الطعام والمعاناة وحّدا شتات النازحين في مخيم عين عيسى

«المجلس النرويجي للاجئين» يتحمل نفقات المطبخ ويدفع رواتب 20 طاهية

طابور طويل من النازحين بمخيم عين عيسى ينتظرون الحصول على حصصهم الغذائية («الشرق الأوسط»)
طابور طويل من النازحين بمخيم عين عيسى ينتظرون الحصول على حصصهم الغذائية («الشرق الأوسط»)
TT

الطعام والمعاناة وحّدا شتات النازحين في مخيم عين عيسى

طابور طويل من النازحين بمخيم عين عيسى ينتظرون الحصول على حصصهم الغذائية («الشرق الأوسط»)
طابور طويل من النازحين بمخيم عين عيسى ينتظرون الحصول على حصصهم الغذائية («الشرق الأوسط»)

يبلغ عدد النازحين في مخيم عين عيسى نحو 30 ألفا، يتحدر معظمهم من دير الزور والرقة، إلى جانب نازحين عراقيين. ويضطر هؤلاء للوقوف في طابور طويل أمام مطبخ المخيم لساعات للحصول على حصتهم الغذائية التي توزع بالمجان. غير أن كثيرا من قاطني مخيم عين عيسى يشتكون من محدودية كمية الطعام المقدمة واقتصارها على وجبة واحدة يومياً، مما يجعل كثيرا من النازحين يشعرون بالجوع، خصوصا في فصل الشتاء الذي تنخفض فيها درجات الحرارة.
«الشرق الأوسط» جالت في مطبخ المخيم وتحدثت لبعض العاملين الذين يبلغ عددهم 52 عاملا يقدمون الخدمات 7 أيام من دون عطلة.
على خلاف كثير من الفلسطينيين الموجودين في سوريا المتحدرين من عائلات قدمت بعد نكبة فلسطين عام 1948، جاءت زهرة عبد الصمد (37 سنة) من قطاع غزة في فلسطين إلى سوريا قبل 15 عاما، وكان عمرها آنذاك 22 سنة، برفقة أبويها، للإقامة في بلدة عين عيسى الواقعة على بعد 50 كيلومترا غرب مدينة الرقة (شمال البلاد).
طلبها أحد أبناء البلدة للزواج في عام 2002 وانتقلت مع زوجها إلى الرقة في العام نفسه، وأنجبت بنتا و3 أولاد، وعلى الرغم من بعض الاختلافات بين عادات وتقاليد المجتمعين، فإنها استطاعت أن تجد لها مكاناً وحضوراً بين سكان المنطقة.
وفي نهاية 2014، سيطر عناصر تنظيم داعش على بلدة عين عيسى، قبل أن يطردوا منها في بداية يوليو (تموز) 2015 على يد «قوات سوريا الديمقراطية» بدعم جوي من التحالف الدولي ضد الإرهاب، الأمر الذي دفع زهرة وأسرتها للنزوح.
تقول زهرة: «مع بداية افتتاح مخيم عين عيسى في شهر مارس (آذار) 2016 كنت بين أوائل العائلات التي سكنت المخيم».
عملت زهرة بداية مع منظمة إغاثية في توزيع المساعدات والسلال الغذائية، وتولت إدارة المطبخ بعد افتتاحه، وتضيف: «افتتح مطبخ المخيم في أول يوم من رمضان 2016، وقتها، قدمنا أول وجبة إفطار للنازحين الذين كانوا لا يتعدون المئات».
بين أدوات المطبخ وروائح الطعام والحلّة الكبيرة المخصصة للطهو، تعمل زهرة لأكثر من 12 ساعة يوميا في المخيم، وتلفت إلى أن ابنتها الكبرى ريم تساعدها في أعمال المنزل من طبخ وتنظيف، وتحظى هي بدعم وتشجيع من زوجها. تقول: «عمل المطبخ يأخذ كل يومي، ولا توجد أي عطلة. آتي للمطبخ الساعة السابعة صباحاً وأعود لبيتي بعد 12 ساعة من العمل المتواصل».

أطفال وعجائز لهم التفضيل
تطمح زهرة للعودة إلى الرقة، لكن أعمال رفع الأنقاض وإزالة الألغام لم تنته بعد، الأمر الذي يحول دون عودتها وباقي سكان المدينة. ورغم أصولها الفلسطينية، فإنها ما زالت تفضل العيش في الرقة على العودة لمسقط رأسها في فلسطين. وتتأثر الطاهية المبتسمة كثيراً بصيحات الأطفال عندما ينادونها «أمانة خالة زهرة... أعطني صحن رز مع مرقة». تعبر عن مشاعرها حيال مشهد هؤلاء الصبية وهم يقفون أمام باب المطبخ، قائلة: «عندما أشاهد وجوههم ونظراتهم، لا أستطيع أن أردهم أو أمنع عنهم الطعام. أوزع الطعام بيدي، خصوصا على الأطفال الصغار الذين ينتظرون في طابور طويل ليحصلوا على حصتهم من الطعام». تتابع زهرة حديثها: «في كثير من الأحيان يقف رجال كبار في السن يطلبون مني الطعام، مثلاً يوم أمس وقف رجل طاعن بالسن حاملاً صحنه. كيف أرد هذا الرجل؟»، تجيب وعلامات الاستفهام بدت على وجهها، متابعة كلامها: «بالتأكيد هذا الرجل كان يمتلك بيتاً ومضافة مفتوحة يوما ما، وكان كريم الضيافة، يستقبل فيها الزوار ويطعمهم، لكن هذه الحرب غيرت حالته وأجبرته على طلب الطعام».
تقول دعاء (25 سنة) المتحدرة من الرقة وهي صديقة زهرة وتعمل معها متطوعة في المطبخ: «نتفاءل بوجود زهرة، العمل معها يخفف عنا العبء وكثيرا من الهموم، لا ترتاح أبداً، بالإضافة إلى إشرافها على المطبخ، تتجول بين جميع النسوة والفتيات، تسأل عن حالتهنّ بشكل يومي».

وجبة واحدة لا تشبع العائلة
وكان كثير من قاطني مخيم عين عيسى قد اشتكوا من كمية الأطعمة المقدمة واقتصارها على وجبة واحدة يومياً، مما يجعل كثيرا من النازحين يشعرون بالجوع، خصوصا في فصل الشتاء الذي تنخفض فيه درجات الحرارة، ويحتاج النازح لطاقة جسدية تتحمل برودة الطقس والعيش داخل خيمة لا تقيه شدة الرياح وغزارة الأمطار.
يشرح عبد الناصر حمي، وهو مسؤول إداري في المطبخ، بأنهم يقدمون وجبة واحدة في اليوم تشتمل على حصة من الأرز أو البرغل إلى جانب مرق الخضراوات أو الفاصولياء، مع إضافة اللحم يومياً مكوّنا أساسيا للأطباق، كما يوزع الخبز مجاناً، حيث يجري توزيع نحو 30 ألف ربطة يومياً.
وعن الكميات التي يقوم المطبخ بتوفيرها يومياً، قال حمي: «نعد نحو طنين ونصف طن من الأرز مثلاً. أما الفاصولياء، فنطهو نحو طن ونصف الطن منها، ومن البرغل نحو 3 أطنان. نعد بشكل يومي من 8 إلى 10 أطنان من الطعام».
ولم يخفِ المسؤول الإداري أن نظام الوجبة الواحدة غير كاف، إلا أنه يعزو السبب إلى عدم امتلاك المواد الأساسية والغذائية لطهو مزيد من الوجبات، وكشف أن «المجلس النرويجي للاجئين»، (NRC)، تقدم الدعم المادي وتتحمل تغطية نفقات المطبخ، وتدفع أجور ورواتب 20 طباخة، لكن المسؤول الإداري حمي أوضح أن عدد العاملات والعاملين بالمطبخ يبلغ 52 شخصا يعملون ساعات مفتوحة حتى يتم الانتهاء من توزيع الطعام، مضيفا أنه «لا توجد عطلة للكادر، لأنه في حال إغلاق المطبخ يوما واحدا ستحدث مجاعة لآلاف الأسر المحتاجة هنا بالمخيم».

معلبات ومنظفات
يوجد في مخيم عين عيسى نحو 2500 خيمة مخصصة لنازحي دير الزور، فيما خصصت 1200 خيمة لنازحي الرقة، بالإضافة إلى 20 خيمة جماعية كبيرة تسكن فيها أكثر من 20 عائلة.
ومع ازدياد أعداد النازحين، تتحمل إدارة مخيم عين عيسى أعباء إضافية في توفير حاجات الوافدين من خيام وأغطية وتأمين الأكل والأدوية. وفي حديثه معنا، قال رئيس لجنة إدارة المخيم جلال العياف: «نظراً إلى هذه الأعداد الكبيرة، نسعى لتوفير احتياجات النازحين، سيما الطعام والغذاء. نوزع كل أسبوع حصة عبارة عن معلبات ومنظفات. نعلم أن هذا غير كاف»، منوهاً: «طالبنا مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين ببناء مخيمات في منطقة أبو خشب بريف دير الزور، لأن المنطقة هناك تشهد معارك بين (داعش) والنظام السوري، وستبقى حركة النزوح وفرار المدنيين مستمرة باتجاه مناطق أكثر أمناً».
أما آيات (52 سنة) التي تعمل طاهية في مطبخ المخيم، فتقول إن الأولوية في عملها لبقاء الطعام نظيفاً ومغلفاً كي يقدّم بشكل صحي، وعبرت عن مشاعر فرحها المشوبة بالحزن قائلة: «كوني من الرقة وعم أطبخ لنازحي مدينتي فرحانة أنه عم أخدم أهلنا، لأنه كلنا ذقنا مرارة الوضع ومأساويته، وزعلانة على الشيء يلي صار بالرقة بنفس الوقت»، مشيرة إلى أنها نازحة منذ نحو سنة في المخيم. وعن جودة الطعام الذي تأكل منه مع باقي أفراد أسرتها، قالت في ختام حديثها: «الطعام مذاقه طيب، لكن وجبة واحدة لا تشبع العائلة».



الأوبئة في اليمن تقاوم نظاماً صحياً يعيش في حالة طوارئ

نصف أطفال اليمن تحت الخامسة يعانون سوء التغذية في ظل صعوبات للحصول على العلاج (رويترز)
نصف أطفال اليمن تحت الخامسة يعانون سوء التغذية في ظل صعوبات للحصول على العلاج (رويترز)
TT

الأوبئة في اليمن تقاوم نظاماً صحياً يعيش في حالة طوارئ

نصف أطفال اليمن تحت الخامسة يعانون سوء التغذية في ظل صعوبات للحصول على العلاج (رويترز)
نصف أطفال اليمن تحت الخامسة يعانون سوء التغذية في ظل صعوبات للحصول على العلاج (رويترز)

بينما يحتفل العالم بيوم الصحة العالمي كمناسبة لتعزيز التقدم الصحي، يعاني اليمنيون من ضعف فاعلية النظم الصحية ومؤشرات التحسن والقدرة على تجنّب الانهيار، في بيئة تتكاثر فيها الأوبئة أكثر مما تنحسر.

وفي الوقت الذي تعلن منظمة الصحة العالمية عن مساعيها لجعل العلم خط الدفاع الأول عن الأرواح في اليمن، لا تتيح الصعوبات أكثر من إدارة الأزمات المتكررة، في نظام صحي مُنهك، يعتمد على الاستجابة الطارئة، ويعجز عن الاستقرار، وتفرض أوبئة كثيرة حضورها، مثل داء كلّابية الذنب (داء السوداء).

ويعكس أحدث اللقاءات، الذي جرى، الأحد، بين وزارة الصحة في الحكومة اليمنية ومنظمة الصحة العالمية هذا الواقع بوضوح؛ حيث جرى فيه التركيز على بذل الجهود لتعزيز الترصد الوبائي والاستجابة السريعة، إلى جانب تدشين حملة «رش ضبابي» لمكافحة نواقل الأمراض، في محاولة استباقية للحد من انتشار الملاريا وحمى الضنك مع اقتراب فصل الصيف الملائم لتكاثر البعوض.

وشدّد اللقاء الذي ضمّ علي أحمد الوليدي، وكيل الوزارة لقطاع الرعاية الصحية الأولية، وسيد جعفر، ممثل منظمة الصحة العالمية لدى اليمن، على أهمية تعزيز الشراكة بين الجانبين لرفع كفاءة الاستجابة الصحية، والتزام المنظمة الأممية بمواصلة تقديم الدعم اللازم للقطاع الصحي في اليمن بما يضمن استمرارية الخدمات الأساسية ومواجهة الفاشيات الوبائية، كما أورد الإعلام الرسمي.

لقاء بين مسؤولين يمنيين وأمميين لمناقشة ترتيبات حملات مكافحة نواقل الأمراض (سبأ)

لكن هذه الإجراءات، رغم أهميتها، تأتي في سياق أكثر تعقيداً، حيث تشير تقارير المنظمة إلى أن التحديات الصحية في اليمن لم تعد مرتبطة بمرض واحد أو تفشٍّ محدد، بل بمنظومة أزمات متداخلة مثل الصراع المستمر والكوارث المناخية وشح التمويل.

وذكرت مصادر صحية حكومية لـ«الشرق الأوسط» أن الحكومة اليمنية تراقب تداعيات الحرب الإقليمية وتأثيرها على القطاع الصحي، وتنوي التوجه إلى المانحين والمنظمات المعنية بالصحة بخطط وطلبات للحصول على مساعدات عاجلة لمواجهة الأوبئة المتوقع انتشارها خلال الأشهر المقبلة.

وحذرت المصادر من تفشٍّ واسع لمرضى الكوليرا والحصبة في عدد من مديريات محافظة الحديدة غربي البلاد، مع ازدياد أعداد المصابين خلال الأيام الماضية، وتسجيل عشرات الحالات يومياً، مع مخاوف من زيادة كبيرة فيها خلال الأيام المقبلة.

المخاوف تزداد من تفشي الأوبئة الموسمية في ظل ضعف القطاع الصحي اليمني (أ.ب)

ووفقاً للمصادر، فإن هناك حالة ترقب شديدة لعودة انتشار الملاريا وحمى الضنك في محافظة ومدينة تعز، بعد هطول الأمطار الغزيرة هناك، والتي تتسبب في تكون المستنقعات والأوحال التي تمثل البيئة الملائمة لتكاثر النواقل.

ضغوط الصراع والمُناخ

واجه اليمن، خلال العام الماضي، موجات متكررة من الأمراض الوبائية، من بينها الكوليرا، والحصبة، إلى جانب الأمراض المنقولة بالنواقل، في ظل هشاشة القدرة على الاحتواء.

ورغم ذلك أظهر تقرير منظمة الصحة العالمية أن التدخلات المبنية على الأدلة أسهمت في الحد من الأضرار، حيث تم تشغيل 27 مركزاً لمعالجة الإسهالات، وأكثر من 56 ألف حالة كوليرا شديدة، إضافةً إلى تنفيذ حملات تطعيم فموية وصلت إلى أكثر من 3 ملايين شخص.

وجرى تعزيز أنظمة الترصد الوبائي من خلال دعم فرق الاستجابة السريعة وتدريب أكثر من 1500 عامل صحي، مما ساعد على الكشف المبكر عن الفاشيات وتقليل زمن الاستجابة، وهو عامل حاسم في الحد من انتشار الأمراض في بيئات هشة.

مياه المستنقعات شكلت خطراً صحياً على المجتمعات المتضررة من الفيضانات في اليمن (الأمم المتحدة)

وواجهت المستشفيات خلال فترات التصعيد التي شهدها عدد من المحافظات العام الماضي، تدفقاً كبيراً لحالات الإصابات، في ظل نقص حاد في المعدات والأدوية، وتعطل خدمات الإحالة الطارئة، كما ورد في التقرير الصادر بمناسبة يوم الصحة العالمي.

واستجابةً لذلك، قدمت المنظمة أكثر من 3200 طن من الإمدادات الطبية، ودعمت 12 فريقاً جراحياً، إلى جانب تشغيل سيارات إسعاف وتمويل خدمات الطوارئ، مما أسهم في استمرار إجراء العمليات الجراحية وتقديم الرعاية الحرجة.

وتقول المصادر الصحية إن هذه الجهود لا يمكن أن تزيد على كونها «إدارة أزمة» أكثر من كونها حلاً مستداماً، إذ يظل النظام الصحي معتمداً بشكل كبير على الدعم الخارجي، في وقت تتسع فيه فجوة التمويل، خصوصاً بعد تراجع مساهمات بعض المانحين.

جهود أممية للوقاية من داء كلابية الذنب (داء السوداء) للمجتمعات النائية في اليمن (الأمم المتحدة)

وإلى جانب الحرب، تلعب الكوارث المناخية دوراً متزايداً في تعقيد المشهد الصحي. فقد تسببت الفيضانات التي ضربت عدة محافظات في تدمير البنية التحتية ونزوح آلاف الأسر، وخلقت بيئة مثالية لانتشار الأمراض، مما استدعى تزويد المنظمة للمرافق الصحية بأطنان من الأدوية والمستلزمات، وتقديم خدمات علاجية لعشرات الآلاف من المرضى، إلى جانب تعزيز حملات مكافحة النواقل وتوفير أدوات التشخيص السريع.

إنجازات تحت الضغط

يشير التقرير إلى أهمية نهج «الصحة الواحدة»، الذي يربط بين صحة الإنسان والبيئة، خصوصاً في بلد تتقاطع فيه مخاطر المناخ مع هشاشة الخدمات الأساسية.

ورغم الصورة القاتمة، لا تخلو التقارير من مؤشرات على قدرة النظام الصحي على الصمود. فقد تم تزويد عشرات المرافق بالأكسجين الطبي والوقود والمياه، مما أتاح استمرار تقديم ملايين الخدمات الصحية، وإجراء مئات الآلاف من العمليات الجراحية، وتأمين ولادات آمنة لعشرات الآلاف من النساء.

وشهدت بعض البرامج النوعية تقدماً لافتاً، مثل حملات مكافحة الأمراض المدارية، التي وصلت إلى مناطق نائية عبر استراتيجيات «من منزل إلى منزل»، محققةً نسب تغطية تجاوزت المعايير الدولية.

ورشة توعية ضمن أنشطة منظمة الصحة العالمية لتعزيز الوقاية من الأمراض (الأمم المتحدة)

ونفذت وزارة الصحة العامة والسكان بدعم فني وتشغيلي من منظمة الصحة العالمية، واحدة من أكثر حملات المعالجة الجماعية طموحاً ضد داء كلّابية الذنب (داء السوداء)، حيث تم الوصول إلى السكان الذين كانوا خارج نطاق الحملات الصحية.

ويعدّ كلّابية الذنب (المعروف عادة باسم «العمى النهري»)، والذي يسبب مرضاً جلدياً منهكاً ووصمة اجتماعية ومعاناة طويلة الأمد، من أخطر الأوبئة التي غزت اليمن في سنوات الصراع، وأسهمت التضاريس الوعرة ونقص التمويل المُزمن في ترك عديد من الأسر من دون إمكانية الوصول إلى العلاج.

وحسبما تنقل المنظمة عن المسؤولين الصحيين اليمنيين، فإن عائلات كاملة عاشت مع هذا الداء دون أن تتلقى أي علاج، قبل أن تغير هذه الحملة هذا الواقع بشكلٍ أساسي، حيث عبرت الفرق الصحية الجبال، وواجهت انعدام الأمن والعزلة، للوصول إلى كل منزل، مما يؤكد أنه يمكن الوصول إلى كل المجتمعات في اليمن.

وطبقاً للمنظمة، أصبح المتطوعون المحليون، خصوصاً النساء، هم العمود الفقري للتنفيذ، حيث قاموا ببناء الثقة والدخول إلى المنازل التي لم يتم الوصول إليها من قبل وضمان الاستخدام الأمثل لكل جرعة لحماية السكان.

Your Premium trial has ended


تحذيرات يمنية من تعاظم خطر المراكز الصيفية الحوثية

الحوثيون يستهدفون نصف مليون طفل بتعبئة طائفية متطرفة (إعلام محلي)
الحوثيون يستهدفون نصف مليون طفل بتعبئة طائفية متطرفة (إعلام محلي)
TT

تحذيرات يمنية من تعاظم خطر المراكز الصيفية الحوثية

الحوثيون يستهدفون نصف مليون طفل بتعبئة طائفية متطرفة (إعلام محلي)
الحوثيون يستهدفون نصف مليون طفل بتعبئة طائفية متطرفة (إعلام محلي)

دقّت نقابة المعلمين اليمنيين ناقوس الخطر إزاء ما وصفته بتصاعد الاستهداف المنهجي لقطاع التعليم في البلاد من قبل الجماعة الحوثية، عبر توظيف المراكز الصيفية أداةً لإعادة تشكيل وعي الأجيال الناشئة، بالتوازي مع استمرار قطع مرتبات المعلمين منذ سنوات.

وعدّت النقابة أن هذا النهج يمثل «هجوماً مزدوجاً» يهدد مستقبل التعليم والهوية الوطنية في آن معاً، في ظل ظروف اقتصادية ومعيشية متدهورة تعانيها الكوادر التربوية.

وفي بيان لها، أوضحت النقابة أن اليمن يواجه مسارين متوازيين من الاستهداف؛ الأول يتمثل في «تجريف الوعي والهوية الوطنية عبر أدوات فكرية وطائفية ممنهجة»، والثاني في «استهداف الكرامة المعيشية للمعلم من خلال قطع المرتبات منذ عام 2016».

وأكدت أن تزامن هذين المسارين يفاقم من هشاشة العملية التعليمية، ويفتح المجال أمام مزيد من التدهور في بنية التعليم ومخرجاته.

استغلال المساعدات لإجبار العائلات على إرسال أبنائها إلى مراكز الحوثيين (إعلام محلي)

وأشارت النقابة إلى أن المراكز الصيفية التي تنظمها الجماعة لم تعد أنشطة موسمية تعليمية، بل تحولت إلى منصات للتعبئة الفكرية والعقائدية تستهدف الأطفال والشباب، وتسعى - وفق البيان - إلى «طمس الهوية الوطنية، وتعزيز مفاهيم تتعارض مع القيم المجتمعية اليمنية». ولفتت إلى أن أعداد الملتحقين بهذه المراكز تجاوزت نصف مليون طالب وطالبة خلال العام الماضي، في مؤشر على التوسع المتسارع لهذه الأنشطة.

أدوات التأثير الفكري

ترى نقابة المعلمين اليمنيين أن هذه المراكز تمثل إحدى أبرز أدوات التأثير الفكري التي تعتمدها الجماعة، حيث تُعاد من خلالها صياغة وعي الطلاب، عبر برامج مكثفة تتضمن خطابات تعبئة دينية وسياسية، وتفسيرات انتقائية للنصوص الدينية، بما يخدم أهدافاً محددة. وتؤكد أن «هذه الأنشطة لا تقتصر على التعليم النظري، بل تمتد إلى أنشطة عملية تعزز مفاهيم الولاء والانتماء الضيق.

ووفق تقارير محلية، فإن وسائل ضغط مختلفة تُستخدم لدفع الأسر إلى إلحاق أبنائهم بهذه المراكز، من بينها ربط الحصول على بعض المساعدات الإنسانية بالمشاركة، أو التأثير على نتائج الطلاب الدراسية؛ مما يثير مخاوف واسعة لدى أولياء الأمور من تعرض أبنائهم للاستغلال الفكري.

وفي هذا السياق، شددت النقابة على أن استمرار هذا النهج يسهم في خلق فجوة معرفية وقيمية بين الأجيال، ويؤسس لبيئة تعليمية غير متوازنة؛ مما قد ينعكس سلباً على الاستقرار الاجتماعي مستقبلاً.

بالتوازي مع ذلك، جددت النقابة مطالبتها بصرف مرتبات المعلمين المتوقفة منذ سبتمبر (أيلول) 2016 في مناطق سيطرة الحوثيين، مؤكدة أن هذا الانقطاع تسبب في معاناة إنسانية واسعة، وأجبر آلاف المعلمين على البحث عن مصادر دخل بديلة أو النزوح مع أسرهم.

استنساخ حوثي لتجربة «الحرس الثوري» الإيراني في تجنيد الأطفال (إعلام محلي)

وأوضحت أن «غياب الاستقرار المالي للمعلم أدى إلى إضعاف دوره داخل العملية التعليمية، وفتح المجال أمام إدخال عناصر غير مؤهلة تحت اسم (متطوعين)، أوكلت إليهم مهام التدريس». وأشارت إلى أن هذه الخطوة أسهمت في تراجع جودة التعليم، خصوصاً مع اتهامات بتوظيف هؤلاء لنشر أفكار مؤدلجة داخل المدارس، في ظل تغييرات طالت المناهج الدراسية.

وأكدت النقابة أن حرمان المعلمين من حقوقهم لا يمثل مجرد أزمة معيشية، بل يعدّ «عاملاً رئيسياً في تقويض أسس التعليم، وبيئة خصبة لانتشار الجهل والتطرف الفكري»، داعية إلى «إعادة الاعتبار للمعلم بوصفه حجر الزاوية في بناء المجتمع».

دعوة للتحرك المحلي والدولي

ودعت النقابة المجتمع الدولي والأمم المتحدة والمنظمات المعنية بالتعليم والطفولة إلى التدخل العاجل لوقف ما وصفته بـ«تسييس التعليم»، و«منع استغلال الأطفال في أنشطة ذات طابع آيديولوجي، والضغط من أجل صرف المرتبات وفق القوانين والأعراف الدولية».

كما شددت على أهمية اتخاذ إجراءات داخلية في المحافظات المحررة، تشمل انتظام صرف المرتبات ورفعها بما يتناسب مع غلاء المعيشة، وصرف العلاوات المتأخرة، وتسوية أوضاع المعلمين، خصوصاً النازحين منهم، بما يسهم في تعزيز استقرار العملية التعليمية.

من جهته، حذر الخبير التربوي ناجي الزياد بأن المراكز الصيفية في مناطق سيطرة الحوثيين تجاوزت دورها التقليدي، وأضحت «معسكرات مغلقة» تستهدف «تشكيل وعي يخدم أجندات سياسية ضيقة». وأشار إلى أن «هذه المراكز تعتمد على إعادة تفسير النصوص الدينية وتوظيفها في سياق التحريض على العنف والكراهية، بما يعزز الانقسام داخل المجتمع».

تحويل المساجد إلى مواقع حوثية لتدريب الأطفال على العنف (إعلام محلي)

وأكد أن الجماعة تستهدف الفئات العمرية الأعلى قابلية للتأثر، مستغلة الظروف الاقتصادية الصعبة للأسر، حيث تمارس - وفق قوله - ضغوطاً متعددة «تشمل الحرمان من المساعدات أو التهديد بذلك؛ لدفع الأطفال إلى الالتحاق بهذه البرامج».

ودعا الزياد المؤسسات التعليمية في مناطق الشرعية إلى «تبني بدائل فعالة»، من بينها «توفير منح دراسية داخلية وخارجية لأبناء الأسر الموجودة في مناطق سيطرة الحوثيين، وإطلاق منصات تعليم إلكتروني تستهدف الأطفال، إلى جانب تصميم برامج توعوية حديثة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، تسهم في رفع الوعي والكشف عن مخاطر هذه الأنشطة».

وأكدت نقابة المعلمين اليمنيين في ختام بيانها أنها ستواصل جهودها للدفاع عن حقوق المعلمين وحماية الهوية الوطنية، محذّرة بأن ما يواجهه التعليم في اليمن «ليس أزمة عابرة، بل صراع على الوعي والكرامة»، في إشارة إلى الأبعاد العميقة للأزمة التعليمية في البلاد.

Your Premium trial has ended


الجيش الأميركي يستعد لفرض سيطرة بحرية في خليج عُمان وبحر العرب

رسم توضيحي يظهر خريطة لمضيق هرمز (رويترز)
رسم توضيحي يظهر خريطة لمضيق هرمز (رويترز)
TT

الجيش الأميركي يستعد لفرض سيطرة بحرية في خليج عُمان وبحر العرب

رسم توضيحي يظهر خريطة لمضيق هرمز (رويترز)
رسم توضيحي يظهر خريطة لمضيق هرمز (رويترز)

قالت القيادة المركزية الأميركية، ​في إشعار للبحارة اطلعت عليه وكالة «رويترز»، اليوم الاثنين، إن الجيش الأميركي سيفرض سيطرة ‌بحرية في ‌خليج ​عُمان ‌وبحر ⁠العرب ​شرقي مضيق هرمز، ⁠وإن هذا الإجراء سيشمل جميع السفن بغض النظر عن العلم الذي ⁠ترفعه.

وأشارت المذكرة ‌إلى ‌أن السيطرة ​البحرية ‌سيبدأ سريانها ‌الساعة 14:00 بتوقيت غرينتش اليوم.

وجاء في الإشعار: «أي سفينة ‌تدخل أو تغادر المنطقة المحاصرة دون تصريح ⁠ستكون ⁠معرضة للاعتراض أو تحويل المسار أو الاحتجاز». وقالت: «لن تعوق السيطرة حركة الملاحة المحايدة عبر مضيق هرمز من ​وإلى ​وجهات غير إيرانية».

أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب، أمس، أن الولايات المتحدة ستبدأ فرض حصار بحري على مضيق هرمز، بعد انهيار محادثات السلام مع إيران في إسلام آباد، مؤكداً أن المفاوضات حققت تقدماً في معظم الملفات، لكنها تعثرت بسبب رفض طهران التخلي عن برنامجها النووي.

وقال ترمب إن المحادثات التي جرت بين الولايات المتحدة وإيران وباكستان كانت «ودية للغاية»، مشيراً إلى أن واشنطن حصلت «تقريباً على كل النقاط التي كانت تسعى إليها» خلال تلك الجولة.

وأضاف: «في المراحل الأخيرة أصبحت الأجواء ودية للغاية، وحصلنا تقريباً على كل ما كنا نريده، باستثناء أنهم يرفضون التخلي عن طموحهم النووي». وتابع: «وبصراحة، بالنسبة لي، كان ذلك النقطة الأهم على الإطلاق».

ودافع ترمب، عن تهديداته السابقة ضد إيران، قائلاً إن تحذيراته ساعدت في دفع طهران إلى طاولة المفاوضات. وأصدر في المقابلة نفسها تهديدات جديدة باستهداف البنية التحتية المدنية الإيرانية إذا لم توافق القيادة الإيرانية على التخلي عن برنامجها النووي. وقال: «في غضون نصف يوم، لن يبقى لديهم جسر واحد قائم، ولن تبقى لديهم محطة كهرباء واحدة، وسيعودون إلى العصر الحجري».