حدود التوتر المصري ـ السوداني

القاهرة تتفادى التصعيد وتسعى لـ«الاحتواء»... والخرطوم مع حسم القضايا العالقة

حدود التوتر المصري ـ السوداني
TT

حدود التوتر المصري ـ السوداني

حدود التوتر المصري ـ السوداني

على مدار تاريخ العلاقات المصرية السودانية، لم تنجح الكلمات المعسولة لمسؤولي البلدين وعباراتهم الودودة التي تتحدث عن تاريخيتها الضاربة في القدم، في تصفية الأزمات، وإن لعبت دورا مهماً في تلطيفها وتسكينها، قبل أن يشتعل الوضع من جديد.
وفي الآونة الأخيرة شهدت العلاقات توتراً غير مسبوق، كان محور الخلافات فيه مثلث «حلايب وشلاتين وأبو رماد» الحدودي، والموقف من سد «النهضة» الإثيوبي، إضافة إلى اتهامات سودانية للقاهرة بدعم متمردين مناهضين لنظام الرئيس عمر البشير، وهو ما نفته مصر جملة وتفصيلاً. وبلغ التوتر ذروته مع قرار السودان، قبل نحو أسبوعين، استدعاء سفيره في القاهرة للتشاور، في قرار واجهته القاهرة، بهدوء وحذر شديدين على المستوى الرسمي، فأشارت وزارة الخارجية إلى أنها «تقوم بتقييم الموقف بشكل متكامل لاتخاذ الإجراء المناسب». واتهمت مصر دولاً إقليمية (في إشارة إلى قطر وتركيا) بالسعي إلى توتير العلاقات بين البلدين.
مع كل أزمة تنشب بين البلدين الشقيقين مصر والسودان، تثار التساؤلات، حول حدود التوتر بين البلدين، وماذا سيفضي في النهاية، هل يمكن أن ينتج عنه قطيعة دائمة.... وهل يتطوّر إلى نزاع حدودي مسلح بين شعبي وادي النيل؟
ترى الدكتورة أماني الطويل، عضو المجلس المصري للشؤون الأفريقية، التي تحدثت إلى «الشرق الأوسط» عن العلاقات المصرية السودانية، أن هذه العلاقات «لم تخرج من نفق الوضع المأزوم طوال تاريخها، وهي تقدم نموذجاً فريداً من المد والجزر في حركة دائرية تأبى أن تتقدم إلى الأمام».
- المكوّن العاطفي
وفي حين يؤكد مصدر سياسي مصري مطلع لـ«الشرق الأوسط»، أن «مصر ترغب في تهدئة الأجواء مع السودان.... وتأمل ألا يكون (السودان) مخلباً لقوة إقليمية تريد الضغط على مصر وتسميم الأجواء». تشرح الطويل أن «هذه ليست أولى أزمات العلاقات بين البلدين ولن تكون آخرها، فهذه طبيعة العلاقات بين البلدين منذ خمسينات القرن الماضي، بعضها بسبب أزمات واقعية، والآخر بسبب إدراكات مختلفة لكل طرف عن الأخر...»... غير أنها، في المقابل، استبعدت بالمطلق «أن تنهار العلاقات بين البلدين إلى حد ممارسات مسلحة مثلا»، مشيرة إلى «وجود محدّدات للعلاقات بين البلدين، أقصاها التصعيد الإعلامي والتلاسن المتبادل في التصريحات»، ومضيفة «هناك مكوّن مميز في العلاقات المصرية السودانية غير موجود في أي علاقات أخرى، وهو المكوّن العاطفي وعلاقة النسب بين الشعبين، وهي أمور من الصعب كسرها.... وحتى في حالة التلاسن بين البلدين، يكون محصورا في علاقات النخب السياسية، والإعلام بعيدا عن الشعبين.... ومرتبطة بتوافق أو عدم توافق النظامين الحاكمين في البلدين، تحت مظلة الوضع الإقليمي أو النظام الدولي».
ومن جهة ثانية، يرى المحلل السياسي السوداني محمد لطيف، أن التحفظ السوداني حول قضية حلايب وشلاتين والتحفظ المصري حول سد النهضة، هما ما أحدث التوتر بين البلدين، وأن هذه «التطورات حدثت بعد تأسيس «التحالف العربي» و«عاصفة الحزم» وأزمة سوريا مع وجود تركي في البحر الأحمر، ومع الأخبار المتداولة حول تعاون مصري إريتري، زُعم أنه موجّه ضد السودان وإثيوبيا».
والواقع أنه منذ بداية عام 2017 شهدت العلاقات السودانية - المصرية توترات مكتومة على المستوى الرسمي، إلى أن خرجت تصريحات لمسؤولين سودانيين متتالية، أظهرت مدى هذا التوتر، الذي لم يتوقف عند استدعاء السفير، بل طالبت العديد من الصحف السودانية بإلغاء اتفاق الحريات الأربع «غير المفعل»، والذي وقع بين البلدين عام 2004. وينص على إلغاء كل القيود الهجرية الخاصة بالحق في حرية الدخول والخروج والتنقل والامتلاك.
- سد النهضة... يعمّق الخلافات
إحدى أهم الأزمات التي أشعلت الخلاف بين البلدين أخيراً، هي أزمة سد النهضة الإثيوبي، إذ تتهم القاهرة الخرطوم بدعم موقف أديس أبابا في ملف السد، الذي تخشى أن يؤثر سلباً على حصتها السنوية من مياه نهر النيل، مصدر المياه الرئيسي لمصر. ولقد عبّرت الخرطوم أكثر من مرة عن اعتقادها بأن السد سيكون له فوائد. وسلكت المسلك الإثيوبي (المضاد للموقف المصري) في التحفظ عن تقرير استهلالي أعده مكتب استشاري حول التأثيرات المحتملة لبناء السد، ما أدى إلى توقف المفاوضات الفنية بين الدول الثلاث واستمرار الأزمة.
وقبل أسابيع نقلت وسائل إعلام سودانية ادعاءات بأن وزير الخارجية المصري، أبلغ رئيس وزراء إثيوبيا، طلب بلاده بدء مفاوضات ثنائية، برعاية البنك الدولي، حول سد النهضة مع استبعاد السودان من المفاوضات. وتعامل مسؤولون سودانيون مع هذه التقارير الصحافية بجدية، رغم النفي الرسمي المصري، وسط مطالب بوقف إطلاق اتفاق الحريات الأربع (الدخول، والإقامة، والعمل والتملك) مع مصر.
وفي سياق الخلافات حول سد النهضة أيضا، نفت مصر اتهامات وجهها لها السودان بالتعدّي على حصتها من مياه نهر النيل، وقال وزير الخارجية المصري سامح شكري إن السودان «يستخدم بالفعل كامل حصته من مياه النيل ومنذ فترة طويلة». وجاء ذلك ردا على تصريحات لوزير الخارجية السوداني - آنذاك - إبراهيم غندور قال فيها إن «مصر كانت على مدى السنوات السابقة تأخذ حصة السودان من مياه النيل».
الدكتورة الطويل، ترى أن مصر «تشعر بالخذلان من السودان في موقف سد النهضة، لسببين: الأول أن مصر والسودان دولتا مصب لنهر النيل، وليسا كما يقول السودان أنهما دولة ممر، وبالتالي لا بد أن تكون المصالح متطابقة»، والثاني أنه «إذا كان السودان يعول اليوم على الأمطار فنحن مقبلون على ظاهرة تصحر في هذه المنطقة من العالم، والاعتماد على الأمطار بديلا للأنهار أمر في غاية الخطورة، وبالتالي، فجعل محابس النيل العليا في إثيوبيا ليس في صالح السودان لا على مستوى وزنه الإقليمي ولا في مصالحه الاستراتيجية».
ومن جانبه، يقول الباحث المصري مشهور إبراهيم أحمد إن «الأمر اللافت أنه بدلا من أن يكون ملف سد النهضة دافعاً نحو توطيد العلاقات المصرية السودانية، في ظل الخطر، الذي يمكن أن يصيب البلدين من وراء تدشينه باعتبارهما دولتي مصب نهر النيل، فإن الأمور توترت بين البلدين، ولم تكن هناك رؤية مشتركة لمدى تأثير السد على البلدين، بل وظهرت الخلافات بين البلدين إلى العلن، وهو ما يصب بالطبع في صالح الجانب الإثيوبي ويزيد من قوة موقفه».
في المقابل، يرى المفكر السوداني الدكتور حسن مكي، أستاذ العلوم السياسية والمدير السابق لجامعة أفريقيا العالمية، أن «هناك حساسية متزايدة من موقف السودان المستقل في قضية سد النهضة.... السد لا يقام على أرض سودانية، وإنما على أرض إثيوبية». ويضيف مكي، نقلا عن وكالة «الأناضول» «ليس من سبيل لمحاسبة السودان على سياسة دولة أخرى، وإذا كانت لدى مصر تصفية حسابات في هذه القضية، فالسودان لا يريد أن يكسب عداء إثيوبيا في قضية ليس له فيها شأن». ويستطرد منتقداً «مصر تقاعست في مواقف كثيرة، مثل قناة جونقلي.... المصريون يريدون تحقيق مكاسب دون تقديم تضحيات، ما أدخلهم في مأزق سد النهضة». وللعلم، قناة جونقلي هو مشروع لإنشاء قناة ري لنقل بعض مياه بحر الجبل شمالاً لري الأراضي الزراعية في كل من مصر والسودان، وقد بدأ شقها، لكن المشروع توقف، وتحمل الخرطوم القاهرة المسؤولية.
- أبعاد إقليمية للتوتر
على صعيد آخر، شكلت زيارة الرئيس التركي رجب طيب إردوغان للسودان، الشهر الماضي، وطلبه من نظيره السوداني عمر البشير منح جزيرة سواكن لتركيا «على سبيل الاستثمار»، محورا في إشعال الأزمة الأخيرة بين البلدين، رغم الصمت المصري الرسمي. إذ شنت وسائل إعلام مصرية هجوما حادا على الخرطوم، واعتبرت الطلب محاولة من السودان وتركيا لتهديد الأمن الإقليمي، وإدخال طرف جديد في معادلة أمن البحر الأحمر. وهو ما رد عليه وزير الخارجية السوداني – آنذاك - إبراهيم غندور، بالقول إن «الرئيس إردوغان يعني جزيرة سواكن، وليس كل منطقة سواكن.... والرئيس البشير وافق على الطلب التركي لتكون هذه منطقة سياحية تُعاد سيرتها الأولى، لينطلق منها الحجاج وتكون سياحة وعبادة (....) هي شراكة استثمارية بين بلدين، وهذا أمر طبيعي».
وحول هذه النقطة أبلغ مصدر سياسي مصري مطلع «الشرق الأوسط» أمس أن مصر «ترغب في تهدئة الأجواء مع السودان في هذه الآونة.... وتأمل ألا يكون السودان مخلباً لقوة إقليمية تريد الضغط على مصر وتسميم الأجواء». وشدد المصدر المطلع (الذي فضل إغفال اسمه) أن «لدى مصر مصالح دائمة وحيوية مع السودان لا تقع فقط في ملف المياه، لكنها تشمل أيضا وجودا عسكريا مصيريا في منطقة دارفور ضمن قوات حفظ السلام الدولية».
أما الدكتور هاني رسلان، رئيس وحدة دراسات السودان وحوض النيل بمركز الدراسات السياسية والاستراتيجية في «الأهرام» فيرى أن الظهور التركي في وسط البحر الأحمر والمتمثل في جزيرة سواكن السودانية، رغم أنها دولة غير متشاطئة «يعد نواة لتحالف سوداني - قطري - تركي، يمتد ضلعه الرابع إلى دولة إثيوبيا، ويشكل تهديداً لمصر». ويعتبر رسلان أن ذلك يأتي كـ«حلقة من حلقات الانتقال السريع في تحالفات الرئيس السوداني عمر البشير الإقليمية والدولية، وأن التصعيد السوداني مع مصر وصل إلى إقامة تحالفات مع دول تشهد علاقتها مع مصر توترا منذ فترة وهو ما قد يؤدي إلى تفاقم الأزمة إلى حد كبير».
وفي السياق ذاته، تعتبر الدكتورة الطويل أن «استدعاء أطراف خارجية في الأزمات مع مصر مسؤولية سودانية بامتياز، تاريخيا، ففي التسعينات استدعت إيران.... وهم يحاولون الآن الاستقواء على مصر بأطراف إقليمية عندما تكون هناك خلافات.... ومصر بدورها استطاعت من قبل أن تستوعب الوجود الإيراني في السودان في فترة حرجة بالنسبة لها، ومن ثم فإن الاستدعاء السوداني لتركيا وقطر أمر قد يقلق مصر.... لكنه لا يصل إلى حد التهديد، وهي قادرة على التعامل معه». وتشير إلى «وجود توازنات إقليمية يجب أن تراعى لأن الخروج عن هذه التوازنات الحرجة يشكل تهديدا للأمن الإقليمي والدولي، ويتسبب في صراع مباشر».
الاتهام ذاته يكرّره السودان الذي يلقي اللوم على أطراف إقليمية بتوتير علاقته بمصر، فوفقا للسفير عبد المحمود عبد الحليم، فإن «بعض الأصداء البيئية الإقليمية والدولية تقف وراء أزمة مصر والسودان حالياً». ويرى المحلل السوداني لطيف، في تصريحات لموقع «سبوتنيك» أن «التطوّرات التي حدثت بعد تأسيس «التحالف العربي» و«عاصفة الحزم» وأزمة سوريا مع وجود تركي في البحر الأحمر ومع الأخبار المتداولة حول تعاون مصري إريتري وما قيل إنه موجّه ضد السودان وإثيوبيا، كان لها دور في هذه التوترات». ويتابع «إن السودان انحاز إلى مصالحه الخاصة، بلا شك»، مشيراً إلى أنه «ليس لمصر الحق في الحديث حول علاقات السودان مع أي دولة أخرى».
- حدث نوعي
غير أن الحدث النوعي في الاتهامات، جاء عبر مساعد الرئيس السوداني إبراهيم محمود، الذي ذكر الأسبوع الماضي، أن بلاده تتحسب لتهديدات أمنية من جارتيها مصر وإريتريا، بعد «تحركات عسكرية» في منطقة ساوا الإريترية المتاخمة لولاية كسلا بشرق السودان. هذا التصريح استدعى رداً من الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي نافياً وجود دعم عسكري مصري للحركات المتمردة في السودان، إذ قال السيسي «مصر لا تتآمر ولا يمكن أن تحارب أشقاءها.... وقوة الجيش المصري لا تعني الطغيان على الآخرين، وتطوير أمن قومي»، مطالباً وسائل الإعلام «بالانتباه للعلاقة مع الأشقاء». وسبق ذلك تصريح للوزير سامح شكري قال فيه إن مصر «دائما لديها أمل في أن تشهد العلاقات (مع السودان) القدر الكافي بما يراعي تطلعات الشعبين ومصلحتهما وفقا للاتفاقيات السابقة.... وهذا يتطلب جهدا وانفتاحا لسياسات تكون داعمة لهذا التوجه... وهذا تطلع مصر دائما».
هذا، ويبدو أن السودان لمس خلال الأيام الماضية حرص مصر الكامل على علاقاتها معها، كما ترك تصريح السيسي الأخير انطباعاً جيدا عن نيات مصر تجاه السودان. ففي لقائه مع السفير عبد المحمود عبد الحليم؛ يوم (الخميس) الماضي، أكد الرئيس المصري ثقة بلاده في الدبلوماسية السودانية نحو تأسيس علاقات مع دول الجوار كافة تقوم على المصالح المشتركة والاحترام المتبادل. وقال عبد الحليم إن البشير «وجّه بالعمل على حل القضايا العالقة مع مصر.... كما اطمأن الرئيس البشير خلال اللقاء على أوضاع الجالية السودانية بمصر».
وهنا، تقول الطويل إن مصر استطاعت أن تتعامل مع التصعيد السوداني بحكمة، لكنها ألقت اللوم أيضا على القاهرة فيما يتعلق بتجاهلها تعظيم المصالح المشتركة بين البلدين، مشيرة إلى وجود «تقصير يجب أن يعترف به، في أفريقيا بشكل عام وفي السودان بشكل خاص، منذ عشرات السنوات، وهو تقصير بدأت مصر تجني ثماره في الوقت الراهن، إذ فقدت أدواتها التفاعلية.... لكن يمكن تجاوز هذا الأمر في المرحلة المقبلة والرئيس السيسي يعمل على ذلك». وتتابع أن «مصر والسودان، لاعتبارات متعلقة بالتاريخ والجغرافيا وثوابت الأمن القومي والمصالح المشتركة بينهما، يجب أن يشكلا نموذجا لأي تكامل عربي يضع في اعتباره تحقيق طفرة اقتصادية لمصلحة رفاهية أبناء المجتمعين وتقدمهم».
-- مثلث «حلايب»... محور صدام دائم
> يشكل النزاع على مثلث حلايب وشلاتين، محور الخلافات الدائمة بين مصر والسودان، لكنه في أحيان كثيرة يستخدم للتعبير عن أزمات أخرى، متعلقة بعدم توافق رأسي السلطة في البلدين حول ترتيبات إقليمية أخرى.
تبلغ مساحة المنطقة الحدودية محل النزاع نحو 22 ألف كيلومتر، وتطل على ساحل البحر الأحمر، على الطرف الجنوبي الشرقي من الجانب المصري، وعلى الطرف الشمالي الشرقي من الجانب السوداني (جنوب مصر)، وتقع فعليا تحت السيادة المصرية. ويطلق على هذه المنطقة اسم «مثلث» كونها تضم ثلاث بلدات كبرى هي حلايب وأبو الرماد وشلاتين.
وطفت القضية لسطح الأحداث أخيراً، بعدما أعلن السودان الشهر الماضي رفضه الاعتراف باتفاقية ترسيم الحدود البحرية المصرية السعودية، بحجة مساسها بحق السودان في «المثلث» الحدودي، لكونها اعترفت بحلايب ضمن الحدود المصرية. ولقد اعتاد السودان تقديم شكوى سنوية إلى الأمم المتحدة عن حقه في «مثلث» حلايب، بينما ترى مصر أن الأمور محسومة لصالحها ولا ترغب في مزيد من التصعيد، اعتمادا على أن السيادة على الأرض لصالحها، بما يشمل ذلك العملة المستخدمة والنظام المصرفي، والوجود الفعلي لقوات الجيش والشرطة المصرية، إضافة للمدارس الحكومية ونظام التعليم وغيرها من المؤسسات. وسبق للخارجية المصرية أن أكدت أنها «غير راغبة في النزاع حول شيء تمتلكه بالفعل، كما أنها تمتلك من الوثائق والأدلة الكافية لإثبات حقها إن اقتضى الأمر ذلك».
ولكن، مع تصاعد التوتر بين البلدين أخيراً قررت السلطات المصرية تكريس السيطرة القائمة هناك بالفعل، عبر إجراءات اتخذت بشكل لافت خلال الأسابيع الماضية، تتضمن بناء عشرات المنازل الجديدة، وإنشاء سد لتخزين مياه السيول وميناء للصيد، وزيارات لمسؤولين كبار، على رأسهم وزير الأوقاف الذي أدى صلاة الجمعة هناك، بثها التلفزيون على الهواء مباشرة. غير أن الخرطوم ترى أن الوجود المصري في المثلث هو {احتلال}.
وفي هذا الشأن يقول الدكتور هاني رسلان (مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية في «الأهرام»)، في تصريح لـ«الشرق الأوسط» إن السودان يعتمد على قرارين صدرا من وزير الداخلية عامي 1902 و1904 يتعلقان بتبعية تلك المناطق للسودان، لكنه أكد أنهما كانا قرارين إداريين لا يخصان السيادة أو يغيران في الأوضاع. وحسب رسلان «كل الأراضي التي تقع شمال خط 22 الحدودي، أراض مصرية. ومطالب السودان بحقه بتلك المنطقة لوجود قبائل تابعة له هناك، أمر غير صحيح، إذ تنتشر تلك القبائل في مصر وفي كل دول الجوار الأفريقي أيضاً».
لكن الجانب السوداني متمسك بان الحدود الادارية تحولت الى سياسية بقرار الحاكم البريطاني، ويدخل ذلك المثلث ضمن حدود السودان.
من جانبه، يقول الباحث مشهور إبراهيم أحمد إن «توتر العلاقات المصرية السودانية ليس أمراً جديداً، وللأسف لن يكون الأخير، ما دامت هناك مشكلات قائمة لم تحسم بعد، وتثار كل فترة، سواء من قبل دول أخرى، لمنع توطيد العلاقات بين البلدين والاستفادة من تأجيج الخلاف، أو لأسباب داخلية أو مكاسب انتخابية». ويرى مشهور في حديثه مع «الشرق الأوسط» أن مشكلة حلايب وشلاتين تحديداً «نموذج واضح على ذلك، ولا أحد يعلم في كل مرة لماذا تتم إثارتها في توقيت معين، أو لماذا تهدأ الأزمة فجأة رغم أنها لم تحل!!، أو لماذا يحدث اشتباك إعلامي بين البلدين دون أن يكون هناك جديد على أرض الواقع يدعو إلى ذلك»، مطالباً بتشكيل لجنة بين البلدين بخصوص حلايب وشلاتين وغيرها من المشكلات القائمة بالفعل، لحسمها بشكل نهائي، بدلا من الحلول الجزئية لمجرد تهدئة الوضع.
ويضيف مشهور «يجب أن ننتبه لبعد آخر في مشكلة حلايب وشلاتين، إذ أنها تُلقي بآثارها السلبية على العلاقة بين الشعبين، وهنا مكمن الخطورة الأكبر. لأن الحملات الإعلامية ومواقع التواصل الاجتماعي، مثلما هي تسهم في توعية الشعوب بالقضايا، فهي قد تؤجج هوة الخلافات والانقسامات إذا جرى توجيهها بشكل ما، وحتى إذا لم توجه، فإن المشاعر الوطنية ودفاع مواطني كل دولة، عما يشعرون أنه حق لهم قد يؤدي إلى مشاحنات وزيادة المشاعر العدائية».



«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
TT

«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)

لم تكن منطقة القرن الأفريقي تحظى بكل هذا الاستقطاب والتفاعل الدولي قبل سنوات قليلة، لكنها الآن وبعد أن أضحت جزءاً رئيساً في لعبة التوازنات الإقليمية تأتي قلب الأحداث العالمية؛ بما تشهده من تحركات سياسية وأمنية متسارعة أخذت منحًى تصاعدياً منذ الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة قبل شهرين تقريباً. لقد كانت هذه الخطوة بمثابة شرارة، تلتها ردات فعل إقليمية واسعة رفضتها وأدانتها، وترتّب عليها تسريع وتيرة الدعم العسكري الذي قدّمته كل من مصر وتركيا إلى الصومال.

ردّات الفعل على الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة تلازمت أيضاً مع اتجاه الأحداث نحو مزيد من التوتر بين إثيوبيا وإريتريا. وكذلك اندلعت اشتباكات بين قوات بين حكومة أديس أبابا الفيدرالية وقوات «إقليم التيغراي» لأول مرة منذ توقيع اتفاق السلام بين الجانبين في عام 2022.

مع هذه التطوّرات، تدحرجت «كرة اللهب» مع توجيه إثيوبيا تهديدات مبطّنة بإشعال صراع جديد في المنطقة، حين رهنت استقرار الأوضاع في «القرن الأفريقي» بحصولها على منفذ بحري، وفق تصريحات رئيس الوزراء آبي أحمد، خلال انعقاد أعمال قمة الاتحاد الأفريقي في دورتها الـ«39»، الأحد الماضي؛ إذ قال إن «استقرار القرن الأفريقي يعتمد على حصول إثيوبيا على منفذ إلى البحر».

مصر تعارض هذه الخطوات، ولقد جدّدت تأكيدها على موقفها «الثابت بشأن المياه والبحر الأحمر». إذ اعتبرت أن «حوكمة البحر الأحمر يجب أن تقتصر على الدول المشاطئة له فقط»، وفق تصريحات وزير الخارجية بدر عبد العاطي خلال لقاءات، عقدها الأسبوع الماضي، مع عدد من قيادات الاتحاد الأفريقي ورؤساء وزراء ووزراء خارجية الدول الأفريقية المشاركة في القمة.

ووفق خبراء في شؤون القرن الأفريقي التقتهم «الشرق الأوسط»، يرى هؤلاء أن التطورات الأخيرة تسهِم في خلق أرضية خصبة لصراعات ونزاعات جديدة، سواءً كانت داخلية في ظل تعقيدات قبلية وسياسية وعرقية تعانيها «دول القرن»، أو على شكل صراعات عابرة للحدود، منها احتمالات نشوب حرب بين إثيوبيا وإريتريا.

وتظهر المعالم الأولية لهذه الحرب المحتملة في التصعيد الدبلوماسي بين البلدين «الجارين» وتحرّكات عسكرية قرب حدودهما المشتركة، بالتزامن مع ترتيبات جيوسياسية جديدة تتجاوز حدود المنطقة على نطاق أوسع.

حدود جغرافية وسياسية ... للقرن الأفريقي

يمتد القرن الأفريقي من حيث الوصف الجغرافي على اليابسة غربي البحر الأحمر وخليج عدن، ويعكس مسماه شكله الجغرافي على صورة «قرن» يضم أربع دول رئيسة هي الصومال، وجيبوتي، وإريتريا وإثيوبيا. إلا أن المنطقة، من الوجهة السياسية والاقتصادية، تتّسع لتشمل كينيا، والسودان، وجنوب السودان وأوغندا.

وحقاً، يمثّل القرن الأفريقي منطقة استراتيجية مهمّة؛ نظراً للموقع الجغرافي الذي يطلّ على خليج عدن، كما أنه يتحكّم في مدخل باب المندب، ويتمتع بأهمية حيوية لاستقرار الملاحة في البحر الأحمر. وهذا ما يجعل من دوله طرفاً لا يمكن تجاوزه لاستقرار التجارة العالمية، ثم إنه يشكل أهمية أخرى؛ كونه يقابل آبار النفط في شبه الجزيرة العربية، ويلاصق إقليم البحيرات العظمى في وسط أفريقيا المتميّز بغنى موارده المائية والنفطية والمعدنية.

لعل إثيوبيا، البلد المغلق جغرافياً، هي الطرف الأكثر حضوراً في معادلة تعزيز النفوذ في القرن الأفريقي، وبخاصةٍ أنها تسعى للخروج من بعض أزماتها الداخلية عبر مشروع توسّع إقليمي يهدف إلى كسر حصارها البحري.

وفي المقابل، تقف إريتريا أمام الطموح الإثيوبي، وهي ليست مستعدة للتخلي عن «ورقتها» البحرية المتمثلة بميناءي مصوّع وعصب، لصالح أديس أبابا. أما الصومال، فيظل الحلقة الأكثر هشاشة؛ كونه بلداً يعاني صراعاً داخلياً طويلاً، وتهديدات إرهابية، وتنافساً دولياً على موانيه وجزره.

ساحة صراع دولي

في هذه الأثناء، يُعدّ البحر الأحمر، الذي تطل عليه دول القرن «ساحة صراع دولي مفتوح»، وبالأخص، أن الولايات المتحدة تبدو مصرّة على حماية ممرّات تجارتها، ومنع الصين من الحصول على حضور واسع في مواني جيبوتي والسودان. أما الصين، فيهمّها تعزيز نفوذها لحماية مشروع «الحزام والطريق (طريق الحرير)»، بينما تبحث روسيا عن قاعدة بحرية تضعها في قلب البحر الأحمر، وتعمل تركيا على بناء نفوذها من بوابة الصومال، ثم إن هذه المنطقة تشكّل نقطة ارتكاز مباشرة لأمن كل من المملكة العربية السعودية ومصر.

عبد الله الطيب البشير، الخبير في الشؤون الأفريقية بجامعة أفريقيا العالمية في السودان، قال لـ«الشرق الأوسط» إنه «لا يوجد انفصال بين وجود بؤر توتر عديدة في منطقة الشرق الأوسط وبين التصعيد الراهن في القرن الأفريقي». وأردف أن ثمة ترتيبات وخرائط جديدة في القرن الأفريقي والشرق الأوسط والبحر الأحمر.

وأشار البشير إلى «تحالف» تقوده إسرائيل يسعى لتعزيز نفوذه، تتشكّل ضده تحالفات ترفض ذلك، وتحاول قدر الإمكان التخفيف من ارتدادات الخطوة الإسرائيلية في «أرض الصومال».

البشير تابع أن الدول التي تجد أن نفوذها في القرن الأفريقي يتآكل، وفي مقدمتها إثيوبيا، «تحاول أن تجد لنفسها مناطق تموضع جديدة»، ويظهر هذا الواقع من تدشين معسكرات لتدريب ميليشيا «الدعم السريع» بالقرب من حدود «جارتها» السودان، وكذلك من خلال إعلانها الرغبة في الوصول إلى منفذ بحري، والتوجه نحو إريتريا لتحقيق أهدافها. وحقاً، كشف تقرير لـ«رويترز»، نُشر أخيراً، واستند إلى صور أقمار اصطناعية وشهادات مسؤولين، عن وجود «معسكر سرّي» في إثيوبيا لتدريب آلاف المقاتلين التابعين لـ«الدعم السريع» التي تقاتل الجيش في السودان. ويقع المعسكر في منطقة «بني شنقول - قمز» النائية بإثيوبيا، التي تبعد 32 كيلومتراً من الحدود السودانية. ولقد استوعب الموقع في أوائل يناير (كانون الثاني) الماضي نحو 4300 مقاتل لتلقي تدريبات عسكرية.

القرن الأفريقي منطقة استراتيجية نظراً لموقعها المطلّ على خليج عدن والتأثير على باب المندب والملاحة في البحر الأحمر

«إدارة الصراع»

البشير استطرد موضحاً أن منطقة القرن الأفريقي تمرّ في هذه المرحلة التاريخية من عمرها بما يمكن وصفه بـ«إدارة الصراع» للحفاظ على توازن القوى. وأضاف أن هذه الوضعية لا تؤدي إلى استقرار «القرن الأفريقي»، بل تجعله أرضية خصبة تشجّع على إمكانية اندلاع مزيد من النزاعات في أي وقت، من دون أن تكون مسألة اندلاع صراع جديد أمراً محسوماً على المدى القريب.

أيضاً، توقع البشير مزيداً من الأدوار الفاعلة «لمجلس الدول المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن» للحفاظ على توازنات القوى وتقويض الاتجاه لمزيد من إشعال الصراعات بالمنطقة. ولعل هذا ما أكد عليه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، عندما قال في إفادة رسمية الأحد الماضي، إنه «يجري العمل على تفعيل مجلس الدول العربية والأفريقية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن، للإسهام في تعزيز التعاون بين الدول الأعضاء، وتحقيق التنمية المستدامة، وترسيخ الأمن والاستقرار في المنطقة». وللعلم، هذا «المجلس» منظمة إقليمية تضم 8 دول هي السعودية، ومصر، والصومال، وإريتريا، وجيبوتي، والأردن، والسودان واليمن.

وتتفق السفيرة منى عمر، مساعد وزير الخارجية المصري للشؤون الأفريقية الأسبق، على أن منطقة القرن الأفريقي «تسير على ألغام قابلة للانفجار في أي لحظة». إذ رأت أن ثمة تفاعلات داخلية كالخلافات بين القوميات الإثيوبية والحكومة الفيدرالية، وانتشار التنظيمات الإرهابية كـ«حركة الشباب الصومالية»، إلى جانب التوتر الدولي الأبعاد القائم في منطقة خليج عدن.

وتابعت عمر لـ«الشرق الأوسط»، أن التوتر بين إثيوبيا وإريتريا «تخطى حدود المناوشات العسكرية» بينهما على الحدود، والآن هناك اتهامات متبادلة باحتلال أراضٍ ومساندة حركات معارضة. وتابعت أن تجاوز تحدّيات نشر القوات الأممية في الصومال يمكن أيضاً أن يقوّض إمكانية اندلاع حرب داخلية بين أقاليم ذات نزعات انفصالية والحكومة الفيدرالية. لكنها رأت أن الأوضاع في الصومال «تبقى أقل سوءاً مما عليه الحال بين إثيوبيا وإريتريا، في ظل الدعم العسكري الذي تقدّمه مصر وتركيا لحكومة مقديشو»، والذي يسهِم في مواجهة «إرهاب حركة الشباب» وخلق توازن قوى أمام نفوذ إسرائيل في إقليم «أرض الصومال».

جدير بالإشارة، أنه يوم 8 فبراير (ِشباط) الحالي، نشرت إثيوبيا رسالة من وزير الخارجية الإثيوبي جيديون طيموتيوس إلى نظيره الإريتري عثمان صالح، زعمت أن «القوات الإريترية واصلت احتلال أراضٍ إثيوبية على طول الحدود المشتركة بين البلدين... وأن حكومة إريتريا تعمل على تقديم دعم مادي مباشر ومساندة لوجيستية لعدد من الجماعات المسلحة داخل إثيوبيا». ولقد ردّت وزارة الخارجية الإريترية، في بيان، وصفت فيه الاتهامات الأثيوبية بـ«الكاذبة والمختلقة» بشكل واضح ضد إريتريا، كما أنها «تمثّل عملاً مؤسفاً جديداً يندرج ضمن سلسلة من الحملات العدائية التي تتعرّض لها إريتريا منذ أكثر من سنتين».

ويُعيد التصعيد الجديد بين إثيوبيا وإريتريا، إلى الأذهان صراعاً يبدو أنه انتهي مؤقتاً، حين استدعى رئيس وزراء إثيوبيا آبي أحمد في عام 2020 قوات من إريتريا لمحاربة قوات «إقليم التيغراي»، وهي الحرب التي طالت سنتين.

من جانب آخر، مع أن المحلل السياسي الإثيوبي أنور إبراهيم يُقرّ بأن ما تشهده منطقة القرن الأفريقي من تطورات متسارعة منذ اعتراف إسرائيل بإقليم «أرض الصومال» قد يخلق مزيداً من التوترات، فإنه يستبعد نشوب حرب مباشرة بين إثيوبيا وإريتريا. إذ أكد ابراهيم لـ«الشرق الأوسط»، أن الوضع «ما زال عند حد التراشق الإعلامي، وهشاشة الأوضاع في القرن الأفريقي لا تسمح بنشوب حرب كبيرة». لكنه، مع ذلك، لم يستبعد تفجّر صراعات بالوكالة بين جماعات محسوبة على كل طرف، «وقد تشجع خطوة إسرائيل أقاليم أخرى نحو الانفصال في الصومال مثلاً أو في غيرها من الدول».

وبالنسبة لموقف إثيوبيا بشأن الوصول إلى منفذ بحري، قال «إن المطلب الإثيوبي اقتصادي تكاملي، وهناك علاقات جيدة لأديس أبابا يمكن من خلالها أن تحقق هدفها بطرق سلمية». وأردف: «الخلافات تبدو أكبر بين إثيوبيا ومصر، فالأخيرة ترى أن أي تحرك لإثيوبيا في القرن الأفريقي يهدّد مصالحها، مع أنه لو صُفّيت الخلافات بينهما قد تتمكن الدولتان من لعب دور مشترك في تأمين منابع البحر الأحمر، ولكن يبقى السؤال: كيف يمكن إنهاء الخلاف في ظل تعدد القضايا الخلافية وكذلك إرثها التاريخي؟».

استبعاد انزلاق الكبار

من جهته، قال الخبير في الشأن الأفريقي، محمد تورشين، إن الصراع في القرن الأفريقي يبقى أكثر احتمالاً في شكله الداخلي عبر نشوب «مواجهات بالوكالة»، مستبعداً انخراط القوى الإقليمية الكبرى في مواجهات مباشرة. وفي رأيه، أن التحركات الحالية من السعودية ومصر وتركيا هدفها تقوية الجيش الصومالي لإخضاع المناطق ذات النزعات الانفصالية، وكذلك من الممكن أن تقدم مصر دعماً لإريتريا في مواجهة أي أخطار من جانب إثيوبيا.

وفي تصريح لـ«الشرق الأوسط»، شرح تورشين «أن مقدّمات الصراع الداخلي في إثيوبيا واضحة الآن مع تجدد الاشتباكات بين القوات الفيدرالية وقوات (إقليم التيغراي)»، متوقعاً أن يكون لهذا الصراع انعكاساته السلبية على المنطقة بأكملها. ويُذكر أنه في نهاية يناير (كانون الثاني) الماضي، نشبت معارك بين الجيش الإثيوبي وقوات من «إقليم التيغراي»، كانت الأولى منذ انتهاء الحرب عام 2022 بهذه المنطقة الواقعة في شمال إثيوبيا. ودعا المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان فولكر تورك، يوم 10 فبراير الحالي، الأطراف المتنازعة في «إقليم التيغراي» إلى اتخاذ إجراءات عاجلة لـ«خفض التصعيد»، ودعا «جميع الأطراف إلى بذل جهود متضافرة ومتواصلة، بمساعدة المجتمع الدولي؛ لتهدئة التوترات قبل فوات الأوان».

ثم إن تورشين قلّل من قدرة إثيوبيا على الوصول إلى منفذ بحري عبر استخدام وسائل خشنة، قائلاً إن «ميثاق الاتحاد الأفريقي سيقف حائلاً أمام أديس أبابا؛ إذ يؤكد على الاعتراف بالحدود الحالية المتوارثة بالاستعمار، وتخوّف البعض من أن تكون استضافة إثيوبيا مقر الاتحاد دافعاً نحو التراخي مع رغباتها ليس في محله؛ لأنه سيشجع دولاً أخرى على اتخاذ خطوات مماثلة في منطقة تعاني بالأساس اضطرابات عديدة».

دور إسرائيل

أخيراً، حول دور إسرائيل، قال الكاتب الصومالي حسن محمد حاج لـ«الشرق الأوسط»، إن «الاعتراف الإسرائيلي بـ(أرض الصومال) ليس خطوة رمزية فقط، بل إشارة سياسية وأمنية ثقيلة الوزن في منطقة حساسة أصلاً»، و«القرن الأفريقي ساحة تنافس مكتظّة؛ وهو ما يخلق أرضية لصراع نفوذ إقليمي غير مباشر أكثر من حرب مباشرة، وتظهر أشكال هذا النفوذ من خلال استقطاب حاد بين محاور إقليمية وتحوّل المواني والجزر أوراق مساومة أمنية». وأردف: «الخطر الحقيقي ليس في الاعتراف نفسه، بل في تراكم الاعترافات والتحالفات العسكرية حول باب المندب والبحر الأحمر، وهذا عادة يبدأ بهدوء وينتهي بتوتر طويل الأمد». ولفت إلى أن اندلاع صراعات جديدة سيناريو محتمل، لكن الأقرب هو «صراع بارد» يتمثل في «استعراض قوة وحروب بالوكالة وضغط حدودي وإعلامي ومناورات سياسية عبر الصومال والسودان... وباختصار، شرارة الصراع موجودة... لكن الوقود الكبير لم يُسكب بعد».


عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
TT

عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته

بدأ فصل جديد في التاريخ السياسي لبنغلاديش يوم 17 فبراير (شباط) 2026 عندما وقف طارق رحمن ليؤدي اليمين الدستورية كرئيس وزراء وحاكم فعليّ للبلاد. وحملت تلك اللحظة طبقات من الرمزية، حيث مثّلت عودة وريث سياسي أمضى 17 سنة في المنفى. كذلك مثّلت نهاية فترة انتقالية امتدت شهراً تحت قيادة الدكتور محمد يونس، الحاصل على «جائزة نوبل للسلام». ولكن قد يكون الأمر الأكثر إثارة هو أن اللحظة مثّلت نهاية لحقبة كانت تحتكر فيها النساء أعلى منصب سياسي في بنغلاديش لنحو ثلاثة عقود ونصف العقد. إذ تمحورت القصة السياسية لبنغلاديش لنحو ثلاثين سنة حول شخصيتين رفيعتي المكانة هما البيغوم خالدة ضياء، أم طارق رحمن، وغريمتها السياسية الشيخة حسينة، رئيسة الوزراء السابقة، التي تقيم حالياً في الهند. ولقد شكّل التنافس بينهما سلاح الانتخابات، وحدّد الولاءات الحزبية، وأحدث حالة من الاستقطاب في المجتمع. أما الآن مع تولي طارق رحمن، صارت هذه «المبارزة» الطويلة بين قوتين تمثلان «النظام الأمومي» من الماضي. وصار لبنغلاديش الآن أول رئيس وزراء من الرجال منذ 36 سنة.

كانت الانتخابات العامة في بنغلاديش، التي أُجريت يوم 12 فبراير (شباط) الحالي حاسمة، بحصول الحزب الوطني البنغلاديشي، تحت قيادة طارق كقائم بأعمال الرئيس، على غالبية كاسحة بفوزه بـ212 من 300 مقعد من مقاعد البرلمان على الأقل مع حلفائه.

هذه النتيجة بالنسبة إلى مؤيدي الحزب، المحسوب على يمين الوسط، كانت أشبه بـ«بعث سياسي». فبعد سنوات من المعارضة والسقوط الدرامي لحكومة الشيخة حسينة عام 2024 وسط احتجاجات قادها الطلبة، عاد الحزب إلى مركز السلطة.

الأسرة الحاكمة والوعي شعبي

لقد تشكّل النظام السياسي الحالي في بنغلاديش على أساس التنافس بين الأسر المرتبطة بسنوات تأسيس الكيان الذي عُرف لبعض الوقت بباكستان الشرقية. وفي حين دعم مناصرو الشيخ مُجيب الرحمن، مؤسّس البلاد وأول رؤسائها، حزب «رابطة عوامي» (يسار الوسط)، ناصر مؤيدو الجنرال والرئيس السابق ضياء الرحمن الحزب الوطني البنغلاديشي (يمين الوسط).

في هذا المشهد تغدو هوية طارق رحمن غير قابلة للانفصال عن أصله ونسله. وبالنسبة للمؤيدين، تؤكد استمرار سياسة الأسرة الحاكمة في بلاد شهدت إجراء انتخابات نظامية، لكنها تظل مُستقطَبة بشكل عميق.

والواقع، كثيراً ما يرى الرأي السياسي في رحمن انقسامات حزبية أوسع نطاقاً؛ إذ يصوّره ناشطو الحزب الوطني البنغلاديشي زعيماً مقيّداً بإجراءات قضائية ذات طابع سياسي، بينما يعتبره المعارضون رمزاً للامتيازات التي تتمتع بها النخبة. وبين هذين القطبين يطل سؤال أكثر هدوءاً، هو: هل يمكن لوريث سياسي شكّل المنفى والجدال نفسيته أن يعيد تعريف نفسه بشكل يتجاوز مسألة الإرث؟

لقد صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته. واعتبرت صحيفة «بروثوم ألو» أنها «انفصال جيلي عن حقبة حسينة وخالدة»، في حين وصفت صحيفة «ذا ديلي ستار» ما حدث بـ«نهاية لدورة الحكم الذي ترأسته النساء»؛ إذ جعل النساء يسيطرنّ على زعامة البلاد منذ عام 1991.

أيضاً، لا تغيب الرمزية في بلد اعتاد رؤية امرأتين ممسكتين بدفة القيادة، بينما يقدّم الزعيم الجديد إلى الشعب منضبطاً ومتمالكاً لأعصابه، لا يتكلّم عن انتقام، بل عن «جمهورية ثانية».

وكان رد الفعل الآتي من خارج حدود البلاد في نيودلهي يتضمن إعادة نظر حذرة. إذ قال هارش فاردان شرينغلا، المفوض السامي الهندي السابق في بنغلاديش، ووزير الخارجية: «لقد صوّت شعب بنغلاديش لحزب يمثل مصالح سياسية. إنه حزب داعم للحرية، وهذا نبأ سار... وأعتقد أن النتائج تمثل دفاعاً عن المسار الذي يريد شعب بنغلاديش أن تتبناه البلاد». واعتبر مراقبون هذا الكلام إشارة مهمة من السلطات الهندية على تجاوز الحقبة السابقة من الاعتماد المحضّ على حزب «رابطة عوامي». ومع ذلك، أضاف شرينغلا ملاحظة تدلّ على الحذر، حين ذكّر ضرورة مراقبة «طيف تحرّك باتجاه اشتراكية وتشدّد إسلامي».

في المقابل، فينا سيكري، المفوضة السامية الهندية السابقة في بنغلاديش، قال «إن فوز طارق رحمن يمثل انتصاراً للديمقراطية. نتيجة الانتخابات نكسة كبيرة لحركة جماعة إسلامي». وأردفت أن الغالبية المطلقة للحزب الوطني البنغلاديشي تسمح لرحمن «بالحكم دون الحاجة إلى حلفاء متطرفين»؛ وهو ما تراه تطوراً إيجابياً يحقق استقرار المنطقة.

مع ذلك، تقف المادة وراء الرمزية. إذ يرث طارق رحمن دولة تواجه «وضعاً حرجاً» بسبب اقتصاد هشّ وتضخم كبير ومؤسسات منهكة ومناخ سياسي يخيم عليه الاستقطاب.

النشأة والمسيرة

على المستوى الشخصي، لا يمكن فصل قصة حياة طارق رحمن عن التاريخ الحديث لبنغلاديش.

إنها قصة منسوجة بخيوط الامتيازات والاضطهاد والصعود والانسحاب والمنفى والعودة. فلقد وُلد يوم 20 نوفمبر (تشرين الثاني) 1965 في العاصمة دكا، وهو الابن الأكبر للرئيس الجنرال ضياء الرحمن وخالدة ضياء.

والده ضابط الجيش، حاصل على أوسمة اضطلع بدور محوري في حرب التحرير عام 1971، وتولى الرئاسة لاحقاً خلال السنوات المضطربة التي أعقبت استقلال البلاد. وبعد اغتياله، صارت زوجته خالدة، التي كانت في البداية ربة منزل، واحدة من أهم الشخصيات السياسية المؤثرة في الرحلة الديمقراطية لبنغلاديش.

لم تكن السياسة بالنسبة إلى طارق مفهوم مجرد، بل كانت حواراً على مائدة العشاء، وتوتراً عائلياً، ومشهداً عاماً. كذلك اتسمت طفولته بالامتيازات، لكن بقلة الاستقرار أيضاً. ففي عام 1981 عندما كان في الخامسة من العمر، اغتيل والده في تشيتاغونغ، ثاني كبرى مدن البلاد، في محاولة انقلاب عسكري فاشلة. وجاءت النهاية العنيفة لضياء الرحمن صدمة على مستوى البلاد وصدمة شخصية أيضاً، وبالنسبة لطارق كانت لحظة أصبح عندها التاريخ حميمياً.

القَدَر السياسي

الاغتيال دفع أسرة ضياء أكثر باتجاه قدَرها السياسي. وأقنع قادة الحزب الوطني البنغلاديشي خالدة ضياء، أرملة الزعيم المغدور، بتولي قيادة الحزب. وبحلول نهاية الثمانينات، أصبحت وجه معارضة الحكم العسكري. وفي عام 1991 اُنتُخبت رئيسة للوزراء، وباتت أول امرأة تصل إلى سدة الحكم في البلاد. أما بالنسبة لطارق، فقد توحّدت عنده فترة المراهقة مع فترة التدرب السياسي، حين أخذ يراقب ويلاحظ اللقاءات الجماهيرية والمفاوضات والحبس والمعارك الانتخابية.

بخلاف وضع طارق، اتخذ عرفات الرحمن كوكو، شقيقه الأصغر، مساراً مختلفاً. إذ لم يكن عرفات ميّالاً كثيراً للسياسة، فاتجه إلى إدارة الألعاب الرياضية، وبوجه خاص الكريكيت. وفي حين كان طارق يواجه الميكروفونات والقادة الحزبيين، حافظ كوكو على حضور شعبي أكثر هدوءاً.

وفي يناير (كانون الثاني) 2015 تُوفي كوكو (45 سنة) إثر أزمة قلبية مفاجئة في ماليزيا. وتداولت وسائل الإعلام صور خالدة وهي في حالة حداد علني، والتقطت تعبيرات الحزن الشخصي والعزلة السياسية. أما طارق، فكان في المنفى حينها، ولم يستطع العودة من أجل حضور الجنازة. وأكد هذا الغياب التكلفة الباهظة للعزلة السياسية.

صعود سياسي داخل الحزب الوطني

بحلول التسعينات وبداية العقد الأول من الألفية الثانية، بدأ طارق رحمن يبني هويته داخل الحزب الوطني. وبفضل شخصيته القوية وطموحه وديناميكيته وحماسته، نجح في إحداث حراك على مستوى القاعدتين الحزبية والشعبية، وأخذ ينظر إليه المؤيدون كوريث طبيعي لقيادة والدته. وبالفعل، كان صعوده سريعاً ومدفوعاً، إلى جانب نسبه وأصله... بمهاراته التنظيمية.

مع هذا، اختلّ التوازن السياسي في بنغلاديش عام 2007، عندما استولت قيادة مؤقتة، يقف خلفها الجيش على السلطة، وسط اضطرابات واسعة النطاق. وخلال تلك الفترة استهدفت التوجهات نحو مناهضة الفساد شخصيات سياسية بارزة، واعتقل طارق رحمن وواجه اتهامات فساد عديدة. ورأى مؤيدوه أن تلك القضايا كانت محاولات موجّهة سياسياً لتهميش قيادة المعارضة. ولكن، عام 2008 غادر طارق بنغلاديش لتلقي العلاج الطبي في بريطانيا. وأعقبت ذلك سنوات المنفى امتدت 17 سنة، وظن كثيرون أنها نهاية رحلته السياسية.

لندن وقصة وريثين

في مفارقة تاريخية غريبة أصبحت لندن، المدينة التي كانت مأوىً ومنفىً لطارق رحمن لنحو عقدين من الزمن، الآن نقطة تركز لخصومه. ففي حين عاد طارق لتولي رئاسة الوزراء في دكا، أخذت عائلة غريمته السياسية، الشيخة حسينة، تنشط في الغرب، وتحديداً من لندن وواشنطن. إذ أخذ ساجيب واجد جوي، ابن الشيخة حسينة، الذي عمل مستشاراً لوالدته لشؤون الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، في تقليد مسار طارق في «القيادة من المنفى». وبعد انتفاضة 2024، التي أجبرت والدته على الفرار إلى الهند، أضحى جوي الصوت الدولي الأول لـ«رابطة عوامي». ومثلما فعل طارق من شمال لندن، استخدم جوي المنصّات الرقمية ووسائل الإعلام الدولية لتحدّي «شرعية» الفترة الانتقالية.

واليوم، بالنسبة إلى شعب بنغلاديش، يبدو نشاط ساجيب في منفاه الغربي مقابل تولي طارق رحمن السلطة في دكا، عودةً «مقلوبة» إلى الوضع الذي ساد خلال العقد الماضي، مجسداً في سياسة دول جنوب آسيا بمعادلة... «العرش» مقابل «المنفى»!

الحياة في المنفى ... مرتكز الأسرة

ختاماً، عاش طارق رحمن في ضاحية كينغستون، بجنوب غربي لندن، حياة مليئة بالقيود. وأصبحت زوجته الدكتورة زبيدة رحمن المرتكز والقوة الداعمة خلال تلك السنوات. واختارت زبيدة، الطبيبة في أحد مستشفيات لندن وابنة اللواء البحري السابق، مساراً خاصاً، فركّزت على مهنتها وابنتهما زعيمة.ويتذكّر أصدقاء العائلة، اليوم، تلك الأمسيات في لندن التي كثيراً ما تعجّ بتأملات عن الوطن. وبينما نشأت زعيمة، إلى حد بعيد، بعيداً عن اضطرابات بنغلاديش، وتمثّل جيلاً جديداً، يأمل طارق أن يرى أخيراً دولة أكثر استقراراً... وهو الذي كان يردد دائماً «سأعود يوماً ما».


هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)
TT

هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)

شهدت بنغلاديش تغيراً كبيراً في التوازن السياسي عام 2024 عندما اندلعت احتجاجات على مستوى البلاد بقيادة الطلبة، ولكن ما بدأ مظاهرات طلابية تحوّل إلى حركة أطاحت بحكومة الشيخة حسينة واجد. ومهّدت الاضطرابات الطريق لحكم انتقالي بقيادة الدكتور محمد يونس، حامل «جائزة نوبل للسلام»، الذي كُلّف تحقيق الاستقرار في المؤسسات والإشراف على الانتخابات.

بالنسبة إلى طارق رحمن، وفَّرت الانتفاضة بوابة دخول طال انتظارها. وكانت عودته إلى بنغلاديش في ديسمبر (كانون الأول) 2025 مفعمة بالمشاعر؛ إذ تجمّعت الحشود في المطار، وأخذ مناصروه يلوّحون بالأعلام، ويهتفون بالشعارات التي تذكر بلقاءات التسعينات الجماهيرية. ورأى هؤلاء أن عودته تشكّل استعادة لإرث، وتحمل أيضاً طابعاً شخصاً عميقاً. فبعد نحو عقدين من البعد التقى مرة أخرى بوالدته خالدة ضياء. وتجمع أفراد العائلة إلى جانبها في لحظة أطلقت عليها الصحف المحلية لحظة «تاريخية مثيرة للعواطف». والمحزن أن خالدة تُوفيت يوم 30 ديسمبر 2025 بعد أيام من عودة ابنها.

من جهة ثانية، عندما أدى طارق رحمن القسم في 17 فبراير (شباط) 2026 كان يقف في الموضع التي كانت تقف فيه والدته يوماً ما. وجاءت المراسم غنية بالرمزية، فقد كانت «انتقاماً» بالنسبة إلى المؤيدين، أما بالنسبة للخصوم، فإنها كانت إعادة تأكيد لسياسة الأسرة الحاكمة.

شدد طارق خلال خطاب التولي على ثلاثة أهداف رئيسة، هي: الوحدة الوطنية، واستعادة سيادة القانون، والانتعاش الاقتصادي. ووفق محللين في بنغلاديش والمراكز البحثية الإقليمية مثل «معهد بنغلاديش للسلام والدراسات الأمنية»، و«مركز حوار السياسات»، يمثل انتصار طارق رحمن ابتعاداً عن السياسة الخارجية «للدولة العميلة» التي سادت العقد الماضي. ويلاحظ شوكت منير، الزميل البارز في «المعهد» أن طارق رحمن يدير حكماً يقوم على «السيادة أولاً».

البيغوم خالدة ضياء (رويترز)

وما يتعلق بالعلاقة مع الهند، يقترح محللون أنه يتوجه نحو علاقة «دولة جوار طبيعية» تتعاون في مكافحة الإرهاب والانتقال، لكن مع التأكيد على قضايا مثل مشاركة المياه وتسليم الشيخة حسينة. وهذا ينهي بشكل فعّال «وضع الامتيازات» الذي كانت تتمتع به نيودلهي لنحو 15 سنة.

ثم، بشأن العامل الباكستاني، يرى صانعو الرأي استمراراً الـ«تقارب»، الذي بدأ خلال فترة إدارة يونس الانتقالية للبلاد، لكن مع إضافة طبقة من المسافة البراغماتية.

أما على صعيد التوازن العالمي، فمن المتوقع أن يسير طارق بـ«سياسة خارجية قائمة على الاقتصاد» لتحقيق توازن في العلاقات مع كل من الولايات المتحدة والصين. وحسب توفيق الإسلام خان من «مركز حوارات السياسات» إلى أن تفويض «الجيل زي» (جيل الشباب) يتطلب نتائج اقتصادية فورية؛ ما سيضطر الرئيس الجديد إلى فتح الباب لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية، وتحديداً المشاريع القريبة من ممر سيليغوري (الشهير بـ«عنق الدجاجة») الحسّاس، وهذا بالتزامن مع التودد إلى واشنطن من أجل الحصول على امتيازات تجارية منها.

بيناك رانجان تشاكرافارتي، السياسي الهندي، شدّد في كتابته عن «عودة الابن المترف»، على ضرورة حدوث «تحوّل مفاجئ» في سياسة الهند إزاء «جارتها» الشرقية. وكان التقارب من جانب نيودلهي مع دكا، بما في ذلك رسائل التهنئة المبكرة التي بعثها ناريندرا مودي، رئيس الوزراء الهندي، محوراً براغماتياً ضرورياً. وثمة توافق بين السفراء السابقين على أنه في حين كان يُنظر إلى طارق رحمن بعين الريبة والشك في نيودلهي، تعاملت القيادة الهندية مع عودته في 2026 كسجلّ نظيف. ولقد أكد حضور أوم بيرلا رئيس البرلمان الهندي، وفيكرام ميسري وزير الخارجية الهندي، مراسم أداء اليمين هذا الواقع.