ريجيس... مهاجر مهد الطريق أمام اللاعبين السود في الملاعب الإنجليزية

ريجيس... مهاجر مهد الطريق أمام اللاعبين السود في الملاعب الإنجليزية

رحل بعد أن تحمل إساءات بالغة بسبب لون بشرته... وسعى دوماً لجعل هذا العالم مكاناً أفضل
الجمعة - 1 جمادى الأولى 1439 هـ - 19 يناير 2018 مـ رقم العدد [ 14297]
لندن: ريتشارد ويليامز
بصفته لاعباً؛ استغل سيريل ريجيس قوته وقدرته على الانطلاق عبر خطوط الدفاع. وبصفته رجلاً، احتمل ريجيس إساءات لا قبل لإنسان بها من أجل أن يمهد الطريق أمام آخرين.

كانت الشمس تتلألأ فوق الملعب الخاص بديربي كاونتي «بيسبول غراوند»؛ الأمر الذي لم يكن يحدث كثيراً داخل ملعب كان يتحول خلال الأيام الأولى من الشتاء إلى بركة من المياه والرمال والوحل... إلا أنه في مساء أحد أيام السبت نهاية سبعينات القرن الماضي - لا تهم التفاصيل الدقيقة، بما في ذلك النتيجة - بدا أن الطقس يفرد ذراعيه مرحباً بالزائرين، فريق ويست بروميتش ألبيون بقيادة المدرب رون أتكنسون.

في اليوم ذاته، خرج إلى الملعب المهاجم سيريل ريجيس والجناح الأيسر لوري كننغهام والمهاجم بريندون باتسون والمهاجم الأسكوتلندي ألي براون ولاعب خط الوسط لين كانتيلو وباقي أفراد الفريق. وكانوا يرتدون زيهم البديل لتجنب الخلط بينهم وبين زي لاعبي «ديربي كاونتي» بلونيه الأبيض والأسود. وتميزت قمصانهم بخطوط كبيرة رأسية من اللونين الأصفر والأخضر البراق. وبدا زيهم شبيهاً بزي المنتخب البرازيلي. وبالفعل، جاء أداؤهم في بعض الأحيان مشابهاً لأداء المنتخب البرازيلي.

أما ريجيس فكان من نوعية اللاعبين الجديرين بأن تقود سيارتك للسفر إلى مدينة أخرى كي تحظى بمتعة مشاهدته على أرض الملعب. وكذلك الحال مع كننغهام. وكان المرء حينها على يقين بأنه بغض النظر عن النتيجة النهائية، فإنه سيرى مباراة ستبقى عالقة بذاكرته لسنوات. وتجلت أهمية خطة أتكنسون التي اشتهرت باسم «الدرجات الثلاث» عبر مستويات عدة. وقد كانت هناك متعة كبرى في مشاهدة اللاعبين الثلاثة أصحاب البشرة السوداء ريجيس وكننغهام وبريندون على أرض الملعب. ومع أن مشاركتهم فتحت الباب أمام تعرضهم لإساءات عنصرية وصيحات استهجان من قبل بعض الجماهير، فإنهم شكلوا نماذج تحتذى ولا تقدر قيمتها بثمن أمام الأجيال التالية من لاعبي كرة القدم الناشئين من أصحاب البشرة السمراء.

وتجلى هذا الأمر بوضوح عندما نعت كرة القدم الإنجليزية، الاثنين الماضي، وفاة ريجيس غير المتوقعة بسبب أزمة قلبية في سن الـ59. وقد وصفه مهاجم آرسنال والمنتخب الإنجليزي السابق آندي كول بأنه «بطلي وقائدي والرجل الذي كان السبب وراء رغبتي في لعب كرة القدم». أما مهاجم كريستال بالاس السابق مارك برايت فوصفه بأنه «مصدر إلهام لي ولكثير من اللاعبين المنتمين إلى عصري؛ لقد أضاء الطريق أمام كل لاعب داكن البشرة تَبِعه».

كان ريجيس ثالث لاعب أسمر البشرة يمثل إنجلترا على مستوى الفريق الأول، بعد المدافع فيف آندرسون وكننغهام. إلا إن مشاركاته الدولية اقتصرت على 5 مباريات فقط بين عامي 1982 و1987. وفي كل مرة كان يتعرض إما للدفع بآخر محله بعد مشاركته في التشكيل الأساسي (مرتان) أو يشارك هو نفسه بديلا للاعب آخر (ثلاث مرات). في ذلك الوقت، بدا الأمر سخيفاً، ويبدو أسوأ اليوم. حتى أشد المعجبين بإميلي هسكي وروح الإيثار التي لطالما أظهرها داخل الملعب وأخلاقياته الرفيعة، لم يكن لينكر الغرابة الشديدة وراء حقيقة أن يشارك هسكي في 62 مباراة دولية مقارنة بخمسة لريجيس.

ولا شك في أن المناخ الثقافي العام لعب دوراً في أسلوب نظر بعض الجماهير في المدرجات إلى مسألة صعود اللاعبين داكني البشرة في وقت كانت فيه مشاعر التحامل العنصرية لا تزال أمراً شائعاً. وإذا كنت في سن مقاربة لسن ريجيس، فإن هذا يزيد من احتمالات أن تكون قد ترعرعت على موسيقى مارفين غاي وأريثا فرنكلين وأوتيس ريدينغ وجون كولترين وجيمي هندريكس. ولو كانت الحال كذلك، فإنه كان من السهل عليك إذن الترحيب بصعود اللاعبين أصحاب البشرة الداكنة على أمل أنهم ربما يضيفوا شيئاً جديداً وإيجابياً لكرة القدم الإنجليزية.

على أي حال، بيليه، الذي كان يعد في ذلك الوقت أعظم لاعب في تاريخ كرة القدم، أسمر البشرة. وكذلك كانت الحال مع لاعبين برازيليين عظام آخرين. وإذا كانت هناك احتمالية لأن تثمر الهجرة من دول الكومنولث إضافة بعد جديد إلى اللعبة مثلما اتضح في لاعب خط الوسط المدافع نوبي ستايلز والظهير بيتر ستوري وقلب الدفاع نورمان هنتر، فإن هذا الأمر بدا مدعاة للاحتفاء به.

ومع ذلك ورغم مرور 40 عاماً اليوم، فإننا نجد أنه لا يزال عدد قليل فقط من المدربين الإنجليز يثق في اللاعبين داكني البشرة والذين ينظرون إليهم على أنهم رياضيون يتمتعون بقوة البنية الجسمانية أكثر منهم لاعبي كرة قدم. ومال المدربون لتنحية تحفظاتهم تلك جانبا فقط فيما يخص لاعبي الأجنحة أمثال فنس هيلير ومارك تشامبرلين وجون بارنيز ومارك والترز وديفي بينيت وبول كانوفيل وفرانز كار وبالطبع المتألق كننغهام. واستغرق الأمر بعض الوقت قبل أن تبدأ النجاحات التي حققها المدافعون بول مكغراث وريمي موزيس وبول ديفيز وكريس وايت، في إقناع كثير من المدربين بأن اللاعبين أصحاب البشرة الداكنة وأصحاب الأصول العرقية المختلطة يملكون القدرة على الاضطلاع بالأدوار الدفاعية بكفاءة ويملكون الذكاء اللازم للسيطرة على زمام المباريات.

وبصفته لاعبا أسمر في مركز قلب الهجوم، بدا ريجيس ظاهرة نادرة على مستوى فرق الدوري الإنجليزي الممتاز. وكان قد سبقه إلى هذا الأمر كلايد بيست، مهاجم وستهام يونايتد، وكان من بين معاصريه المهاجم جاستن فاشانو ولوثر بليسيت. وتميز ريجيس بالحضور القوي داخل أرض الملعب على نحو يحاكي بيست، لكنه أبدى قدرا أكبر من المهارة في التعامل مع الكرة. وتميز ريجيس ببنيان قوي وبلغ طوله 6 أقدام، بجانب نشاطه المدهش داخل الأماكن الضيقة، وسرعته الشديدة وقدرته الكبيرة على تصويب الكرة، مما جعله أشبه بالبرازيلي غارزينيو أو الليبيري جورج ويا.

أما أهدافه، فكان كثير منها من النوعية التي تعلق بالذاكرة ويصعب نسيانها، أحياناً لأهميتها وأحياناً لمستوى المهارة الرفيع الكامن وراءها. من بين هذه الأهداف هدف الفوز الذي سجله بالرأس خلال مباراة أمام مانشستر يونايتد انتهت بنتيجة 3 - 2 في مباراة بالدور الرابع من بطولة كأس الاتحاد الإنجليزي موسم 1977 - 1978 الذي عكس قدرة فريدة من جانبه على التوقع والمثابرة. أما هدفه الخامس في مرمى مانشستر يونايتد خلال مباراة انتهت بالفوز على الأخير بنتيجة 5 - 3 على ملعب استاد «أولد ترافورد» في وقت لاحق من ذلك العام فحمل مسحة ساحرة. وبعد عامين، سجل هدفاً في مرمى نوريتش سيتي عُدّ هدف الموسم عندما تلقى كرة آتية من بعيد على صدره وحول اتجاهها وانطلق بها عبر صفوف عدد من المدافعين قبل أن يطلقها باتجاه مرمى الحارس كريس وودز من على بعد 30 ياردة.

هكذا سيتذكر الجميع ريجيس لاعبا كان يعتمد على قوته وإحكامه السيطرة على زمام الأمور ليخترق صفوف المدافعين قبل أن يطلق قذيفة صاروخية تستقر في شباك الخصم. أما رجلا فسوف يتذكره من عرفوه بصفته شخصية ساحرة ومتواضعة وكريمة وكان يسعى دوماً لجعل هذا العالم مكانا أفضل. لقد خرج ريجيس من خلفية متواضعة في نوتنغ هيل وستونبريدج بارك في الستينات ومن أندية الهواة المتواضعة، ليكتب اسمه بصفته واحدا من القيادات الشجاعة لجيل تحمل إساءات لا يتحملها بشر كي يمهد الطريق أمام آخرين.

وهكذا توفي مهاجم وست بروميتش ألبيون والمنتخب الإنجليزي السابق سيريل ريجيس الذي كان من أوائل اللاعبين السود في الدوري الإنجليزي لكرة القدم، عن 59 عاما. رحل ريجيس بعد أن خاض 5 مباريات دولية بين 1982 و1987، وكان من أبرز نجوم وست بروميتش ألبيون بين 1977 و1984، وسجل له 112 هدفا في 297 مباراة قبل الانتقال إلى كوفنتري سيتي الذي أحرز معه لقبه الوحيد وكان في كأس إنجلترا عام 1987. وبعد رحيله عن ويست بروميتش، انضم إلى كوفنتري وخاض معه 238 مباراة سجل خلالها 47 هدفا، قبل أن يلعب لفريقي آستون فيلا وولفرهامبتون. وكان ريجيس ثالث لاعب من ذوي البشرة السمراء يمثل المنتخب الإنجليزي، بعد فيف آندرسون وكانينغهام، الذي توفي في حادث مروري في إسبانيا عام 1989.

وشكل ريجيس مع لاوري كانينغهام وبرندون باتسون الذي انضم إلى وست بروميتش عام 1978، الثلاثي الأسود الذي أطلق عليه اسم «ذي ثري ديغريز»، أو «الدرجات الثلاث» تيمنا بالفرقة الموسيقية الثلاثية الأميركية التي تكونت من 3 نساء من صاحبات البشرة السوداء عام 1963.

ونعت رابطة اللاعبين المحترفين ريجيس في حسابها على موقع «تويتر» قائلة: «أخبار حزينة جدا هذا الصباح بوفاة الرائد الكروي سيريل ريجيس عن 59 عاما»، مضيفة: «رجل نبيل حقيقي وأسطورة، سنشتاق إليه كثيرا. تعاطفنا مع عائلته وأصدقائه».

وولد ريجيس في غويانا الفرنسية في فبراير (شباط) 1958، لكنه انتقل إلى لندن مع عائلته في سن الخامسة، وشوهد يلعب كرة القدم من قبل رئيس ناد هاو، ومن هنا بدأ المشوار. وأشاد المذيع البريطاني ومشجع وست بروميتش آدريان تشايلز بالدور الذي لعبه ريجيس في التعامل مع العنصرية في اللعبة الإنجليزية خلال السبعينات والثمانينات، قائلا لهيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) إنه «في السنوات اللاحقة (التي تلت فترة التعصب العنصري في الكرة الإنجليزية) تشرفت بمعرفته صديقا، ولم يكن يحمل معه أي غضب من تلك الفترة». وتابع: «إيان رايت (هداف آرسنال السابق)، وهو من جيل لاحق من اللاعبين السود، قال: (كنا مثل مالكولم إكس... لكن سيريل كان مثل مارتن لوثر كينغ. سيريل كان دائما يدير خده الآخر»، أي إنه كان مسالما في مناهضته للعنصرية. وتابع: «لقد فعلوا الكثير للعبة والكثير لقضية لاعبي كرة القدم السود».

من جهته، قال مهاجم كريستال بالاس السابق مارك برايت في حسابه على «تويتر»: «كان أكثر من مجرد لاعب كرة قدم، لقد مهد الدرب لكل لاعب أسود جاء من بعده، كان مصدر إلهام بالنسبة لي ولكثير من اللاعبين من جيلي. رجل متواضع؛ لكنه عظيم». وأشاد مهاجم إنجلترا السابق غاري لينيكر بريجيس، قائلا في تغريدة: «شعرت بحزن لسماعي أن سيريل ريجيس توفي. مهاجم مذهل ورجل جيد يتجاوز إرثه كرة القدم، لقد ساعد في تمهيد الطريق أمام لاعبي كرة القدم السود في هذا البلد». ونعى قلب دفاع منتخب إنجلترا ومانشستر يونايتد سابقا ريو فيرديناند الراحل ريجيس: «الرجل العظيم. لقد ساعد في وضع الأساس للآخرين. سيبقى دائما في الذاكرة».
المملكة المتحدة كرة القدم

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة