ارتباط الشعر بالانتصار... والسرد بالهزيمة

متلازمة أخرى بين قمع القص وقمع المرأة (2ـ 2)

محمد حسين هيكل - واسيني الأعرج - جمال الغيطاني - نجيب محفوظ
محمد حسين هيكل - واسيني الأعرج - جمال الغيطاني - نجيب محفوظ
TT

ارتباط الشعر بالانتصار... والسرد بالهزيمة

محمد حسين هيكل - واسيني الأعرج - جمال الغيطاني - نجيب محفوظ
محمد حسين هيكل - واسيني الأعرج - جمال الغيطاني - نجيب محفوظ

لعل أمر الانصراف النقدي والفكري عن الاهتمام بالسرد في تراثنا، والانحياز إلى الشعر دراسة وفناً من أعقد المشكلات التي يمكن الخوض فيها؛ لتداخل الأسباب وتعددها، ففي المسار الديني، ظهرت خطورة القص في لحظة بدء جمع الحديث الشريف؛ الذي تزامن مع تكاثر القصاص في العصر الأموي، وأوائل العصر العباسي، فقد كثر الوعَّاظ والمذكِّرون الذين كانوا يستخدمون القصص في الترغيب والترهيب بأحاديث موضوعة في الغالب، مما حمل الخلفاء والفقهاء على التصدي لهذه الظاهرة، فهذا علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - يسأل زرعة القاصَّ الذي اشتهر بالقص في الكوفة: علام ثبات الدين؟ فلما تأكد من علمه بالأمور الشرعية سمح له بالقص، وهذه أم أبي حنيفة تسأل ابنها أن يحملها إلى أحد القصَّاص لتستفتيه في أمر يخصُّها، فقال لها: «أنا صاحب الفتيا في العراق، هل لي أن أفتيك؟»، فأصرَّت عليه، فحملها أبو حنيفة براً بها إلى ذلك القاص، وتقتنع بما قاله القاص لها، كما عُرف عن أحمد بن حنبل تصديه لظاهرة القصَّاص حيث يقول: «ما أحوجنا إلى قاصٍّ صدوقٍ»، ويقول أيضاً «ما أكذب القصَّاصَ والسُؤْال»، وبعد ذلك يأمر الخليفة العباسي المعتضد بالله بمنع القصاص؛ الذين انتشروا في بغداد من القص في الجوامع والطرقات، بعد أن رأى العامة تلتف حولهم وتتقرب منهم، فهل الخليفة كان يخشى التأثير السياسي لهؤلاء القصاص، أم أن سطوة المؤسسة الدينية كانت نافذة بحيث دفعت الخليفة إلى إصدار أوامره لمنع القصاص؟ أم أن انفصام ثقافة النخبة عن العامة، أتاحت لهؤلاء القصاص أن يحددوا جمهورهم المستهدف؟ أم إلى الدور التعويضي الذي تلعبه القصة في نفوس العامة؟ هذه أسئلة ينبغي أن تحضر عند مقاربة العلاقة المرتبكة بين الشعر والسرد في تراثنا.
وفي مقابل التضييق على القصاص، كان الشعراء يستقبلون في المحافل، وتفتح لهم أبواب البلاط، ويُحتفى بهم ويُكَرمون، ولم يجد الشعراء نهياً ولا أمراً بعدم القول في أي أمرٍ يرونه مناسباً للقول، فقد تعددت تجارب الشعراء حتى تجاوزت المسموح الديني، كما في شعر أبي نواس وبشار بن برد ومسلم بن الوليد وغيرهم، لقد تبلور ما يشبه الموقف الجماعي بين الديني والسياسي والثقافي على التماهي مع الشعر، والتصدي في الوقت نفسه لظاهرة نمو الفنون السردية، وقد يُحتجُّ بالمقامة والاهتمام بها، غير أن أمر المقامة لم يؤخذ من زاوية سردية، بل من زاوية لغوية بلاغية، فهي في ذلك أقربُ إلى الدرس النقدي الذي حظي به الشعر، وعندما استقبلت المقامة سردياً استقبلت على أنها هزلٌ مسلٍ ليس إلا، وليست من ثمَّ من أدب الخاصة، وهذه النظرة الطبقية إلى الفنون تضخَّمت حتى فجَّرت العامة نصها الخالد «ألف ليلة وليلة»، فسخرت من الخاصة أيما سخرية، ومن يعود إلى الليالي يلحظ اهتمامها المثير بانتهاك معاقل الخاصة؛ المتمثلة في بلاط الخلفاء، ويلحظ أيضاً الانتصار غير المسبوق للمرأة في تراثنا، وهي متلازمة أخرى بين قمع السرد وقمع المرأة، ولعل كتاب «بلاغات النساء» لابن طيفور قد جسد هذه اللعبة الطبقية، عندما جمع أقاصيص تنتصر فيها المرأة على حساب الرجل، وليس أي رجل، بل الخليفة رمز السلطة في أعلى مستوياتها.
لقد كان خطابنا الثقافي منقسماً إلى خطابين متضادين: خطابٌ نخبويٌّ، وآخر شعبويّ، احتضن الخطاب النخبوي الشعر، ووظَّفه لخدمة سياقاته السياسية والاجتماعية، فكان حاضراً ومواكباً لاحتفالات البلاط السياسي، والمحافل الاجتماعية الكبرى، أما الخطاب الشعبوي فقد استغل الإمكانات السردية لمواجهة السلطة، وما «كليلة ودمنة»، و«نصوص المقامات»، و«ألف ليلة وليلة» وغيرها إلا أمثلة على مقاومة النخبوي سياسياً واجتماعياً. فهل يمكن أن نتكيف مع هذه الفرضية؟
بمراجعة العديد من الأدبيات والمقولات والملاحظات في سياق نشوء وتطور الأدب العربي شعراً وسرداً، يجب أن نحرِّر أمراً في غاية الأهمية، يضاف إلى إشكالية ازدواجية الخطاب الثقافي، وهذا الأمر يتعلق بالناحية المصطلحية، فإذا كان الشعر قد تحدد بمصطلحه قديماً وحديثاً، واستقرَّ هذا المصطلح حتى في الخطاب القرآني، فإن من معضلات السرد في تراثنا العربي غياب المصطلح الذي يجمع شتات الفنون السردية من حكاية ونادرة وطرفة ومقامة ومثل وغيرها، تحت اسم جامع يحدد هويتها في مقابل الشعر، وإنَّ عدم ربط الفنون السردية في سياقٍ يجمعها أضعف من شخصيتها أمام الشعر المستقل باسمه، الجامع لشخصيته.
فالنثر (المصطلح) الذي استخدم في مقابل السرد تتداخل فيه أنواع أخرى غير الفنون القصصية، فالخطابة والمنافرات والمفاخرات وسجع الكهان، وبعد ذلك كل الكتابات النثرية في علوم العربية والنقد والتاريخ والتفسير وغيرها تحشر في هذا المصطلح، وهو ما تنبه إليه النقاد العرب في مطلع القرن العشرين، وخصوصاً زكي مبارك وطه حسين، عندما أطلقوا مصطلح النثر الفني لتمييز الفنون الحكائية عن غيرها من أشكال النثر، ورغم أن هذا المصطلح يعد تحولاً جاداً في النظر إلى مفهوم الفنون السردية، إلا أنه ما يزال قاصراً عن تحديد الهوية السردية للفنون الحكائية الخصبة بجمالياتها والغنية بمدلولاتها، غير أن هذا المصطلح لم يكن كافياً؛ ليدل على سردية النص، فهذا الدكتور علي الراعي يضع رواية «زينب» لمحمد حسين هيكل في خانة وسطٍ بين الرواية والنثر الفني، ففي نظره لم ترق رواية «زينب» لفن السرد الروائي، لكنها نثرٌ فني يرتقي عن النثر العادي، ولم يتم تجاوز هذه الإشكالية المصطلحية إلا في أواخر السبعينات الميلادية من القرن الماضي، عندما تمت الاستفادة من التحولات النظرية السردية في الغرب، وأصبح مصطلح «السرد» هو السائد في تعريف الفنون السردية المختلفة تراثية كانت أم عصرية.
إن المحطات السردية الضخمة التي أنتجها الأدب العربي مثل «كليلة ودمنة»، و«البخلاء»، و«المقامات»، و«رسالة الغفران»، و«رسالة التوابع والزوابع»، و«أدب الرحلات»، و«ألف ليلة وليلة»، والسير الشعبية على اختلاف أنواعها، بالإضافة إلى قصة «مجنون ليلى» التي تعددت روايتها في الكثير من المصادر، ولعل أشهرها ما رواه صاحب «الأغاني»، كل هذه المحطات استقبلت متفرقة بوصفها إنتاج أفراد لا ظاهرة متماسكة تنمو باتجاه أفقٍ سردي متعاظم النمو والازدهار؛ الذي بلغ ذروته في «ألف ليلة وليلة»: ما مسؤولية الدور النقدي الذي كرَّس اهتمامه بظاهرة الشعر شرحاً وتمحيصاً وتبويباً وتصنيفاً؟ وفي المقابل، ظلَّ الجهد السردي ينمو بعيداً عن دوائر التأثير الثقافي، فلم يدرس ولم يصنف ولم يبوب؟
هنا ظهر حجم المشكلة، فعندما استفاق العرب في عصر النهضة في القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، فتشوا عن تراثهم القصصي، فوجدوه مهملاً، لم تبنَ مساراته بالتوازي مع الشعر، لقد وقع الارتباك عند رواد النهضة المشتغلين بالكتابة القصصية من أمثال ناصيف اليازجي وأحمد فارس الشدياق، فقلة من الكتاب رأت ضرورة الاشتغال على المنجز السردي القديم، لكن أين هو؟ لم يجدوا سوى المقامة التي لها شخصية مميزة، بوصفها نصاً يمكن أن يحتذى، ومع ذلك، لم يكن الأمر مقنعاً ومشجعاً، فالتفتوا إلى السرد القادم من الغرب في شكل الرواية والقصة القصيرة التي كانت حاضرة في الترجمات الكثيرة، وفي هذه اللحظة استشعر محمد المويلحي ضرورة الإفادة من الشكلين العربي والغربي معاً، فقدَّم مغامرة روائية ذكية بعنوان «حديث عيسى بن هشام» حاول فيها أن يجمع بين شكلين، المقامة في شكلها الثنائي (الراوي والبطل)، والرواية المنفتحة في أفقها الزمني، وفي حركتها وإيقاعها الذي يقترب من نبض الواقع، لكن هذه التجربة لم يستفد من فكرتها إلا في أواخر الستينات عندما بدأ جمال الغيطاني، ونجيب محفوظ، وواسيني الأعرج، وغيرهم بالقيام بمهمة استلهام التراث السردي، لكن هذه المرة بوعي قومي وجماليٍ، قومي؛ لتزامن هذه التجربة مع المد الوحدوي والقومي الذي سعى لإعادة تأسيس التراث القومي، وجماليٍّ؛ لما في هذه التجربة من غنى جمالي وإنسانيٍ، وإن من يقرأ روايات الغيطاني يدرك الكنوز السردية الهائلة التي يحفل بها التراث السردي التي ظلت غائبة أو مغيبة لأسبابٍ كثيرة.
وأريد أن أختم بملاحظة تستحقُّ أن نتوقف أمامها، ولعلَّها تلخص أزمة العلاقة بين الشعر والسرد: ألا تلاحظون معي أن هناك علاقة بين الانتصار والشعر، وعلاقة أخرى بين السرد والهزيمة! الأمر ليس لغزاً، بل ملاحظة أرى أنها جديرة بالنظر، فعلى مدى قرونٍ تمتَّع الشعر بمنزلة رفيعة، لكنَّ ذلك كان ارتباطاً بحال الأمة المنتصرة عسكرياً وسياسياً، المتماسكة حضارياً وإنسانياً، فكان الشعر حاضراً؛ لاستثمار حالة الانتصار هذه، فحضر في المعارك، والحروب، وفي الجدل السياسي، وفي بلاط الخلفاء، وعندما فقدت الأمة زهوها وانتصارها انحسر دور الشعر المتباهي بالانتصار؛ ليأتي دور السرد معوضاً الانكسار بالحضور، وتغذية الوجدان العام؛ الذي لم يعد للشعر فيه الدور الفاعل، وفي الحديث: «إن بني إسرائيل لما هلكوا قصوا»، الألباني في السلسلة الصحيحة، 4-246. فلم تنتشر قصص بني إسرائيل إلا في حال شتاتهم وضعفهم، فهو أمرٌ يكاد يكون لازمة بين فنون السرد والهزيمة، مثلما الأمر بين الشعر والانتصار.
كلُّ الفنون العظيمة مثل «ألف ليلة وليلة» والسير الشعبية، ظهرت في العصور المتأخرة في وقت انكسار الأمة، وضعفها، وتمزق مركزيتها، وغاب الشعر الذي فقد روح الانتصار في الأمة، وتحول إلى ألغازٍ وإخوانيات، وانعدمت روح الإبداع والابتكار، ورغم وجود استثناءاتٍ هنا وهناك، فإنها لا تغيِّر المعطى العام الذي يؤكد ضعف الشعر وازدهار السرديات منذ القرن العاشر الهجري، حتى مطلع القرن العشرين بعد حركة إحياء الشعر، وعليه يمكن أن نقول إن الشعر للانتصار والسرد للهزيمة، أي أن الشعر يصلح لعصور انتصار الأمة وحيويتها، وإذا ضعف حال الأمة جاءت السرديات؛ لتؤسس خطاب ما ينبغي أن يكون وليس ما هو كائنٌ، وهو خطابٌ يعزِّز القيم المعنوية في غياب حالة الانتصار، فمن يقرأ «سيرة عنترة» يلحظ اتحاد الشعوب تحت راية واحدة، وهو تعبيرٌ رمزي يعوِّض غياب الوحدة والقوة في حال الأمة.
ولأن واقعنا الرَّاهن ما زال يغرق في الضعف والفرقة والتنافس، فلا صوت يعلو فوق صوت السرديات المقروءة، والمرئية كالدراما التلفزيونية، فالزمن زمن الرواية كما أشار إلى ذلك العديد من النقاد، والشواهد أبلغ من شهادات النقاد، فالرواية حاضرة على مستوى الإبداع والتلقي والنقد بمعايير غير مسبوقة.
هل لأنَّ هناك إدراكاً متأخراً لأهمية السرد فاحتلَّ الصدارة، أم هي حتمية التاريخ تفرض فنونها وأجناسها؟ إنَّ الحضور لا يقاس بالكم، لكن يقاس بالتأثير، وبهذا المعنى، تحتلُّ الرواية، على وجه الخصوص، صدارة القول الأدبي، متمكنة من القراء بدرجاتٍ مقروئية غير مسبوقة.
أما القول بتفوق الرواية على الشعر، فهو قولٌ قادمٌ من سنوات الإحباط التي عانى منها السرد، قولٌ يتغافلُ عن الاشتراطات المعرفية، والحتميات التاريخية، التي بُنيت عليها العلاقة الفكرية بين الشعر والسرد، فحضور الرواية بهذا الزخم ليس موتاً في المقابل للشعر، بل إشكالية الشعر في ذاته لا في غيره.
هل هذه الظاهرة، ظاهرة التنافر لا التجاور بين الشعر والسرد ظاهرة طبيعية؟ مرة أخرى أعتقد أننا أمام مكتسبين يجب الاهتمام بهما معاً، ورغم أن حضور السرد، وقوة تأثيره ونفوذه، أمرٌ حتميٌّ، وليس ناتجَ وعي أو تحولٍ في الذهنية النخبوية، فهناك من لا يزال ينظر بعين النقص للفنون السردية من باب الاستعلاء أحياناً، كون السرد ارتبط في أذهانهم باللهو والهزل، وبالعامة لا الخاصة. كما أن تراجع الشعر يعود ربما إلى انفصاله عن الفواعل الاجتماعية، وانفتاحه على تجارب غربية منها قصيدة النثر التي سجلت الصدمة وبقيت محدودة التأثير.

* أستاذ السرديات في جامعة الملك عبد العزيز بالسعودية



80 ألف عمرة بالإنابة… مبادرة سعودية تفتح أبواب المناسك للعاجزين في رمضان

مبادرة «عمرة هدية» تتيح العمرة بالإنابة عن غير القادرين (جمعية هدية الحاج والمعتمر)
مبادرة «عمرة هدية» تتيح العمرة بالإنابة عن غير القادرين (جمعية هدية الحاج والمعتمر)
TT

80 ألف عمرة بالإنابة… مبادرة سعودية تفتح أبواب المناسك للعاجزين في رمضان

مبادرة «عمرة هدية» تتيح العمرة بالإنابة عن غير القادرين (جمعية هدية الحاج والمعتمر)
مبادرة «عمرة هدية» تتيح العمرة بالإنابة عن غير القادرين (جمعية هدية الحاج والمعتمر)

مع حلول شهر رمضان، تتجه أنظار ملايين المسلمين إلى مكة المكرمة طلباً لأجر العمرة في أكثر مواسم العام روحانيةً، غير أن الرغبة في أداء المناسك لا تتاح دائماً للجميع. فبين المرض والعجز وتقدّم العمر، تبقى أمنية العمرة مؤجلة لدى كثيرين، أو حاضرة في ذاكرة أبنائهم الراغبين في أدائها عن ذويهم الراحلين. هنا تحديداً برزت مبادرة «عمرة هدية» التابعة لجمعية «هدية الحاج والمعتمر»، التي نجحت خلال السنوات الماضية في تنفيذ أكثر من 80 ألف عمرة بالإنابة عن عاجزين ومتوفين، ضمن نموذج يجمع بين العمل الخيري والتنظيم الرقمي.

المبادرة، التي أطلقتها الجمعية عبر متجرها الإلكتروني، تقوم على استقبال طلبات أداء العمرة عن شخص عاجز صحياً أو متوفى، قبل أن تنتقل الطلبات إلى فريق مختص يتولى متابعة التنفيذ وفق إجراءات تنظيمية وشرعية دقيقة.

المهندس تركي الحتيرشي الرئيس التنفيذي لجمعية «هدية الحاج والمعتمر» (الشرق الأوسط)

وقال لـ«الشرق الأوسط» الرئيس التنفيذي للجمعية المهندس تركي الحتيرشي، إن المشروع صُمم لتيسير أداء العمرة بطريقة موثوقة ومنظمة، موضحاً أن منصة التنفيذ تعتمد 3 مراحل توثيقية تبدأ بتحديد نية العمرة وبيانات الشخص المراد أداء المناسك عنه، ثم متابعة الأداء ميدانياً أثناء المناسك، وصولاً إلى مرحلة التحقق بعد الانتهاء من السعي، للتأكد من إتمام العمرة كاملة وبنية صحيحة.

ويؤدي العمرة، حسب الحتيرشي، طلاب علم متخصصون في العلوم الشرعية من الجامعات السعودية، من بينها جامعة أم القرى والجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، ممن سبق لهم أداء الفريضة عن أنفسهم، في إطار يضمن الالتزام بالأحكام الشرعية والتنظيمية في جميع مراحل التنفيذ.

ولا تقتصر تجربة الجمعية على العمرة فحسب؛ إذ تشمل كذلك حج البدل، حيث جرى تنفيذ آلاف الحجج خلال المواسم الماضية بعد استكمال التصاريح النظامية، فيما تتولى الجمعية إصدار التصاريح الخاصة بالحاج المنفذ للمناسك، سواء أُديت عن متوفى أو عاجز.

وفي موازاة العمل الخيري، تعمل شركة «هدية الخير لخدمات الحجاج والمعتمرين» بوصفها الذراع الاستثمارية والتنفيذية للجمعية، بهدف تعزيز الاستدامة المالية للمبادرات.

علاء القباص الرئيس التنفيذي لشركة «هدية الخير» (الشرق الأوسط)

وأوضح لـ«الشرق الأوسط» الرئيس التنفيذي للشركة علاء القباص، أن تأسيسها جاء لدعم مشاريع الجمعية عبر تنويع مصادر الدخل، مشيراً إلى نشاطها في مجالات الاستثمار العقاري وإدارة الأصول، إلى جانب الاستثمار في الشركات الناشئة والابتكار وريادة الأعمال.

وأضاف القباص أن أعمال الشركة تمتد إلى قطاع التصنيع، بما يشمل تصنيع الغذاء والهدايا التذكارية، إضافة إلى التوريد والاستيراد والتصدير، خصوصاً في مجال هدايا الحجاج والمعتمرين، مع شراكات صناعية داخل المملكة وخارجها، من بينها مصانع في تركيا، فضلاً عن مصانع في مكة المكرمة والمدينة المنورة، بهدف نقل منتجات تحمل هوية المكان إلى الأسواق العالمية.

وكشف القباص عن إطلاق الموقع الإلكتروني للشركة لعرض الهدايا والخدمات المرتبطة بالحج والعمرة، موضحاً أن الخدمات ذات الطابع الخيري، مثل العمرة أو الحج بالإنابة، تُنفذ بالتنسيق الكامل مع الجمعية، ويمكن استقبال طلباتها من داخل المملكة وخارجها وفق آلية شرعية وتنظيمية معتمدة.

ومع أن أداء العمرة متاح طوال العام، يؤكد القائمون على المبادرة أن شهر رمضان يظل الموسم الأعلى طلباً، في ظل سعي كثيرين إلى إهداء العمرة لذويهم، في تجربة تعكس تحول العمل الخيري المرتبط بالحج والعمرة نحو نماذج أكثر تنظيماً واستدامة، تجمع بين التقنية والأثر الإنساني في آن واحد.

Your Premium trial has ended


علماء يبتكرون طماطم برائحة «الفشار بالزبد»… خطوة لاستعادة نكهة مفقودة

 الفشار (بيكسلز)
الفشار (بيكسلز)
TT

علماء يبتكرون طماطم برائحة «الفشار بالزبد»… خطوة لاستعادة نكهة مفقودة

 الفشار (بيكسلز)
الفشار (بيكسلز)

في تطور علمي لافت، نجح باحثون في ابتكار أول نباتات طماطم في العالم تفوح منها رائحة «الفشار بالزبد»، عبر تعديل جينين رئيسيين في آنٍ واحد، في محاولة لمعالجة مشكلة كثيراً ما أزعجت المستهلكين والمنتجين على حدّ سواء: تراجع نكهة الطماطم في أثناء النقل والتخزين. وفقاً لصحيفة «إندبندنت».

وطوّر علماء صينيون الصنف الجديد باستخدام تقنية تحرير الجينات، مستهدفين تعزيز الخصائص العطرية للثمار دون المساس بإنتاجيتها أو صفاتها الزراعية الأساسية. وتُعد الطماطم من أكثر المحاصيل زراعةً واستهلاكاً عالمياً، وتحظى بمكانة خاصة في المطابخ المختلفة بفضل لونها الزاهي، وتعدد استخداماتها، وقيمتها الغذائية.

فقدان العبير بعد القطف

ويلعب العبير دوراً محورياً في الجاذبية الحسية للطماطم؛ إذ يؤثر مباشرةً في تفضيلات المستهلكين وقيمتها السوقية، غير أن الثمار تبدأ بفقدان رائحتها تدريجياً نتيجة تغيّرات أيضية تنطلق فور فصلها عن الساق؛ ما ينعكس تراجعاً ملحوظاً في النكهة خلال مراحل النقل والتخزين.

وفي هذا السياق، تمكن العلماء من إنتاج «طماطم فائقة العطر» عبر استخدام تقنية تحرير الجينوم «CRISPR/Cas9» لتعطيل جينين أساسيين مرتبطين بالمسار العطري في بعض أصناف الطماطم.

(الشرق الأوسط)

هندسة جينية دقيقة

عمد الباحثون أولاً إلى تعطيل جين يُعرف باسم «BADH2»، وهو اختصار لـ«بيتين ألدهيد ديهيدروجيناز 2»، في أحد أصناف الطماطم. وأظهرت التجارب أن إيقاف هذا الجين أدى إلى تراكم مركّب عضوي يُسمّى 2-أسيتيل-1-بيرولين (2-AP)، وهو المسؤول عن الرائحة الشهية الشبيهة بالفشار.

وبعد تحليل أشكال الجين، عثر الفريق على متغيرين هما «SlBADH1» و«SlBADH2»، وقاموا بتعطيل وظيفتيهما، وأظهرت السلالات الطافرة ارتفاعاً ملحوظاً في مستويات مركّب «2-AP»، ما عزّز الطابع العطري للثمار.

نكهة أفضل دون خسارة إنتاجية

بيّنت النتائج أن السلالات المعدّلة لم تختلف اختلافاً يُذكر عن النوع البري في الصفات الأساسية، بما في ذلك موعد الإزهار، وارتفاع النبات، ووزن الثمرة، ومحتوى السكريات (الغلوكوز والفركتوز والسكروز)، إضافةً إلى الأحماض العضوية مثل حمضي الستريك والماليك، وفيتامين C.

ويرى الباحثون أن هذه النتائج تحقق هدفاً طال انتظاره في قطاع تحسين المحاصيل، وتعزيز النكهة مع الحفاظ على الإنتاجية.

وقال بنغ تشنغ، وهو مؤلف مشارك في الدراسة، إن العمل الحالي يهدف إلى إدخال هذه السمة العطرية إلى الأصناف التجارية المتميزة، «بما قد يعزّز تعقيد النكهة، ويحسّن تفضيل المستهلكين وقيمتها السوقية»، مشيراً إلى أن الطموح هو تكرار تجربة النجاح التي حققتها أصناف الأرز العطري.

ويأمل العلماء أن تمهّد هذه الخطوة الطريق أمام جيل جديد من الخضراوات ذات جودة حسية أعلى، تعيد إلى موائد المستهلكين نكهاتٍ افتقدوها طويلاً.


نوع نمل بلا ذكور ولا عاملات في اليابان... مستعمرة من ملكات فقط

ملكات تولد من ملكة (شترستوك)
ملكات تولد من ملكة (شترستوك)
TT

نوع نمل بلا ذكور ولا عاملات في اليابان... مستعمرة من ملكات فقط

ملكات تولد من ملكة (شترستوك)
ملكات تولد من ملكة (شترستوك)

وقع علماء على نوع نادر من النمل، موطنه اليابان، يتميَّز بكونه النوع الوحيد الذي يخلو من كلّ من فئتي العاملات والذكور، ويتألَّف حصراً من الملكات.

في العادة، تتكوَّن مستعمرات النمل من إناث قادرة على التكاثر تُعرف كذلك بالملكات، وعاملات غير قادرات على التكاثر، بالإضافة إلى ذكور تموت بعد التزاوج بمدّة وجيزة.

وثمة حالات شاذة عن هذا النمط معروفة، منها مستعمرات تتكوَّن من نمل طفيلي من دون عاملات، وبعضها لا يحتوي على ذكور.

وعلى امتداد أكثر من 4 عقود، اشتبه باحثون في أن النملة الطفيلية النادرة «تمنوثوراكس كينوموراي» لا تُنتج سوى الملكات، لكن لم يكن هناك دليل على ذلك حتى الآن.

الآن، قدَّمت دراسة جديدة نقلتها «الإندبندنت» أول دليل على وجود نوع من النمل يخلو من كلّ من العاملات والذكور، ويتألَّف حصراً من الملكات.

وسبق أن وثَّق علماء أنّ النملة الطفيلية «تمنوثوراكس كينوموراي» تخدع عاملات من نوع وثيق الصلة بها، «تمنوثوراكس ماكورا»، لحملهن على قتل ملكتهن الأم.

وجاء هذا بمثابة اكتشاف مفاجئ، ففي مستعمرات النمل يقضي النمل العامل حياته كلّها في رعاية الملكة، والبحث عن الطعام، والدفاع عن العشّ، وتربية صغار النمل.

ويُعدّ قتل النمل لملكته أمراً نادر الحدوث في الطبيعة، إذ تُشكّل الملكة عنصراً أساسياً لبقاء المستعمرة.

وتُظهر أحدث الدراسات أن نملة «تمنوثوراكس كينوموراي»، علاوة على قتلها للملكة المضيفة، تتكاثر لا جنسياً كذلك عن طريق إنتاج نسخ مستنسخة منها، وتخدع النمل العامل الناجي من المستعمرة المضيفة لحمله على تربية النسل.

وفي إطار البحث الأخير، جمع العلماء 6 مستعمرات تضمّ ملكات «تمنوثوراكس كينوموراي»، وتولّوا تربيتها في صناديق داخل المختبر.

وتمكّن الباحثون من تربية 43 ملكة من نوع «تمنوثوراكس كينوموراي» في المختبر، وكشف فحص النمل لاحقاً عدم وجود ذكور.

وتابعوا دراسة هذه الملكات في ظروف المختبر لمراقبة عملية وضع البيض بانتظام.

ووجد العلماء أنّ البيض يتطوَّر إلى ملكات جديدة من دون أن يُخصَّب من ذَكَر نمل.

بعد ذلك، حلَّلوا ملكات النمل تحت المجهر، ووجدوا أنّ أعضاء التزاوج لديها غير مستخدمة، ممّا يشير إلى أنّ النسل كلّه مستنسخ.

وبعد مراقبة مستعمرات ومجموعات متعدّدة من هذا النوع، أكد الباحثون أنّ هذا النوع يفتقر تماماً إلى فئتَي العاملات والذكور.

وكتب العلماء في الدراسة المنشورة بدورية «كارنت بيولوجي»: «تشير بياناتنا بالتالي إلى أنّ دورة حياة نملة (تمنوثوراكس كينوموراي) تتميَّز بمزيج فريد من التطفُّل من دون عاملات والتكاثُر العذري، أي القدرة على إنتاج إناث من بيض غير مخَّصب».

ويأمل الباحثون عبر دراسات لاحقة في فَهْم الظروف التي تُفضي إلى فقدان العاملات والذكور في هذا النوع من النمل.