذي يتمتع به في تركيا على وجه الخصوص».
ونفى ميراني انفراد بارزاني باتخاذ القرارات الحزبية، وقال «نحن نناقش الرئيس وننتقده أحيانا وهو شخص يتقبل النقد ويجاملنا أكثر من اللازم وكثيرا ما يتخلى عن رأيه، ولا أحد منا معصوم عن الخطأ، والخطأ يكون بموقع وحجم الشخص الذي يقوم بالخطأ وكثيرا ما نعاتب بعضنا من دون أي تفرقة أو تمييز في قيادة الحزب مهما كانت درجة قرابة عضو القيادة أو المكتب السياسي من الرئيس بارزاني، فكلنا سواسية أمام القيادة».
وجدد ميراني التزام حزبه بالبند الخاص في النظام الداخلي بعقد مؤتمر الحزب كل أربع سنوات، حيث من المقرر أن يعقد المؤتمر الـ14 في نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2014 وستبدأ الإجراءات قبل ستة أشهر من عقده بإعداد كافة المستلزمات عن طريق اللجنة التحضيرية واللجان.
ولم ينكر ميراني الاتهامات الموجهة لحزبه ولأعضائه ونعت حزبه بحزب العائلة، مؤكدا على أن الشعب الكردي حتى عام 1975 قبل جميع الكرد والكردستانيين بقيادة هذه العائلة وقبل الحزب بقيادة هذه العائلة للحزب وللحركة الكردية، مؤكدا على أن حزبه حزب متمرس، له باع سياسي طويل خاض المعترك السياسي في جميع مراحل النضال. وعن تخوف بغداد من خطوات الإقليم نحو «الانفصال وإعلان دولة مستقلة»، أكد ميراني أنه «لا يوجد كردي لا يتمنى الاستقلال وتكوين دولته، وهذا ما ناضل قادة هذا الشعب من أجله»، مؤكدا في الوقت ذاته أن الأمر «ليس بهذه السهولة».



اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
TT

اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية في اليمن، وفي مقدمتها العاصمة المختطفة صنعاء، موجة متسارعة من نزوح رؤوس الأموال والكفاءات المهنية، وسط اتهامات للجماعة بفرض سياسات مالية وإدارية وإتاوات متنوعة تُقيد النشاط التجاري وتُضعف ثقة المستثمرين.

ويأتي هذا النزيف الاقتصادي في وقت يعاني فيه اليمن أساساً من أزمة إنسانية ومعيشية معقدة، ما يضاعف من آثار الانكماش الاقتصادي على السكان والأسواق على حد سواء.

ويشير رجال أعمال وأصحاب شركات، إلى الإجراءات المفروضة عليهم خلال السنوات الأخيرة، بما في ذلك الجبايات المتكررة والرسوم غير القانونية، والتدخلات المباشرة في إدارة الأنشطة التجارية.

مبنى الاتحاد العام للغرف التجارية الصناعية الخاضع للحوثيين في صنعاء (إكس)

وبحسب إفادات التجار، أدى سلوك الحوثيين إلى خلق بيئة استثمارية طاردة دفعت كثيرين إلى نقل أعمالهم خارج مناطق آمنة، سواء إلى مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً، أو إلى دول مجاورة توفر قدراً أكبر من الاستقرار القانوني والاقتصادي.

ويقول تجار في صنعاء، إن تعدد الجهات التي تفرض الرسوم والإتاوات، جعل تكلفة التشغيل مرتفعة بصورة غير مسبوقة، في ظل غياب معايير واضحة لتنظيم النشاط الاقتصادي.

قرارات مجحفة

ويشير التجار في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، إلى أن القرارات الاقتصادية المجحفة تُتخذ بشكل مفاجئ ودون إطار قانوني مستقر، الأمر الذي يجعل التخطيط طويل الأمد، شبه مستحيل بالنسبة للشركات والمستثمرين.

ويرى خبراء اقتصاديون أن السياسات الاقتصادية الحوثية أسهمت في تسريع هروب ما تبقى من رؤوس الأموال المحلية، مؤكدين أن المشكلة لم تعد تقتصر على من غادر بالفعل؛ بل تشمل أيضاً شريحة واسعة من المستثمرين الذين يفكرون جدياً في الرحيل.

ويلفت هؤلاء إلى أن فقدان الثقة أصبح العامل الأكثر تأثيراً في القرارات الاستثمارية، متجاوزاً حتى التحديات الأمنية أو ضعف البنية التحتية.

ويحذر اقتصاديون من أن استمرار فرض الجبايات تحت تسميات متعددة؛ مثل دعم الأنشطة التعبوية، أو تمويل فعاليات الجماعة الحوثية، يؤدي إلى استنزاف السيولة داخل السوق المحلية، ما يقلص قدرة الشركات على التوسع أو حتى الاستمرار.

حوثيون على متن دورية يخطفون تجاراً وأصحاب مهن في صنعاء (الشرق الأوسط)

كما أن التدخلات المباشرة في القطاع الخاص، بما في ذلك المداهمات أو فرض الوصاية غير الرسمية على بعض الأنشطة، خلقت حالة من القلق الدائم لدى المستثمرين.

ويُنظر إلى مغادرة عدد من رجال الأعمال البارزين خلال الفترة الأخيرة، باعتبارها مؤشراً على تدهور المناخ الاقتصادي، حيث يرى مراقبون أن خروج شخصيات اقتصادية معروفة، يعكس تراجع الثقة في إمكانية استقرار بيئة الأعمال مستقبلاً.

ويؤكد محللون أن رأس المال بطبيعته يبحث عن الأمان والاستقرار، وعندما يفقدهما يتحرك سريعاً نحو بيئات أقل مخاطرة.

نزيف الكفاءات

ولم يقتصر النزوح على رؤوس الأموال فقط؛ بل امتد إلى الكفاءات المهنية في قطاعات حيوية، مثل الطب والهندسة وتقنية المعلومات والتعليم، حيث فضّل آلاف المتخصصين البحث عن فرص عمل أكثر استقراراً داخل اليمن أو خارجه.

ويعدّ هذا التحول أحد أخطر تداعيات الأزمة الاقتصادية، نظراً لما يمثله رأس المال البشري من عنصر أساسي في أي عملية تعافٍ اقتصادي مستقبلي.

آلية حوثية تعتدي على باعة أرصفة بالقرب من متاجر في صنعاء (إعلام حوثي)

ويؤكد خبراء أن فقدان الكوادر المؤهلة في مناطق سيطرة الحوثيين، يؤدي إلى تراجع جودة الخدمات الأساسية، وبخاصة في القطاعات الصحية والتعليمية، كما يُضعف قدرة الاقتصاد المحلي على الابتكار أو إعادة البناء. ومع استمرار القيود المفروضة على الاستيراد والتصدير وارتفاع تكاليف التشغيل، تصبح فرص خلق وظائف جديدة، محدودة، ما يدفع مزيداً من الشباب إلى التفكير بالهجرة.

وتشير تقديرات غير رسمية إلى إغلاق أعداد متزايدة من المنشآت التجارية خلال الأعوام الماضية، بالتزامن مع ارتفاع معدلات البطالة وتراجع القدرة الشرائية للسكان.

ويؤدي هذا الوضع إلى حلقة مفرغة؛ إذ يسهم انكماش الاقتصاد في تقليص الإيرادات، ما يدفع السلطات الحوثية القائمة إلى زيادة الجبايات، الأمر الذي يسرّع بدوره خروج المستثمرين والكفاءات.


الحوثيون يصعّدون استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية

عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
TT

الحوثيون يصعّدون استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية

عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)

كثّفت الجماعة الحوثية خلال الأيام الأخيرة، من استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية، وسط حالة توتر متصاعدة، ومخاوف كبيرة من اندلاع احتجاجات شعبية داخل مناطق سيطرة الجماعة.

وتشير تقارير حكومية وحقوقية إلى أن حوادث القمع الأخيرة، التي شملت عمليات قتل وقنص وحصار أحياء سكنية، ترتبط بشكل مباشر بمحاولات منع أي تحركات احتجاجية، أو مطالبات بالإفراج عن معتقلين في سجون الجماعة.

وتأتي هذه التطورات في وقت تعيش فيه الجماعة الحوثية حالة استنفار أمني غير مسبوقة، وسط تقديرات محلية بأن تصاعد الضغوط الاقتصادية والاجتماعية قد يدفع نحو موجة احتجاجات شعبية، وهو ما تسعى الجماعة إلى احتوائه عبر القبضة الأمنية المشددة.

وكان أبرز هذه الانتهاكات في مدينة رداع بمحافظة البيضاء (جنوب شرقي صنعاء)، حيث قُتل الشاب عبد الله الحليمي، وأصيب رفيقه عبد الله الزيلعي بعد دعوتهما السكان إلى تنظيم وقفة احتجاجية للمطالبة بالإفراج عن ثمانية من أقاربهما المعتقلين منذ ثمانية أشهر. وحسب مصادر حكومية، فإن عناصر تابعة للحوثيين، أطلقت النار على الشابين في سوق الحراج وسط المدينة عقب رصد تحركاتهما لحشد المواطنين.

آخر ضحايا الحوثيين في مدينة رداع التابعة لمحافظة البيضاء (إعلام محلي)

وأوضحت المصادر، أن الدعوة للاحتجاج جاءت على خلفية اعتقال أقارب الشابين بعد حادثة قتل سابقة مرتبطة بنزاع قبلي، الأمر الذي أدى إلى توتر متصاعد داخل المجتمع المحلي.

وأكدت المصادر، أن حملة أمنية أُرسلت إلى السوق فور انتشار الدعوة، قبل أن تتطور الأوضاع إلى مواجهة مباشرة انتهت بمقتل الحليمي، وإصابة رفيقه بجروح خطيرة نقل على أثرها إلى العناية المركزة.

وتشير شهادات محلية، إلى أن الحادثة أعادت إحياء مشاعر الغضب في المدينة، خصوصاً أن والد الضحية قُتل قبل أقل من عام في حادثة مشابهة، ما عزز المخاوف من دخول المنطقة في دوامة ثأر اجتماعي قد يصعب احتواؤها.

حصار الأحياء

منظمات حقوقية يمنية عبّرت عن قلق بالغ إزاء ما وصفته بـ«التصعيد العسكري الخطير» في رداع، مؤكدة أن الجماعة فرضت حصاراً على حي الحفرة، واستخدمت الأسلحة الثقيلة والمتوسطة داخل مناطق سكنية مكتظة بالسكان. وأفادت بأن العمليات العسكرية أدت إلى سقوط قتلى وجرحى بين المدنيين، إضافة إلى موجة نزوح داخلي وحالة هلع واسعة بين النساء والأطفال.

وأكدت «الشبكة اليمنية للحقوق والحريات» أن قصف الأحياء السكنية وإغلاق الطرق ومنع وصول المساعدات الطبية، يمثل انتهاكاً صريحاً لقواعد القانون الدولي الإنساني، مشيرة إلى أن السكان حُرموا من حرية الحركة والوصول إلى الخدمات الأساسية، بما في ذلك الرعاية الصحية.

دعوات حقوقية لتدخل دولي لحماية المدنيين في مناطق سيطرة الحوثيين (إعلام محلي)

كما لفتت إلى أن استمرار العمليات العسكرية داخل المدن يعكس استخفافاً بحياة المدنيين، ويضاعف من المخاطر الإنسانية، خصوصاً على الفئات الأكثر هشاشة مثل الأطفال وكبار السن. وأدى إغلاق الطرق إلى تأخير وصول فرق الإسعاف والإغاثة، ما فاقم من معاناة الجرحى والمصابين.

من جهته، قال وزير الإعلام اليمني معمر الارياني في تصريح رسمي إن «ما يجري في حي الحفرة يؤكد أن ميليشيات الحوثي ماضية في نهجها القائم على الانتقام الجماعي، وتصفية الحسابات خارج إطار القانون، وترهيب المجتمع وإخضاعه بالقوة المسلحة، في انتهاك صارخ لكل القوانين والأعراف الوطنية والدولية».

وطالب الإرياني «منظمات حقوق الإنسان المحلية والدولية، والآليات الأممية المعنية، بإدانة واضحة وصريحة لهذه الجرائم، وتوثيقها، والعمل على مساءلة مرتكبيها»، مؤكداً أن «هذه الجرائم لا تسقط بالتقادم، وأن جميع المتورطين فيها، من الآمرين والمنفذين، سيظلون عُرضة للملاحقة والمساءلة عاجلاً أم آجلا».

استهداف في تعز وإب

ولم تقتصر حوادث العنف على محافظة البيضاء، إذ شهدت محافظة تعز إصابة امرأة تُدعى كاتبة إسماعيل، برصاص قناص حوثي في منطقة وادي صالة شرق المدينة، أثناء وجودها في المنطقة، حيث نُقلت إلى المستشفى العسكري وهي في حالة حرجة.

وفي محافظة إب، قُتل فتى في حادثة إطلاق نار أثارت موجة غضب شعبية ومطالبات بملاحقة الجاني وتقديمه إلى العدالة، وسط تصاعد المخاوف من انتشار ظاهرة الإفلات من العقاب.

وتقول منظمات حقوقية، إن تكرار هذه الحوادث يعكس نمطاً متصاعداً من استهداف المدنيين عبر القنص أو إطلاق النار المباشر، في انتهاك واضح للحق في الحياة والسلامة الجسدية.

الحوثيون اعتقلوا آلاف اليمنيين وسط مخاوفهم من انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

ودعت تلك المنظمات إلى فتح تحقيقات عاجلة وشفافة في جميع الحوادث، وضمان محاسبة المسؤولين عنها، إضافة إلى وقف استخدام الأسلحة داخل الأحياء السكنية، ورفع الحصار عن المناطق المتضررة. كما طالبت بتوفير ممرات إنسانية آمنة لإجلاء الجرحى، وضمان وصول المساعدات الطبية.

وفي هذا السياق، ناشدت الجهات الحقوقية، المجتمع الدولي ووكالات الإغاثة، بما في ذلك الأمم المتحدة، التحرك العاجل للضغط من أجل حماية المدنيين ومنع اتساع رقعة العنف، محذّرة من أن استمرار التصعيد قد يقود إلى كارثة إنسانية جديدة، ويقوّض فرص التهدئة الهشة أصلاً.


أزمة تمويل «أوصوم» تثير مخاوف أممية من تراجع مكافحة الإرهاب بالصومال

جنود من قوات حفظ السلام التابعين لبعثة الاتحاد الأفريقي في الصومال (رويترز)
جنود من قوات حفظ السلام التابعين لبعثة الاتحاد الأفريقي في الصومال (رويترز)
TT

أزمة تمويل «أوصوم» تثير مخاوف أممية من تراجع مكافحة الإرهاب بالصومال

جنود من قوات حفظ السلام التابعين لبعثة الاتحاد الأفريقي في الصومال (رويترز)
جنود من قوات حفظ السلام التابعين لبعثة الاتحاد الأفريقي في الصومال (رويترز)

تتصاعد مخاوف من تنامي نفوذ الجماعات الإرهابية بالصومال في ظل فجوة التمويل الدولي لبعثة الاتحاد الأفريقي (أوصوم)، كان أحدثها تلك التي عبَّر عنها الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش الذي دعا لتوفير دعم ثابت ومستدام.

تلك المخاوف الأممية تتزامن مع إمكانية سحب أوغندا قواتها من البعثة، وسبقتها مخاوف مصرية من تداعيات نقص التمويل.

ويرى خبير في الشؤون الصومالية والأفريقية، تحدث لـ«الشرق الأوسط»، أن هذا الأمر قد يقود لتراجع مكافحة الإرهاب، مما يعزز من فرص إعادة تمدد «حركة الشباب» المتشددة بالصومال، مؤكداً على أهمية التمويل وثباته في تلك المرحلة الانتقالية بهذا البلد الأفريقي المثقل بالأزمات.

وخلفاً لبعثة الاتحاد الأفريقي الانتقالية (أتميس)، التي انتهت ولايتها آخر 2024، بدأت بعثة الاتحاد الأفريقي لدعم الاستقرار في الصومال، المعروفة باسم «أوصوم»، عملياتها رسمياً بداية من يناير (كانون الثاني) 2025، بعد اعتماد مجلس الأمن الدولي قراراً بشأنها في ديسمبر (كانون الأول) 2024 بهدف دعم الصومال في مكافحة «حركة الشباب» التي تتصاعد «عملياتها الإرهابية» في الصومال منذ 15 عاماً.

مطالبات أممية

وأمام قمة الاتحاد الأفريقي، السبت، حثّ غوتيريش المجتمع الدولي على توفير تمويل ثابت ومستدام لدعم بعثة الاتحاد الأفريقي لدعم الاستقرار في الصومال، وآلية تمويل موثوقة لضمان فاعلية واستدامة البعثة في مواجهة التهديدات الأمنية، منتقداً مجلس الأمن الدولي لعدم اتفاقه على تمويل البعثة من خلال مساهمة إلزامية.

ووصف غوتيريش في كلمته مهمة الصومال بأنها اختبار لالتزام المجتمع الدولي بدعم عمليات حفظ السلام التي تقودها دول أفريقية، متسائلاً: «إذا كانت بعثة الاتحاد الأفريقي في الصومال لا تستحق الدعم الدولي، فمن الذي يستحقه إذن؟».

وأضاف غوتيريش أن الأمم المتحدة تجري مراجعة شاملة لعمليات حفظ السلام التابعة لها لضمان واقعية ولاياتها، وترتيب أولوياتها بشكل سليم، وتوفير التمويل الكافي لها، وأن تكون مصحوبة بخطة انتقال واضحة.

ويرى المحلل السياسي الصومالي، عبد الولي جامع بري، أن تصريحات غوتيريش حول أزمة تمويل بعثة دعم الاستقرار في الصومال تعكس قلقاً حقيقياً داخل الأمم المتحدة من أن ضعف التمويل قد يعرقل مسار مكافحة الإرهاب، خصوصاً في ظل استمرار تهديد «حركة الشباب».

وأضاف قائلاً إن عدم إلزامية المساهمات «يؤكد صعوبة التخطيط طويل المدى للعمليات الأمنية، واحتمال تقليص القوات كما رأينا من أوغندا أو الدعم اللوجيستي، وهذا قد يؤدي إلى إبطاء العمليات ضد الجماعات المسلحة، وخلق فراغات أمنية في بعض المناطق المحررة، وزيادة الضغط على القوات الصومالية».

وأكد وزير الخارجية وشؤون المغتربين الكيني، موساليا مودافادي، في سبتمبر (أيلول) 2025، أن البعثة تُواجه تحديات تمويلية جدية، ما يستدعي تضافر الجهود الدولية لتأمين موارد كافية تضمن نجاح مهامها في مكافحة الإرهاب.

ودعا مودافادي المجتمع الدولي إلى تقديم دعم مالي ولوجيستي مستدام للبعثة، لتمكينها من مواجهة التحديات الأمنية، وعلى رأسها تهديدات «حركة الشباب» المرتبطة بتنظيم «القاعدة»، وضمان انتقال تدريجي للمهام الأمنية إلى الحكومة الصومالية.

وفي يوليو (تموز) 2025، دعت الرئاسة المصرية المجتمع الدولي إلى توفير «تمويل كافٍ» لبعثة السلام في الصومال، بما يضمن استدامتها، ويساعدها على تنفيذ ولايتها بفاعلية. عقب استقبال الرئيس عبد الفتاح السيسي نظيره الصومالي حسن شيخ محمود بمدينة العلمين بشمال مصر.

وجاء نداء الرئاسة المصرية بعد دعوة رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي محمود علي يوسف، في اجتماع للبعثة في أوغندا في أبريل (نيسان) 2025، إلى ضرورة «توفير التمويل اللازم لبعثة الاتحاد الأفريقي في الصومال بما يصل إلى 190 مليون دولار».

ولكن لم يصل إلا تمويل إضافي قليل للغاية، حيث وافق المجلس التنفيذي للاتحاد الأفريقي في يوليو (تموز ) 2025 على تمويل طارئ إضافي بقيمة 10 ملايين دولار لدعم بعثة «أوصوم»، على أساس أن هذا الدعم المالي «ضروري لتمكين بعثة الاتحاد الأفريقي من تلبية متطلباتها التشغيلية».

ويعتقد بري أن عدم الاستجابة للنداءات الأفريقية بشأن التمويل، يعززه تصريح غوتيريش، ويؤكد أن ثمة تأثيراً قد يحدث في الحرب ضد الإرهاب، محذراً من أنه حال استمر نقص التمويل سيقابله تقليل عدد القوات الدولية وتباطؤ العمليات الهجومية، ومنح «حركة الشباب» فرصة لإعادة تنظيم صفوفها.

ونبه إلى أن الصومال في مرحلة انتقالية حساسة، وأي ضعف في التمويل قد يعرقل نقل المسؤولية الأمنية بالكامل إلى القوات الصومالية.