الطعام والمعاناة وحّدا شتات النازحين في مخيم عين عيسى

«المجلس النرويجي للاجئين» يتحمل نفقات المطبخ ويدفع رواتب 20 طاهية

طابور طويل من النازحين بمخيم عين عيسى ينتظرون الحصول على حصصهم الغذائية («الشرق الأوسط»)
طابور طويل من النازحين بمخيم عين عيسى ينتظرون الحصول على حصصهم الغذائية («الشرق الأوسط»)
TT

الطعام والمعاناة وحّدا شتات النازحين في مخيم عين عيسى

طابور طويل من النازحين بمخيم عين عيسى ينتظرون الحصول على حصصهم الغذائية («الشرق الأوسط»)
طابور طويل من النازحين بمخيم عين عيسى ينتظرون الحصول على حصصهم الغذائية («الشرق الأوسط»)

يبلغ عدد النازحين في مخيم عين عيسى نحو 30 ألفا، يتحدر معظمهم من دير الزور والرقة، إلى جانب نازحين عراقيين. ويضطر هؤلاء للوقوف في طابور طويل أمام مطبخ المخيم لساعات للحصول على حصتهم الغذائية التي توزع بالمجان. غير أن كثيرا من قاطني مخيم عين عيسى يشتكون من محدودية كمية الطعام المقدمة واقتصارها على وجبة واحدة يومياً، مما يجعل كثيرا من النازحين يشعرون بالجوع، خصوصا في فصل الشتاء الذي تنخفض فيها درجات الحرارة.
«الشرق الأوسط» جالت في مطبخ المخيم وتحدثت لبعض العاملين الذين يبلغ عددهم 52 عاملا يقدمون الخدمات 7 أيام من دون عطلة.
على خلاف كثير من الفلسطينيين الموجودين في سوريا المتحدرين من عائلات قدمت بعد نكبة فلسطين عام 1948، جاءت زهرة عبد الصمد (37 سنة) من قطاع غزة في فلسطين إلى سوريا قبل 15 عاما، وكان عمرها آنذاك 22 سنة، برفقة أبويها، للإقامة في بلدة عين عيسى الواقعة على بعد 50 كيلومترا غرب مدينة الرقة (شمال البلاد).
طلبها أحد أبناء البلدة للزواج في عام 2002 وانتقلت مع زوجها إلى الرقة في العام نفسه، وأنجبت بنتا و3 أولاد، وعلى الرغم من بعض الاختلافات بين عادات وتقاليد المجتمعين، فإنها استطاعت أن تجد لها مكاناً وحضوراً بين سكان المنطقة.
وفي نهاية 2014، سيطر عناصر تنظيم داعش على بلدة عين عيسى، قبل أن يطردوا منها في بداية يوليو (تموز) 2015 على يد «قوات سوريا الديمقراطية» بدعم جوي من التحالف الدولي ضد الإرهاب، الأمر الذي دفع زهرة وأسرتها للنزوح.
تقول زهرة: «مع بداية افتتاح مخيم عين عيسى في شهر مارس (آذار) 2016 كنت بين أوائل العائلات التي سكنت المخيم».
عملت زهرة بداية مع منظمة إغاثية في توزيع المساعدات والسلال الغذائية، وتولت إدارة المطبخ بعد افتتاحه، وتضيف: «افتتح مطبخ المخيم في أول يوم من رمضان 2016، وقتها، قدمنا أول وجبة إفطار للنازحين الذين كانوا لا يتعدون المئات».
بين أدوات المطبخ وروائح الطعام والحلّة الكبيرة المخصصة للطهو، تعمل زهرة لأكثر من 12 ساعة يوميا في المخيم، وتلفت إلى أن ابنتها الكبرى ريم تساعدها في أعمال المنزل من طبخ وتنظيف، وتحظى هي بدعم وتشجيع من زوجها. تقول: «عمل المطبخ يأخذ كل يومي، ولا توجد أي عطلة. آتي للمطبخ الساعة السابعة صباحاً وأعود لبيتي بعد 12 ساعة من العمل المتواصل».

أطفال وعجائز لهم التفضيل
تطمح زهرة للعودة إلى الرقة، لكن أعمال رفع الأنقاض وإزالة الألغام لم تنته بعد، الأمر الذي يحول دون عودتها وباقي سكان المدينة. ورغم أصولها الفلسطينية، فإنها ما زالت تفضل العيش في الرقة على العودة لمسقط رأسها في فلسطين. وتتأثر الطاهية المبتسمة كثيراً بصيحات الأطفال عندما ينادونها «أمانة خالة زهرة... أعطني صحن رز مع مرقة». تعبر عن مشاعرها حيال مشهد هؤلاء الصبية وهم يقفون أمام باب المطبخ، قائلة: «عندما أشاهد وجوههم ونظراتهم، لا أستطيع أن أردهم أو أمنع عنهم الطعام. أوزع الطعام بيدي، خصوصا على الأطفال الصغار الذين ينتظرون في طابور طويل ليحصلوا على حصتهم من الطعام». تتابع زهرة حديثها: «في كثير من الأحيان يقف رجال كبار في السن يطلبون مني الطعام، مثلاً يوم أمس وقف رجل طاعن بالسن حاملاً صحنه. كيف أرد هذا الرجل؟»، تجيب وعلامات الاستفهام بدت على وجهها، متابعة كلامها: «بالتأكيد هذا الرجل كان يمتلك بيتاً ومضافة مفتوحة يوما ما، وكان كريم الضيافة، يستقبل فيها الزوار ويطعمهم، لكن هذه الحرب غيرت حالته وأجبرته على طلب الطعام».
تقول دعاء (25 سنة) المتحدرة من الرقة وهي صديقة زهرة وتعمل معها متطوعة في المطبخ: «نتفاءل بوجود زهرة، العمل معها يخفف عنا العبء وكثيرا من الهموم، لا ترتاح أبداً، بالإضافة إلى إشرافها على المطبخ، تتجول بين جميع النسوة والفتيات، تسأل عن حالتهنّ بشكل يومي».

وجبة واحدة لا تشبع العائلة
وكان كثير من قاطني مخيم عين عيسى قد اشتكوا من كمية الأطعمة المقدمة واقتصارها على وجبة واحدة يومياً، مما يجعل كثيرا من النازحين يشعرون بالجوع، خصوصا في فصل الشتاء الذي تنخفض فيه درجات الحرارة، ويحتاج النازح لطاقة جسدية تتحمل برودة الطقس والعيش داخل خيمة لا تقيه شدة الرياح وغزارة الأمطار.
يشرح عبد الناصر حمي، وهو مسؤول إداري في المطبخ، بأنهم يقدمون وجبة واحدة في اليوم تشتمل على حصة من الأرز أو البرغل إلى جانب مرق الخضراوات أو الفاصولياء، مع إضافة اللحم يومياً مكوّنا أساسيا للأطباق، كما يوزع الخبز مجاناً، حيث يجري توزيع نحو 30 ألف ربطة يومياً.
وعن الكميات التي يقوم المطبخ بتوفيرها يومياً، قال حمي: «نعد نحو طنين ونصف طن من الأرز مثلاً. أما الفاصولياء، فنطهو نحو طن ونصف الطن منها، ومن البرغل نحو 3 أطنان. نعد بشكل يومي من 8 إلى 10 أطنان من الطعام».
ولم يخفِ المسؤول الإداري أن نظام الوجبة الواحدة غير كاف، إلا أنه يعزو السبب إلى عدم امتلاك المواد الأساسية والغذائية لطهو مزيد من الوجبات، وكشف أن «المجلس النرويجي للاجئين»، (NRC)، تقدم الدعم المادي وتتحمل تغطية نفقات المطبخ، وتدفع أجور ورواتب 20 طباخة، لكن المسؤول الإداري حمي أوضح أن عدد العاملات والعاملين بالمطبخ يبلغ 52 شخصا يعملون ساعات مفتوحة حتى يتم الانتهاء من توزيع الطعام، مضيفا أنه «لا توجد عطلة للكادر، لأنه في حال إغلاق المطبخ يوما واحدا ستحدث مجاعة لآلاف الأسر المحتاجة هنا بالمخيم».

معلبات ومنظفات
يوجد في مخيم عين عيسى نحو 2500 خيمة مخصصة لنازحي دير الزور، فيما خصصت 1200 خيمة لنازحي الرقة، بالإضافة إلى 20 خيمة جماعية كبيرة تسكن فيها أكثر من 20 عائلة.
ومع ازدياد أعداد النازحين، تتحمل إدارة مخيم عين عيسى أعباء إضافية في توفير حاجات الوافدين من خيام وأغطية وتأمين الأكل والأدوية. وفي حديثه معنا، قال رئيس لجنة إدارة المخيم جلال العياف: «نظراً إلى هذه الأعداد الكبيرة، نسعى لتوفير احتياجات النازحين، سيما الطعام والغذاء. نوزع كل أسبوع حصة عبارة عن معلبات ومنظفات. نعلم أن هذا غير كاف»، منوهاً: «طالبنا مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين ببناء مخيمات في منطقة أبو خشب بريف دير الزور، لأن المنطقة هناك تشهد معارك بين (داعش) والنظام السوري، وستبقى حركة النزوح وفرار المدنيين مستمرة باتجاه مناطق أكثر أمناً».
أما آيات (52 سنة) التي تعمل طاهية في مطبخ المخيم، فتقول إن الأولوية في عملها لبقاء الطعام نظيفاً ومغلفاً كي يقدّم بشكل صحي، وعبرت عن مشاعر فرحها المشوبة بالحزن قائلة: «كوني من الرقة وعم أطبخ لنازحي مدينتي فرحانة أنه عم أخدم أهلنا، لأنه كلنا ذقنا مرارة الوضع ومأساويته، وزعلانة على الشيء يلي صار بالرقة بنفس الوقت»، مشيرة إلى أنها نازحة منذ نحو سنة في المخيم. وعن جودة الطعام الذي تأكل منه مع باقي أفراد أسرتها، قالت في ختام حديثها: «الطعام مذاقه طيب، لكن وجبة واحدة لا تشبع العائلة».



غضب يمني إزاء شطب الحوثيين آلاف الوكالات التجارية

مسلحان حوثيان خلال تجمع في صنعاء للتضامن مع إيران (إ.ب.أ)
مسلحان حوثيان خلال تجمع في صنعاء للتضامن مع إيران (إ.ب.أ)
TT

غضب يمني إزاء شطب الحوثيين آلاف الوكالات التجارية

مسلحان حوثيان خلال تجمع في صنعاء للتضامن مع إيران (إ.ب.أ)
مسلحان حوثيان خلال تجمع في صنعاء للتضامن مع إيران (إ.ب.أ)

أثار قرار الجماعة الحوثية بشطب 4225 وكالة تجارية عاملة في مناطق سيطرتها، بذريعة عدم تجديد التراخيص، موجة غضب واسعة في الأوساط الاقتصادية اليمنية، وسط تحذيرات من تداعيات خطرة قد تطال استقرار السوق المحلية وتفاقم الأوضاع المعيشية.

وبحسب مصادر تجارية تحدثت لـ«الشرق الأوسط»، فإن القرار المفاجئ أحدث حالة من الارتباك لدى مئات الشركات والوكلاء، الذين وجدوا أنفسهم أمام واقع جديد يهدد استمرار أنشطتهم ويعرضهم لخسائر مالية فادحة، خصوصاً في ظل بيئة تنظيمية توصف بغير المستقرة.

ويرى مراقبون أن الخطوة لا يمكن فصلها عن سياق أوسع من الإجراءات الحوثية التي تستهدف إعادة تشكيل السوق في مناطق سيطرة الجماعة، بما يخدم مصالح فئات محددة على حساب بقية الفاعلين الاقتصاديين، وهو ما يثير تساؤلات حول مستقبل المنافسة التجارية في تلك المناطق.

ويأتي هذا القرار امتداداً لسلسلة من الإجراءات التي تنفذها ما تُسمى وزارة الصناعة والتجارة التابعة للحوثيين، والتي يصفها تجار بأنها تعسفية ومجحفة، إذ تستهدف ما تبقى من القطاع الخاص المحلي عبر فرض قيود معقدة ورسوم مرتفعة، إلى جانب تغييرات مستمرة في اللوائح والتعليمات.

الحوثيون يفرضون إتاوات متعددة على التجار ما دفع الكثير إلى الإفلاس أو الهجرة (أ.ف.ب)

وتؤكد مصادر أن شطب هذا العدد الكبير من الوكالات قد يفتح الباب أمام منح تلك التراخيص لاحقاً لجهات محسوبة على الجماعة، في خطوة يُعتقد أنها تسعى إلى إحكام السيطرة على مفاصل النشاط التجاري، خصوصاً في القطاعات الحيوية مثل الاستيراد والتوزيع.

ويحذر اقتصاديون من أن تقليص عدد الوكالات الفاعلة في السوق قد يؤدي إلى اضطرابات في سلاسل الإمداد، ويزيد من احتمالات حدوث نقص في بعض السلع، فضلاً عن ارتفاع الأسعار نتيجة تراجع المنافسة. كما قد يدفع ذلك العديد من المستثمرين إلى تقليص أعمالهم أو مغادرة السوق بالكامل.

تبعات متنوعة

في هذا السياق، عبَّر عدد من ملاك الوكالات التجارية في صنعاء عن استيائهم من القرار، مؤكدين أنه جاء دون إنذار كافٍ، وأنهم واجهوا صعوبات كبيرة في استكمال إجراءات التجديد، نتيجة التعقيدات الإدارية وارتفاع الرسوم.

ويقول أحد التجار: «فوجئنا بإيقاف نشاطنا رغم محاولاتنا الالتزام بالإجراءات. التعليمات كانت تتغير باستمرار، ولم تكن هناك شفافية كافية بشأن المتطلبات، مما جعل من الصعب إتمام عملية التجديد في الوقت المحدد».

ولا تقتصر تداعيات القرار على الجانب التجاري فحسب، بل تمتد لتشمل أبعاداً اجتماعية مقلقة، إذ يهدد توقف هذه الوكالات بفقدان آلاف الوظائف، في بلد يعاني أصلاً من معدلات بطالة مرتفعة وأزمة إنسانية متفاقمة.

الحوثيون متهمون بإنهاك التجار وتدمير القطاع الاقتصادي اليمني (أ.ف.ب)

ويشير مالك شركة توزيع مواد غذائية، إلى أن القرار قد يجبره على تسريح عدد كبير من الموظفين، قائلاً: «نحن لا نتحدث عن شركات فقط، بل عن أسر تعتمد بشكل كامل على هذه الأعمال كمصدر وحيد للدخل».

ويضيف أن بيئة العمل في مناطق سيطرة الحوثيين أصبحت طاردة للاستثمار، نتيجة تكرار فرض الإتاوات غير القانونية، إلى جانب القرارات المفاجئة التي تفتقر إلى الوضوح والاستقرار، مما يدفع كثيراً من رجال الأعمال إلى البحث عن بدائل خارج تلك المناطق.


اتهامات بالتجسس ترافق موجة اعتقالات حوثية ضد المدنيين

حوثيون يرفعون صورة زعيمهم خلال مظاهرة في صنعاء لتأييد إيران في حربها مع أميركا وإسرائيل (أ.ب)
حوثيون يرفعون صورة زعيمهم خلال مظاهرة في صنعاء لتأييد إيران في حربها مع أميركا وإسرائيل (أ.ب)
TT

اتهامات بالتجسس ترافق موجة اعتقالات حوثية ضد المدنيين

حوثيون يرفعون صورة زعيمهم خلال مظاهرة في صنعاء لتأييد إيران في حربها مع أميركا وإسرائيل (أ.ب)
حوثيون يرفعون صورة زعيمهم خلال مظاهرة في صنعاء لتأييد إيران في حربها مع أميركا وإسرائيل (أ.ب)

تصاعدت خلال الأيام الأخيرة حملات الملاحقة والاعتقال التي تنفذها الجماعة الحوثية في عدد من المحافظات اليمنية الخاضعة لسيطرتها، مستهدفة المدنيين الرافضين الانخراط في صفوفها، في وقت أصدرت فيه أجهزتها الأمنية بياناً أعلنت فيه ضبط ما وصفتها بـ«خلايا تجسس» مرتبطة بإسرائيل، في خطوة يرى مراقبون أنها تُستخدم لتبرير تشديد الإجراءات الأمنية والتوسع في حملات القمع.

ويأتي هذا التصعيد في ظل خطاب حوثي يربط بين التطورات الداخلية في اليمن والصراع الإقليمي، حيث تؤكد الجماعة أن تحركاتها تأتي في إطار دعم ما تسميه «المحور الإيراني» ونصرة القضايا الإقليمية، في حين يحذر مراقبون من انعكاسات ذلك على الوضع الإنساني والأمني داخل البلاد.

وفي هذا السياق، أعلن ما يسمى جهاز الأمن والمخابرات، التابع للجماعة الحوثية، إلقاء القبض على عدد من الأشخاص الذين قال إنهم عملوا بصورة مباشرة مع أجهزة استخبارات إسرائيلية، بينها «أمان» و«الموساد»، إلى جانب جهات أخرى.

عنصر حوثي في صنعاء يمسك بسلاح رشاش على متن عربة أمنية (إ.ب.أ)

وزعم البيان أن المعتقلين متهمون بتنفيذ أعمال تجسسية، شملت تزويد جهات خارجية بمعلومات عسكرية وأمنية، وإحداثيات لمواقع حساسة، فضلاً عن بيانات تتعلق بمنشآت اقتصادية.

وادّعت الجماعة الحوثية أن هذه العناصر استخدمت برامج «تجسسية» ووسائل اتصال خاصة لتنفيذ مهامها، وأن ضبطها يمثل «إنجازاً أمنياً» تحقق بفضل ما وصفته بتعاون المواطنين. كما دعا البيان السكان إلى مزيد من «اليقظة»، محذراً من مخاطر ما اعتبره «مؤامرات» تستهدف الجماعة.

ويرى محللون أن توقيت هذا البيان ليس معزولاً عن تصاعد حملات الاعتقال، إذ يُستخدم، بحسب تقديراتهم، لتعزيز السردية الأمنية التي تبرر ملاحقة المعارضين أو الرافضين للتجنيد، عبر ربطهم ضمنياً بتهديدات خارجية.

ملاحقات واعتقالات

وفي محافظة حجة، أفادت مصادر محلية بأن الجماعة كثّفت حملات الملاحقة بحقّ شبان رفضوا الاستجابة لدعوات التجنيد، حيث جرى اعتقال عدد منهم من منازلهم، فيما تم توقيف آخرين في نقاط تفتيش. وتحدثت المصادر عن استمرار احتجاز عشرات المدنيين منذ أسابيع، دون معلومات واضحة عن مصيرهم.

كما أشار شهود إلى استخدام قوائم بأسماء مطلوبين، إلى جانب تهديدات بفرض عقوبات على الرافضين، في إطار حملة تقودها جهات إشرافية محلية لتجنيد مزيد من المقاتلين، في ظل استنزاف بشري تشهده الجبهات.

حشد من الحوثيين في صنعاء للتضامن مع إيران (رويترز)

وفي محافظة الحديدة، شهدت مديرية جبل راس حملات مشابهة، طالت شباناً وأولياء أمور، على خلفية رفضهم إرسال أبنائهم إلى القتال. وأفاد سكان باستخدام وسائل ضغط متعددة، بينها التهديد بالعقوبات أو الاحتجاز، لإجبار العائلات على الامتثال.

ويقول مراقبون إن ربط هذه الحملات بملفات أمنية، مثل «التجسس»، يعكس اتجاهاً نحو توسيع دائرة الاشتباه، بما يسمح بملاحقة فئات أوسع من السكان تحت مبررات أمنية.

وفي محافظة إب، اتسعت دائرة الاستهداف لتشمل معلمين وموظفين وشرائح مدنية مختلفة، في عدد من المديريات. وأكدت مصادر محلية أن الحملات ترافقت مع خطاب تعبوي يربط بين التجنيد و«نصرة المحور الإيراني» ومواجهة ما تصفه الجماعة بالتحديات الإقليمية.

في المقابل، أدّت هذه التطورات إلى حالة من القلق داخل المجتمعات المحلية، حيث لجأت بعض الأسر إلى إخفاء أبنائها أو نقلهم إلى مناطق أخرى، خشية الاعتقال أو إجبارهم على القتال.

تداعيات حقوقية وإنسانية

يثير تصاعد حملات الاعتقال المرتبطة بالتجنيد القسري مخاوف حقوقية متزايدة، حيث يؤكد ناشطون أن العديد من المحتجزين يتم توقيفهم دون أوامر قضائية، مع حرمانهم من حقوقهم الأساسية، بما في ذلك التواصل مع أسرهم أو الحصول على تمثيل قانوني.

كما يشير هؤلاء إلى أن استخدام اتهامات مثل «التجسس» قد يفتح الباب أمام انتهاكات أوسع، في ظل غياب الشفافية والإجراءات القانونية الواضحة. ويرون أن هذه الممارسات تتعارض مع القوانين الدولية التي تحظر إجبار المدنيين على المشاركة في النزاعات المسلحة.

الجماعة الحوثية أعلنت الانخراط في الحرب إلى جانب إيران (إ.ب.أ)

ويربط محللون تصاعد هذه الإجراءات بالضغوط التي تواجهها الجماعة لتعزيز قدراتها العسكرية، في وقت تشهد فيه الجبهات تعزيزات مستمرة، ما يدفعها إلى تكثيف عمليات التجنيد، حتى عبر وسائل قسرية.

وفي ظل هذه التطورات، دعت منظمات حقوقية إلى وقف حملات الاعتقال والتجنيد القسري، والإفراج عن المحتجزين، واحترام المعايير الدولية، محذرة من أن استمرار هذه السياسات قد يؤدي إلى تفاقم الأزمة الإنسانية، ويقوض فرص التوصل إلى تسوية سياسية في اليمن.


محاولة اغتيال رئيس الصومال... رسالة تصعيد وسط أزمة سياسية

الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود خلال زيارة ميدانية إلى مدينة بيدوا العاصمة المؤقتة لولاية جنوب الغرب (وكالة الأنباء الصومالية)
الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود خلال زيارة ميدانية إلى مدينة بيدوا العاصمة المؤقتة لولاية جنوب الغرب (وكالة الأنباء الصومالية)
TT

محاولة اغتيال رئيس الصومال... رسالة تصعيد وسط أزمة سياسية

الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود خلال زيارة ميدانية إلى مدينة بيدوا العاصمة المؤقتة لولاية جنوب الغرب (وكالة الأنباء الصومالية)
الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود خلال زيارة ميدانية إلى مدينة بيدوا العاصمة المؤقتة لولاية جنوب الغرب (وكالة الأنباء الصومالية)

نجا الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود من استهداف قُبيل بدء زيارته لمدينة بيدوا عاصمة ولاية جنوب غرب (جنوب البلاد)، في أعقاب تغييرات رسمية جذرية أطاحت برئيس الولاية.

ذلك الاستهداف هو الثاني الذي تدبره «حركة الشباب» الإرهابية ضد رئيس الصومال وينجو منه، خلال نحو عام... ويرى خبير في الشأن الأفريقي، تحدث لـ«الشرق الأوسط»، أنه يحمل «رسالة مزدوجة من الحركة، بأن لديها قدرة عملياتية وبإمكانها أن تستغل الظرف السياسي المتوتر»، متوقعاً أن تفرض الحكومة إجراءات أشد ضد الحركة، وتُحكم قبضتها السياسية والأمنية مؤقتاً في ضوء هذا الاستهداف.

وأفادت «وكالة بلومبرغ»، السبت، بأن حسن شيخ محمود نجا دون أن يُصاب بأذى، بعد تعرضه ومرافقيه لوابل من قذائف الهاون في مدينة بيدوا جنوب البلاد، مساء الجمعة، بعد وقت قصير من نزول الرئيس من طائرته، وبدئه في تحية وحدات من الجيش والشرطة ومسؤولين حكوميين.

الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود (وكالة الأنباء الصومالية)

وأطلقت قذائف الهاون على المطار مباشرة بعد هبوط الطائرة الرئاسية أو أثناء وجود الموكب في المنطقة.

وأظهرت مقاطع فيديو متداولة على الإنترنت، عناصر الحماية الخاصة بالرئيس الصومالي وهم يطوقونه بسرعة قبل إدخاله إلى مركبة مصفحة ضد الرصاص، كما تم الإبلاغ عن وقوع انفجارات بالقرب من المطار في ذلك الوقت.

وكان الرئيس حسن شيخ محمود في زيارة رسمية إلى المدينة، لتفقد العمليات الأمنية ولقاء قادة محليين، وأعلنت مصادر حكومية، أن الهجوم «فشل في تحقيق هدفه، وأن الرئيس واصل برنامجه دون انقطاع». فيما أعلنت «حركة الشباب» المسلحة المرتبطة بتنظيم «القاعدة» مسؤوليتها قائلة إنها استهدفت مطار بيدوا بقذائف هاون موجهة نحو الرئيس والوفد المرافق له، وفق إعلام صومالي محلي.

وهذه ثاني محاولة لاغتيال الرئيس الصومالي من «حركة الشباب» الإرهابية، وذلك بعد محاولة فاشلة أولى في مارس (آذار) 2025 بمقديشو باستخدام عبوة ناسفة، أسفرت عن قتلى وجرحى بين المدنيين والأمنيين.

الجيش الصومالي أثناء تنفيذ عملية عسكرية سابقة (وكالة الأنباء الصومالية)

ويرى المحلل في الشأن الأفريقي والصومالي، عبد الولي جامع بري، أن استهداف موكب حسن شيخ محمود بقذائف هاون «حدث مهم سياسياً وأمنياً؛ لأنه وقع لحظة وصوله إلى المطار خلال زيارة حساسة مرتبطة بترتيبات سياسية في إقليم جنوب غرب».

وأكد أن الحادث يحمل عدة رسائل؛ لأن «(حركة الشباب) هدفت للتأكيد على أن لديها قدرة عملياتية وتستطيع ضرب أهداف عالية المستوى حتى أثناء زيارات رسمية، كما أنها رسالة تحدٍّ للدولة ومحاولة إظهار أنها لا تستطيع السيطرة الأمنية بالكامل، لا سيما خارج العاصمة، ورسالة نفسية للرأي العام لإضعاف ثقة المواطنين».

ولم تؤكد «وكالة الأنباء الصومالية» هذه الأنباء، غير أنها أفادت، السبت، بأن زيارة الرئيس الصومالي المهمة لبيدوا «تأتي في إطار ترسيخ دعائم الدولة، واضعاً ملفات المصالحة الوطنية والتحول الديمقراطي على رأس أولويات الأجندة الرئاسية».

قوات من الجيش الصومالي تنتشر في مدينة بلدوين عقب هجوم سابق من «حركة الشباب» (أ.ب)

وجاءت الزيارة بعد أيام قليلة من إعلان الحكومة الفيدرالية «السيطرة الكاملة على مدينة بيدوا، وهي العاصمة المؤقتة لولاية (جنوب غرب)، ووصول قوات مسلحة للعاصمة استجابة لإرادة السكان»، وتعيين رئيس جديد للولاية خلفاً للمقال عبد العزيز لفتاغرين.

ويشير بري إلى أن الهجوم بقذائف الهاون غالباً «ليس عملية اغتيال دقيقة بقدر ما هو عملية استعراض قدرة وإرباك سياسي وإعلامي»، لافتاً إلى «أن التوقيت هنا أهم من الهجوم نفسه، حيث تأتي زيارة الرئيس إلى بيدوا في سياق تغييرات سياسية في إدارة جنوب غرب، وخلافات مع الحكومة وترتيبات انتقالية وإعادة ترتيب النفوذ الأمني في المدينة».

وأضاف: «الهجوم يحمل رسالة مزدوجة ضد الحكومة الفيدرالية، والترتيبات السياسية الجديدة في الإقليم».

ويعتقد بري أنه من المتوقع أن تتعزز شرعية العمليات العسكرية ضد «حركة الشباب» وترتفع لغة التعبئة الوطنية، لافتاً إلى أن الهجوم جاء في لحظة حساسة بعد تغييرات في قيادة الإقليم، «لذلك قد تستخدمه المعارضة للقول إن الوضع الأمني والسياسي غير مستقر نتيجة القرارات الأخيرة، مما قد يتحول إلى ورقة سياسية داخلية».