«الاستثناء التونسي» في خطر؟

اضطرابات الذكرى السابعة للثورة

«الاستثناء التونسي» في خطر؟
TT

«الاستثناء التونسي» في خطر؟

«الاستثناء التونسي» في خطر؟

عاش التونسيون للعام السابع على التوالي مطلع يناير (كانون الثاني) الحالي اضطرابات اجتماعية وشبابية اقترنت بأحداث عنيفة ومواجهات مع قوات الأمن والجيش ذكّرت بالانتفاضة الشاملة التي تسبّبت في يناير 2011، بالتغيير في رأس هرم الدولة، وتفجير ما سمي بثورات «الربيع العربي».
وبعدما تجاوز عدد الموقوفين 300 شاب ومراهق أغلبهم متهمون بالتورط في السرقة والحرائق والاعتداء على مؤسسات إدارية وتجارية، يواجه التونسيون مجدداً السؤال نفسه الذي يرهقهم كل شهر يناير منذ 7 سنوات: ماذا يجري في البلاد؟
ومن بعده، ثمة أسئلة أخرى مثل... هل سيصمد الاستثناء التونسي أم سينهار مثلما انهارت بقية تجارب ما سُمِّي بالثورات العربية؟ وهل تتسبب الاضطرابات الشبابية وأحداث العنف التي صاحبتها في عدة مدن بمزيد من إضعاف نظام الحكم؟ أم يحصل العكس، ويثبت قادة الأحزاب الكبرى والمجتمع المدني مجدداً خبرة في إخراج بلدهم من مسلسل الأزمات العابرة التي تمر بها بأقل الخسائر؟ وهل ستسفر حوادث العنف عن دعم «حكومة الوحدة الوطنية»، التي تشكلت من 7 أطراف سياسية... أم تؤدي إلى انهيارها؟ وما مصير الانتخابات العامة المقبلة؟ وهل سيتوقف المسار السياسي وتندفع البلاد نحو الفوضى ومزيد من الاضطرابات؟

التصريحات الصادرة عن رئيس الحكومة التونسية يوسف الشاهد، وأيضاً عن مجموعة من الوزراء والمستشارين في رئاسة الجمهورية وعن زعماء الأحزاب الكبرى المشاركة في الائتلاف الحكومي، اتهمت «مافيات» التهريب والفساد وقيادات مجموعات سياسية محسوبة على أقصى اليسار الماركسي والبعثي والقومي يتزعمها حمّة الهمامي، أمين عام حزب العمال الشيوعي سابقاً، بأنها وراء الاضطرابات الحالية المقترنة بأحداث عنيفة ومواجهات مع قوات الأمن والجيش.
وفي المقابل، اعتبرت مجموعة من أحزاب المعارضة اليسارية والشخصيات الوطنية أن أعمال العنف والاعتداءات على الأملاك العمومية والخاصة لا تقلّل من مشروعية احتجاجات العاطلين عن العمل والمهمّشين والشباب على غلاء المعيشة والزيادات الجديدة في الأسعار، وعلى موازنة 2018 التي ستفرض إجراءات لا شعبية جديدة من بينها إيقاف التوظيف.

ثورات الشباب... والخبز
وعلى الرغم من غياب زعامة واضحة للاحتجاجات والتحركات الشبابية ذكّر انتشارها السريع بانتفاضات شبابية وطلابية واجتماعية سنوية مماثلة تشهدها تونس خلال يناير وفبراير (شباط) منذ نحو 50 سنة، وفي كل مرة كانت الشعارات المرفوعة بين المطالبة بالإصلاحات الاقتصادية والسياسية من جهة، والدعوات إلى تغيير النظام من جهة ثانية. وبلغت تلك الاحتجاجات درجة قصوى من العنف والتصعيد في العقد الأخير من حكم الرئيس الأسبق الحبيب بورقيبة ضمن ما عرف بـ«ثورات» الطلبة ونقابات العمال في عقدي السبعينات والثمانينات من القرن الماضي، ثم «ثورة الخبز» عام 1984. وبعدها، تكرّر «السيناريو» ليبلغ ذروته في الاضطرابات التي أدت إلى سقوط حكم الرئيس زين العابدين بن علي مطلع يناير 2011.
قراءة تطور تلك الانتفاضات والاحتجاجات العنيفة تبيّن أنها غالباً ما تبدأ شبابية اجتماعية سلمية ثم تتطوّر إلى مواجهات عنيفة تتداخل فيها الأجندات السياسية والحزبية والنقابية، وحسابات المتنافسين على السلطة من داخل مؤسسات الحكم وخارجها. ومنذ الإعلان عن مرض الحبيب بورقيبة، الرئيس المؤسس للدولة التونسية الحديثة، أواخر الستينات من القرن الماضي كان الصراع على خلافة رئيس الدولة من أبرز العوامل التي تفسر تفجير الاضطرابات الطلابية والشبابية والنقابية من جهة ومعارك النخب السياسية من جهة ثانية. كذلك كان الصراع بين أجنحة الحكم أحد أبعاد الاضطرابات التي شهدتها تونس طوال السنوات العشر الأخيرة من حكم زين العابدين بن علي وانتهت بإسقاطه، وخروج السلطة من أيدي كل المتنافسين من داخل القصر.

ثورة على الاستبداد أم على نظام منتَخَب؟
هل يتجدّد المشهد اليوم بعد تعاقب أعمال الاحتجاجات والعنف والصراعات حول اسم الحاكم المستقبلي في قصري الرئاسة في قرطاج والحكومة في القصبة؟
ثمة معطيات لافتة ومقلقة فرضت نفسها مجدداً على كبار المسؤولين النقابيين والسياسيين في تونس بعد الأحداث الجديدة، أهمها:
1- إمكانية الخلط بين الاحتجاجات الشبابية المشروعة وعشرات الهجمات العنيفة المنظمة على الإدارات والمؤسسات العمومية والخاصة، التي من شانها مضاعفة أعباء الدولة وخسائر البلاد.
2- إمكانية الخلط بين شواغل آلاف الشباب الذي تظاهر ضد غلاء الأسعار والبطالة والفقر، وأجندات مَن وصفتهم الناطقة الرسمية باسم رئيس الجمهورية والناشطة اليسارية السابقة سعيدة قراش بـ«المخربين والمهربين والمجرمين».
3- كيفية تفسير اعتراضات زعماء المعارضة العلمانية والإسلامية في عهدي بورقيبة وبن علي على الاحتجاجات، واتهاماتهم تنظيمات أقصى اليسار التي ساندتها بالضلوع في العنف وتخريب البلاد وخدمة أجندات الدولة العميقة وأعداء مسار ثورة 2011؟
الوزير سمير الطيب زعيم حزب المسار الشيوعي سابقاً، وإياد الدهماني الناطق الرسمي باسم الحكومة، والمهدي بن غربية وزير العلاقة بالمؤسسات الدستورية، تصدّروا الحملات الإعلامية ضد قيادات تكتل أحزاب أقصى اليسار المنخرطة في الجبهة الشعبية بزعامة الهمامي. ولئن ميّز هؤلاء - وغيرهم من ممثلي الائتلاف الحاكم - بين المسيرات السلمية وأعمال العنف، فإنه لم يغب عنهم وعن بقية البرلمانيين والوزراء الذين ينحدرون من حركات عارضت حكم الرئيس زين العابدين بن علي التذكير بماضيهم الحقوقي والسياسي، ودورهم في إنجاح ما يصفونه بـ«ثورة الحرية والكرامة» قبل 7 سنوات.
لماذا غيَّر هؤلاء مواقعهم إذاً، وابتعدوا جميعاً عن مساندة الاحتجاجات الشبابية والاجتماعية؟
الجواب الذي يقدمونه هو الموقف نفسه الذي صدر عن رئيس الجمهورية الباجي قائد السبسي وزعيم «حركة النهضة» راشد الغنوشي، وعن قيادات الأحزاب المشاركة في الحكم ومن بينها «نداء تونس» و«النهضة» وحزب المسار اليساري، أي أن ثورة 2011 «استهدفت نظاماً استبدادياً بينما التحركات الجديدة تستهدف نظاماً ديمقراطياً منتخباً بمؤسساته التنفيذية والبرلمانية والقضائية والمجتمعية».

المفاجأة...
من ناحية أخرى، بين مفاجآت الاحتجاجات والاضطرابات الجديدة مواقف قيادة نقابات العمال، لا سيما نور الدين الطبوبي الأمين العام للاتحاد العام التونسي للشغل، التي أعلنت منذ انفجار الأحداث معارضتها لأعمال العنف وللتظاهر ليلاً رغم مساندتها حق المتظاهرين المسالمين في الخروج للشوارع والتعبير عن معارضتهم للزيادات في الأسعار. وخلافاً لما حصل عام 2011، انحازت غالبية قيادات النقابات إلى الحكومة رغم تأكيدها على شرعية التظاهر السلمي. والتقى الأمين العام للاتحاد العام التونسي للشغل رئيس الحكومة يوسف الشاهد، كما التقى قبل ذلك بأيام قليلة رئيس الجمهورية قائد السبسي ووزير الشؤون الاجتماعية محمد الطرابلسي، وشمل الحوار قانون المالية الجديد الذي طالب جانب من المتظاهرين والمعارضين اليساريين بإلغائه.
ومن ثم أعلن زعيم النقابات العمالية عن دعم المركزية النقابية للمطالب الاجتماعية، وبينها زيادة رواتب صغار الموظفين، لكنه انتقد بقوة الحرائق المتعمدة والهجمات الليلية على البنوك والشركات الخاصة ومؤسسات الدولة.
وفي الاتجاه نفسه، رحّب رئيس الحكومة الأسبق علي العريّض (من «النهضة») وعدد من الوزراء ونواب البرلمان من أحزاب ليبرالية ويسارية وقومية وإسلامية بقرار نزول الجيش وقوات الأمن الثقيلة إلى الشوارع لحماية مؤسسات الإدارة والدولة والشركات الخاصة. غير أن كل هذه المواقف لا تقلل من الحيرة والقلق والتخوفات من المستقبل، وكل مشاعر الإحباط المنتشرة في صفوف الشباب الذي نزل للشوارع للاحتجاج على أوضاعه المتردية... عوض أن يحتفل بالذكرى السابعة للثورة التي توقّع أن تحقق له الشغل والحرية والكرامة.

حيرة وتخوفات
والواقع أن مشاعر القلق والحيرة والخوف لا تشمل الشباب العاطل عن العمل وحده، بل انتشرت كذلك بين النخب السياسية والخبراء الاقتصاديين والجامعيين والمسؤولين الحاليين والسابقين عن كبرى المؤسسات المالية. وفي هذا السياق تعاقبت التصريحات المتخوّفة على مستقبل البلاد والصادرة عن وزراء مالية واقتصاد سابقين ومسؤولين كبار في البنك المركزي والقطاع المصرفي.
هذه التصريحات حذّرت الشعب من عمق الأزمات الاقتصادية التي تهدّد تونس، والتي تكتسي صبغة هيكلية تتجاوز بكثير المؤشرات السلبية الظرفية. إذ حذّر أحمد كرم، المدير العام لأحد البنوك الخاصة والمدير العام في البنك المركزي سابقاً، من الضغوط التي تمارَس على الحكومة من مؤسسات مالية دولية بسبب تضخم نسبة الأجور والنفقات الاجتماعية في ميزانية الدولة إلى نحو 75 في المائة، وارتفاع نسب التداين لأول مرة إلى نحو 70 في المائة وتراجع قيمة الدينار التونسي بنسبة ناهزت 100 في المائة مقارنة بما كان عليه الوضع في 2010. ودعا وزير المالية السابق حكيم بن حمودة إلى «إصلاحات»، قد يكون بعضها لا شعبياً لمحاولة التحكم في العجز التجاري وعجز الموازنة وتضخم صندوق الدعم للمواد الأساسية والمحروقات والصناديق الاجتماعية والمؤسسات العمومية المفلسة.

تكلفة الديمقراطية
مقابل ذلك، فسّر سياسيون وخبراء ماليون واقتصاديون آخرون الاضطرابات الاجتماعية والصعوبات المالية والاقتصادية بأنها «تكلفة 7 سنوات من الانتقال الديمقراطي». واعتبر إلياس فخفاخ، رئيس المجلس الوطني لحزب التكتل المعارض ووزير المالية الأسبق، أنّ تونس «تمر بمرحلة انتقالية صعبة... صعبة. لقد كانت تكلفة الانتقال من الاستبداد إلى النظام الديمقراطي المنتَخَب كبيرة على الاقتصاد الوطني». وأوضح أنّ «نسبة التداين وصلت إلى حدود 70 في المائة بعدما كانت قبل الثورة في حدود 40 في المائة، مقابل تراجع احتياطي الدولة من العملة الصعبة وتفاقم نسبة العجز التجاري من 8 إلى 14 في المائة».
ويعتقد فخفاخ أنّ وضع البلاد الاقتصادي والمالي لا يستطيع تحمّل «صدمة خارجية» جديدة. ويشير إلى أن تونس «تستورد أكثر من نصف حاجاتها من المحروقات، وأن ارتفاع أسعارها في السوق العالمية بسرعة من نحو 50 إلى 70 دولاراً أثَّر سلباً على الميزانية، وعلى الميزان التجاري». كذلك يشير إلى أن «ربع العجز التجاري متأتٍّ من العجز في قطاع الطاقة، أي أن تفاقم العجز بعدما قفز سعر برميل النفط سيكون له تأثير مباشر على استقرار الدينار التونسي، وعلى نسبة التضخم وعلى الاستقرار الاجتماعي في البلاد». وفي هذا المناخ، أقر وزير المالية الأسبق بـ«واجب التوفيق بين مطلب تقاسم التضحيات بين رجال الأعمال والعمال والفئات الشعبية»، لكنه أقرَّ بحاجة الدولة إلى «تعبئة موارد مالية إضافية من بينها ترفيع الرسوم والضرائب أو اللجوء إلى التداين، وهو ما سيؤثر على وضعية المالية العمومية». واعتبر السياسي المخضرم والوزير السابق أن الحكومة التونسية «مطالبة بالتعويل أكثر على الموارد المالية الدّاخلية، ومنها ترفيع المداخيل الجبائيّة، وتنظيم حملات للحد من التهرّب الضريبي بهدف الحد من حجم التداين الخارجي».

الأولويات اجتماعية أم سياسية؟
في أي حال، ردود فعل الأطراف السياسية والنقابية في البلاد على الاحتجاجات لم تحسم قضية خلافية كبيرة بين التونسيين: هل الأولوية اليوم اجتماعية اقتصادية... أم سياسية؟
أحمد نجيب الشابي، زعيم المعارضة القانونية في عهد بن علي، ووزير التنمية في الحكومة الأولى بعد الثورة، يُعتَبَر مع عدد من السياسيين البارزين، كرئيس الحكومة الأسبق المهدي جمعة والوزير مدير الديوان الرئاسي السابق رضا بالحاج، أن الأزمة الحالية «ليست اجتماعية اقتصادية فقط... بل سياسية أيضاً». ويطالب هؤلاء السياسيون مع عدد من زعماء الأحزاب المعارضة والمنشقّين عن الحزب الحاكم بتنظيم انتخابات برلمانية ورئاسية مبكرة، وبإقالة الحكومة الحالية وتشكيل حكومة كفاءات وطنية ليس بينها زعامات سياسية.
كذلك حذّر سعيد العايدي، الوزير السابق والأمين العام لأحد الأحزاب التي شكلها منشقّون عن حزب الرئيس الباجي قائد السبسي، من «الانسياق في حوار وطني يقتصر على الجانب الاقتصادي والاجتماعي من دون التطرّق إلى الجذور السياسية للأزمة». واعتبر العايدي أن «الأزمة تتصاعد منذ 7 سنوات، واختزال الحوار في حوار اقتصادي اجتماعي سيفرغه من محتواه». وبالتالي، طالب العايدي وعدد من قادة الأحزاب المعارضة، بينها محسن مرزوق أمين عام حزب المشروع، بـ«مراجعة النظام السياسي بسبب التداخل الصارخ بين المصالح الحزبية ومؤسسات الدولة التي تشهد اليوم وضع (دولة الحزب)، حيث تحوّلت أجهزة الدولة إلى وسائل لتحقيق مصالح الأحزاب الحاكمة، خصوصاً حزبي (النداء) و(النهضة)، متهماً قياداتهما بالفشل في محاربة الفساد والبطالة والفقر».

حلول عاجلة؟
في هذه الأثناء تبرز دعوات ملحَّة إلى التوفيق بين مطالب الشباب العاطل عن العمل والفقراء والمهمّشين من جهة... وشواغل السياسيين المهتمين خاصة بأجنداتهم الانتخابية والسياسية والحزبية، من جهة أخرى. وبالفعل، دعا نور الدين الطبوبي (أمين عام الاتحاد العام التونسي للشغل) بعد لقاء جمعه مع رئيس الحكومة الشاهد لبحث الاضطرابات الاجتماعية، إلى «معالجة الوضع المتأزم عبر قرارات سياسية جريئة تأخذ بعين الاعتبار مطالب الشباب والفئات المهمشة المتضرّرة من قانون المالية لسنة 2018».
وكشف الطبوبي أنه دعا رئيس الحكومة إلى الإعلان الفوري عن رفع الحد الأدنى لأجور العمال والمنح الاجتماعية التي تقدمها الحكومة إلى العائلات الفقيرة وجرايات التقاعد الضعيفة، إلى جانب «رسم خطة شاملة للتفاعل مع مطالب الشباب في الشغل والاندماج الاجتماعي».
إلا أن الخبراء الاقتصاديين والماليين، مثل أحمد كرم، يرون أن العنصر الأهم يكمن في «تنويع موارد الدولة المالية قبل الحوار حول المسلَّمات، ومن بينها تحسين أوضاع الشباب والمهمشين والعاطلين عن العمل والفقراء». وضمن هذا الإطار حثّ كرم السلطات على «الانفتاح بنسق أكبر على الأسواق الآسيوية، خصوصاً الصين، وعلى الأسواق العربية عموماً ولكن بصفة خاصة الدول الخليجية، من دون المساس بالشريك الاقتصادي الأول لتونس... أي الاتحاد الأوروبي».

غياب البديل؟
على صعيد آخر، مما يفسر إلى حد ما دوران النخب التونسية المعارضة والحاكمة في حلقة مفرغة غياب قوة سياسية قادرة على قيادة مسار التغيير السياسي والاقتصادي والاجتماعي المنشود. وحقاً، اعترف عبد اللطيف المكّي، الوزير السابق والبرلماني عن كتلة «حركة النهضة» بـ«فشل كل حكومات ما بعد الثورة في إنجاز إصلاحات اقتصادية واجتماعية عميقة، رغم ما حصلت عليه من دعم انتخابي وسياسي». وأورد المكي أنه «لا توجد اليوم قوة سياسية قادرة على التغيير لأن الحياة السياسية مضطربة»، معتبراً أنه لا يوجد اليوم ما سماه بـ«المجمع السياسي الذي يجب أن يقود الإصلاحات المطلوبة في تونس».

الأجندات الإقليمية
وبالتوازي، تتواصل تخوفات كثير من المثقفين والسياسيين المستقلين من مستقبل البلاد في ظل تباين التقييمات للاضطرابات الشبابية والاجتماعية وما رافقها من عنف. ومن بين المتخوفين الشاعر البحري العرفاوي، الذي يقلقه «ألا يكون ما جرى في عدة مدن تونسية خلال الأسبوعين الماضيين مجرّد احتجاجات شعبية مشروعة على غلاء الأسعار وصعوبة ظروف العيش، ولكنه كان أيضاً محاولة لتخريب المشهد السياسي التونسي والإقليمي كله، وإعادة خلط الأوراق بين مكوّنات البناء المجتمعي والسياسي الوطني من برلمان وحكومة ورئاسة الجمهورية ومؤسسات وهيئات وأحزاب وتوافقات». ويرجّح العرفاوي، وآخرون، تورّط جهات خارجية في تونس منذ انهيار مؤسسات الدولة المركزي في 2011 «ما يسهّل لعبة السفارات والعواصم الأجنبية، وانتهاك السيادة الوطنية التونسية لتسهيل إنجاز أجندات أطراف إقليمية وعالمية تستهدف منذ مدة ليبيا والجزائر وتعتقد أن مزيداً من إضعاف الدولة التونسية قد يسهل مهمتها فيهما».

مؤشرات تفاؤل
وهكذا، بين هؤلاء وأولئك تتنوع التقييمات وتتباين الإرادات والأولويات، لكن مؤشرات إيجابية تدفع كثرة من التونسيين نحو التفاؤل، من بينها تنظيم الاتحاد العالمي لوكالات السفر، معلناً قبل أيام من مؤتمر السنوي في جزيرة جربة السياحية التونسية عن استئناف الرحلات السياحية العالمية نحو تونس... بعد تعطل طال 3 سنوات. كذلك، تكشف المؤشرات الاقتصادية تحسناً ملموساً في مداخيل الدولة من الصادرات الصناعية والزراعية، وتحسّن قدرات تونس على جذب مزيد من شركات الخدمات العالمية.
ومن الناحية السياسية، يتفاءل قادة الأحزاب الكبرى ومنظمات المجتمع المدني بالنتائج الإيجابية المرتقبة لتنظيم الانتخابات البلدية والجهوية في مطلع شهر مايو (أيار) المقبل، بما يمكن أن يُسهِم في تحسين مناخ الأعمال والعيش في تونس بشكل ملموس، وهذا بعد 7 سنوات من حلّ المجالس البلدية الموروثة عن مرحلة ما قبل ثورة 2011. وفي هذه الحالة لن يكون الاستثناء التونسي في خطر... وسيتمكن الفاعلون السياسيون الكبار من إنقاذ الموقف.



هل تنجح إثيوبيا في فك عقدة «المنفذ البحري»؟

جانب من ميناء عصب في جنوب إريتريا (أ.ف.ب)
جانب من ميناء عصب في جنوب إريتريا (أ.ف.ب)
TT

هل تنجح إثيوبيا في فك عقدة «المنفذ البحري»؟

جانب من ميناء عصب في جنوب إريتريا (أ.ف.ب)
جانب من ميناء عصب في جنوب إريتريا (أ.ف.ب)

تصاعدت تحركات إثيوبيا، على مدار العقد الماضي، للحصول على منفذ بحري يجنّبها أزمة استقلال إريتريا عنها عام 1993، وجعلها «دولة حبيسة» تعتمد على موانئ جارتها الشرقية جيبوتي. إلا أن تمسّكها بفك عزلتها الجغرافية يصطدم برفض «الجارتين» الصومال شرقاً وإريتريا شمالاً، في ظل توتر مع السودان في شمالها الغربي، ناهيك من أزمات داخلية مسلحة تصاعدت منذ نحو أسبوع. القاهرة تتعاطف مع «جارات» إثيوبيا وسط الخلافات العميقة بشأن مياه النيل، مقابل دعم إسرائيلي لافت. ووسط ذلك المشهد لا يعتقد خبراء بالشأن الأفريقي، حاورتهم «الشرق الأوسط»، أن نجاح أديس أبابا في فك «عقدة» المنفذ البحري ستكون سهلة، في ظل تعقيداتها القانونية الدولية والرفض المصري المتكرّر، والتوترات المستمرة مع دول الجوار والأزمات الداخلية. ومقابل ذلك يُثني برلماني إثيوبي، التقته «الشرق الأوسط»، على تصريحات رئيس وزراء بلاده آبي أحمد بأن الوصول إلى المنفذ البحري «حق وجودي». ويشدّد على أنه «حق» قائم على المنفعة المتبادلة وصون أمن القرن الأفريقي، ويتوقع وصول أديس أبابا له على الرغم من كل تلك التوترات، وذلك عقب تفاهمات ومشاورات رسمية.

تستعرض «الشرق الأوسط»، فيما يلي، «خريطة» المواقف الإثيوبية بشأن الوصول إلى منفذ بحري، والتي يعوّل بعضها على تفاهمات، وكذلك المواقف المؤيدة لها، مقابل الرافضة لها التي تستند إلى أن أي قبول لهذا الأمر غير القانوني سيحدث إرباكاً لمصر، لا سيما، أن ثمة دولاً أخرى «حبيسة» ستطالب بدورها بمنافذ بحرية مشابهة.

الموقف الإثيوبي

مع وصول آبي أحمد إلى السلطة في إثيوبيا في أبريل (نيسان) 2018، طرح ما أسماه «دبلوماسية الموانئ» لاستعادة المنفذ البحري مجدداً بعد فقد بلاده ميناءي عصب ومصوَّع في عام 1993 إثر استقلال إريتريا آنذاك.

وحقاً، عقدت حكومة آبي أحمد عدة اتفاقات أبرزها مع السودان في مايو (أيار) 2018 للنفاذ إلى ميناء بورتسودان. وفي الشهر التالي، وقعت اتفاقاً مع الصومال للاستثمار في عدة موانئ بحرية، ولكن تلك المسارات لم تر النور بسبب اختلافات أو تعقيدات حالت دون الاستمرار فيها.

بعدها، في أكتوبر (تشرين الأول) 2023، صعّد آبي أحمد لهجته، مشدداً في خطاب له على أن وصول بلاده لمنفذ في البحر الأحمر «ضرورة وجودية».

ومن ثم، لم يتوقف الكلام من جانب آبي أحمد، ولا من جانب وسائل الإعلام الإثيوبية، عند هذه الضرورة. بل أخذ الوضع أبعاداً مختلفة في يوليو (تموز) 2026، عندما قال رئيس أركان الجيش الإثيوبي، برهانو جولا، في حفل تخريج دفعة من كلية الدفاع الوطني، إن «سعي إثيوبيا للحصول على منفذ بحري يتطلّب الحفاظ على جاهزية عالية... خاصة أن الوضع الأمني في البحر الأحمر والقرن الأفريقي يتدهور!». وحذر برهانو جولا من أن «جهات خارجية وجماعات مسلحة محلية تعمل بتنسيق تام لتقويض أمن إثيوبيا ومنعها من القيام بدورها في تحقيق الاستقرار في المنطقة».

البرلماني الإثيوبي، محمد نور أحمد، قال في لقاء مع «الشرق الأوسط»، إن حصول بلاده على منفذ بحري يُعد ضرورة استراتيجية واقتصادية ملحّة بالنظر إلى حجمها وجغرافيتها وكثافتها السكانية العالية. وشدّد على أن أديس أبابا «تلتزم بالمسار السلمي والحوار البنّاء مع دول الجوار، وتستبعد تماماً خيار المواجهة». ثم أردف: «بلادي تؤكد أن الوصول إلى منفذ بحري لن يكون على حساب طرف آخر، بل يستند إلى مبدأ الأخذ والعطاء والتعاون وفق أحكام القانون الدولي، بما يحقق منافع اقتصادية وتنموية مشتركة للدول المضيفة وإثيوبيا على حد سواء».

ولفت محمد نور أحمد إلى «إمكانية أن توفر إثيوبيا لتلك الشراكة عدة مزايا يمكن لدول الجوار الاستفادة منها، في مقدمتها الطاقة الكهربائية المولّدة من سد النهضة، إلى جانب الثروات الطبيعية والفرص الاقتصادية المتعددة منها». واعتبر أن «وجود منفذ بحري لإثيوبيا سيعزّز جهود الأمن والاستقرار في منطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر، ويُسهم في التصدّي للتحديات المشتركة وفي مقدمتها أعمال القرصنة والتهديدات الأمنية البحرية». وأعرب عن اعتقاده أن التوترات الداخلية في شمالي إثيوبيا ستكون مؤقتة، وستنتهي لأنها بلا حاضنة شعبية، ولن تؤثر على خطط البلاد للوصول لمنفذ بحري.

الرئيس الإثيوبي آبي أحمد (أ.ف.ب)

تصدّت مقديشو بقوة لمذكرة تفاهم وقعتها أديس أبابا مع إقليم «أرض الصومال» الانفصالي عام 2024

الموقف المصري

في وجه هذه المساعي الإثيوبية، كان الموقف المصري رافضاً بشكل صريح وصول إثيوبيا لمنفذ بحري، من دون أن يربط ذلك بخلافه مع أديس أبابا بملف المياه.

وحول المنفذ البحري الذي تريده إثيوبيا، قال وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي في تصريحات يوم 10 سبتمبر (أيلول) المنصرم، إن «هناك دولاً ذات سيادة، لديها موانئ على البحر الأحمر، ولا أحد يملك أن يمنح أي دولة نفاذاً بحرياً عسكرياً، وإلا فستكون فوضى، خاصة أن دولاً أفريقية كثيرة حبيسة».

وأواخر أغسطس (آب)، شدّد عبد العاطي، خلال اتصال هاتفي مع مستشار الرئيس الأميركي مسعد بولس، على «ضرورة احترام سيادة ووحدة وسلامة أراضي دول المنطقة، والامتناع عن أي تحركات أحادية من شأنها تهديد السلم والأمن الإقليميين، أو السعي لفرض النفاذ البحري بالقوة بالمخالفة لقواعد القانون الدولي».

كما أكد عبد العاطي، في تصريحات أخرى، أن الدول المطلّة على البحر الأحمر هي صاحبة السيادة على موانئه، وأنه لا يمكن منح أي دولة منفذاً بحرياً عسكرياً، محذّراً من أن خلاف ذلك من شأنه أن يفتح الباب أمام الفوضى، مع تأكيده على عدم وجود مشكلة في النفاذ التجاري للدول الحبيسة.

ومع أن عبد العاطي لم يُسمِّ الدول المقصودة، فإنه قال في أكتوبر (تشرين الأول) 2025، إن «مصر ترفض دخول إثيوبيا في حوكمة سواحل البحر الأحمر». وهذا الرفض المصري لنفاذ إثيوبيا إلى البحر الأحمر متكرّر، وخلال لقاء عبد العاطي في مايو الماضي مع رئيس الوزراء اليمني شائع الزنداني في القاهرة، بُحثت مسألة أمن البحر الأحمر، وخليج عدن. وشدد عبد العاطي حينذاك على «الرفض المصري القاطع لأي مساعٍ لتدويل أو عسكرة البحر الأحمر، وخليج عدن، وكذا رفض انخراط أي أطراف غير مطلة عليه في ترتيبات تخصه».

أيضاً، في أثناء زيارة عبد العاطي إلى أسمرة في مايو الماضي، فإنه التقى مع وزير الخارجية الإريتري عثمان صالح، وشدّدا على أن أمن وإدارة البحر الأحمر «يظلان مسؤولية حصرية للدول المشاطئة له، وأن مصر ترفض أي محاولات من أطراف غير مشاطئة لفرض ترتيبات أو أدوار أمنية في هذا السياق»، بحسب بيان للخارجية المصرية آنذاك.

بالمقابل، قال نبيات غيتاتشو، الناطق باسم وزارة الخارجية الإثيوبية، في مايو الماضي، إن الحكومة المصرية «تحاول تطويق وعرقلة وصول بلاده إلى البحر الأحمر». ومع أنه لم يحدد تفاصيل، فإنه أكد أن إثيوبيا ستواصل العمل جاهدة للحصول على منفذ بحري عبر طرق سلمية، ومستدامة.

هنا، ينبه خبير الشؤون الأفريقية، الدكتور رمضان قرني، إلى أن مصر لا تمانع في حصول أديس أبابا على منفذ تجاري وفق أطر قانونية ترعاها دول الجوار، كما طرحت جيبوتي سابقاً ورفضته إثيوبيا، «لكن القاهرة تُجابه المساعي العسكرية بصرامة، تحسباً لتداعيات فتح منافذ على البحر الأحمر تضر بالأمن القومي العربي والأفريقي، لا سيما مع دخول أطراف كإسرائيل على خط الأزمة ودعم الجماعات الحوثية لتهديدات باب المندب».

ويرى الخبير المصري أنه رغم الحشد الإعلامي والدبلوماسي لحكومة آبي أحمد، تظل فرص انتزاع موطئ قدم عسكري دائم على البحر الأحمر محاطة بتحديات معقّدة؛ أبرزها الرفض الدولي والإقليمي من الاتحاد الأفريقي والجامعة العربية ومنظمة التعاون الإسلامي، الداعم لسيادة الصومال. وهذا، فضلاً عن خشية أديس أبابا من العزلة الأفريقية والمساس بمكانتها كمقر لمؤسسات الاتحاد الأفريقي، واستمرار الضغوط الداخلية وسط تفاقم الأزمات الاقتصادية والأمنية الإثيوبية في أقاليم مثل أورومو، وأمهرة، وتيغراي، إضافة إلى التوتر في علاقاتها مع دول الجوار (السودان وإريتريا والصومال).

ويؤكد قرني أن القاهرة «نجحت في بناء جدار صلب من التوافقات الاستخباراتية والسياسية الإقليمية والدولية، محاصِرةً أي خطوات أحادية، بما يضمن صون الأمن القومي وحماية الممرات المائية الحيوية بالمنطقة».

الموقف الإريتري - الصومالي

من جهة ثانية، يُسجَّل للموقف الإريتري الصومالي، حضور لافت في خندق الرافضين لهذا المسار الإثيوبي بشأن المنفذ البحري.

إذ تصدّت مقديشو بقوة لمذكرة تفاهم وقعتها أديس أبابا مع إقليم «أرض الصومال» الانفصالي عام 2024، تتمكن بموجبه من النفاذ لميناء بربرة. وأصدرت قراراً رئاسياً بإلغاء الاتفاق، وسط دعم عربي، لا سيما مصر، لهذا الرفض، قبل أن تتدخل تركيا بوساطة نهاية ذلك العام ويتوارى ذلك المسعى عن الأنظار.

أيضاً، إريتريا، مالكة ميناء عصب، التي تتهم إثيوبيا بالتطلع للسيطرة عليه مجدداً، رفضت أكثر من مرة ذلك المسار. ومن أبرز المواقف اتهام الرئيس الإريتري آسياس أفورقي خلال يوليو 2025، إثيوبيا بالسعي إلى زعزعة الاستقرار الإقليمي تحت شعارات تتعلق بالمياه والمُطالبة بمنفذ على البحر الأحمر، معتبراً هذا المطلب «ذريعة لتأجيج الصراعات». وآنذاك، وصف وزير الإعلام الإريتري يماني جبر مسكل، الخطاب الإثيوبي بشأن المنفذ البحري بأنه «تهوّر وعودة إلى قرع طبول الحرب»، مؤكداً أن سيادة إريتريا وسواحلها غير قابلة للمراجعة.

وفي مايو الماضي، شبّه نبيات غيتاتشو، الناطق باسم الخارجية الإثيوبية تحركات القاهرة داخل دول في المنطقة، من بينها إريتريا وجيبوتي وكينيا، بـ«محاولة حصار إثيوبيا ومنعها من الوصول إلى منفذ بحري».

بحسب قرني، شكلت أزمة الاتفاق بين إثيوبيا وإقليم «أرض الصومال» تحولاً استراتيجياً في منطقة القرن الأفريقي، ومحركاً رئيساً للسياسة الخارجية المصرية في المنطقة؛ إذ جاء هذا التطور كـ«جرس إنذار حقيقي» دفع القاهرة إلى تحرك مكثف ومتعدد المسارات لحماية أمنها القومي وأمن المنطقة.

ولفت إلى أن هذا ترجم بشراكات مع إريتريا والصومال، وبتحالف ثلاثي وشبه توافق تام بين مصر والشركاء الثلاثة الرئيسيين (إريتريا، جيبوتي، الصومال) على فكرة الحق الحصري للدول المتشاطئة فيما يتعلق بالمنفذ الساحلي أو وجود سواحل على شاطئ البحر الأحمر.

الدعم الإسرائيلي

في المقابل، خلال سبتمبر المنصرم، أفادت «وكالة الأنباء الإثيوبية بأن إسرائيل أعلنت دعمها الدبلوماسي لمساعي إثيوبيا الرامية إلى تأمين منفذ إلى البحر، ونقلت عن السفير الإسرائيلي لدى إثيوبيا، أفراهام نغوسي، قوله إن بلاده تقف بقوة إلى جانب جهود إثيوبيا لتأمين منفذ بحري إلى البحر الأحمر. وتابع السفير لـ«وكالة الأنباء الإثيوبية»، إن «تمكين إثيوبيا وتعزيزها وتحقيق الاستقرار في البحر الأحمر هو مصلحة للجميع، وليس لإثيوبيا وحدها، وإسرائيل تقف إلى جانب إثيوبيا في هذا الجهد».

وهذا ليس الموقف الأول الذي يطرحه نغوسي في مواقف مرتبطة بتوترات بين مصر وإثيوبيا، ففي أغسطس (آب) الماضي، قال في تصريح صحافي إن إسرائيل «ستواصل تعزيز دعمها لإثيوبيا، بهدف مساعدتها كي تصبح قوة اقتصادية رائدة في القارة الأفريقية». وحينذاك، حذر السفير محمد العرابي، وزير الخارجية الأسبق وعضو لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ ورئيس «المجلس المصري للشؤون الخارجية»، من تداعيات التصريحات الإسرائيلية، مشيراً في تصريحات سابقة لـ«الشرق الأوسط»، إلى أنها «لن تنال ولن تغير» من مواقف مصر.

قرني، من جهته، لا يعتقد أن هذا الدعم الإسرائيلي سيغيّر موقف مصر الثابت في رفض المنفذ البحري لإثيوبيا، مشدداً على أن إسرائيل تريد الضغط فقط على مصر في ملفات أخرى، لكن الدولة المصرية قادرة على حماية حقوقها.

من جهة ثانية، قال عبد المنعم أبو إدريس، الخبير في الشؤون الأفريقية، لـ«الشرق الأوسط»، إن حصول أديس أبابا على منفذ بحري في ظل توتّراتها الحالية مع جيرانها أمر صعب، خاصة أنها متهمة من السودان بمساندة ميليشيا «الدعم السريع».

وشدّد على أن مصر لا يمكن أن تسمح بوجود عسكري إثيوبي في الساحل السوداني أو البحر الأحمر؛ حرصاً على أمنها القومي وأمن المنطقة.

لكن البرلماني الإثيوبي، محمد نور أحمد، يرى إمكانية تحقيق ذلك، مشيراً إلى أن حكومة بلاده تعمل على إقناع الأطراف والدول المجاورة على مراجعة مواقفها والانخراط في تفاهمات تعزز مصالح الجميع.


فاطمة الزهراء المنصوري... من عمودية مراكش إلى رئاسة الحكومة المغربية

ترشّحت عام 2009 في مواجهة النخب التقليدية التي هيمنت على مجلس مدينة مراكش لسنوات طويلة
ترشّحت عام 2009 في مواجهة النخب التقليدية التي هيمنت على مجلس مدينة مراكش لسنوات طويلة
TT

فاطمة الزهراء المنصوري... من عمودية مراكش إلى رئاسة الحكومة المغربية

ترشّحت عام 2009 في مواجهة النخب التقليدية التي هيمنت على مجلس مدينة مراكش لسنوات طويلة
ترشّحت عام 2009 في مواجهة النخب التقليدية التي هيمنت على مجلس مدينة مراكش لسنوات طويلة

في الممرات الرخامية الهادئة للقصر الملكي بالعاصمة المغربية الرباط، لم يكن المشهد مجرد بروتوكول سياسي معتاد، بل كان إعلاناً عن انعطافة تاريخية كبرى في مسار الدولة المغربية الحديثة؛ إذ تقدمت فاطمة الزهراء المنصوري لتؤدي القسم القانوني أمام العاهل المغربي الملك محمد السادس، وكانت خطواتها الواثقة تختزل عقوداً طويلة من نضال الحركة النسائية المغربية، وتفتح فصلاً غير مسبوق في كتاب السياسة المغربية. لم يكن الحدث عابراً أو مجرد مناوبة حكومية عادية، فالمنصوري، الملقبة في الأوساط السياسية والإعلامية بـ«المرأة الحديدية»، باتت أول امرأة تتقلد منصب رئيسة الحكومة في تاريخ المملكة المغربية، بعدما قادت حزبها «الأصالة والمعاصرة» إلى صدارة المشهد الانتخابي وحققت فوزاً تشريعياً أعاد رسم الخريطة الحزبية في البلاد. هذا الصعود المطّرد لامرأة قادمة من خلفية حقوقية وقانونية صارمة، لم يكن وليد الصدفة أو نتاج ترتيبات سياسية عابرة، بل هو ثمرة مسار حافل بالمعارك الانتخابية الطاحنة، وإدارة الأزمات المحلية الكبرى، والقدرة الفائقة على التوازن والمناورة في معترك يوصف غالباً في الأدبيات السياسية بأنه حكر على الرجال. من رداء المحاماة الأسود في قاعات المحاكم، إلى عمودية مدينة مراكش التاريخية، وصولاً إلى قيادة الحزب السياسي ثم رئاسة الجهاز التنفيذي، تشكل المنصوري حالة استثنائية وبديعة في هندسة النخبة السياسية المغربية الجديدة التي تؤسس لمغرب القرن الحادي والعشرين، وتمنح العمل السياسي بعداً حداثياً حقيقياً يتماشى مع التطلعات المجتمعية الكبرى في البناء والتشييد والتنمية المستدامة المعاصرة.

لم تكن فاطمة الزهراء المنصوري غريبة عن عالم السلطة والتدبير العام وأروقة صناعة القرار، فقد ولدت في الثالث من يناير (كانون الثاني) عام 1976 في قلب مدينة مراكش، لأسرة عريقة، تتحدر من منطقة الرحامنة، والتي ضربت جذورها عميقاً في تاريخ «المدينة الحمراء» وثقافتها وسياساتها المحلية.

والدها الراحل عبد الرحمن المنصوري، كان رجلاً وازناً في بنية الدولة المغربية؛ إذ شغل منصب باشا مدينة مراكش لسنوات طويلة، وكان سفيراً للمملكة لدى دولة الإمارات العربية المتحدة. وفي هذا المناخ المفعم بالسياسة والدبلوماسية وحب الوطن، تشرّبت الطفلة فاطمة الزهراء أبجديات الدولة والخدمة العامة، وتعلّمت في مجالس والدها كيف تقرأ موازين القوى وفنون الحوار البنَّاء في بيئة لا تعترف إلا بالقوة والوضوح والالتزام بالعهود الكبرى التي تقطعها النخب أمام الشعب المغربي.

مراحل التعليم

تلقّت المنصوري تعليمها الأولي والثانوي في المدارس الفرنسية بمراكش، تحديداً في ثانوية «فيكتور هوغو» العريقة، حيث بدأت تتشكل ملامح شخصيتها المتمرّدة والمنضبطة في آن واحد، وهي الشخصية التي ترفض القوالب الجاهزة وتسعى دائماً للتميز في كل مجال تطأه قدمها. ولأنها كانت تطمح لفهم آليات العدالة وصناعة القرار وتطبيق القانون بشكل ينصف المجتمع؛ اختارت سلوك درب العلوم القانونية. بعدها انتقلت إلى فرنسا، وهناك نالت شهادة الدراسات العليا في قانون عقود الأعمال من جامعة مونبلييه العريقة، نالت الإجازة في القانون الخاص من جامعة محمد الخامس بالرباط. إلا أنها لم تكتفِ بالتحصيل المعرفي الأوروبي، بل قادها شغفها الأكاديمي إلى الولايات المتحدة الأميركية، حيث تعمَّقت في دراسة القانون الأنجلو - ساكسوني من جامعة بيس الأميركية في نيويورك. وحقاً، منحها هذا التكوين الأكاديمي الثلاثي الأبعاد أفقاً فكرياً واسعاً، وقدرة على محاورة النخب الدولية بلغات متعدّدة وبثقة كاملة. وفور عودتها إلى المغرب، أسّست مكتباً للمحاماة استحال سريعاً واحداً من أبرز المكاتب المتخصصة في قانون الأعمال والعقارات منذ 22 مارس (آذار) 2005، لتصنع لنفسها اسماً مستقلاً بعيداً عن جلباب والدها الراحل ونفوذه القديم في أروقة الإدارة المحلية بمراكش.

عائلياً، فاطمة الزهراء المنصوري أم لطفلين، استطاعت التوفيق بين مسارها المهني المتطلب في قطاع الأعمال والتزاماتها الأسرية، معلنةً في مناسبات إعلامية نادرة أن الفصل بين الحياة الخاصة والواجب العام هو معيار أساسي لتقييم كفاءة أي مسؤول سياسي بعيداً عن القوالب النمطية. ومن ناحية أخرى، اختارت مجلة «فوربس» عام 2014، المنصوري على رأس قائمة من 20 امرأة شابة، الأكثر تأثيراً في القارة الأفريقية. واختيرت في السنة ذاتها ضمن القادة الشباب العالميين. وراهناً تُعدّ رئيسة الوزراء الجديدة عضواً في «الجمعية الدولية للعمداء الفرنكفونيين»، كما أنها نائبة رئيس «الجمعية المغربية لرؤساء المجالس الجماعية».

المنعطف السياسي الأول

شكّلت الانتخابات البلدية لعام 2009 المنعطف الأول في المسار السياسي للمنصوري، حين ترشّحت باسم حزب «الأصالة والمعاصرة»، الناشئ آنذاك، في مواجهة النخب التقليدية التي هيمنت على تدبير مجلس مدينة مراكش لسنوات طويلة. ونجحت المحامية الشابة في إحداث مفاجأة انتخابية عندما أطاحت بالعمدة المخضرم عمر الجزولي، لتُنتخب في سن الثالثة والثلاثين عمدةً لـ«المدينة الحمراء». وتغدو، بالتالي، أول امرأة تتقلد هذا المنصب في مدينة كبرى بالمغرب.

مع هذا، لم يكن تدبيرها للمجلس الجماعي خالياً من الأزمات والنزاعات السياسية والقانونية الشرسة، فقد واجهت معارضة قوية من الخصوم الذين شككوا في قدرتها على إدارة مدينة سياحية ذات ثقل دولي ومشاكل هيكلية معقدة. غير أن فترتها الانتدابية الأولى تميّزت بفتح ملفات تنظيمية شائكة تتعلق بمالية البلدية، ومراجعة عقود التدبير المفوض لقطاعات النظافة والنقل والإنارة وتطهير الأوعية العقارية؛ الأمر الذي منحها تجربة ميدانية في مواجهة التدافعات السياسية المحلية واكتساب آليات التفاوض والتدبير المباشر مع المصالح المركزية لوزارة الداخلية.

من القيادة الحزبية إلى الحقيبة الوزارية

وبالتوازي مع عملها على رأس مجلس مدينة مراكش، حرصت المنصوري على تعزيز موقعها داخل البنية التنظيمية لحزب «الأصالة والمعاصرة»، حيث تولت رئاسة المجلس الوطني للحزب، وهو الهيئة التقريرية الثانية بعد المؤتمر الوطني. وفي هذا الموقع، لعبت دوراً محوَرياً في ضبط التوازنات الداخلية وتدبير الخلافات المستمرة بين التيارات المتنافسة على القيادة.

وعقب الانتخابات التشريعية والجماعية لعام 2021، عادت المنصوري لتتولى عمودية مراكش للمرة الثانية، بالتزامن مع تعيينها وزيرة لإعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة في حكومة عزيز أخنوش.

وفي هذا الموقع، تميّزت فترتها الوزارية بمحاولة إصلاح قطاع التعمير عبر تبسيط مساطر البناء في العالم القروي، وإطلاق الحوار الوطني للتعمير والإسكان، وتنزيل الدعم المباشر للسكن. وهي ملفات واجهت فيها صعوبات ترتبط بالبيروقراطية الإدارية وتداخل الاختصاصات مع القطاعات الحكومية الأخرى والمجالس المنتخبة؛ ما تطلب منها اعتماد مقاربة صارمة في تدبير الصفقات وإعادة هيكلة الوكالات الحضرية.

المؤتمر الخامس وصياغة نموذج القيادة الجماعية

من جهة ثانية، عاش حزب «الأصالة والمعاصرة» خلال فبراير (شباط) من عام 2024 أزمة تنظيمية حادة هدَّدت تماسك بيته الداخلي في أعقاب تطورات سياسية وقضائية مسّت قادة بارزين فيه. وخلال المؤتمر الوطني الخامس المنعقد في مدينة بوزنيقة، برزت المنصوري كشخصية توافقية قادرة على إنقاذ الحزب من الانقسام؛ إذ قادت هندسة تنظيمية جديدة اعتمدت لأول مرة في تاريخ المشهد الحزبي المغربي، وتمثّلت في إلغاء منصب الأمين العام الفردي وتعويضه بـ«قيادة جماعية أمانة عامة» ثلاثية الأعضاء.

وتولت المنصوري منصب «المنسّقة الوطنية» لهذه القيادة الجماعية، لتصبح الناطق الرسمي والمدبّر الفعلي لشؤون الحزب واستراتيجيته السياسية والانتخابية. وبالفعل، نجحت هذه المقاربة التنظيمية في إعادة الاستقرار للحزب وضبط قواعده وتأهيله لخوض المحطّات الانتخابية اللاحقة التي أسفرت عن تصدّره النتائج والتموقع في صدارة المشهد السياسي.

الرهانات الكبرى

جلوس فاطمة الزهراء المنصوري على مقعد رئاسة الحكومة الجديدة، لتقود مرحلة ممتدة حتى عام 2031، سيواجه حزمة من الملفات الاقتصادية والاجتماعية الثقيلة التي لا تقبل التأجيل في ظل وضعية دولية وإقليمية متقلبة.

ويأتي على رأس هذه الملفات: استكمال وتدبير الورش الملكية المرتبطة بالدولة الاجتماعية، وهو ما يشمل تعميم التغطية الصحية الشاملة، وتطوير منظومة الدعم الاجتماعي المباشر للأسر المعوزة، وهما من المشاريع التي تتطلب حَكامة مالية صارمة وإصلاحاً حقيقياً للإدارة لمنع الهدر وضمان استدامة التمويل.

وأيضاً، تواجه الحكومة تحدي إصلاح منظومتي الصحة والتعليم اللتين تعانيان من مشاكل بنيوية مزمنة واحتجاجات فئوية متكررة، فضلاً عن معالجة أزمة الجفاف الحادة التي تضرب البلاد لسنوات متتالية، وما يترتب عنها من إجهاد مائي غير مسبوق يتطلّب تسريع إنجاز محطات تحلية مياه البحر وسدود الربط المائي، وتحفيز الاستثمار لخلق فرص شغل مستدامة للشباب القروي والحضري على حدِّ سواء.

وإلى جانب ذلك كله، يبرز التحدّي التنظيمي واللوجستي البنيوي الأكبر المتمثّل في إشراف الحكومة على التحضيرات الكبرى الخاصة باستضافة المغرب لنهائيات كأس العالم لكرة القدم عام 2030 بالاشتراك مع إسبانيا والبرتغال. وهذا مشروع يتطلب استثمارات ضخمة في البنى التحتية والنقل والفندقة والاتصالات، ووضع خطط تمويلية دقيقة تجنب ميزانية الدولة أي هزّات أو عجز هيكلي قد يؤثر على التوازنات الماكرو - اقتصادية للمملكة خلال السنوات المقبلة.

تفتيت «العرش الذكوري»

جدير بالذكر أنه منذ حصول المغرب على استقلاله في عام 1956، احتكر الرجال منصب رئاسة الحكومة بصفة مطلقة، حيث تعاقبت على هذا المركز الرفيع وجوه سياسية وتكنوقراطية صبغت القرار التنفيذي بخصائص ومقاربات متباينة توافقت مع طبيعة المراحل التاريخية التي مرت بها المملكة.

وبدأت هذه السلسلة التدبيرية مع مبارك البكاي لهبيل كأول رئيس حكومة، وتوالت الأسماء التاريخية مثل أحمد بلافريج، وعبد الله إبراهيم، وأحمد باحنيني، ومحمد بنهيمة، وأحمد العراقي، ومحمد كريم العمراني (تولى رئاسة الحكومة 3 مرات)، وأحمد عصمان، والمعطي بوعبيد، وعز الدين العراقي وعبد اللطيف الفيلالي. وكانت «الصالونات السياسية» في الرباط تنظر إلى منصب رئيس الحكومة بوصفه فضاءً محاطاً باعتبارات أمنية وقبلية وحزبية معقدة تفصَّل دائماً على مقاسات رجالية، في حين ظل حضور المرأة مقتصراً لسنوات طويلة على الهوامش الحقوقية والجمعوية دون النفاذ إلى مراكز القرار التنفيذي الأول بالبلاد.

ومع دخول المغرب مرحلة الانفتاح السياسي والتناوب التوافقي في نهاية التسعينات، قاد الراحل عبد الرحمن اليوسفي تجربة حكومية فريدة اعتمدت على التوافق السياسي وبناء المؤسسات، وتلاه إدريس جطو بمقاربته التكنوقراطية الصارمة وإدارته المشاريع الاقتصادية الكبرى، ثم عباس الفاسي الفهري.

وشهد العقد الماضي صعود تيار الإسلام السياسي لقيادة الحكومة عبر محطتي عبد الإله بنكيران، وسعد الدين العثماني، اللذين ركَّزا على ملفات الدعم وصندوق المقاصة ونقاشات الهوية، وصولاً إلى التجربة الليبرالية التدبيرية الأخيرة لعزيز أخنوش التي ركزت على الفاعلية الاستثمارية والأوراش الكبرى. وتشارَك هؤلاء القادة جميعاً في صياغة السياسات بعيون رجالية، ليمثل تعيين المنصوري كأول امرأة خطوةً تفكك هذا الاحتكار الطويل وتضع الكفاءة والقدرة التدبيرية معياراً وحيداً للمسؤولية.


حزب «الأصالة والمعاصرة»... وسياق البحث عن التوازن الحزبي

مبنى البرلمان المغربي في الرباط (البرلمان المغربي)
مبنى البرلمان المغربي في الرباط (البرلمان المغربي)
TT

حزب «الأصالة والمعاصرة»... وسياق البحث عن التوازن الحزبي

مبنى البرلمان المغربي في الرباط (البرلمان المغربي)
مبنى البرلمان المغربي في الرباط (البرلمان المغربي)

يرتبط المسار التنفيذي لفاطمة الزهراء المنصوري، رئيسة وزراء المغرب الجديدة، بشكل عضوي بنشأة وتطور حزب «الأصالة والمعاصرة» (المعروف اختصاراً بالـ«بام»)، الذي أسس في أغسطس (آب) 2008 في سياق سياسي مثير للجدل. تأسيس الحزب جاء بمبادرة قادها فؤاد عالي الهمّة، المستشار بالديوان الملكي المغربي، برفقة شخصيات حقوقية ويسارية سابقة ووجوه تكنوقراطية، من خلال دمج خمسة أحزاب سياسية صغيرة في إطار ما سمي آنذاك «حركة لكل الديمقراطيين».

وتمثلت الفكرة المحورية للحزب في تقديم عرض سياسي حداثي يهدف إلى إعادة التوازن للمشهد الحزبي المغربي، وكسر القطبية الحادة والتصدّي لصعود تيارات الإسلام السياسي التي كانت تهيمن على المشهد الانتخابي والشارع المغربي. وفعلاً، طرح الحزب أطروحة فكرية تحاول التوفيق بين الأصالة المغربية القائمة على الملكية والدين والتقاليد، والمعاصرة القائمة على قيم الديمقراطية وحقوق المرأة والمنظومة الحداثية والتحديث الاقتصادي الشامل والمنفتح.

ومنذ التأسيس وحتى الانتقال إلى القيادة الجماعية الحالية، تعاقب على الأمانة العامة لحزب «الأصالة والمعاصرة» خمسة قادة عكس كل منهم مرحلة سياسية محددة من تاريخ التدافع الحزبي في البلاد. وبدأت المرحلة مع محمد الشيخ بيد الله في الفترة ما بين عامي 2009 و2012، وهو طبيب ووزير سابق متحدر من الأقاليم الجنوبية، وتركزت مهمته في تثبيت الحزب ومواجهة هزات حراك 20 فبراير (شباط) عام 2011. ثم تولى مصطفى الباكوري القيادة بين 2012 و2016، وهو رجل اقتصاد وتكنوقراط صبغ الحزب بطابع تدبيري عقلاني ركّز على البرامج الاقتصادية والمشاريع الاستثمارية، مبتعداً عن الصدامات الآيديولوجية المباشرة مع الخصوم السياسيين بالبلاد.

شعار حزب «الأصالة والمعاصرة» (الحزب)

بعده، شهدت الفترة بين عامي 2016 و2018 تولي إلياس العماري للأمانة العامة، وهو شخصية كاريزمية آتية من اليسار الراديكالي، واتسمت فترته بالاستقطاب الحاد والشرس مع حزب «العدالة والتنمية» وقيادة معارضة قوية انتهت باستقالته عقب تحولات سياسية معقدة. ثم جاء دور حكيم بنشماش بين عامي 2018 و2020، وشهدت فترته انقسامات وصراعات داخلية حادة بين التيارات المتنافسة كادت تعصف بوحدة الحزب التنظيمية.

وأخيراً، قاد الحزب عبد اللطيف وهبي بين عامي 2020 و2024، وهو محامٍ تميز بالجرأة والمصادمة، ونجح في نقل الحزب من مقاعد المعارضة إلى التدبير الحكومي لأول مرة عقب انتخابات عام 2021 متولّياً وزارة العدل، ومثيراً لنقاشات مجتمعية واسعة حول إصلاح القوانين ومدونة الأسرة، لتستقر قيادة «الجرّار» - والجرّار الزراعي هو شعار الحزب - الحزبي اليوم في يد جماعية تقودها المنصوري بحسابات سياسية دقيقة تسعى للحفاظ على موقع الحزب وصدارته للمشهد التنفيذي الحداثي في المملكة المغربية.