وفد من «طالبان» في إسلام آباد لبحث مفاوضات مع حكومة كابل

طائرات «درون» أميركية تقتل شخصين بضربات على الحدود الباكستانية - الأفغانية

موظفة في قطاع الصحة الأفغاني تقدّم لقاحاً ضد مرض شلل الأطفال لطفل خلال حملة تطعيم في قندهار بحنوب أفغانستان أمس (أ.ف.ب)
موظفة في قطاع الصحة الأفغاني تقدّم لقاحاً ضد مرض شلل الأطفال لطفل خلال حملة تطعيم في قندهار بحنوب أفغانستان أمس (أ.ف.ب)
TT

وفد من «طالبان» في إسلام آباد لبحث مفاوضات مع حكومة كابل

موظفة في قطاع الصحة الأفغاني تقدّم لقاحاً ضد مرض شلل الأطفال لطفل خلال حملة تطعيم في قندهار بحنوب أفغانستان أمس (أ.ف.ب)
موظفة في قطاع الصحة الأفغاني تقدّم لقاحاً ضد مرض شلل الأطفال لطفل خلال حملة تطعيم في قندهار بحنوب أفغانستان أمس (أ.ف.ب)

قال مسؤولون في إسلام آباد، أمس (الأربعاء)، إن مفاوضين عن حركة «طالبان» الأفغانية يجرون في باكستان مشاورات بشأن استئناف محادثات السلام مع حكومة كابل، في وقت نقلت وكالة «رويترز» عن بيان لوزارة الخارجية الروسية إن موسكو تدعو إلى إجراء محادثات عاجلة بين الحكومة الأفغانية و«طالبان»، وإنها مستعدة لاستضافتها.
وأضافت الخارجية الروسية: «نحث بقوة على أن تبدأ المفاوضات في أسرع وقت ممكن... لوضع نهاية للحرب الأهلية».
وأوردت وسائل إعلام باكستانية أمس أن وفداً يضم ثلاثة مسؤولين في حركة «طالبان» يمثلون مكتبها في الدوحة، وصل إلى إسلام آباد لإجراء محادثات مع مسؤولين باكستانيين بهدف البحث في مبادرة جديدة للحوار مع كابل. ويضم الوفد شهاب الدين ديلاوار وهو مسؤول كبير في مكتب «طالبان» في الدوحة.
وأثيرت المعلومات عن زيارة الوفد «الطالباني» لإسلام آباد في جلسات لجنة الشؤون الخارجية في مجلس الشيوخ، حيث سُئل وزير الخارجية خواجة آصف عن هذا الموضوع، فرَدَّ بالقول إنه ليس على دراية بزيارة وفد من «طالبان» للعاصمة الباكستانية.
لكن وسائل الإعلام المحلية استمرَّت في ترويج معلومات عن وجود وفد الحركة الأفغانية، وهو أمر أكدته مصادر رسمية في إسلام آباد لكنها رفضت التكهن بالمهمة التي جاء أعضاء الوفد من أجلها.
وسهّلت باكستان في الماضي أكثر من جلسة محادثات بين الحكومة الأفغانية و«طالبان». وتوقفت آخر تلك الجلسات في يناير (كانون الثاني) 2016 بعدما تسرب إلى وسائل إعلامية أن زعيم «طالبان» الملا عمر متوفى منذ عامين نتيجة أسباب طبيعية، وأن الحركة تُخفي الخبر.
وكانت المحادثات بين الطرفين غالباً ما تجري برعاية مسؤولين في جهاز الاستخبارات الباكستاني (آي إس آي).
وستُجرى المحادثات الحالية في بلدة مري القريبة من العاصمة إسلام آباد، وهي ذات البلدة التي عقدت فيها الجولة السابقة من المحادثات بين «طالبان» ومسؤولين من باكستان وأفغانستان في يوليو (تموز) 2015، التي توقفت لاحقاً بعد كشف خبر وفاة الملا عمر. وقال مسؤول كبير في الحكومة الباكستانية إن الفارق هذه المرة بين المحادثات الحالية المزمعة والمحادثات السابقة أن الحالية تتمّ بناء على جهود تقوم بها «أربع دول» وجّهت الدعوة خصيصاً لـ«طالبان» للحضور إلى طاولة المفاوضات. وأضاف أن هناك «أساساً قوياً» الآن للمحادثات بين كابل و«طالبان». ويبدو أن هذا «الأساس القوي» هو ما أشار إليه السفير الأفغاني لدى إسلام آباد جنان موسى زاي، الذي أكد أن حكومة الرئيس أشرف غني تعتقد أنه ليس هناك من حل عسكري صِرْف للأزمة الأفغانية، رغم تأكيده أن الحكومة الحالية هي الحكومة الشرعية في البلد.
وستُعقد المحادثات الحالية في وقت يبدو أن الأميركيين - الذين ينتقدون علناً حكومة إسلام آباد بحجة أنها لا تقوم بما يكفي لمكافحة المتطرفين على أراضيها - سحبوا دعمهم لدور باكستاني في تسهيل الحوار بين حكومة كابل و«طالبان».
من جهتها، نقلت وكالة «رويترز»، أمس، عن مسؤولين كبيرين في «طالبان» أن الوفد الذي زار إسلام آباد هذا الأسبوع جاء بموافقة من زعيم الحركة بهدف إجراء محادثات تستهدف استكشاف فرص استئناف مفاوضات السلام لإنهاء الحرب المستمرة منذ 16 عاماً في أفغانستان.
وأشارت الوكالة إلى أنه لم يتضح إن كانت المحادثات غير الرسمية التي جرت مع مندوب عن سياسي أفغاني بارز تمخضت عن تقدم. وفشلت محاولات كثيرة سابقة في إحياء المحادثات المباشرة التي انتهت فور بدايتها في 2015.
وذكرت «رويترز» أن محادثات إسلام آباد يوم الاثنين جاءت بعد اجتماع آخر جرى عبر قناة خلفية في تركيا، مطلع الأسبوع، بين أفراد على صلة بحركة «طالبان» ومندوبين من «الحزب الإسلامي». ويقود هذا الحزب قيادي سابق كان متحالفاً مع «طالبان» قبل أن يلقي السلاح، العام الماضي، وينضمَّ للساحة السياسية في أفغانستان.
وقال متحدث باسم الرئيس الأفغاني أشرف غني الأربعاء إنه لا علم له بمحادثات إسلام آباد، بينما لم ترد حركة «طالبان» على طلبات للتعقيب. ونفى الجانبان يوم الاثنين المشاركة في محادثات تركيا.
لكن مسؤولين كبيرين من «طالبان» طلبا عدم نشر اسميهما قالا لـ«رويترز» إن الزعيم الأعلى للحركة هيبة الله أخونزاده وافق على اجتماع يوم الاثنين في إسلام آباد. وأضافت الوكالة أنه يُعتقد على نطاق واسع أن أخونزاده يختبئ في مكان ما بباكستان.
ومن ناحية أخرى، قال المتحدث باسم «طالبان» ذبيح الله مجاهد إن اجتماع تركيا لم يحضره «ممثل شرعي» عن «طالبان». وقال في بيان: «هذه لعبة مخابرات تهدف إلى تشويه عملية السلام الحقيقية في أفغانستان والإضرار بها». وتطرق البيان إلى موقف «طالبان» بأنه لا يمكن إجراء مفاوضات حقيقية إلا بعد رحيل كل القوات الأجنبية عن أفغانستان.
وذكر المصدران لـ«رويترز» أن وفد «طالبان» المؤلَّف من ثلاثة أشخاص، الذين قدموا من قطر ضم شهاب الدين ديلاور وجان محمد مدني من المكتب السياسي للحركة بالعاصمة القطرية الدوحة، بالإضافة إلى صهر الملا يعقوب ابن مؤسس «طالبان» الراحل الملا محمد عمر. واجتمع الثلاثة مع ممثلين للسياسي الأفغاني بير سيد حامد جيلاني زعيم الرابطة الوطنية الإسلامية الأفغانية، بحسب ما أكد مساعد كبير لجيلاني طلب عدم نشر اسمه. ولم يرد مكتب جيلاني على طلبات للتعقيب.
ووفقاً للمصدرين ومساعد جيلاني، فقد أفرجت شبكة حقاني التابعة لـ«طالبان»، الأسبوع الماضي، عن 14 جندياً أفغانياً في إقليم بكتيا بشرق البلاد في بادرة حسن نية قبل المحادثات.
على صعيد آخر، أوردت وكالة الأنباء الألمانية أن ما لا يقل عن شخصين قُتلا في هجومين متتالين لطائرتين دون طيار (درون) يُعتقد أنهما أميركيتان في شمال غربي باكستان بالقرب من الحدود الأفغانية أمس (الأربعاء).
وقالت مصادر أمنية للوكالة الألمانية: «وقع هجومان لطائرات دون طيار في منطقة كورام، وقتل شخصان في الهجوم الثاني». وأضافت المصادر أنه من غير المعلوم بعد هوية من قُتِلا في الهجومين.
وقال أشفق حسين، وهو مسؤول بمقاطعة كورام القبلية، لوكالة الأنباء الألمانية إن الهجوم الأول وقع في منطقة كورام القبلية المتمتعة بنظام يشبه الحكم الذاتي في باكستان، وتقع المنطقة على الحدود الباكستانية - الأفغانية. وأضاف أن شخصاً أُصِيب في هذا الهجوم.
وكورام واحدة من سبع مما يطلق عليها وكالات في المناطق القبلية المضطربة التي تحد أفغانستان، حيث يشن مسلحو «طالبان» حرباً ضد الحكومة وحلفائها الدوليين.
واتهمت أفغانستان والولايات المتحدة باكستان بدعم مسلحي «طالبان»، ومنحهم إمكانية الوصول إلى ملاذات آمنة على الجانب الباكستاني من الحدود التي يفتقر جزء كبير منها للإجراءات الأمنية الكافية.
وفي أفغانستان، نقلت الوكالة الألمانية عن شرطة ولاية غزني إن سبعة على الأقل من «طالبان» قُتِلوا بعدما هاجم مسلحو الحركة مواقع تفتيش أمنية في ولاية غزني، شرق أفغانستان، طبقاً لما ذكرته قناة «تولو نيوز» التلفزيونية الأفغانية، أمس (الأربعاء). وأضافت الشرطة أن مسلحي «طالبان» هاجموا مواقع تفتيش أمنية نحو الساعة الثانية والنصف بالتوقيت المحلي بمنطقة جيرو، لكن قوات الأمن صدتهم. وتابعت أن الاشتباك استمرّ حتى السادسة صباحاً. وقالت الشرطة إن تسعة مسلحين آخرين أصيبوا في الاشتباك، وإن كمية كبيرة من الأسلحة صادرتها قوات الأمن التي عثرت على جثث ثلاثة من مقاتلي «طالبان» على أرض المعركة. ولم يصدر تعليق فوري من «طالبان».



تقرير: العملات المشفرة تموّل شراء الطائرات المسيّرة في روسيا وإيران

عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
TT

تقرير: العملات المشفرة تموّل شراء الطائرات المسيّرة في روسيا وإيران

عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)

ذكر تقرير جديد صادر عن شركة «تشيناليزيس» المتخصصة في تحليلات سلاسل الكتل (بلوكتشين) أن جماعات مرتبطة بروسيا وإيران تستخدم بشكل متزايد العملات المشفرة لتمويل شراء الطائرات المسيّرة والمكونات العسكرية منخفضة التكلفة، وفق وكالة «رويترز» للأنباء.

وصارت الطائرات المسيّرة المتاحة تجارياً عنصراً أساسياً في الصراعَين الدائرَين في أوكرانيا والشرق الأوسط، ولكن نظراً إلى توافر المسيّرات منخفضة التكلفة على نطاق واسع على منصات التجارة الإلكترونية العالمية، يواجه المسؤولون غالباً صعوبة في تتبع من يقف وراء عمليات الشراء وما قد تكون نواياه من وراء شراء هذه المنتجات.

وخلّصت «تشيناليزيس» إلى أنه في حين أن معظم مشتريات المسيّرات تتم باستخدام القنوات المالية التقليدية، فإن شبكات الشراء تتقاطع بشكل متزايد مع «بلوكتشين» العملات المشفرة، وهو السجل الرقمي العام الذي ترتكز عليه هذه العملات. ويتيح هذا السجل للمحققين تتبع مسار المعاملة من منشأها إلى وجهتها.

وتمكّن باحثون معنيون بـ«البلوكتشين» في شركة «تشيناليزيس» من تتبع تدفق العملات المشفرة من محافظ فردية مرتبطة بمطوري مسيّرات أو جماعات شبه عسكرية لشراء طائرات مسيّرة منخفضة التكلفة ومكوناتها من البائعين على مواقع التجارة الإلكترونية.

وذكر التقرير أنه منذ الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا في عام 2022، حصلت جماعات موالية لروسيا على أكثر من 8.3 مليون دولار من التبرعات بالعملات المشفرة، وكانت الطائرات المسيّرة من بين المشتريات المحددة بالتفصيل التي تمت باستخدام تلك التبرعات.

قال رئيس قسم استخبارات الأمن القومي في «تشيناليزيس»، آندرو فيرمان: «توجد فرصة مذهلة على (البلوكتشين)، بمجرد تحديد البائع لرؤية نشاط الطرف المقابل وإجراء تقييمات تساعد في توضيح الاستخدام والنية الكامنة وراء الشراء».

كما وجد التقرير أن جماعات مرتبطة بإيران تستخدم العملات المشفرة لشراء قطع غيار الطائرات المسيّرة وبيع المعدات العسكرية. وسلّط الضوء بشكل خاص على محفظة عملات مشفرة لها صلات بـ«الحرس الثوري» الإيراني تشتري قطع غيار مسيرات من مورد مقره هونغ كونغ.

وبالتأكيد لا يزال الحجم الإجمالي لمشتريات المسيّرات بالعملات المشفرة صغيراً مقارنة بالإنفاق العسكري الإجمالي، لكن التقرير أشار إلى أن تقنية سلاسل الكتل (بلوكتشين) يمكن أن تساعد السلطات على تتبع المشتريات بشكل أفضل التي ربما كانت ستظل غامضة لولا ذلك.

وقال فيرمان: «يمكن أن توفر تقنية (البلوكتشين) الكثير من المعلومات التي لا تتوافر بالضرورة بالطرق التقليدية».


الجامعة الأميركية في أرمينيا تنتقل للتعليم عن بُعد عقب تهديدات إيرانية

الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
TT

الجامعة الأميركية في أرمينيا تنتقل للتعليم عن بُعد عقب تهديدات إيرانية

الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)

أعلنت الجامعة الأميركية في أرمينيا، الاثنين، الانتقال إلى التعليم عن بُعد على خلفية التهديدات الإيرانية باستهداف الجامعات الأميركية في غرب آسيا.

وقالت الجامعة في بيان، إنه «نتيجة التهديد الإيراني باستهداف الجامعات الأميركية في غرب آسيا والشرق الأوسط، ستنتقل جميع صفوف الجامعة الأميركية في أرمينيا يوم الاثنين 30 مارس (آذار)، لتصبح عبر الإنترنت بالكامل»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وهددت إيران باستهداف الجامعات الأميركية في الشرق الأوسط، بعدما أفادت بأن ضربات أميركية - إسرائيلية دمّرت جامعتين إيرانيتين.

وقالت الجامعة الأميركية في أرمينيا إنها لم تتلقَّ أي تهديدات مباشرة، وشددت على أنه لا يوجد أي داعٍ للهلع، واصفة الخطوة بأنها «احترازية».

أشخاص يمرّون أمام البوابة الرئيسية لحرم «الجامعة الأميركية في بيروت» (AUB) في وسط بيروت - 13 يناير 2022 (أ.ف.ب)

وأصدر «الحرس الثوري الإيراني» بياناً أورده الإعلام الإيراني الأحد، جاء فيه أنه «إذا أرادت الحكومة الأميركية بألا تتعرض الجامعات الأميركية في المنطقة لردود انتقامية... فعليها إدانة قصف الجامعات» في بيان رسمي قبل ظهر الاثنين 30 مارس بتوقيت طهران.

ونصح «الحرس الثوري» موظفي وأساتذة وطلاب الجامعات الأميركية في المنطقة، «بالبقاء على بُعد كيلومتر واحد» على الأقل من الجامعات التي قد تُستهدف.

وأعلنت «الجامعة الأميركية في بيروت» في اليوم ذاته، العمل بنظام التعليم عن بُعد بشكل كامل يومي الاثنين والثلاثاء.

وفي الأردن، قالت الجامعة الأميركية في مادبا التي تبعد نحو 35 كيلومتراً من العاصمة عمّان، إن الصفوف الدراسية لطلابها البالغ عددهم 3 آلاف ستقام عبر الإنترنت حتى الخميس.


الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
TT

الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)

في عالمٍ مترابط إلى هذا الحد، لم تعد الحروب تُخاض على الجبهات فقط، بل داخل كل اقتصاد، وكل ميناء، وكل سلسلة إمداد...

لطالما سمعنا في «عصرنا الحديث» أن الترابط والعولمة هما محركان للسلام والازدهار، لكن الحقيقة أنهما يتحولان إلى مشكلتين كبيرتين في أوقات الحرب. فبدلاً من تعزيز الاستقرار، قد تحوّل مستويات التكامل العالية الاقتصادات إلى أسلحة فتّاكة أو تجعلها ضحايا، ويصبح الشركاء التجاريون خصوماً، وتحدث اضطرابات في كل أنحاء العالم.

بمعنى آخر، يؤدي الترابط والعولمة إلى انعكاس مباشر للأزمات الجيوسياسية على شبكات التجارة، والإنتاج، والتمويل التي بُنيت أساساً لتحقيق الكفاءة من دون أن تتمتع بالمرونة الكافية لامتصاص الصدمات. ومع تضرر سلاسل التوريد الحيوية بسبب الاضطرابات المختلفة من حروب، وجوائح، وكوارث طبيعية، قد تتحول الارتفاعات المؤقتة في الأسعار إلى ضغوط تضخمية مستدامة، مما يرفع منسوب خطر حصول الركود التضخمي.

قبل ست سنوات، كانت للكارثة الصحية التي سبّبها كائن مجهري صغير هو فيروس «كوفيد-19» تداعيات اقتصادية ضخمة: ضَمُر الطلب ليلامس الاضمحلال، اضطربت سلاسل التوريد، استفحلت الضائقة في كل مكان، وانكمشت الاقتصادات في طول الكرة الأرضية وعرضها، وتراجعت أسعار النفط بشكل مذهل في ظل توقف حركة الإنتاج، وملازمة مليارات البشر منازلهم.

مضيق هرمز (رويترز)

أخطار الصراع الإقليمي

في هذا السياق، تُبرز حرب إيران الآثار السلبية الخطيرة للترابط الاقتصادي والعولمة، إذ حوّلت سلاسل التوريد المشتركة إلى نقاط ضعف. وقد أدى الصراع إلى أزمة عالمية كبرى في مجالي الطاقة، والأمن الغذائي، مما يُظهر مدى سرعة تسبب عدم الاستقرار الإقليمي في أضرار اقتصادية عالمية.

ومع استمرار الحرب الإقليمية التي بدأت في 28 فبراير (شباط) الفائت، بدأت الأسواق المالية أخيراً تعي احتمال تحول الصراع سريعاً إلى أزمة عالمية للاقتصاد الكلي. فالعوامل الجيوسياسية المتفجّرة تؤثر عادةً على جوانب عديدة من الاقتصاد العالمي، ليس أقلها التضخم، وسلاسل التوريد. وستتأثر الصين والهند وأوروبا بشكل أكبر على المدى القريب بسبب حاجتها الكبيرة إلى مصادر توليد الطاقة.

وكلما طالت الأزمة، ازداد تأثيرها على العديد من الاقتصادات العالمية الكبرى. والسبب واضح، فالشرق الأوسط ليس مجرد مصدر غنيّ للطاقة، والفرص الاستثمارية الهائلة، بل يضم أيضاً بعضاً من أهم سلاسل التوريد، والمواني العالمية.

ومعلوم أن المواني والممرات البحرية تضطلع بدور حيوي في الحفاظ على سلاسل الإمداد العالمية، واستمرار عجلة الاقتصاد العالمي في الدوران. ومعلوم أيضاً أن مضيق هرمز هو من أهم الممرات في الشرق الأوسط، ويمر عبره نحو خمس نفط العالم، وغازه. لذا لا يؤثر الإغلاق أو حتى «تضييق» المرور في المضيق على المنطقة فحسب، بل يمتدّ التأثير ليشمل كل دول العالم.

وإذا أُغلق باب المندب مجدداً، تزامناً مع إغلاق مضيق هرمز، فسيحصل شلل شبه تام في حركة التجارة العالمية بين الشرق والغرب، الأمر الذي سيدفع حتماً بالاقتصاد العالمي نحو ركود تضخمي حاد، مع ارتفاع جنوني في أسعار الشحن، والتأمين، وتحويل مسار السفن إلى طريق رأس الرجاء الصالح (جنوب أفريقيا) الأطول.

في نظرة استعادية، سبق أن حدثت حالات نقص حاد في إمدادات النفط نتيجة أحداث جسام، أهمها حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973، والثورة الإيرانية عام 1979، واندلاع الحرب العراقية-الإيرانية عام 1980، وحرب الخليج عام 1990. ويكمن الاختلاف الرئيس بين إغلاق مضيق هرمز وهذه الحالات السابقة في حجمه الهائل. فعلى سبيل المثال، لم تتجاوز نسبة النفط المسحوب من السوق في 1973 و1990 إلا نحو 6 في المائة من إمدادات النفط العالمية، وفي 1979 و1980 لم تتجاوز 4 في المائة. أما اليوم، فيواجه العالم -حتى الآن- نقصاً يقارب 20 في المائة، مما يجعل هذا الحدث الجيوسياسي أكبر بثلاث إلى خمس مرات.

هذا الوضع الراهن حتماً هو الأخطر، فخنق الممرات المائية الضيقة يوسّع مسارات الأزمة بكل ارتداداتها العالمية، وبالتالي يُخرج الصراع عن حدوده الإقليمية ليتحوّل إلى مشكلة عالمية. ولعلّ باب المندب أهم من مضيق هرمز، لأنه يربط عبر قناة السويس بين أوروبا وآسيا وأفريقيا، لذا من الطبيعي أن يكون أحد أكثر الممرات الملاحية ازدحاماً في العالم، إذ تعبره ناقلات النفط، وسفن الشحن الآتية من المحيط الهندي للوصول إلى البحر الأحمر، ثم إلى قناة السويس، ومنها إلى البحر الأبيض المتوسط، وكذلك في الاتجاه المعاكس.

من أبرز مستفيد؟

وسط هذه الأزمة المتشعبة، يرجَّح أن تصير موسكو أبرز المستفيدين من إعادة صياغة تدفقات التجارة وروابطها. فالتحولات في أسواق الطاقة العالمية ذات أهمية بالغة لنظام فلاديمير بوتين الذي سيجني ثماراً قصيرة الأجل، مع احتمال أن تزداد المكاسب غير المتوقعة، وتصبح أكثر استدامة.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (أ.ف.ب)

فمع ارتفاع أسعار النفط عموماً ستتدفق إيرادات إلى موازنة الدولة الروسية المتعثرة الخاضعة لعقوبات متنوعة بسبب حرب أوكرانيا. وتأمل موسكو أن تجد أوروبا نفسها أخيراً في أزمة نفط وغاز حادّة، الأمر الذي قد يُخفف حدّة موقفها تجاه المحروقات الروسية، ليس فقط بالسماح لروسيا بالتصدير إلى الاتحاد الأوروبي مجدداً، بل التوسل إليها عملياً للقيام بذلك. ويستند هذا الأمل أيضاً إلى كون الولايات المتحدة المورد الوحيد القادر على مساعدة أوروبا في مجال الغاز، وإلى تكهنات بأن أوروبا، في ظل تدهور العلاقات عبر الأطلسي، قد تُعيد النظر ملياً قبل الاعتماد المفرط على الإمدادات الأميركية المكلفة، ذلك أن سعر الغاز الأميركي المنقول إلى أوروبا أعلى أربع مرات عن سعر الغاز الروسي.

وبالتالي، إذا «عادت» أوروبا إلى الجار الروسي، فستتوتر العلاقة أكبر بين القارة القديمة وشريكتها الأطلسية التي صارت تعتبر أوروبا عبئاً أكثر من كونها حليفاً، وسنداً.

إلى أين سيذهب التدهور بالعالم؟

بعد فتح هذا «الهامش» للتحدث عن الجزئية الروسية، يبقى القول إن الوضع خطير، بل الأخطر منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وثمة مؤشرات عديدة تنبئ بتدهور لا أحد يعرف مداه...

يقول فولكر تورك، المفوض السامي لحقوق الإنسان، إن «النزاع يثير مخاوف جدية بموجب القانون الدولي الذي يحظر الهجمات التي تستهدف المدنيين وبنيتهم ​​التحتية، والهجمات على الأهداف العسكرية حيث يكون الضرر الذي يلحق بالمدنيين غير متناسب».

يضيف المسؤول الأممي: «يتطلب عالمنا المترابط بشدة من جميع الدول إعادة الالتزام الكامل باحترام القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة. لا يمكننا العودة إلى الحرب كأداة للعلاقات الدولية».