ميرال أكشنر... «إمرأة حديدية» تهدّد هيمنة إردوغان

ثارت على مسايرة «الحركة القومية»... وأعلنت التحدي في انتخابات الرئاسة

ميرال أكشنر... «إمرأة حديدية» تهدّد هيمنة إردوغان
TT

ميرال أكشنر... «إمرأة حديدية» تهدّد هيمنة إردوغان

ميرال أكشنر... «إمرأة حديدية» تهدّد هيمنة إردوغان

شغلت السياسية التركية المخضرمة ميرال أكشنر، الملقبة في تركيا بـ«المرأة الحديدية» -على غرار الزعيمة البريطانية السابقة الراحلة مارغريت ثاتشر- مساحة كبيرة من الاهتمام على الساحة السياسية وفي الشارع التركي، وذلك بعد خلافها في عام 2016 مع رئيس حزب «الحركة القومية» دولت بهشلي. إذ سعت أكشنر ومعها مجموعة من قيادات الحزب، الذي كان بهشلي في موقع نائب رئيسه في ذلك الوقت، إلى عقد مؤتمر عام للحزب استهدف الإطاحة بالسياسي «العجوز»، الذي بات إلى جانب مرضه يثير التساؤلات بتحوله السياسي المفاجئ من «رجل اللاءات» إلى رجل التوافق والتماهي مع الرئيس رجب طيب إردوغان وحزب العدالة والتنمية في جميع الاستحقاقات المؤثرة. ومعروف أن بهشلي أيّد تأييد التعديلات الدستورية للانتقال إلى النظام الرئاسي التي أُجري عليها استفتاء شعبي في 16 أبريل (نيسان) 2017، ما يفتح الطريق أمام إردوغان للبقاء في مقعد رئيس تركيا حتى عام 2029 بصلاحيات واسعة أو شبه مطلقة.
رمت «المرأة الذئب» ميرال أكشنر، السياسية القومية اليمينية التركية، التي سبق لها تولّي حقيبة وزارة الداخلية ومنصب نائبة رئيس البرلمان، أخيراً «قفاز التحدّي» في وجه رجب طيب إردوغان، رئيس تركيا و«رجلها القوي».
وجاء تحدي أكشنر عبر إعلانها تأسيس حزب جديد باسم «الحزب الجيد» في أكتوبر (تشرين الأول) 2017، معلنة من البداية أن رفاقها في العمل السياسي وفي حزبها الجديد طالبوها بالترشح في الانتخابات الرئاسية التي من المقرر أن تُجرى يوم 3 نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2019.
وبخلاف كمال كليتشدار أوغلو، رئيس حزب الشعب الجمهوري (حزب المعارضة الرئيسي)، الذي عجز عن الوصول إلى الناخبين من خارج دائرة الفئات النخبوية في المدن، تبدو أكشنر قادرة على اختراق القاعدة الشعبية لإردوغان واحتضان مختلف الأطياف. ثم إن «كيمياء» هذه السياسية «القومية» تجعل منها بديلاً جذاباً لكثير من الناخبين الأتراك لكونها غير محسوبة على تيار الإسلام السياسي، واختلافها عن المعارضة العلمانية اليسارية التقليدية التي نجح إردوغان في تحجيمها، ناهيك بأنها خيار جذاب للنساء التركيات.
- المسيرة السياسية
وُلدت ميرال أكشنر يوم 18 يوليو (تموز) عام 1956، في مدينة إزميت (كوجالي) بشمال غربي تركيا، قرب مدينة إسطنبول، لأبوين مهاجرين من مدينة سالونيك بشمال اليونان.
وفي مطلع شبابها، درست أكشنر في جامعة إسطنبول وتخرّجت فيها مجازةً في التاريخ. ثم حصلت على الدكتوراه في التاريخ من جامعة مرمرة، وهي الجامعة التي تخرج فيها الرئيس إردوغان، وتقع أيضاً في إسطنبول، وامتهنت على الأثر التدريس الجامعي.
ولقد تدرّجت السياسية والأكاديمية الطموحة في عدد من الجامعات، قبل أن تقرّر عام 1994 هجر الحياة الأكاديمية لخوض غمار العمل السياسي. وبالفعل، ترشحت عن حزب في الانتخابات البرلمانية عام 1995، وفازت عن إحدى دوائر إسطنبول ممثلةً حزب «الطريق القويم» المحافظ. ثم اختيرت وزيرة للداخلية من عام 1996 إلى عام 1997 في عهد رئيس الوزراء الإسلامي الراحل الدكتور نجم الدين إربكان، مؤسس «الإسلام السياسي» في تركيا الحديثة، وباتت أول وآخر امرأة تتولى هذه الحقيبة الحساسة التي يتعاقب عليها الرجال.
أظهرت ميرال أكشنر، إبّان توليها هذا المنصب، صلابة لافتة في مواجهة حزب العمال الكردستاني الانفصالي المحظور، وكذلك في مواجهة قادة الجيش الذي كان يتمتع بمهابة كبيرة وثقل سياسي يفوق أي حكومة، وبوضع لا يقارن بما هو عليه الآن، إذ أعلنت رفضها القوي تدخل الجيش في السياسة، ووقفت بعناد خلف رأيها، ما كلّفها منصبها الوزاري في أعقاب تدخل الجيش في تغيير حكومة إربكان يوم 28 فبراير (شباط) عام 1997، فيما عرف آنذاك بـ«الانقلاب الأبيض» أو «الانقلاب ما بعد الحداثي».
- العودة إلى الساحة
وبعد فترة حظر، عادت أكشنر إلى البرلمان، وجرى انتخابها لعضوية البرلمان غير مرة. ومن ثم، صارت وجهاً برلمانياً معروفاً في صفوف تيارات اليمين. وفي وقت ما، انضمت إلى حزب العدالة والتنمية –إسلاميّ التوجهات– الذي أسسه إردوغان مع عبد الله غُل، رئيس الجمهورية السابق، وبولنت أرينتش وعدد آخر من رفاقهم، في بداياته. إلا أنها تركته بعد 4 أشهر فقط، عندما اكتشفت أنه لا يقدم جديداً في طروحاته، ولا يختلف، بالتالي، عن الأحزاب الإسلامية السابقة التي أسسها إربكان.
وفي عام 2007 التحقت أكشنر بصفوف حزب «الحركة القومية» اليميني القومي برئاسة السياسي المخضرم دولت بهشلي، ورأت فيه الحزب السياسي الملائم لآيديولوجيتها القومية. وظلت في صفوف هذا الحزب نائبة بالبرلمان وقيادية في صفوفه التنظيمية إلى أن وقع الخلاف بينها وبين بهشلي، الذي اختار بعد محاولة الانقلاب الفاشلة التي شهدتها تركيا يوم 15 يوليو 2016 السير في ركاب إردوغان، وتأييد خطته لتحويل تركيا من النظام البرلماني إلى النظام الرئاسي.
وقتها أعلنت أكشنر تمرّدها وقادت مجموعة من المنشقّين في الحزب. ثم أطلقت حملة جماهيرية للتصويت بـ«لا» في الاستفتاء على تعديل الدستور من أجل الانتقال إلى النظام الرئاسي في أبريل 2017، وذلك بعدما باشرت التحضير لمرحلة سياسية جديدة إثر رفض المحكمة مساعيها لعقد مؤتمر عام للحزب للإطاحة ببهشلي من رئاسة «الحركة القومية» ووصول الشقاق معه إلى نقطة اللاعودة.
- انطلاقة جديدة
عندما حاولت أكشنر وفريقها من المنشقين عقد جمعية عمومية لحزب «الحركة القومية» في أحد فنادق أنقرة يوم 2016، بهدف تغيير القيادة، طوقت الشرطة التركية المكان، ومنعت الاجتماع. وهو ما فُسِّر في حينه بأنه تدخل من إردوغان لحماية «حليفه» الجديد بهشلي. غير أن السياسية المخضرمة استغلت هذه الفرصة لتحوّل الواقعة إلى «مؤتمر شعبي»، باعتلائها إحدى الحافلات المكشوفة التي أعدت لها، وألقت خطاباً على مؤيديها خارج الطوق الأمني المفروض حول القاعة.
جعلت أكشنر من ذلك الخطاب نداءً حماسياً ملتهباً دشن بداية مرحلة نضال سياسي بعد فصلها من «الحركة القومية»، والخطوة الأولى باتجاه تأسيس حزب جديد أبصر النور -كما سبقت الإشارة- في 25 أكتوبر الماضي، تحت اسم «الحزب الجيد»، أرادت منه أن يكون معبّراً عن معارضة يمينية لا ترضى بأن تكون مجرد «ديكور» لتجميل المشهد السياسي من خلال التماهي مع «الرئيس» في كل قراراته وأفعاله. وكان من بين الأعضاء المؤسسين للحزب الجديد 4 من نواب حزب «الحركة القومية»، ونائب عن حزب الشعب الجمهوري المعارض، استقال وانضم إلى الحزب.
واليوم، مع أن معظم الأعضاء المؤسسين للحزب لهم تاريخ طويل في «الحركة القومية» فإن «الحزب الجيد» يطمح إلى أن يمثل خط يمين الوسط القومي، وكسب أصوات الناخبين القوميين والديمقراطيين.
- مؤتمر التأسيس
في الحقيقة، لم يتمكن الحزب الوليد من استئجار صالة أو فندق في العاصمة أنقرة لاستضافة مؤتمره العام الأول، وذلك خشية من مالكي الصالات والفنادق النظر إلى تجاوبهم على أنه يشكّل تأييداً لمواقف الحزب. ولذا، اضطر الأعضاء المؤسسون إلى عقد مؤتمر الإعلان عن تأسيس حزبهم في مركز «ناظم حكمت» الثقافي التابع لحزب الشعب الجمهوري، أكبر أحزاب المعارضة التركية.
وخلال المؤتمر ردت أكشنر على الهتافات التي تعالت من مناصريها «ميرال.... رئيسة الوزراء»، بقولها إن مؤسسي الحزب وناشطيه وأصدقاءها يلحّون عليها أن تترشح لمنصب رئيس الجمهورية في الانتخابات المقبلة عام 2019. وهكذا، اعتبر مراقبون أن أكشنر أعلنت بذلك تحدياً مفتوحاً مع إردوغان على منصب الرئاسة الذي يعمل على تحويله إلى منصب يحظى صاحبه بأكبر الصلاحيات. ورأوا أنها يمكن أن تشكل تهديداً جدياً للرئيس الحالي، كونها تستمد شعبيتها من القاعدة الشعبية نفسها التي يعتمد عليها، وتحديداً من فئات الناخبين المحافظين والمؤيدين لقطاع الأعمال والمتديّنين والقوميين.
أكثر من هذا، كسبت أكشنر، بسبب معارضتها الشديدة لاعتماد النظام الرئاسي في تركيا، المزيد من الشعبية حتى داخل أوساط حزب العدالة والتنمية الحاكم (حزب إردوغان) ممن يعارضون النظام الرئاسي.
- قاعدة عريضة
وراهناً يرى كثيرون أن أكشنر قادرة على اختراق القاعدة الشعبية لإردوغان، ثم إنها بدأت بالفعل جولات في أنحاء مختلفة من تركيا تعكس نهجها الذي تسعى من خلاله لتأكيد أن حزبها لن يكون حزباً لليمين القومي فقط، بل لمختلف الأطياف.
وفي كلمتها خلال إعلان تأسيس الحزب امتدحت أكشنر قادة أتراكاً من مختلف الأطياف، بدءاً بمؤسس الجمهورية مصطفى كمال «أتاتورك»، مروراً بالعلماني اليساري بولنت أجاويد، والإسلامي نجم الدين إربكان، وهو ما أعطى مؤشراً صريحاً إلى أنها تهدف إلى استقطاب أكبر عدد ممكن من الناخبين من مختلف ألوان الطيف السياسي في تركيا.
ومما قالته أكشنر في كلمتها أن «تركيا ستكون بخير» في ظل حزبها، وإن «تركيا وشعبها تعبا، والدولة تآكلت وانعدم النظام ولا حل سوى تغيير كل المناخ السياسي». كذلك أكدت أهمية سيادة القانون وحماية المؤسسات واتباع الأصول والإجراءات القانونية. وهاجمت إردوغان قائلة إنه «يرى العالم بلونين فقط هما إما أبيض وإما أسود، أما أنا فلا أنظر إلى سيادة القانون بمنظار الخطأ أو الصواب، أنا أؤمن بالقانون وسيادته»، كما انتقدت موقف إردوغان من المرأة، فقالت إنه يريد «أن نبقى داخل المنزل».
- فرص النجاح
تبدو الجذور الآيديولوجية اليمينية المتشددة لأكشنر من السلبيات التي يمكن أن تحد من انتشارها في أوساط الناخبين الأكراد وبعض الأقليات. وكانت قد عبّرت بنفسها عن إدراكها لهذه الحقيقة بالتأكيد أن حزبها لا يعتمد القومية العرقية بل «الهوية الوطنية»، بما فيها من أفراح وذكريات وروابط مشتركة. وللعلم، سبق أن عارضت أكشنر مفاوضات السلام التي أجرتها الحكومة مع حزب العمال الكردستاني خلال السنوات القليلة الماضية، وقالت إن القانون التركي فيه ما يكفي من ضمانات لصيانة حقوق الأقليات في البلاد واحتياجاتها. ولكن، في الوقت ذاته، وقفت أكشنر بقوة ضد اعتقال نواب حزب الشعوب الديمقراطي المؤيد لحقوق الأكراد، ووصفت ذلك بأنه محاولة من قبل إردوغان لترهيب الأكراد، ولذا «زج بالنواب الأكراد في السجون قبل الاستفتاء على النظام الرئاسي».
أيضاً خاضت هذه السياسية القومية مواقع شرسة بعدما تعرضت لحملة قاسية من قبل الإعلام الموالي للحكومة تناولت حياتها الشخصية منذ أبريل 2016، عندما بدأت تتحرك للإطاحة ببهشلي من رئاسة «الحركة القومية»، كما تلقت تهديدات بالقتل، ووصفت ذلك بأنها محاولة لإرهابها، قائلة: «إن هذه الحملة المنسقة منذ أبريل 2016 تهدف إلى إرغامي على التراجع لكنهم فشلوا في ذلك».
على أي حال، يرى مراقبون أن مزايا أكشنر تجعل منها بديلاً جذاباً لكثير من الناخبين الأتراك، كونها غير محسوبة على تيار الإسلامي السياسي مع أنها تصف نفسها دائماً بأنها «مسلمة تحترم الدين»، وهي بذلك تختلف عن المعارضة العلمانية اليسارية التقليدية التي نجح إردوغان في تحجيمها. ثم إنها قد تكون معارضة مقبولة للمحافظين الذين لا يريدون أن يذهبوا بمعارضتهم إلى حد التصويت لليسار، هذا إضافة إلى العلمانيين الذين قد ينظرون إليها على أنها بديل مقبول وأقل خطراً من إردوغان. وأخيراً، فهي -كما سبق- خيار جذاب للنساء التركيات، وهي التي دأبت على تأكيد انحيازها لفرص المرأة وحقوقها.
في المقابل، مع أن أكشنر، والكثير من أنصارها يرفعون شعار «الذئب»، وهو شعار «الحركة القومية»، في تجمعاتهم، والمتمثل في ضم الإبهام والوسطى والبنصر وإطلاق السبابة والخنصر على شكل رأس ذئب. فإنها في الفترة الأخيرة استعاضت عنه بعلم تركي من الحناء على كف يدها، الأمر الذي انتشر كثيراً على أيدي أنصارها وعلى «تويتر» لما فيه من رمز للثقافة التركية التقليدية وتقرّب من عموم الشعب.
-- أكبر الأحزاب السياسية التركية
> تركيا جمهورية تعتمد النظام الديمقراطي التعددي، وتتنافس على السلطة مجموعة من الأحزاب تتفاوت في آيديولوجيتها وأحجامها تفاوتاً كبيراً. ووفق النظام الانتخابي المتبع حالياً يعد ضمن الأحزاب الكبرى كل حزب ينجح مرشحوه في الحصول على أكثر من 10% من الأصوات في الانتخابات أو تتمثل في البرلمان.
وفيما يلي أكبر الأحزاب السياسية التركية، وحجم تمثيلها في البرلمان:
> حزب العدالة والتنمية (يمين – إسلامي):
الحزب الحاكم في البلاد، وتقوم آيديولوجيته على الإسلام السياسي، و«العثمانية الجديدة». زعيمه الفعلي الرئيس رجب طيب إردوغان، وهو أحد مؤسسيه مع زميلة عبد الله غُل، ورئيسه التنظيمي بن علي يلدريم، رئيس الوزراء الحالي. ورث عملياً عدة أحزاب إسلامية التوجّه أبرزها «حزب الرفاه»، كان وراء جاذبيتها ونفوذها الزعيم السياسي الإسلامي ورئيس الوزراء السابق نجم الدين إربكان.
لدى الحزب حالياً 317 مقعداً من أصل مقاعد البرلمان البالغ عددها 550 مقعداً. أكثر من هذا، يسيطر هذا الحزب اليوم على 800 مجلس بلدي في تركيا (من أصل 1351 مجلساً)، و18 مجلساً من مجالس التجمّعات الحضرية الكبرى الـ30.
> حزب الشعب الجمهوري (يسار الوسط – علماني):
حزب مصطفى كمال «أتاتورك»، وخلفه عصمت إينونو، ثاني رؤساء الجمهورية التركية، الذي قاده بين 1938 و1972. أقدم الأحزاب التركية (أُسس أصلاً عام 1919) وأكبر أحزاب يسار الوسط. برز من قادته رئيس الوزراء الأسبق بولنت (بلند) أجاويد، وإردال إينونو، ودينيز بايكال، أما زعيمه الحالي فهو كمال كليتشدار أوغلو.
لدى الحزب حالياً 133 مقعداً في البرلمان من أصل 550، ويسيطر على 226 مجلساً بلدياً، و6 من المجالس الحضرية الكبرى الـ30.
> حزب الشعوب الديمقراطي (يسار – أقليات عرقية ودينية):
حزب يساري يمثل قوى عدة أبرزها الأقليات العرقية والدينية، على رأسها الأكراد، وكذلك الجماعات النسوية والراديكالية، وهو عضو استشاري في «الدولية الاشتراكية».
جُلّ تأييد هذا الحزب يأتي من المناطق الكردية في جنوب شرقي البلاد، وزعيمه صلاح الدين دميرتاش (الموقوف حالياً).
يحتل نواب الحزب 59 مقعداً في مجلس النواب، ويسيطرون على 97 مجلساً بلدياً، ومجلسين حضريين كبيرين.
> حزب «الحركة القومية» (يمين قومي - متشدد):
حزب قومي تركي – طوراني، يميني متشدد، أسسه الضابط السابق ألب أرسلان توركيش عام 1969. يرأسه حالياً دولت بهشلي الذي خلف توركيش بعد وفاة الأخير عام 1997.
اتُّهمت الميليشيات المرتبطة في أيام مؤسسه باستهداف المثقفين والحركيين اليساريين، وكان من أشهر هذه الميليشيات الموصومة بالفاشية «الذئاب الرمادية». وحالياً يتمثل حزب «الحركة القومية» في البرلمان بـ39 مقعداً، كما أنه يسيطر على 166 مجلساً بلدياً و3 مجالس حضرية كبرى.



الانتخابات الإسرائيلية... سيناريوهاتها وتبعاتها

نتنياهو (غيتي)
نتنياهو (غيتي)
TT

الانتخابات الإسرائيلية... سيناريوهاتها وتبعاتها

نتنياهو (غيتي)
نتنياهو (غيتي)

تلقى منصور عباس مساء الخميس اتصالاً من أحد المقربين من رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، محاولاً جس نبضه إن كان مستعداً لترك معسكر غادي آيزنكوت والانضمام إليه في الجهود لتشكيل حكومة وحدة وطنية، وما الثمن الذي يطلبه لقاء ذلك. وحدّد رسول نتنياهو السؤال أكثر: «هل سترغب في الانضمام للحكومة وتحظى بمنصب وزير أو ستكتفي بالدعم من الخارج مقابل ميزانيات ومطالب مدنية محددة؟». مَن يقرأ هذه الكلمات يستصعب تصديقها؛ لأن هذا الاتصال جاء في وقت كانت فيه إسرائيل تغلي كالمرجل بسبب الحملة التي شنها نتنياهو على الأحزاب العربية لتجريدها من شرعيتها، ولتخويف آيزنكوت من التفكير في تشكيل حكومة بمساندتها. لقد كانت وسائل الإعلام غارقة في متابعة «قطر غيت» ثانية؛ إذ أعلن «الشاباك» أنه «يحقق في معلومات عن تدخّل قطر ودول أخرى في الانتخابات الإسرائيلية عبر تمويل بعشرات ملايين الشواقل»، لكن تبين أن القصة غير جادة ولم تؤثر على نتائج الانتخابات. وكانت مشغولة أيضاً في اتهامات حول تزوير الانتخابات لدى العرب، وهذا أيضاً لم يثبت. ولجنة الانتخابات أكدت أنه لا يوجد شك في نزاهة الانتخابات لدى العرب. لكن نتنياهو نجح في إثارة عاصفة مخيفة.

كان واضحاً أن بنيامين نتنياهو ليس مهتماً حقاً بالدعم الخارجي للأحزاب العربية ولا أي أحزاب؛ فجميع الأحزاب الإسرائيلية تحصل على دعم خارجي، وهو نفسه يتباهى بالدعم الخارجي الذي يحصل عليه معنوياً ومالياً من عدة جهات في اليمين الأميركي، ويعرف أن الدعم الذي حصل عليه من الرئيس دونالد ترمب لا يقدّر بثمن. لكن القضية هي أن نتنياهو يقرأ جيداً نتائج الانتخابات ويدرك أنه خسرها.

صحيح أنه حقق نتائج أفضل مما كان متوقعاً؛ فالاستطلاعات كانت تشير إلى أنه سيخسر ربع قوته، لكنه وفق النتائج النهائية وشبه الرسمية، التي أعلنتها لجنة الانتخابات، خسر خُمس قوته، ولن يكون بمقدوره العودة إلى الحكم بحكومة يمين كامل.

وهذه النتائج تشير بوضوح إلى أن الجمهور الإسرائيلي يريد بغالبيته تغيير هذه الحكومة؛ إذ منح أكثرية 67 مقعداً من مجموع 120 مقعداً للمعسكر المناوئ بقيادة غادي آيزنكوت.

جبارين (الأناضول)

النتائج التفصيلية

بعد فرز 100 بالمائة من مجمل أصوات انتخابات الكنيست، بما يشمل المغلفات المزدوجة، أعلنت لجنة الانتخابات المركزية النتائج شبه الرسمية (النتائج الرسمية تسلّم لرئيس الدولة يوم الأربعاء المقبل)، ويتّضح منها أن معسكر نتنياهو استقر عند 53 مقعداً، في حين استقر معسكر أحزاب المعارضة الصهيونية عند 48 مقعداً، بالإضافة إلى 19 مقعداً للقائمتين العربيتين («المشتركة» بـ11 مقعداً، و«الموحّدة» بـ8 مقاعد).

من جهة ثانية، تبين أن أصوات الجنود والمرضى في المستشفيات أحدثت تغييرات طفيفة داخل المعسكرات؛ فبسببها خسرت «القائمة العربية المشتركة» مقعداً واحداً ربحته «القائمة العربية الموحّدة»، وخسر حزب «شاس» الحريدي الشرقي مقعداً ربحه «الليكود». وبناء عليه، ستتوزّع المقاعد كما يلي: «الليكود» بقيادة نتنياهو 27 مقعداً (1.16 مليون صوت)، و«يشار» بقيادة آيزنكوت 21 مقعداً (910 آلاف صوت)، و«بياحد» بقيادة نفتالي بينيت ويائير لبيد 12 مقعداً (529 ألفاً)، و«القائمة المشتركة» بقيادة يوسف جبارين وأحمد الطيبي وسامي أبو شحادة 11 مقعداً (499 ألفاً)، و«الديمقراطيون» بقيادة يائير غولان 8 مقاعد (458 ألفاً)، و«القائمة الموحّدة» بقيادة منصور عباس 8 مقاعد (336 ألفاً)، و«يسرائيل بيتينو» بقيادة أفيغدور ليبرمان 7 مقاعد (322 ألفاً)، و«يهدوت هتوراه» للحريديم الأشكناز 7 مقاعد (311 ألفاً)، و«عوتسما يهوديت» بقيادة إيتمار بن غفير 7 مقاعد (325 ألفاً)، و«شاس» بقيادة أرييه درعي 6 مقاعد (298 ألفاً)، و«الصهيونية الدينية» بقيادة بتسلئيل سموتريتش 6 مقاعد (288 ألف صوت).

بحسب لجنة الانتخابات، بلغت نسبة التصويت 77.7 بالمائة؛ إذ كان عدد المقترعين 5.697.290 مقترعاً (من مجموع 7.3 مليون صاحب حق اقتراع)، وعدد صناديق الاقتراع 12.884 صندوقاً. وقد أُلغي 25 ألفاً و756 صوتاً، وبقي 5.671.534 صوتاً صحيحاً.

وفي قراءة أولية لهذه النتائج، يتضح أن حزب نتنياهو زاد عدد أصواته من 1.11 مليون صوت عام 2022 إلى 1.16 ألف؛ أي بزيادة 48 ألف صوت جديد. لكن عدد المقاعد التي حصل عليها في الانتخابات السابقة بلغ 32 مقعداً (لا تشمل 4 مقاعد جلبها إليه جدعون ساعر عندما انشق عن بيني غانتس)، وهبط في هذه الانتخابات إلى 27 مقعداً. والسبب في هذا الهبوط يعود إلى الارتفاع الكبير في نسبة التصويت. وحصل هذا الارتفاع بسبب التجنيد الكبير للقوى التي قرّرت إسقاط نتنياهو، وفي مقدمتهم العرب، الذين ارتفعت نسبة التصويت لديهم من 53 بالمائة في 2022 إلى 80 بالمائة هذه المرة.

الجمهور أعطى رسالة لقادته وللعالم أن جرح «7 أكتوبر» عميق.. ونتنياهو ليس المفضّل لكنه يتمتع بجوانب يتمسكون بها

حصة نتنياهو

عملياً، كانت خسارة نتنياهو كبيرة على صعيد الحصص في معسكره (من 68 إلى 53 مقعداً). وأيضاً تراجع حزب «شاس» من 11 مقعداً إلى 6 مقاعد، ما يعد انهياراً؛ فهذا الحزب، الذي استقطب سابقاً معظم أصوات اليهود الشرقيين، ووصل إلى 17 مقعداً، يعاني اليوم من أزمة ثقة مع القيادة. وهو حزب فقر وفقراء، يعمل في مدارسه عشرات الألوف، لكن لا توجد مراقبة على حساباته. وجمهوره يتهم القيادات بالفساد (يحصل هذا الحزب مع حزب الحريديم الأشكناز على 11 مليار شيقل)؛ لأن المواطنين، بمن فيهم أعضاء الحزب، لا يشعرون بهذه الأموال.

الجناحان المتطرفان للمستوطنين خسرا أيضاً بعض قوتَيهما؛ إذ حصلا معاً على 14 مقعداً في الانتخابات السابقة، وهبطا حالياً إلى 13 (سموتريتش هبط من 8 إلى 6 مقاعد، وبن غفير ارتفع من 6 إلى 7 مقاعد، مع العلم أن الاستطلاعات كانت تمنح بن غفير 9 و10 مقاعد قبل شهرين).

وتتهم أحزاب اليمين نتنياهو بإدارة حملة منظّمة في الأسبوع الأخير من المعركة الانتخابية هدفها أن يصبح أكبر حزب، ولهذا الغرض «شفط» منها عشرات ألوف الأصوات وتسبب في تقليص قوتها.

معسكر آيزنكوت

في المقابل، تمكن آيزنكوت من إقناع الجمهور، ولو جزئياً، بأنه أفضل مَن يهزم نتنياهو. ومع أن حزبه يبلغ من العمر 13 شهراً فقط، وهو شخصياً يفتقر للكاريزما المطلوبة للشارع الإسرائيلي، تمكن من اقتحام معاقل «الليكود» وبعض قلاع الأحزاب الدينية، وحصل على 21 مقعداً، ورسّخ مكانته كأكبر أحزاب المعارضة، رغم أن حلفاءه في المعسكر (نفتالي بينيت ويائير لبيد وأفيغدور ليبرمان) رفضوا قبوله رئيساً للمعسكر، ومنعوه من الظهور كمرشح عنه لرئاسة الحكومة. وحتى بعد ظهور النتائج شبه الرسمية لا يعلن هؤلاء أنهم سيوصون رئيس الدولة بتكليفه بتشكيل الحكومة. وسيضطر إلى إدارة مفاوضات معهم في الموضوع.

وأما حزب «بياحد»، الذي كان يتمثل بـ24 مقعداً، فقد هبط إلى 12 مقعداً فقط، مع أن الاستطلاعات منحته 14 مقعداً في الأسبوع الأخير. في حين حصل ليبرمان على 7 مقاعد (كان لديه 6 مقاعد)، بعدما حصل في الشهور الأخيرة على 12 مقعداً في الاستطلاعات.

آيزنكوت (أ.ف.ب)

مفاجأة الانتخابات

في المقابل، كان العرب مفاجأة الانتخابات، أكان ذلك بنسبة التصويت (التي بلغت 80 بالمائة)، أم عدد المقاعد (إذ قفزوا من 10 مقاعد إلى 19 مقعداً). وهكذا ساهموا بقوة في إسقاط حكومة نتنياهو، والرد على محاولات القمع والكبت والتهميش والعنصرية، وأظهروا حضوراً لافتاً في الساحة السياسية.

وأيضاً، بخوضهم المعركة الانتخابية بقائمتين؛ «المشتركة» (التي تضم ثلاثة أحزاب)، و«الموحّدة» (التي تضم «الحركة الإسلامية» التي تحالفت مع ضابط شرطة كبير سابق)، تمكنوا من تجنّب إضاعة أي صوت. وحقاً، أوصلوا رسالة مجلجلة للمجتمع اليهودي بأنهم يواجهون بلا خوف الخطاب العنصري ضدهم، مؤكدين أنهم لا يضعون شروطاً قاسية على آيزنكوت.

من جهة ثانية، لم يُعرف بعد كيف رد منصور عباس على مقترح نتنياهو، لكنه اجتمع مع يائير غولان وتحدث إلى لبيد ومقربين من آيزنكوت. وأكد التزامه بالخطوات المقررة لإقالة رئيس الكنيست. فإذا تمكن من عقد لقاء مع نتنياهو أو مقرب منه، وكُشف الأمر للإعلام، سيساعد آيزنكوت على تشكيل حكومة تستند إلى العرب (قسم من داخل الحكومة وقسم من خارجها).

وما يُذكر هنا أن حزب «الديمقراطيين» - مع أنه حصل على 8 مقاعد فقط - خرج بقوة إلى العمل، واجتمع مع لبيد وعباس في محاولة للتقدّم نحو تشكيل حكومة أقلية، تضم «القائمة العربية الموحّدة». ويقول: «نحن مع (القائمة الموحّدة) 55 نائباً، مقابل معسكر نتنياهو المؤلف من 53 نائباً. ولدينا احتياطي ممثل في (القائمة المشتركة)، بـ11 نائباً؛ أي إنها تقف جسماً مانعاً أمام أي محاولة لنتنياهو لإسقاط الحكومة».

وهكذا، باختصار، أظهرت نتائج الانتخابات ما يلي:

أولاً: فشل الاستطلاعات.

ثانياً: فشل نتنياهو؛ إذ خسر خُمس قوة معسكره اليميني المتطرف، وليس بمقدوره العودة لتشكيل حكومة يمين خالص.

ثالثاً: ما زالت إسرائيل تعاني من أزمة قيادة؛ إذ لا وجود لزعيم «كاريزمي» يستطيع جرف الجمهور إلى جانبه، مثل بن غوريون أو مناحيم بيغن أو أرئيل شارون، أو حتى إيهود باراك.

رابعاً: ينتظر الجمهور اليميني اليوم أن ينجح نتنياهو في حملته ضد العرب ليمنع آيزنكوت من تشكيل حكومة معهم. وفي المقابل، ينتظر جمهور اليمين الوسط والليبراليون أن يشد آيزنكوت أزره ويشكّل حكومة مستقرة؛ إذ يوجد لديه الآن 67 نائباً مستعدون لتتويجه رئيس حكومة.


رابين وأولمرت ونتنياهو والعرب

إسحاق رابين رئيس وزراء إسرائيل الأسبق الذي اغتيل على يد متطرف يهودي (أ.ب)
إسحاق رابين رئيس وزراء إسرائيل الأسبق الذي اغتيل على يد متطرف يهودي (أ.ب)
TT

رابين وأولمرت ونتنياهو والعرب

إسحاق رابين رئيس وزراء إسرائيل الأسبق الذي اغتيل على يد متطرف يهودي (أ.ب)
إسحاق رابين رئيس وزراء إسرائيل الأسبق الذي اغتيل على يد متطرف يهودي (أ.ب)

لقد فرضت نتائج الانتخابات الإسرائيلية على المجتمع اليهودي وأحزابه وقادته أن ينظروا إلى أنفسهم بالمرآة، فيما يتعلق بموقفهم من العرب. ففي السنوات الأولى لقيام الدولة العبرية، جرت عدة مداولات، كشف عنها النقاب بعد عدة عقود، موضوعها هل بقاء عرب في إسرائيل كان صحيحاً أم خطأ فاحشاً؟ كان هناك من قرر أنه خطأ جسيم. كما وضعت عدة خطط لترحيلهم، من بينها ارتكاب مجزرة كفر قاسم عام 1956.

وعام 1973، كشف الجنرال أهارون يريف، الرئيس الأسبق لشعبة الاستخبارات العسكرية، عن مخطط لدى الجيش الإسرائيلي لترحيل 600 – 700 فلسطيني من الضفة الغربية ومن الجليل في أول حرب تواجه إسرائيل.

لكن عام 1993، عندما احتاج إسحاق رابين إلى العرب لحماية حكومته من السقوط، تحالف مع الحزبين العربيين («الجبهة» بقيادة توفيق زياد و«الحزب الديمقراطي العربي» بقيادة عبد الوهاب دراوشة) اللذين تحوّلا إلى جسم مانع في وجه اليمين، ودعماه من خارج الحكومة.

في حينه أيضاً، تعرض رابين إلى هجمة شبيهة بالهجمة التي يواجهها آيزنكوت اليوم لاستناده إلى العرب. وفي تلك الفترة أيضاً، قاد الهجمة العنصرية نتنياهو نفسه. لكن رابين واجه تلك الهجمة بقوة، وقال: «عار ألا يتعامل اليهود مع العرب بمساواة... نحن اليهود عشنا تحت الظلم والتمييز والعنصرية مئات السنين في أوروبا. ولا يجوز لنا أن ننبذ العرب خارج الصفوف، ونتعامل معهم بعنصرية».

حتى نتنياهو، عندما احتاج إلى العرب لتثبيت حكومته عام 2015، تكلم عن العرب بطريقة مختلفة. واعتذر لهم على أنه تكلم يوم الانتخابات ضد تدفقهم إلى الصناديق. وبثّ شريط فيديو يقول فيه ما يلي: «مواطنينا العرب الأعزاء (بعدما قالها بالعبرية، أعادها بالعربية المكسّرة: مواتنونا العرب الأعزاء)، قبل أن يتم انتخابي قلت إن مواطنينا العرب تدفّقوا بجماهيرهم إلى صناديق الاقتراع. رغم أنني كنت أقصد حزباً سياسياً محدداً، فإن بعض المواطنين العرب شعروا أنني مسست بهم، وأفهم ذلك. اعتذرت عن الشكل الذي فهمت فيه أقوالي. أكثر من 20 في المائة من مواطنينا هم عرب. وأنتم وصلتم إلى إنجازات مذهلة. قضاة في المحكمة العليا وأعضاء كنيست. أدباء ذوو سمعة. أطباء وصيادلة ورجال أعمال وأصحاب شركات في الهايتك وعلماء. أنا أعتز بالدور الذي تقومون به لنجاح إسرائيل. وأريد أن يكبر دوركم أكثر. إن احترام الأقليات ليس الأمر الصحيح فقط، الذي يجب أن نقوم به، بل هو أمر حيوي لنا ولتقدمنا». وبعد هذا الموقف، صادقت حكومته على خطة لتطوير البلدات العربية بقيمة 5 مليارات شيكل (1.5 مليار دولار).

وعام 2021، عاد نتنياهو إلى تصريحات مشابهة، عندما تفاوض مع منصور عباس على التحالف ودعم حكومته، لكنه تراجع لأن حزب سموتريتش فرض «الفيتو» وهدّد بإسقاط الحكومة. فتوجّه عباس إلى بنيت ولبيد وأقام معهما تحالفاً. ويومها رفض عباس أن يكون جزءاً من الحكومة، لكنه كان جزءاً من الائتلاف البرلماني (في الكنيست). ولم تطل هذه التجربة، إذ تمكن نتنياهو من إسقاط الحكومة بعد 1.5 سنة، لكنها اعتبرت تجربة بالغة الأهمية. ويحاول عباس اليوم تكرارها.

كثيرون من أنصار السلام في إسرائيل يعيدون هذه الأيام نشر الفيديوهات الإيجابية التي تظهر تصريحات رابين ونتنياهو المذكورة أعلاه، لغرض تشجيع آيزنكوت على مواصلة هذا التوجه السليم. وفي هذه الأثناء، أجري استطلاع رأي، الخميس، قال فيه 59 في المائة من ناخبي معسكر آيزنكوت إنهم يؤيدون تشكيل حكومة مع العرب.

بالتالي، القضية اليوم المطروحة بعد نشر نتائج الانتخابات هي؛ هل سيتغلب آيزنكوت على حملة نتنياهو العنصرية، ويثبت أنه قائد قوي وجريء، ويقيم التحالف الذي يضمن له احترام إرادة الناخب وإسقاط حكم نتنياهو.

صحيح أن الجمهور أعطى رسالة لقادته وللعالم أن جرح «7 أكتوبر» عميق ويهيمن على كل زاوية ويغرقهم في كراهية جنونية للعرب، وصحيح أيضاً أن الجمهور لم يعد يرى في نتنياهو القائد المفضل، لكن نتنياهو يتمتع بجوانب قوة يتمسكون بها، ولا يجدونها بعد لدى آيزنكوت وغيره من الجنرالات الذين اهتزت بهم ثقة الناس.


السيناتورة إليسا سلوتكين... هل تستطيع جمع الديمقراطيين الأميركيين رغم خلافاتهم؟

السيناتورة  إليسا سلوتكين... هل تستطيع جمع الديمقراطيين الأميركيين رغم خلافاتهم؟
TT

السيناتورة إليسا سلوتكين... هل تستطيع جمع الديمقراطيين الأميركيين رغم خلافاتهم؟

السيناتورة  إليسا سلوتكين... هل تستطيع جمع الديمقراطيين الأميركيين رغم خلافاتهم؟

في الثالث من أكتوبر (تشرين الأول) وقفت إليسا سلوتكين إلى جانب المرشح الديمقراطي لمجلس الشيوخ عبدول (عبد الرحمن) السيد، في لقاء انتخابي بمدينة وارن بولاية ميشيغان. في هذا اللقاء بالمدينة - بضواحي مدينة ديترويت - كانت السيناتورة اليهودية ذات الخلفية الاستخباراتية والمواقف الوسطية، تدعم مرشحاً مسلماً تقدمياً تختلف معه في قضايا خارجية، وتتحفظ عليه شخصيات يهودية بسبب مواقفه من إسرائيل. بالنسبة إليها، كان المشهد فرصة لإثبات إمكانية العمل المشترك رغم الخلاف. وبالنسبة إلى حزبها، كان اختباراً لقدرة مكوّناته على البقاء معاً عشية انتخابات قد تعيد توزيع السلطة في واشنطن. ومع أن سلوتكين لا تخوض انتخابات تجديد مقعدها الثلاثاء المقبل، لكن موقعها السياسي يخضع لاختبار من نوع آخر.

السيناتورة إليسا سلوتكين، التي فازت عام 2024 في ولاية ميشيغان بشمال الولايات المتحدة التي اختارت يومذاك دونالد ترمب للرئاسة، تحاول اليوم المساهمة في إنقاذ الائتلاف الذي حملها إلى واشنطن. وهي بين خبرتها الأمنية، وهويّتها اليهودية، وعلاقتها بناخبين عرب ومسلمين، وطموحها الوطني المحتمل، تتشكّل شخصية استثنائية قد يصبح تأثيرها أكبر من عمر تجربتها القصيرة في مجلس الشيوخ.

جذور ومسارات

ولدت إليسا سلوتكين في مدينة نيويورك يوم 10 يوليو (تموز) 1976، ونشأت في ميشيغان حيث ارتبط تاريخ عائلتها بمزرعة في بلدة هولي وبشركة «هايغريد فودز» لتعليب اللحوم. ومن أشهر منتجات الشركة نقانق «بول بارك» التي ارتبطت بمدرّجات ملعب الـ«تايغر» التابع لنادي ديترويت تايغرز لكرة القاعدة (البيسبول) في مدينة ديترويت.

هذه تفاصيل تستحضرها سلوتكين في موقعها الرسمي عن سيرتها، لربط سيرة العائلة بتاريخ الولاية الصناعي وحياتها اليومية، بعيداً عن الصورة المجرّدة لموظفة أمن قومي سابقة آتية من واشنطن.

درست السيناتورة المستقبلية في جامعتين من أرقى جامعات أميركا، فحازت بكالوريوس في علم الاجتماع الريفي من جامعة كورنيل، ثم ماجستير العلاقات الدولية من جامعة كولومبيا عام 2003.

وبين الاختصاصين مسافة تبدو حاضرة في خطابها. اهتمام بالمجتمعات المحلية ومصادر عيشها، وانشغال بموقع الولايات المتحدة وأخطار العالم. لكنها لم تدخل السياسة الانتخابية مباشرة بعد تخرّجها من الجامعة، بل أمضت سنوات في مؤسسات اعتاد أن يعمل موظفوها بعيداً عن الجمهور.

بحسب روايتها، وقعت هجمات 11 سبتمبر (أيلول) خلال أسبوعها الأول في نيويورك لبدء الدراسات العليا، فدفعتها إلى اختيار العمل الأمني. وبالفعل، التحقت بوكالة الاستخبارات المركزية (السي آي إيه) محللة لشؤون الشرق الأوسط، ثم أرسلت إلى بغداد في أولى 3 مهمات بالعراق.

لم تكن يومذاك عسكرية، بل عملت إلى جانب القوات والدبلوماسيين الأميركيين، في بيئة تداخلت فيها المعلومات الاستخباراتية بالمواجهات المسلحة وصراعات النفوذ.

ومن العراق، انتقلت إلى وظائف في مجلس الأمن القومي ووزارة الخارجية و«البنتاغون» (وزارة الحرب)، وخدمت في إدارتي جورج بوش الابن وباراك أوباما. ووصلت إلى منصب مساعد وزير الدفاع بالإنابة لشؤون الأمن الدولي.

هذه الخبرة منحت سلوتكين مادة سياسية مميّزة، وبالفعل قدّمت نفسها كموظفة خدمت الدولة تحت رئيسين من حزبين مختلفين، قبل أن تغدو ممثّلة منتخبة لأحدهما. لكنها أيضاً ارتبطت بمؤسّسة أمنية تواجه أسئلة متراكمة عن نتائج الحروب الأميركية وحدودها.

الأم والسياسةإذا كان العراق قد صاغ خبرة إليسا سلوتكين المهنية، فإن مرض والدتها شكّل العامل الشخصي الذي دفعها لدخول السياسة، بحسب روايتها. إذ شُخصت إصابة والدتها بسرطان المبيض في مرحلة متقدمة عام 2009، عندما كانت بلا تأمين صحي، وبعدما جعل تاريخ الإصابة بسرطان الثدي تكلفة التغطية المالية للعلاج مرهقة. وهنا تروي سلوتكين أن الأسرة كانت تبحث عن علاج ينقذ حياة الأم، وتملأ في الوقت نفسه أوراق إشهار إفلاسها.

توفيت والدتها عام 2011، لكن التجربة بقيت أساساً لموقفها من حماية المصابين بأمراض مُزمنة وخفض أسعار الأدوية. وحين حاول الجمهوريون إلغاء الحماية التي أتاحها «قانون الرعاية الصحية»، قرّرت خوض الانتخابات عن الديمقراطيين. وهكذا وجدت مسؤولة الأمن السابقة مدخلها إلى الناخبين في مسألة شخصية يمكن لملايين العائلات فهمها.

عضو مجلس النواب

عام 2018، انتخبت سلوتكين نائبة في مجلس النواب عن ميشيغان بعدما انتزعت مقعداً للجمهوريين، وكرّرت الفوز في عامي 2020 و2022. ثم انتقلت إلى المنافسة على مقعد السيناتورة الديمقراطية المتقاعدة ديبي ستابيناو عام 2024.

يومذاك، لم يكن انتصارها كاسحاً، إذ حصلت على نحو 2.713 مليون صوت متقدّمة بـ19 ألف صوت فقط على الجمهوري مايك روجرز، الذي ينافس اليوم عبدول السيد. بيد أن لهذا الهامش معنى يتجاوز الحساب الانتخابي. فهو يمنحها حجة بأنها تستطيع الفوز في بيئة لا تضمن نجاح الديمقراطيين، لكنه يذكّرها بأن أي خسارة محدودة بين المستقلين أو العمال أو الأقليات قد تقلب النتيجة. في تلك المعركة، ركّزت سلوتكين حملتها على تكاليف المعيشة والأدوية والتعليم، ودافعت عن حقوق الإجهاض، وحصلت على تأييد نقابة عمال السيارات، أي أن خبرتها الخارجية لم تغنها عن بناء صدقية في الشؤون المعيشية. ومن هذه التجربة تستمد اليوم اعتراضها على اختزال السياسة بالتصنيفات الآيديولوجية. فهي ترى أن الناخب الذي يقلقه التأمين الصحي أو استقرار عمله لا يبدأ بالضرورة من السؤال عما إذا كان المرشح وسطياً أو تقدمياً، بل ممّا يستطيع تقديمه.

ائتلاف يهودي - مسلم... تحت الضغط

تجسّد ولاية ميشيغان راهناً الصعوبة التي تواجه هذا المنطق حين تتداخل السياسة الخارجية بالهوية والتجارب العائلية. فالحضور العربي والمسلم واليهودي يضع الحرب في غزة والعلاقة مع إسرائيل في قلب النقاش المحلي، إلى جانب الوظائف والأسعار والسكن. ومن ثم، لا تستطيع سلوتكين التعامل مع هذه القضايا وكأنها ملفات بعيدة تخصّ لجان الكونغرس وحدها.

لكنها بالمقابل ترفض تصوير الجماعات الانتخابية ككتل متجانسة. وفي ظهورها مع السيد، شدّدت على اختلاف أولويات الناخبين اليهود، كما تختلف أولويات المسلمين والسود. ونقل موقع «جويش إنسايدر» عنها رغبتها في تقديم نموذج لامرأة يهودية ورجل مسلم يستطيعان النقاش والعمل معاً. وجاء موقفها هذا بينما تنتقد شخصيات يهودية ديمقراطية السيد، وبعضها يلوّح بحجب التأييد عنه أو دعم منافسه الجمهوري.

لا يعني هذا أن سلوتكين تبنّت برنامجه. ووفق صحيفة «شيكاغو ماروون» أوضحت في نقاش بجامعة شيكاغو هذا الشهر، أنها لم تؤيده في الانتخابات التمهيدية، وأن خلافاتهما مستمرة وبخاصة في السياسة الخارجية. لكنها ترى أرضية مشتركة في حماية الديمقراطية والأمن الاقتصادي، بحسب قولها. ومن هنا تحاول صياغة انقسام بديل داخل الحزب، بين الاستعداد للمواجهة والانسحاب منها، بدلاً من الفصل التقليدي بين المعتدلين والتقدميين.

مع ذلك، يرى البعض أن هذا الاختيار ينطوي على أخطار. فتأييد مرشح مختلف عنها قد يساعد على توحيد الحزب، لكنه قد يضعف صورتها لدى بعض من اختاروها بسبب اعتدالها. وفي المقابل، فإن الابتعاد عنه كان سيجعل خطاب الوحدة أقل اقناعاً لدى التقدميين والناخبين الذين يريدون تغييراً في سياسة إسرائيل. والاختبار هنا ليس لقدرتها على إرضاء الجميع، بل على إقناع المختلفين بأن التعاون لا يستلزم تنازلهم عن جميع مواقفهم. ومن ثمّ، إذا أرادت قيادة وطنية، فهذه مهارة تحتاج إليها في حزب يصعب على أي جناح فيه الفوز منفرداً.

إسرائيل بلا تفويض

تظهر محاولة سلوتكين الموازنة في مواقفها بوضوح في تصويتها يوم 15 أبريل (نيسان) الماضي، لمنع نقل قنابل هجومية تزن ألف رطل وجرّافات عسكرية إلى إسرائيل، مع تأكيد استمرار دعمها أنظمة الدفاع، بينها «القبة الحديدية». وقالت إنها ستراجع الأسلحة الهجومية المموّلة أميركياً، كل حالة على حدة.

بذا وضعت السيناتورة فصلاً عملياً بين حماية إسرائيل وتأييد كل ما تطلبه حكومتها. وفي تفسيرها موقفها، أكدت تمسكها بـ«إسرائيل يهودية ديمقراطية»، لكنها رفضت مساواة تأييدها بالموافقة على أجندة رئيس وزرائها بنيامين نتنياهو. وربطت موقفها بحق الأميركي في دعمها وانتقاد قيادتها. وأيضاً، استحضرت خبرتها في العراق لتشدّد على معارضتها النظام الإيراني وحلفائه، بالتزامن مع رفض حرب ترى أن «ترمب بدأها بلا تهديد وشيك مثبت أو أهداف واضحة» أو موافقة الكونغرس.

تتيح هذه الصيغة تصوّر أن تلعب سلوتكين دوراً في محاولة إعادة بناء العلاقة بين الديمقراطيين وإسرائيل. لكن لا توجد أدلة تتيح تقديمها بوصفها صاحبة خطة معلنة للعمل مع جماعات الضغط المحسوبة على اللوبي اليهودي لاستعادة الدعم غير المشروط لإسرائيل. فموقفها الموثّق أقرب إلى «إعادة تعريف التأييد» بحيث يتّسع للقيود والمحاسبة. هذا قد يجعلها محاورة مفيدة لبعض المنظمات والناخبين المؤيدين لإسرائيل، وموضع خلاف مع آخرين. في المقابل، هويّتها اليهودية لا تضمن قبول حجتها، مثلما لا يضمن تصويتها ضد أسلحة هجومية استعادة ثقة العرب والمسلمين. فعليها إقناع الطرفين بأن معاييرها ثابتة، وليست استجابة متغيرة لضغط الانتخابات.

وهنا تضيف الانتخابات الإسرائيلية بعداً جدياً لهذا الاختبار. فالمعطيات حتى الآن لا توضح الطرف الذي يملك غالبية محسومة، ويظل احتمال استمرار بنيامين نتنياهو مطروحاً ضمن مفاوضات الائتلاف. وإذا بقي، فقد يزداد الضغط على سلوتكين لإثبات أن الفصل بين إسرائيل وحكومتها يترجم إلى قرارات، لا لغة مريحة سياسياً فقط.

للعلم، بدأ انتقال سلوتكين إلى الجمهور الوطني مبكراً بعد دخولها مجلس الشيوخ، إذ اختارها الديمقراطيون في مارس (آذار) 2025 للرد على خطاب ترمب أمام الكونغرس. وأدلت بخطاب يستدعي قيماً مشتركة ويتوجّه إلى «الوسط» السياسي، بدليل أنها استعانت بإرث الرئيس الجمهوري الراحل رونالد ريغان لانتقاد مقاربة ترمب للعلاقات الدولية.

لكن نبرتها الأكثر مواجهة اليوم لا تعني تخلّيها عن الأولويات الاقتصادية. فقد طرحت خلال مشاركتها في مناقشات شيكاغو تسريع بناء المساكن والتأمين الصحي العام، منتقدة تقصير الديمقراطيين في مخاطبة مخاوف الأسر خلال انتخابات 2024. وهي بذا تحاول توسيع صورتها من «خبيرة أمن قومي» إلى «سياسية» ترى أن هشاشة الطبقة الوسطى تمسّ استقرار البلاد نفسه. وفي مسألة الإدارة، تدعو سلوتكين إلى تحقيقات محدّدة تستطيع كشف المسؤوليات مع تشريعات تمنع تكرار التجاوزات. وتتحفّظ عن التعويل على تكرار محاولات عزل الرئيس الشكلية من دون أصوات كافية لإدانته في مجلس الشيوخ. وهنا يظهر منطق عملها: «مواجهة أشد لكن بأهداف قابلة للتحقق لا مجرد رفع سقف الوعود».

من ناحية أخرى، أقرت سلوتكين بأنها تفكر في الترشح للرئاسة، من دون إعلان قرار، كما زارت ولاية نيفادا أخيراً وسط تكهنات بطموحها لعام 2028 بحسب موقع «أكسيوس».

ومع ذلك، فالفوز في ميشيغان لا يضمن اجتياز انتخابات تمهيدية وطنية، حيث تحتاج إلى شبكة تنظيمية وتمويل وتعريف أوسع بنفسها، وتواجه منافسين أقوى وأكثر شهرة.

وعشية الانتخابات النصفية، تبدو إليسا سلوتكين أمام اختبار يسبق إعلان أي طموح رئاسي: هل تستطيع مساعدة حزبها على الفوز من دون إخفاء خلافاته وأزماته، ومخاطبة ناخبين لا يثق بعضهم ببعض؟