ميرال أكشنر... «إمرأة حديدية» تهدّد هيمنة إردوغان

ثارت على مسايرة «الحركة القومية»... وأعلنت التحدي في انتخابات الرئاسة

ميرال أكشنر... «إمرأة حديدية» تهدّد هيمنة إردوغان
TT

ميرال أكشنر... «إمرأة حديدية» تهدّد هيمنة إردوغان

ميرال أكشنر... «إمرأة حديدية» تهدّد هيمنة إردوغان

شغلت السياسية التركية المخضرمة ميرال أكشنر، الملقبة في تركيا بـ«المرأة الحديدية» -على غرار الزعيمة البريطانية السابقة الراحلة مارغريت ثاتشر- مساحة كبيرة من الاهتمام على الساحة السياسية وفي الشارع التركي، وذلك بعد خلافها في عام 2016 مع رئيس حزب «الحركة القومية» دولت بهشلي. إذ سعت أكشنر ومعها مجموعة من قيادات الحزب، الذي كان بهشلي في موقع نائب رئيسه في ذلك الوقت، إلى عقد مؤتمر عام للحزب استهدف الإطاحة بالسياسي «العجوز»، الذي بات إلى جانب مرضه يثير التساؤلات بتحوله السياسي المفاجئ من «رجل اللاءات» إلى رجل التوافق والتماهي مع الرئيس رجب طيب إردوغان وحزب العدالة والتنمية في جميع الاستحقاقات المؤثرة. ومعروف أن بهشلي أيّد تأييد التعديلات الدستورية للانتقال إلى النظام الرئاسي التي أُجري عليها استفتاء شعبي في 16 أبريل (نيسان) 2017، ما يفتح الطريق أمام إردوغان للبقاء في مقعد رئيس تركيا حتى عام 2029 بصلاحيات واسعة أو شبه مطلقة.
رمت «المرأة الذئب» ميرال أكشنر، السياسية القومية اليمينية التركية، التي سبق لها تولّي حقيبة وزارة الداخلية ومنصب نائبة رئيس البرلمان، أخيراً «قفاز التحدّي» في وجه رجب طيب إردوغان، رئيس تركيا و«رجلها القوي».
وجاء تحدي أكشنر عبر إعلانها تأسيس حزب جديد باسم «الحزب الجيد» في أكتوبر (تشرين الأول) 2017، معلنة من البداية أن رفاقها في العمل السياسي وفي حزبها الجديد طالبوها بالترشح في الانتخابات الرئاسية التي من المقرر أن تُجرى يوم 3 نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2019.
وبخلاف كمال كليتشدار أوغلو، رئيس حزب الشعب الجمهوري (حزب المعارضة الرئيسي)، الذي عجز عن الوصول إلى الناخبين من خارج دائرة الفئات النخبوية في المدن، تبدو أكشنر قادرة على اختراق القاعدة الشعبية لإردوغان واحتضان مختلف الأطياف. ثم إن «كيمياء» هذه السياسية «القومية» تجعل منها بديلاً جذاباً لكثير من الناخبين الأتراك لكونها غير محسوبة على تيار الإسلام السياسي، واختلافها عن المعارضة العلمانية اليسارية التقليدية التي نجح إردوغان في تحجيمها، ناهيك بأنها خيار جذاب للنساء التركيات.
- المسيرة السياسية
وُلدت ميرال أكشنر يوم 18 يوليو (تموز) عام 1956، في مدينة إزميت (كوجالي) بشمال غربي تركيا، قرب مدينة إسطنبول، لأبوين مهاجرين من مدينة سالونيك بشمال اليونان.
وفي مطلع شبابها، درست أكشنر في جامعة إسطنبول وتخرّجت فيها مجازةً في التاريخ. ثم حصلت على الدكتوراه في التاريخ من جامعة مرمرة، وهي الجامعة التي تخرج فيها الرئيس إردوغان، وتقع أيضاً في إسطنبول، وامتهنت على الأثر التدريس الجامعي.
ولقد تدرّجت السياسية والأكاديمية الطموحة في عدد من الجامعات، قبل أن تقرّر عام 1994 هجر الحياة الأكاديمية لخوض غمار العمل السياسي. وبالفعل، ترشحت عن حزب في الانتخابات البرلمانية عام 1995، وفازت عن إحدى دوائر إسطنبول ممثلةً حزب «الطريق القويم» المحافظ. ثم اختيرت وزيرة للداخلية من عام 1996 إلى عام 1997 في عهد رئيس الوزراء الإسلامي الراحل الدكتور نجم الدين إربكان، مؤسس «الإسلام السياسي» في تركيا الحديثة، وباتت أول وآخر امرأة تتولى هذه الحقيبة الحساسة التي يتعاقب عليها الرجال.
أظهرت ميرال أكشنر، إبّان توليها هذا المنصب، صلابة لافتة في مواجهة حزب العمال الكردستاني الانفصالي المحظور، وكذلك في مواجهة قادة الجيش الذي كان يتمتع بمهابة كبيرة وثقل سياسي يفوق أي حكومة، وبوضع لا يقارن بما هو عليه الآن، إذ أعلنت رفضها القوي تدخل الجيش في السياسة، ووقفت بعناد خلف رأيها، ما كلّفها منصبها الوزاري في أعقاب تدخل الجيش في تغيير حكومة إربكان يوم 28 فبراير (شباط) عام 1997، فيما عرف آنذاك بـ«الانقلاب الأبيض» أو «الانقلاب ما بعد الحداثي».
- العودة إلى الساحة
وبعد فترة حظر، عادت أكشنر إلى البرلمان، وجرى انتخابها لعضوية البرلمان غير مرة. ومن ثم، صارت وجهاً برلمانياً معروفاً في صفوف تيارات اليمين. وفي وقت ما، انضمت إلى حزب العدالة والتنمية –إسلاميّ التوجهات– الذي أسسه إردوغان مع عبد الله غُل، رئيس الجمهورية السابق، وبولنت أرينتش وعدد آخر من رفاقهم، في بداياته. إلا أنها تركته بعد 4 أشهر فقط، عندما اكتشفت أنه لا يقدم جديداً في طروحاته، ولا يختلف، بالتالي، عن الأحزاب الإسلامية السابقة التي أسسها إربكان.
وفي عام 2007 التحقت أكشنر بصفوف حزب «الحركة القومية» اليميني القومي برئاسة السياسي المخضرم دولت بهشلي، ورأت فيه الحزب السياسي الملائم لآيديولوجيتها القومية. وظلت في صفوف هذا الحزب نائبة بالبرلمان وقيادية في صفوفه التنظيمية إلى أن وقع الخلاف بينها وبين بهشلي، الذي اختار بعد محاولة الانقلاب الفاشلة التي شهدتها تركيا يوم 15 يوليو 2016 السير في ركاب إردوغان، وتأييد خطته لتحويل تركيا من النظام البرلماني إلى النظام الرئاسي.
وقتها أعلنت أكشنر تمرّدها وقادت مجموعة من المنشقّين في الحزب. ثم أطلقت حملة جماهيرية للتصويت بـ«لا» في الاستفتاء على تعديل الدستور من أجل الانتقال إلى النظام الرئاسي في أبريل 2017، وذلك بعدما باشرت التحضير لمرحلة سياسية جديدة إثر رفض المحكمة مساعيها لعقد مؤتمر عام للحزب للإطاحة ببهشلي من رئاسة «الحركة القومية» ووصول الشقاق معه إلى نقطة اللاعودة.
- انطلاقة جديدة
عندما حاولت أكشنر وفريقها من المنشقين عقد جمعية عمومية لحزب «الحركة القومية» في أحد فنادق أنقرة يوم 2016، بهدف تغيير القيادة، طوقت الشرطة التركية المكان، ومنعت الاجتماع. وهو ما فُسِّر في حينه بأنه تدخل من إردوغان لحماية «حليفه» الجديد بهشلي. غير أن السياسية المخضرمة استغلت هذه الفرصة لتحوّل الواقعة إلى «مؤتمر شعبي»، باعتلائها إحدى الحافلات المكشوفة التي أعدت لها، وألقت خطاباً على مؤيديها خارج الطوق الأمني المفروض حول القاعة.
جعلت أكشنر من ذلك الخطاب نداءً حماسياً ملتهباً دشن بداية مرحلة نضال سياسي بعد فصلها من «الحركة القومية»، والخطوة الأولى باتجاه تأسيس حزب جديد أبصر النور -كما سبقت الإشارة- في 25 أكتوبر الماضي، تحت اسم «الحزب الجيد»، أرادت منه أن يكون معبّراً عن معارضة يمينية لا ترضى بأن تكون مجرد «ديكور» لتجميل المشهد السياسي من خلال التماهي مع «الرئيس» في كل قراراته وأفعاله. وكان من بين الأعضاء المؤسسين للحزب الجديد 4 من نواب حزب «الحركة القومية»، ونائب عن حزب الشعب الجمهوري المعارض، استقال وانضم إلى الحزب.
واليوم، مع أن معظم الأعضاء المؤسسين للحزب لهم تاريخ طويل في «الحركة القومية» فإن «الحزب الجيد» يطمح إلى أن يمثل خط يمين الوسط القومي، وكسب أصوات الناخبين القوميين والديمقراطيين.
- مؤتمر التأسيس
في الحقيقة، لم يتمكن الحزب الوليد من استئجار صالة أو فندق في العاصمة أنقرة لاستضافة مؤتمره العام الأول، وذلك خشية من مالكي الصالات والفنادق النظر إلى تجاوبهم على أنه يشكّل تأييداً لمواقف الحزب. ولذا، اضطر الأعضاء المؤسسون إلى عقد مؤتمر الإعلان عن تأسيس حزبهم في مركز «ناظم حكمت» الثقافي التابع لحزب الشعب الجمهوري، أكبر أحزاب المعارضة التركية.
وخلال المؤتمر ردت أكشنر على الهتافات التي تعالت من مناصريها «ميرال.... رئيسة الوزراء»، بقولها إن مؤسسي الحزب وناشطيه وأصدقاءها يلحّون عليها أن تترشح لمنصب رئيس الجمهورية في الانتخابات المقبلة عام 2019. وهكذا، اعتبر مراقبون أن أكشنر أعلنت بذلك تحدياً مفتوحاً مع إردوغان على منصب الرئاسة الذي يعمل على تحويله إلى منصب يحظى صاحبه بأكبر الصلاحيات. ورأوا أنها يمكن أن تشكل تهديداً جدياً للرئيس الحالي، كونها تستمد شعبيتها من القاعدة الشعبية نفسها التي يعتمد عليها، وتحديداً من فئات الناخبين المحافظين والمؤيدين لقطاع الأعمال والمتديّنين والقوميين.
أكثر من هذا، كسبت أكشنر، بسبب معارضتها الشديدة لاعتماد النظام الرئاسي في تركيا، المزيد من الشعبية حتى داخل أوساط حزب العدالة والتنمية الحاكم (حزب إردوغان) ممن يعارضون النظام الرئاسي.
- قاعدة عريضة
وراهناً يرى كثيرون أن أكشنر قادرة على اختراق القاعدة الشعبية لإردوغان، ثم إنها بدأت بالفعل جولات في أنحاء مختلفة من تركيا تعكس نهجها الذي تسعى من خلاله لتأكيد أن حزبها لن يكون حزباً لليمين القومي فقط، بل لمختلف الأطياف.
وفي كلمتها خلال إعلان تأسيس الحزب امتدحت أكشنر قادة أتراكاً من مختلف الأطياف، بدءاً بمؤسس الجمهورية مصطفى كمال «أتاتورك»، مروراً بالعلماني اليساري بولنت أجاويد، والإسلامي نجم الدين إربكان، وهو ما أعطى مؤشراً صريحاً إلى أنها تهدف إلى استقطاب أكبر عدد ممكن من الناخبين من مختلف ألوان الطيف السياسي في تركيا.
ومما قالته أكشنر في كلمتها أن «تركيا ستكون بخير» في ظل حزبها، وإن «تركيا وشعبها تعبا، والدولة تآكلت وانعدم النظام ولا حل سوى تغيير كل المناخ السياسي». كذلك أكدت أهمية سيادة القانون وحماية المؤسسات واتباع الأصول والإجراءات القانونية. وهاجمت إردوغان قائلة إنه «يرى العالم بلونين فقط هما إما أبيض وإما أسود، أما أنا فلا أنظر إلى سيادة القانون بمنظار الخطأ أو الصواب، أنا أؤمن بالقانون وسيادته»، كما انتقدت موقف إردوغان من المرأة، فقالت إنه يريد «أن نبقى داخل المنزل».
- فرص النجاح
تبدو الجذور الآيديولوجية اليمينية المتشددة لأكشنر من السلبيات التي يمكن أن تحد من انتشارها في أوساط الناخبين الأكراد وبعض الأقليات. وكانت قد عبّرت بنفسها عن إدراكها لهذه الحقيقة بالتأكيد أن حزبها لا يعتمد القومية العرقية بل «الهوية الوطنية»، بما فيها من أفراح وذكريات وروابط مشتركة. وللعلم، سبق أن عارضت أكشنر مفاوضات السلام التي أجرتها الحكومة مع حزب العمال الكردستاني خلال السنوات القليلة الماضية، وقالت إن القانون التركي فيه ما يكفي من ضمانات لصيانة حقوق الأقليات في البلاد واحتياجاتها. ولكن، في الوقت ذاته، وقفت أكشنر بقوة ضد اعتقال نواب حزب الشعوب الديمقراطي المؤيد لحقوق الأكراد، ووصفت ذلك بأنه محاولة من قبل إردوغان لترهيب الأكراد، ولذا «زج بالنواب الأكراد في السجون قبل الاستفتاء على النظام الرئاسي».
أيضاً خاضت هذه السياسية القومية مواقع شرسة بعدما تعرضت لحملة قاسية من قبل الإعلام الموالي للحكومة تناولت حياتها الشخصية منذ أبريل 2016، عندما بدأت تتحرك للإطاحة ببهشلي من رئاسة «الحركة القومية»، كما تلقت تهديدات بالقتل، ووصفت ذلك بأنها محاولة لإرهابها، قائلة: «إن هذه الحملة المنسقة منذ أبريل 2016 تهدف إلى إرغامي على التراجع لكنهم فشلوا في ذلك».
على أي حال، يرى مراقبون أن مزايا أكشنر تجعل منها بديلاً جذاباً لكثير من الناخبين الأتراك، كونها غير محسوبة على تيار الإسلامي السياسي مع أنها تصف نفسها دائماً بأنها «مسلمة تحترم الدين»، وهي بذلك تختلف عن المعارضة العلمانية اليسارية التقليدية التي نجح إردوغان في تحجيمها. ثم إنها قد تكون معارضة مقبولة للمحافظين الذين لا يريدون أن يذهبوا بمعارضتهم إلى حد التصويت لليسار، هذا إضافة إلى العلمانيين الذين قد ينظرون إليها على أنها بديل مقبول وأقل خطراً من إردوغان. وأخيراً، فهي -كما سبق- خيار جذاب للنساء التركيات، وهي التي دأبت على تأكيد انحيازها لفرص المرأة وحقوقها.
في المقابل، مع أن أكشنر، والكثير من أنصارها يرفعون شعار «الذئب»، وهو شعار «الحركة القومية»، في تجمعاتهم، والمتمثل في ضم الإبهام والوسطى والبنصر وإطلاق السبابة والخنصر على شكل رأس ذئب. فإنها في الفترة الأخيرة استعاضت عنه بعلم تركي من الحناء على كف يدها، الأمر الذي انتشر كثيراً على أيدي أنصارها وعلى «تويتر» لما فيه من رمز للثقافة التركية التقليدية وتقرّب من عموم الشعب.
-- أكبر الأحزاب السياسية التركية
> تركيا جمهورية تعتمد النظام الديمقراطي التعددي، وتتنافس على السلطة مجموعة من الأحزاب تتفاوت في آيديولوجيتها وأحجامها تفاوتاً كبيراً. ووفق النظام الانتخابي المتبع حالياً يعد ضمن الأحزاب الكبرى كل حزب ينجح مرشحوه في الحصول على أكثر من 10% من الأصوات في الانتخابات أو تتمثل في البرلمان.
وفيما يلي أكبر الأحزاب السياسية التركية، وحجم تمثيلها في البرلمان:
> حزب العدالة والتنمية (يمين – إسلامي):
الحزب الحاكم في البلاد، وتقوم آيديولوجيته على الإسلام السياسي، و«العثمانية الجديدة». زعيمه الفعلي الرئيس رجب طيب إردوغان، وهو أحد مؤسسيه مع زميلة عبد الله غُل، ورئيسه التنظيمي بن علي يلدريم، رئيس الوزراء الحالي. ورث عملياً عدة أحزاب إسلامية التوجّه أبرزها «حزب الرفاه»، كان وراء جاذبيتها ونفوذها الزعيم السياسي الإسلامي ورئيس الوزراء السابق نجم الدين إربكان.
لدى الحزب حالياً 317 مقعداً من أصل مقاعد البرلمان البالغ عددها 550 مقعداً. أكثر من هذا، يسيطر هذا الحزب اليوم على 800 مجلس بلدي في تركيا (من أصل 1351 مجلساً)، و18 مجلساً من مجالس التجمّعات الحضرية الكبرى الـ30.
> حزب الشعب الجمهوري (يسار الوسط – علماني):
حزب مصطفى كمال «أتاتورك»، وخلفه عصمت إينونو، ثاني رؤساء الجمهورية التركية، الذي قاده بين 1938 و1972. أقدم الأحزاب التركية (أُسس أصلاً عام 1919) وأكبر أحزاب يسار الوسط. برز من قادته رئيس الوزراء الأسبق بولنت (بلند) أجاويد، وإردال إينونو، ودينيز بايكال، أما زعيمه الحالي فهو كمال كليتشدار أوغلو.
لدى الحزب حالياً 133 مقعداً في البرلمان من أصل 550، ويسيطر على 226 مجلساً بلدياً، و6 من المجالس الحضرية الكبرى الـ30.
> حزب الشعوب الديمقراطي (يسار – أقليات عرقية ودينية):
حزب يساري يمثل قوى عدة أبرزها الأقليات العرقية والدينية، على رأسها الأكراد، وكذلك الجماعات النسوية والراديكالية، وهو عضو استشاري في «الدولية الاشتراكية».
جُلّ تأييد هذا الحزب يأتي من المناطق الكردية في جنوب شرقي البلاد، وزعيمه صلاح الدين دميرتاش (الموقوف حالياً).
يحتل نواب الحزب 59 مقعداً في مجلس النواب، ويسيطرون على 97 مجلساً بلدياً، ومجلسين حضريين كبيرين.
> حزب «الحركة القومية» (يمين قومي - متشدد):
حزب قومي تركي – طوراني، يميني متشدد، أسسه الضابط السابق ألب أرسلان توركيش عام 1969. يرأسه حالياً دولت بهشلي الذي خلف توركيش بعد وفاة الأخير عام 1997.
اتُّهمت الميليشيات المرتبطة في أيام مؤسسه باستهداف المثقفين والحركيين اليساريين، وكان من أشهر هذه الميليشيات الموصومة بالفاشية «الذئاب الرمادية». وحالياً يتمثل حزب «الحركة القومية» في البرلمان بـ39 مقعداً، كما أنه يسيطر على 166 مجلساً بلدياً و3 مجالس حضرية كبرى.



إسرائيل و«أرض الصومال»... جرح في خاصرة «القرن الأفريقي»

إسرائيل و«أرض الصومال»... جرح في خاصرة «القرن الأفريقي»
TT

إسرائيل و«أرض الصومال»... جرح في خاصرة «القرن الأفريقي»

إسرائيل و«أرض الصومال»... جرح في خاصرة «القرن الأفريقي»

يفرض الاعتراف الإسرائيلي بـ«أرض الصومال»، واقعاً جديداً في القرن الأفريقي والبحر الأحمر، ومن المحتمل أن تمتد تأثيراته إلى كل منطقة الشرق الأوسط. وذهبت تحليلات إلى أن إسرائيل تخبئ أهدافاً خفيّة من هذه الخطوة، تتمثل في التموضع استراتيجياً وأمنياً في سواحل أرض الصومال والقرن الأفريقي ومدخل البحر الأحمر، مما يتيح لها مواجهة تهديدات جماعة «الحوثي» الموالية لإيران في اليمن داخل أراضيها، ويحقق لها البعد الحيوي الجيوبولتيكي للصومال أطماعاً قديمة تضع الإقليم على أعتاب مرحلة جديدة من صراع القوة والنفوذ.

في أواخر ديسمبر (كانون الأول) الماضي، أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، بشكل مفاجئ، اعتراف إسرائيل رسمياً بـ«أرض الصومال» -الكيان الانفصالي غير المعترف به دولياً- دولة مستقلة. وعلى الفور سارعت السلطات الصومالية في العاصمة مقديشو، ومعها كل من المملكة العربية السعودية ومصر والاتحاد الأفريقي والكثير الدول العربية والأفريقية إلى إدانة هذا الاعتراف.

مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي ذكر، حينذاك، أن توقيع الاتفاق مع «أرض الصومال» جاء للاعتراف المتبادل. وأردف أن تل أبيب تعتزم توسيع علاقاتها فوراً، من خلال تأسيس علاقات دبلوماسية كاملة بما يتضمّن فتح سفارات وتعيين سفراء.

وبعد نحو 10 أيام من هذا الاعتراف، زار وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر «أرض الصومال». وكما هو متوقع، ندّدت جمهورية الصومال بهذه الزيارة، ودعت دول الجوار الأفريقي إلى احترام سيادة الصومال ووحدة أرضيها. وكذلك إلى إعلان وقوفها خلف الدولة والشرعية ودعم «الصومال الموحد» في مواجهة مشروع التقسيم، وما قد يترتب عليه من فوضى تمزّق هذا البلد الأفريقي العربي، وتتعداه لتهدد الأمن والاستقرار في كل دول المنطقة.

حضور إسرائيلي قديم

جدير بالذكر أنه على الرغم من أن لإسرائيل حضوراً قديماً في منطقة «القرن الأفريقي»، وتربطها علاقات دبلوماسية مع كل من دول كينيا وإثيوبيا ومصر وأوغندا وجنوب السودان، ينظر خبراء ومتخصصون في شؤون السياسة الأفريقية والعربية، إلى هذه الخطوة على أنها محاولة من إسرائيل لتوسيع نطاق نفوذها في «أرض الصومال». وتعد أوساط إقليمية معنية هذا التطوّر أكبر تهديد أمني وعسكري واقتصادي محتمل، لا سيما أنه قد يغدو قريباً ورقة ضغط وابتزاز فعالة وخطيرة في مواجهة عديد من الدول العربية والأفريقية في «القرن الأفريقي» ومنطقة الشرق الأوسط.

أهمية استراتيجية لإسرائيل

يشدد الصحافي والباحث السياسي عبد المنعم أبو إدريس، على القول إن هذا الاعتراف يعزّز وجود إسرائيل الدبلوماسي في أفريقيا، وعلى وجه الخصوص في «القرن الأفريقي». ويضيف: «تبرز هنا أهمية الموقع الجغرافي الاستراتيجي لأرض الصومال، فهي تقع في واجهة ممرّين مهمّين، هما المحيط الهندي والبوابة الجنوبية للبحر الأحمر عند مدخل مضيق باب المندب».

ويقول إدريس، وهو مؤلف كتاب بعنوان «مدخل إلى القرن الأفريقي... القبيلة والسياسة»، إن لدى إسرائيل اهتماماً قديماً بالمنطقة ومضيق باب المندب تحديداً. ولقد سعت منذ وقت مبكر لاستئجار جزيرة دهلك الإريترية، وتتردّد أيضاً أحاديث عن وجود قاعدة عسكرية إسرائيلية في الجزيرة.

ويتابع أبو إدريس سرده قائلاً: «الوجود الإسرائيلي راهناً في منطقة أرض الصومال -التي كانت تُعرف في الماضي الاستعماري بـ«الصومال البريطاني»- يقرّبها من اليمن، وتهديدات جماعة الحوثيين المدعومة من إيران التي تشن هجمات متكرّرة على السفن الإسرائيلية في البحر الأحمر».

ثم يوضح أنه إبّان الحرب على قطاع غزة، أطلقت جماعة الحوثي المدعومة من إيران عشرات الصواريخ والمسّيرات، باتجاه إسرائيل، دعماً لحركة «حماس»، وأعلنت مسؤوليتها عن عدد من الهجمات. ووفقاً لتقديرات أبو إدريس، فإن إسرائيل من خلال حضورها في هذا الموقع الجغرافي المهم، ستستطيع أن تلعب أدواراً مهمة في مساندة أطراف في الإقليم لديها معها علاقات وطيدة، بما يرجّح كفتها.

كل شيء متصل

من جهته، يقول الدكتور عمر حمد الحاوي، أستاذ العلوم السياسية المقيم في فرنسا، إنه «لا يمكن قراءة الاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال دولةً مستقلةً، بمعزل عن الحرب التي دارت في قطاع غزة وإيران، وسعيها بقوة للقضاء على حلفاء إيران، خصوصاً ذراعها (حزب الله) وجماعة الحوثيين في اليمن. إذ إنها -أي إسرائيل- ترى فيها بؤراً مهدِّدة لأمنها القومي». وللعلم، لأكثر من ثلاثة عقود امتنع المجتمع الدولي عن الاعتراف بـ«أرض الصومال» دولةً مستقلةً عن مقديشو، لكن تربطها علاقة قوية مع إثيوبيا التي خرجت منها «الحركة الوطنية الصومالية» بقيادة عبد الرحمن طور، أيام نظام الرئيس السابق منغستو هيلا مريام، وهي أول دولة تفتح بعد سنوات قليلة قنصلية هناك.

في لقاء مع «الشرق الأوسط» اتفق الدكتور الحاوي، مع ما ذهب إليه أبو إدريس، بأن الخطوة الإسرائيلية ترتبط باستراتيجية قديمة، كانت تخطط لها بحكم وجودها في منطقة «القرن الأفريقي» منذ بدايات الستينات، وأكد إن إسرائيل «درجت على استغلال الصراعات الداخلية، لتعظيم نفوذها أكثر في دول أفريقيا. ثم أردف: «لقد ظلت أرض الصومال تصارع لفترة طويلة للحصول على الاعتراف بها كياناً مستقلاً. وبالتالي، فإن أي اعتراف مهما كان حجم تأثيره يُعد مكسباً لها، ومقابل ذلك تعاني إسرائيل نفسها من عزلة في المنطقة».

ويستطرد الحاوي: «لذلك سعت للاعتراف باستقلال أرض الصومال، التي يمكِّنها موقعها من الوصول إلى مضايق مائية ذات أهمية استراتيجية، ومدخلاً إلى دول في منطقة الشرق الأوسط بعضها معادٍ لها». وهنا يشير خبراء آخرون إلى أن من أبرز دوافع إسرائيل وراء تقوية علاقتها بدول في القرن الأفريقي، زعمها الشعور «بالخطر والتهديد الأمني المستمر لوجودها»، ولذلك تبحث عن دول تطبّع معها العلاقات.

في هذا الصدد، يوضح الحاوي «هذا البعد الحيوي جداً، والحقيقة أنه يحقّق موقع الصومال الجيوسياسي لإسرائيل أطماعها في إيجاد موطئ قدم على البحر الأحمر، ويدنيها من خريطة الصراع في اليمن وإيران». ثم يقول: «إن أهم نيَّات إسرائيل هي تأسيس قواعد عسكرية في سواحل أرض الصومال... وهي عبر وجودها العسكري والأمني هناك ترى أنها ستستطيع حماية مصالحها في المنطقة، والقضاء على الجبهات المتحالفة أو المدعومة من إيران في لبنان وسوريا وغزة، وتدعم المقاومة في فلسطين». وحقاً، يُجمع المحللون على أن الوجود العسكري الإسرائيلي في «القرن الأفريقي» ومدخل البحر الأحمر، يُشكل خطورة متعاظمة، من استخدام القواعد البحرية في المهام العسكرية المختلفة، ويرون أن الخطر الأكبر يبرز، بالذات، في استغلالها محطّات متطوّرة تقنياً لأغراض استخباراتية تجسّسية على دول المنطقة.

خيارات صفرية

من ناحية ثانية، لا يرى الدكتور الحاوي أن وجود إسرائيل في «أرض الصومال» والبحر الأحمر، مجرد تهديد عسكري وأمني، بل يرى أنه يمتد إلى الاقتصاد وأمن الملاحة والتجارة في أهم المضايق العالمية... ويوضح: «هذا الوجود يبعث بمخاوف من أن يمتد ذلك لخنق وحصار المنطقة».

في السياق عينه، يستبعد الحاوي وجود القدرة عند دول المنطقة على وقف التوسّع الإسرائيلي واحتوائه. وبناءً عليه، يقترح أن «الخيار المتاح أمامها -أي دول المنطقة العربية- هو الاعتراف بـ(أرض الصومال)، وتبادل السفارات معها كدولة مستقلة، كأقوى ورقة ضغط يمكن أن تدفعها للحد من نفوذ إسرائيل على أراضيها». غير أن الحاوي يستدرك ليقول إن هذا الخيار «قد يفتح، في المقابل، أبواباً واسعة أمام طموحات بعض الأقاليم التي ترغب في الانفصال عن دولها الأم».

«مشروع تآمري»... في حرب المياه

بالتوازي، يعتقد البروفسور حسن مكي، المتخصص في شؤون القرن الأفريقي، أن «دخول إسرائيل يزيد الوضع الإقليمي تعقيداً، وقد يقطع الطريق أمام أي ترتيبات لعودة أرض الصومال، سواءً كان ذلك في إطار نظام كونفدرالي للوحدة مع جمهورية الصومال، مسنودةً بالتعاون الوثيق بين إسرائيل وإثيوبيا».

ومن ثم، يلفت مكي في حوار مع «الشرق الأوسط»، إلى أن «أرض الصومال» لم تكن تحت سيادة الصومال -الصومال الإيطالي سابقاً- قبل عام 1961، بل كانت تحت الاستعمار البريطاني، ونالت استقلالها قبل فترة وجيزة من الصومال الذي كان تحت الحكم الإيطالي. ثم ذكّر بأن «إثيوبيا فتحت لها قنصلية في هرجيسة، عاصمة أرض الصومال وكبرى مدنها. وكان هذا أول تمثيل دبلوماسي أجنبي في (أرض الصومال)، وهدفه بالنسبة إلى أثيوبيا -المعزولة عن البحار- الاستفادة من ميناء بربرة ذي الأهمية الاستراتيجية على المحيط والبحر الأحمر».

مكي أشار، من جانب آخر، إلى أن «اعتراف إسرائيل بـ(أرض الصومال) يهدف أيضاً إلى تقليص الوجود المصري الكبير، وإمكانية انتزاع اعتراف من الدول الأفريقية بـ(أرض الصومال) دولةً مستقلة، تمهيداً لحرب المياه المقبلة... بالتزامن مع عزم إثيوبيا على بناء مزيد من السدود والخزانات على الأنهار والخيران التي تغذّي نهر النيل، والقادمة من الهضبة الإثيوبية».

وألمح البروفسور مكّي، وهو خبير متخصص، إلى وجود «مشروع تآمري» جارٍ التخطيط له، وهو يهدف إلى حصار المنطقة وتطويقها، وأن بعض أطرافه أفريقية وعربية. إذا قال: «هذا المشروع يبدأ من (أرض الصومال) لشغل الجيش المصري بحرب المياه». وأردف لـ«الشرق الأوسط»، أن «الاعتراف الإسرائيلي ستكون له تأثيرات على صراع المواني والجيوسياسة، على البحر الأحمر... وبالتالي، لا بد من القول: دعونا ننتظر منذ الآن لمعرفة هوية الدولة (العربية) الثانية التي ستعترف علناً بـ(أرض الصومال)».

«أرض الصومال»... في سطور

الجدير بالإشارة أنه يرأس «أرض الصومال» اليوم، عبد الرحمن محمد عبد الله، المعروف باسم «عرو»، وكان قد انتُخب للمنصب في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، مرشحاً عن حزب «وطني». وفي موضوع المطلب الاستقلالي، في 2001 أجرى في «أرض الصومال» استفتاءً على مشروع دستور للانفصال عن الصومال، صوّت فيه 97.1 في المائة لصالح الاستقلال. أما بشأن الانتخابات النيابية، فتجرى انتخابات تعدّدية بانتظام في البلاد منذ عام 2003.

«عرو» هو سادس رئيس لـ«أرض الصومال» منذ انفصال الإقليم عن جمهورية الصومال في مايو (أيار) 1991، ومن أبرز التحديات التي طرحها خلال الحملة الانتخابية: البحث عن الاعتراف الدولي لتحديد شكل العلاقة مع الصومال. والنظر في مذكرة التفاهم التي أبرمها النظام السابق مع إثيوبيا... التي أثارت الكثير من الجدل في منطقة القرن الأفريقي. ومعالجة بعض التوترات في مناطق محدودة بإقليم «سول». هذا بالإضافة إلى تعهده بانضمام «أرض الصومال» إلى كلٍّ من الاتحاد الأفريقي، والأمم المتحدة، ومنظمة الكومنولث، والهيئة الحكومية الدولية المعنية بالتنمية (إيغاد).

هذا، وفي مطلع 2024، كان موسى بيحي عبدي، الرئيس السابق لـ«أرض الصومال»، قد وقّع مذكّرة تفاهم مع إثيوبيا، حصلت بموجبه الأخيرة على مَنفذ بحري يتضمّن ميناء تجارياً وقاعدة عسكرية في بربرة، لمدة 50 سنة.

جغرافياً تقع «أرض الصومال» في الجزء الشمالي من الصومال، تحديداً في البر الرئيسي لشمال شرقي أفريقيا (المعروف بـ«القرن الأفريقي») على شاطئ خليج عدن. وتحدّها إثيوبيا من الغرب، وجيبوتي (الصومال الفرنسي، ثم أرض العفر والعيسى سابقاً) من الشمال الغربي، وخليج عدن من الشمال حتى الحدود البحرية مع اليمن. وعقب سقوط العاصمة مقديشو في عام 1991، أعلن الجزء الشمالي المُسمى حالياً «أرض الصومال» (صومالي لاند)، استقلاله عن البلاد.

يبلغ عدد سكان «أرض الصومال» اليوم نحو 6 ملايين نسمة، وكبرى مدنها العاصمة هرجيسة، تليها بورعو وبربرة، التي هي الميناء الرئيسي على خليج عدن. أوساط إقليمية تعد علاقات إسرائيل و«أرض الصومال» أكبر تهديد أمني وعسكري واقتصادي


جاي بي بريتزكر... حاكم إلينوي ووريث قصة «الحلم الأميركي»

جاي روبرت (جي بي) بريتزكر
جاي روبرت (جي بي) بريتزكر
TT

جاي بي بريتزكر... حاكم إلينوي ووريث قصة «الحلم الأميركي»

جاي روبرت (جي بي) بريتزكر
جاي روبرت (جي بي) بريتزكر

قبل الانتخابات النصفية الأميركية في نوفمبر (تشرين الثاني) 2026، يبدو الحزب الديمقراطي وكأنه يخوض معركتين في آنٍ واحد: الأولى ضد خصم جمهوري أعاد تعريف السياسة الأميركية على إيقاع شعار «أميركا أولاً»، والثانية ضد ارتباكه الداخلي المزمن في الإجابة عن سؤال الناخب البسيط: ما الذي ستفعله لنا غداً؟ في هذا الفراغ بين القلق الانتخابي وأزمة الرسالة، يتقدم اسم حاكم ولاية إلينوي، جاي بي بريتزكر، بوصفه واحداً من أكثر «البدائل التنفيذية» جاهزية، أو على الأقل أكثرها اختباراً. وهذا، ليس لأنه الأكثر شعبوية أو الأكثر جاذبية أمام الكاميرا، بل لأنه يمثل نموذجاً نادراً داخل الحزب: رجل ثريّ لم يأتِ ليعتذر عن ثروته، وحاكمٌ يحاول أن يحول «ولاية صعبة» إلى منصّة وطنية، وسياسيٌّ يتقن المواجهة مع دونالد ترمب من دون أن يصبح نسخةً منه.

يُختصر جاي روبرت (جي بي) بريتزكر غالباً في كلمة واحدة: «ملياردير». إلا أنه، في سرديته الشخصية، أقرب إلى ابن سلالة أميركية تقليدية صعدت من الهجرة إلى القمة الاقتصادية ثم إلى العمل العام.

وُلد بريتزكر يوم 19 يناير (كانون الثاني) 1965 في بالو ألتو بولاية كاليفورنيا، ونشأ في أثيرتون، داخل عائلة بريتزكر ذات الجذور اليهودية الأوكرانية التي ارتبط اسمها تاريخياً بشيكاغو والأعمال والفنادق والعمل الخيري.

تاريخ العائلة اليهودية الثرية نفسه جزء من «الحلم الأميركي»: هجرة من كييف أواخر القرن التاسع عشر إلى شيكاغو. ثم بناء ثروة عبر المحاماة والاستثمار والعقار، وصولاً إلى تأسيس سلسلة فنادق «حياة» (هايات) التي بدأت عام 1957 عندما اشترى عمه جاي بريتزكر فندقاً قرب مطار لوس أنجليس، لتتحول لاحقاً إلى واحدة من أشهر العلامات في الضيافة العالمية. وفي بيت كهذا، يصبح الاسم رأس مالٍ قبل أن تكون الثروة مالاً.

إلا أن نشأة جاي بي حملت أيضاً وجهاً أكثر قسوة مما توحي به الأرقام. فوالده دونالد بريتزكر (كان رئيس «حياة») توفي بنوبة قلبية، وهو في التاسعة والثلاثين عام 1972، ثم توفيت والدته في حادث عام 1982، وهو ما دفعه – وفق سيرته – إلى الانتقال للعيش مع عمته، سيندي بريتزكر، في سن الثانية عشرة.

هذه التفاصيل لا تُذكر عادة في السياسة الأميركية إلا بوصفها مادةً عاطفية، لكنها تساعد على فهم جانب من شخصية الرجل التي تقوم على انضباط شخصي وحذر إعلامي، وميل إلى تحويل السيرة الخاصة إلى «خلفية»، لا إلى «قصة بطولة».

تعليم قانوني وتكوين سياسي مبكر

درس بريتزكر المحاماة، لكنه قبل المسيرة الجامعية، أكمل دراسته المتوسطة والثانوية في أكاديمية ميلتون، إحدى أعرق وأرقى المدارس الخاصة في الولايات المتحدة، ومن ثم تخرّج في اثنتين من أرقى الجامعات الأميركية وأغناها، إذ حصل على البكالوريوس من جامعة ديوك، ثم إجازة الحقوق من جامعة نورثويسترن.

هذا التكوين القانوني في بلدٍ تحكمه النصوص والمؤسسات بقدر ما تحكمه المشاعر، سيظهر لاحقاً في طريقة إدارته الصدام مع السلطة الفيدرالية، وفي لغته حين يتحدث عن صلاحيات الولايات وحدود البيت الأبيض.

قبل ترشّح بريتزكر وفوزه في انتخابات حاكم ولاية إلينوي، تحرّك طويلاً داخل عالم السياسة من الصفوف الخلفية... دعمٌ مالي للحزب الديمقراطي، وعملٌ تنظيمي، ومحاولات مبكرة للترشّح (منها محاولة لسباق الكونغرس أواخر التسعينات). ثم لعب أدواراً في مؤسسات ولاية إلينوي.

في الوقت نفسه، صنع لنفسه هوية رجل أعمال «يُؤَسِّس» و«يموِّل» و«يدير»، لا يكتفي بأنه مجرد وريثٍ يتنقل بين مجالس الإدارة.

وبالفعل، انخرط في الاستثمار ورأس المال المخاطر، وأسهم في مبادرات مرتبطة بريادة الأعمال في شيكاغو. وساهم في تأسيس العديد من شركات رأس المال الاستثماري، بما في ذلك مجموعة «بريتزكر كابيتال» الخاصة، حيث يشغل منصب الشريك الإداري.

كذلك شارك في تأسيس شركة «شيكاغو فينتشرز»، وموّل شركتي «تيك ستارز شيكاغو» و«بيلت إن شيكاغو» الناشئتين. ووفقاً لمجلة «فوربس»، بلغ صافي ثروته التقديرية 3.9 مليار دولار أميركي اعتباراً من أغسطس (آب) 2025، في حين صنفت العائلة من بين أغنى العائلات في أميركا. وبصفته اليوم حاكم ولاية، فإنه يمتلك ثروة أكبر من ثروة أي حاكم آخر على مدار التاريخ الأميركي. ويُعد ثاني أغنى سياسي يشغل منصباً في الولايات المتحدة، بعد عمدة نيويورك السابق مايكل بلومبيرغ.

الاختبار الأكبر لأي ديمقراطي في 2028 سيكون: كيف تُواجه

«أميركا أولاً» من دون أن تبدو ضد «أميركا» أو ضد «الأولوية للناس»؟

«الولاية المختبر»...وصعوبة الحكم

حين فاز جاي بي بريتزكر بحاكمية إلينوي (2018)، ثم تولّى منصبه عام 2019، كان يعرف أن الولاية ليست «منصة جاهزة» للنجومية الوطنية. فإلينوي خليط متناقض: مدينة شيكاغو الكبرى بمشاكل العنف والسلاح، والضواحي الليبرالية، والأرياف المحافظة التي تُحسن قراءة خطاب الجمهوريين.

في مثل هذا المكان، يصبح النجاح التنفيذي أكثر قيمة من الخطابة.

على مستوى السياسات، سعى بريتزكر إلى تقديم نفسه كديمقراطي «عملي». وحقاً رفع الحد الأدنى للأجور عبر قانون قاد إلى 15 دولاراً بحلول 2025، وطرح نفسه حليفاً للنقابات عبر تشريعات تعزز حقوق التفاوض الجماعي. وهذه العناوين لخّصت «مدرسته» السياسو – اقتصادية... أي «اقتصادٌ يميل إلى حماية العمال، ولكن من دون قطعٍ كامل مع منطق السوق».

ومن ناحية ثانية، بريتزكر لا يدير ولاية في فراغ.

ولايته كغيرها، كانت مسرحاً لاختبار جائحة «كوفيد-19»، ثم اختبار الانقسام الثقافي الأميركي، ثم اختبار «عودة ترمب» إلى البيت الأبيض، وما تبعها من شدٍّ في علاقة واشنطن بالولايات الديمقراطية. وهنا بالذات، بدأ الرجل يتحوّل من حاكم محلي إلى لاعب مؤثر في مشهد وطني.

حضور وطني

بلغ حضور بريتزكر الوطني ذروته في صيف 2025، حين تصاعدت تهديدات الرئيس دونالد ترمب بإرسال «الحرس الوطني» إلى شيكاغو بذريعة مكافحة الجريمة، في ما اعتبره الديمقراطيون محاولة لاستعراض القوة وتسييس الأمن.

يوم 25 أغسطس (آب) 2025، أعلن بريتزكر صراحة أنه سيحاول منع أي نشر للقوات، واصفاً الخطوة بأنها تعدٍّ غير دستوري على صلاحيات الولاية. وبعد أيام، صعّد ترمب لهجته معلناً «نحن داخلون» إلى شيكاغو، في واحدة من أكثر لحظات التوتر بين البيت الأبيض وولاية ديمقراطية منذ سنوات.

المثير للاهتمام أن بريتزكر لم يواجه ترمب بلغة اليسار الثقافية، بل بلغة القانون والسيادة... متسائلاً: مَن يملك سلطة استدعاء الحرس؟ ومتى تتحوّل «مكافحة الجريمة» إلى ذريعة لتطويع خصوم سياسيين؟

موقفه هذا حصل على غطاء حزبي أوسع عبر بيانات «رابطة حكّام الحزب الديمقراطي» التي رأت في نشر القوات من دون طلب الحاكم «إساءة استخدام للسلطة» واعتداءً على سيادة الولايات.

بل إن المعركة أخذت بُعداً قضائياً عندما أشارت تقارير إلى قرار قضائي في خريف 2025 يقيّد (يوقف مؤقتاً) نشر قوات في محيط شيكاغو، في إشارة إلى حساسية التوازن بين الأمن والفيدرالية.

في الوقت نفسه، حرص بريتزكر على ضرب السردية الجمهورية من داخلها، قائلاً نعم، هناك جريمة، لكن شيكاغو ليست «مدينة خارجة عن السيطرة». وبالفعل، بيّن تقرير لـ«أسوشييتد برس» انخفاض العنف هناك في النصف الأول من 2025 مقارنة بالعام السابق، مع بقاء تحدياتٍ قائمة في بعض المناطق.

كانت هذه النقطة مهمة سياسياً: فبريتزكر أراد نقل النقاش من «قوات ودبابات» إلى «قدرة الدولة المحلية على الإصلاح».

أزمة الديمقراطيين

مع هذا النجاح، لا يراهن الديمقراطيون على الأشخاص وحدهم. فالأزمة أعمق من سؤال «مَن يترشح؟». فالحزب يواجه 3 تحديات متداخلة:

- تآكل الثقة لدى شرائح من الطبقة العاملة والناخبين غير الجامعيين، حيث يرى كثيرون أن الديمقراطيين يتحدثون عن قيمٍ كبرى أكثر مما يقدمون حلولاً يومية قابلة للمس. وثمة تقارير وتحليلات عدة بعد انتخابات 2024 ركّزت على فجوة الثقة في «القدرة على الإنجاز» حتى لدى ناخبين يوافقون على سياسات الحزب من حيث المبدأ.

- الاستقطاب الثقافي الذي نجح الجمهوريون في جرّ الديمقراطيين إليه: التعليم، الكتب، الهوية، الشرطة... وهي ملفات تُدار غالباً بلغة «مع أو ضد»، وتُضعف قدرة الحزب على بناء رسالة اقتصادية جامعة.

- معضلة الأمن والهجرة التي أعادها ترمب إلى صدارة النقاش عبر تكثيف سياسات إنفاذ الهجرة، ما خلق ملفاً مزدوج الحدّ: فرصة للديمقراطيين لمهاجمة «التشدد» إذا أدى إلى تجاوزات، وخطرٌ عليهم إذا بدا الحزب متساهلاً أو منقسماً بين «الإصلاح» و«الإلغاء».

في خلفية ذلك، تقدّم قراءات تاريخية للانتخابات النصفية – مثل قراءة «بروكينغز» لمسار 2026 – أن الحزب الحاكم غالباً ما يواجه رياحاً معاكسة في منتصف الولاية، ما يرفع سقف الرهان لدى الديمقراطيين على أن 2026 قد تكون بوابة العودة السياسية إذا أحسنوا صياغة المعركة.

هنا يظهر بريتزكر باعتباره «ترجمة سياسية» لفكرة الخروج من الحرب الثقافية عبر العودة إلى الاقتصاد والحوكمة.

الرجل لا يتخلى عن ملفات تقدمية (الحقوق الفردية، حماية الأقليات...)، لكنه يحاول ألا يجعلها محور الرسالة الانتخابية. وبدلاً من ذلك، يكرر ثلاثية أقرب إلى «قاموس الطبقة الوسطى»، كالقدرة على العيش وتكلفة المعيشة، والتعليم بوصفه مصعداً اجتماعياً، والأمن كوظيفة دولة، لا كمسرح استعراض.

المفارقة أن ثروته، التي قد تكون عبئاً داخل حزب يرفع خطاب العدالة الاجتماعية، يمكن أن تكون أيضاً سلاح دفاعه. فبريتزكر لا يحتاج إلى مموّلين، بل يستطيع تمويل حملة وطنية، ويتقن لغة الأعمال التي يخاطب بها الأميركيين في زمن القلق الاقتصادي.

«أميركا أولاً» والبحث عن رد غير نخبوي

في مطلق الأحوال، الاختبار الأكبر لأي ديمقراطي في 2028 سيكون: كيف تُواجه «أميركا أولاً» من دون أن تبدو ضد «أميركا» أو ضد «الأولوية للناس»؟

حتى الآن، يبدو بريتزكر أقرب إلى تقديم ردٍّ يقوم على إعادة تعريف «الأولوية» بأن أميركا القوية لا تغلق الباب وتلوّح بالقوة داخل المدن، بل التي تستثمر في العمال، وتحمي المؤسسات، وتخفف قلق العائلات من الصحة والتعليم والتكلفة.

نجاح هذا الردّ ليس مضموناً، لأن ترمب لا يطرح شعاراً فقط، بل يطرح هوية سياسية كاملة: غضب، وعدو واضح، ووعد سريع.

بريتزكر لم يعلن بعد نية الترشح، ويحرص على إظهار نفسه «حاكماً أولاً». لكن منطق السياسة الأميركية يقول إن «التحضير» يبدأ قبل الإعلان بسنوات... عبر شبكة علاقات، وحضور وطني، وتموضع داخل معارك الحزب الكبرى. ومع كل مواجهة جديدة مع ترمب حول شيكاغو أو صلاحيات الولايات، تتسع مساحة الرجل داخل النقاش الديمقراطي.

في المحصلة، بريتزكر ليس جواباً نهائياً على أزمة الديمقراطيين، لكنه نموذجٌ لجوابٍ محتمل عنوانه: إدارة صارمة، ولغة قانونية في مواجهة «القوة الفيدرالية»، وبرنامجٌ يحاول أن يُقنع الناخب المتردد بأن البديل ليس «خطاباً أجمل»، بل «دولة تعمل». وفي زمنٍ انقسام شعبي عميق، قد يكون حاكم إلينوي أحد المرشحين القلائل القادرين على تحويل تجربة الولاية إلى سردية وطنية...


أبرز الشخصيات الديمقراطية المحتملة لسباق الرئاسة 2028

رام إيمانويل (أ.ب)
رام إيمانويل (أ.ب)
TT

أبرز الشخصيات الديمقراطية المحتملة لسباق الرئاسة 2028

رام إيمانويل (أ.ب)
رام إيمانويل (أ.ب)

إلى جانب جاي بي بريتزكر، تتداول الأوساط الديمقراطية مجموعة أسماء مرشحة لـ«البيت الأبيض» تمثل مدارس واتجاهات مختلفة داخل الحزب، ما يعكس حيوية مشوبة بالارتباك.

وبينما يتحسس الحزب الديمقراطي طريقه نحو المستقبل، تبرز شخصيات يعدها البعض «فرقة النخبة» المؤهلة لخوض سباق 2028، محملة بخبرات تنفيذية من ولايات محورية:

غافن نيوسوم (حاكم كاليفورنيا): يظل المنافس الأبرز والوجه الإعلامي الأكثر حضوراً. إنه يتمتع بقدرة فائقة على السجال التلفزيوني وتمثيل كاليفورنيا كنموذج مضاد للسياسات المحافظة. ولكن بجانب انتقادات تتعلق بارتفاع تكاليف المعيشة في ولايته، قد تكون قوته في ولايته أيضاً نقطة ضعفه أمام ناخبين مترددين تجاه «النموذج الكاليفورني».

بيت بوتيجيج - بو دجاج (أ.ب)

رام إيمانويل: رئيس بلدية شيكاغو السابق، ورئيس موظفي البيت الأبيض في عهد باراك أوباما، والسفير الأميركي السابق لدى اليابان (انتهت مهمته في يناير (كانون الثاني) 2025). يرشحه البعض ليس فقط لأنه اسم «ثقيل» داخل المؤسسة الديمقراطية، بل أيضاً لأن هناك مؤشرات إعلامية حديثة تتحدث عن أنه يختبر فعلياً فكرة حملة 2028 عبر جولات وخطاب يركز على «إصلاح التعليم» في محاولة للاقتراب من الناخبين المتأرجحين الذين يحمّلون الحزب جزءاً من مسؤولية الفوضى السياسية والارتباك البرامجي، وتقديم نفسه كصوت «تجديدي» داخل الحزب في مواجهة ما يصفه بعض الديمقراطيين بجناح «المقاومة» الذي يطغى عليه الصدام الرمزي مع ترمب.

جوش شابيرو (حاكم بنسلفانيا): يمثل الجناح المعتدل والذكي سياسياً. قدرته على الفوز في ولاية متأرجحة وحاسمة تجعله مرشحاً مثالياً لاستعادة أصوات الطبقة العاملة في «حزام الصدأ»، وهو يتبع نهجاً يركز على «الإنجازات الملموسة» بعيداً عن الصراعات الآيديولوجية الحادة.

كمالا هاريس (أ.ب)

غريتشن ويتمر (حاكمة ميشيغان): «قائدة حازمة» صقلتها الأزمات، وتحظى بشعبية هائلة في ولاية حاسمة. تجيد مخاطبة الناخبات في الضواحي، وهي كتلة تصويتية يرى الديمقراطيون أنها مفتاح العودة للبيت الأبيض.

ويس مور (حاكم ماريلاند): النجم الصاعد وأول حاكم أسود للولاية. بخلفيته العسكرية وقدراته الخطابية، يُنظر إليه بوصفه «أوباما القادم»، حيث يقدم خطاباً يمزج بين الأمل والوطنية والعدالة الاجتماعية، ما قد يساعد في استنهاض القاعدة التصويتية للشباب والأقليات.

بيت بوتيجيج - بو دجاج - (وزير النقل السابق): بذكائه الحاد وقدرته على اختراق وسائل الإعلام المحافظة، يظل بوتيجيج خياراً قوياً للجناح المثقف في الحزب، رغم التحديات التي تواجهه في كسب تأييد أوسع بين الناخبين الملوّنين.

كمالا هاريس: نائبة الرئيس السابقة، والمرشحة التي خسرت السباق الرئاسي أمام ترمب العام الماضي. تمتلك خبرة وطنية ودولية، غير أن إرث الإدارة السابقة يفرض عليها تحدياً في إعادة تقديم نفسها.

غريتشن ويتمر (أ.ب)

تتفق هذه الشخصيات على ضرورة «تحديث» الخطاب الديمقراطي، لكنها تتباين في الأسلوب، ما يمهد لانتخابات تمهيدية قد تكون الأشرس في تاريخ الحزب. ومع أن اللائحة تبقى مفتوحة على مفاجآت، لكن القاسم المشترك بين معظم الأسماء هو إدراكهم أن سباق 2028 لن يُحسم بالشخصية وحدها.