السعودية رائدة خليجياً في الاكتتابات العامة الأولية

TT

السعودية رائدة خليجياً في الاكتتابات العامة الأولية

شهدت سوق الاكتتابات العامة الأولية في دول مجلس التعاون الخليجي نشاطاً مكثفاً في عام 2017، بعد أن كان الأداء خافتاً على مدى عامي 2015 و2016، وحقق عام 2017 ارتفاعاً يفوق العامين السابقين مجتمعَين. وبلغ إجمالي الاكتتابات العامة الأولية للشركات وصناديق الاستثمار العقارية المتداولة في المنطقة مجتمعة 25 اكتتاباً مقابل 4 اكتتابات في عام 2016 و6 اكتتابات في عام 2015. كما بلغت إصدارات الشركات من خلال الاكتتابات أعلى مستوياتها على مدى ثلاث سنوات، حيث بلغ إجمالي رأس المال المجمع 3.2 مليار دولار أميركي، مقابل 0.7 مليار دولار في عام 2016، و1.5 مليار دولار في عام 2015، وفقاً لتقرير صادر عن شركة «كامكو» للاستثمار وإدارة الأصول.
وعلى الرغم من أن أنشطة الشركات المدرجة في البورصات الرئيسية لم تشهد تحسناً يذكر مقارنة بالعام السابق من حيث عدد الإصدارات، فإن إصدارات صناديق الاستثمار العقارية المتداولة والسوق الموازية للاكتتابات العامة الأولية قاما بتعويض هذا النشاط المعتدل من خلال عدد من الإصدارات في عام 2017، لكن تجدر الإشارة إلى استمرار مخاوف الشركات المصدرة للاكتتابات من تقلبات الأسواق وأسعار النفط والمخاطر الجيوسياسية: «وإلا لكان اتخذ عدد أكبر من الشركات الكبرى سبل الاكتتابات العامة الأولية في عام 2017»، بحسب محللي «كامكو».
وعلى مستوى دول مجلس التعاون الخليجي، حافظت السعودية على موقعها الريادي في سوق الاكتتابات العامة الأولية الخليجي بتسجيلها أكبر عدد من الاكتتابات، التي ارتفع عددها في السعودية إلى 16 اكتتاباً في عام 2017، مقابل 4 صفقات فقط في عام 2016. ومن حيث العائدات، لعبت الإمارات دوراً رئيسياً واستحوذت على 70 في المائة من إجمالي إصدارات رأس المال، في حين يعزى إلى حد كبير إلى اثنين من الإصدارات الكبرى، وهما «إعمار للتطوير» (1.3 مليار دولار) و«أدنوك للتوزيع» (851 مليون دولار). وبلغ إجمالي العائدات 2.2 مليار دولار.
وفي سلطنة عمان، كان نشاط السوق الأولية مرتفعاً مقارنة بالسوق الموازية من خلال طرح خمسة اكتتابات أولية عامة، من ضمنها أربع شركات تأمين، هي «التأمين الأهلية للتأمين» و«رؤية للتأمين» و«الشركة الوطنية للتأمين على الحياة والعام» و«الشركة العمانية القطرية للتأمين». وبلغ إجمالي العائدات في عمان 112 مليون دولار في عام 2017. أما قطر، فقد شهدت صفقة واحدة تمثلت في مجموعة «استثمار القابضة» بعائدات بلغت 135 مليون دولار، مع استمرار خوف الشركات من أوضاع السوق، حيث تتراجع مستويات مؤشرات السوق الرئيسية والقطاعية بحدة في خضم الأزمة التي تعانيها قطر.
وعلى الرغم من انتشار التوسع القطاعي، وتسجيل قطاعين هما القطاع العقاري وقطاع الطاقة، عدداً من الصفقات المنفردة الكبرى، فإن أبرز أنشطة القطاع الثانوي في سوق الاكتتابات الخليجية لعام 2017 يتمثل - بلا شك - في صناديق الاستثمار العقارية المتداولة، التي قامت السعودية بإدراج ستة منها خلال العام. كما شهدت إحدى الأسواق الإماراتية وهي «ناسداك دبي» إدراج صندوق الإمارات دبي الوطني. وبلغ إجمالي إصدارات صناديق الاستثمار العقارية المتداولة في دول مجلس التعاون الخليجي 536 مليون دولار.
وكان الطلب قوياً على أغلبية تلك الصناديق، حيث فاق الاكتتاب في معظمها الأسهم المطروحة للعرض؛ الأمر الذي برز واضحاً في اكتتاب صندوق ملكية الاستثمار العقاري «REITs» والذي بلغت تغطيته 20 مرة، في حين تمت تغطية اكتتاب صندوق «جدوى ريت الحرمين» وصندوق «مشاركة ريت» بواقع 12.5 مرة و10.2 مرة على التوالي. وتركزت أغلبية أنشطة الاكتتابات العامة الأولية في دول مجلس التعاون الخليجي من حيث عدد الصفقات في السوق الموازي في كل من السعودية وعمان. وجاء ذلك على خلفية إطلاق السعودية للسوق الموازية «نمو» كمبادرة لإعطاء فرصة للشركات الصغيرة والمتوسطة لزيادة رأس مالها؛ نظراً لقلة متطلبات الإدراج في السوق الموازية مقارنة بسوق «تداول» الرئيسية.
وترى بحوث «كامكو» أن سوق الاكتتابات العامة الأولية في دول مجلس التعاون الخليجي خلال عام 2018 ستواصل اعتمادها على تخفيف حدة المخاطر الجيوسياسية، واستقرار أسعار النفط وتحسن بيانات الاقتصاد الكلي واستقرار أسواق رأس المال الثانوية. وعلى الرغم من اعتقاد «كامكو» أن الشركات الكبرى ستنظر بعين الاعتبار لتلك العوامل سالفة الذكر قبل المضي قدماً وطرح أسهمها للاكتتاب، فإنها تتوقع أن تتزايد أنشطة السوق السعودية الموازية، وبخاصة في ظل قرار هيئة أسواق رأس المال السعودية لتمكين المستثمرين الأجانب من التداول في مؤشر «نمو» في عام 2018. بالإضافة إلى ذلك، وبصرف النظر عن اكتتاب «أرامكو» المتوقع في السعودية، من المتوقع للمزيد من الشركات المملوكة للدولة والأصول شبه الحكومية في دول مجلس التعاون الخليجي أن تأخذ مسار طرح أسهمها في سوق الاكتتابات العامة الأولية على المدى المتوسط.
وعلى صعيد الاكتتابات العامة الأولية على مستوى العالم، فقد تلقت هذه السوق دعماً من السوق الثانوية مع تحسن أداء الأسواق العالمية وارتفاع مؤشر «مورغان ستانلي» للأسواق العالمية بنسبة 21.6 في المائة (مقابل 5.6 في المائة في 2016)... وكان أداء الأسواق المتقدمة 20.1 في المائة، والأسواق الناشئة 34.3 في المائة.
وكانت خلفية الاكتتابات العامة الأولية على المستوى العالمي قوية جداً، وتم تسجيل أعلى مستوى من عدد الصفقات في سوق الاكتتابات العامة الأولية منذ عام 2007، حيث قفز عدد الاكتتابات العامة الأولية بواقع 49 في المائة على أساس سنوي في عام 2017، ليبلغ 1624 صفقة مقابل 1093 صفقة في عام 2016، وفقاً لمكتب «إرنست آند يونغ».
وأشار المكتب أيضاً إلى أن عائدات الاكتتابات قد ارتفعت في عام 2017 بواقع 40 في المائة على أساس سنوي، من 134.5 مليار دولار في العام 2016 إلى 188.8 مليار دولار في عام 2017، أما من حيث المشاركة الإقليمية، فقد هيمنت منطقة آسيا المحيط الهادئ على النشاط العالمي من حيث عدد الصفقات والعائدات في عام 2017، مستحوذة على 58 في المائة من عدد الصفقات و39 في المائة من العائدات. أما من حيث أسواق الأوراق المالية التي ساهمت في أنشطة الاكتتابات العامة الأولية العالمية، فقد جاءت بورصة نيويورك في الصدارة من حيث حجم الاكتتابات، حيث أشار تقرير «إرنست آند يونغ» إلى بلوغها 30 مليار دولار في عام 2017، تبعتها «شنغهاي» بقيمة 20.2 مليار دولار، ثم «هونغ كونغ» بقيمة 15.6 مليار دولار. أما الصين، فقد كانت الدولة الرائدة من حيث عدد الصفقات، وساهمت بنحو 36 في المائة من الصفقات العالمية الأساسية.


مقالات ذات صلة

السعودية تعزز «كفاءة المياه» باستثمارات تتجاوز 26.7 مليار دولار منذ 2018

خاص محطة تحلية الشعيبة (الهيئة السعودية للمياه)

السعودية تعزز «كفاءة المياه» باستثمارات تتجاوز 26.7 مليار دولار منذ 2018

ترتكز «الاستراتيجية الوطنية للمياه» في السعودية على تعزيز كفاءة القطاع واستدامته، عبر توسيع دور القطاع الخاص بوصفه أحد المحركات الرئيسة لرفع كفاءة الإنفاق.

دانه الدريس (الرياض)
الاقتصاد الجدعان مشاركاً في اجتماعات الخريف (أ.ف.ب)

الجدعان: «اجتماعات الربيع» تناقش آفاق الاقتصاد العالمي في ظل التطورات الجيوسياسية

أكد وزير المالية السعودي محمد الجدعان أن اجتماعات الربيع لصندوق النقد والبنك الدوليين تمثل منصة مهمة لمناقشة آفاق الاقتصاد العالمي.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد وزير الطاقة السعودي ملتقياً رئيس المكتب الرئاسي في كوريا الجنوبية (وزارة الطاقة)

وزير الطاقة السعودي يبحث مع مسؤول كوري تعزيز استقرار الإمدادات

التقى وزير الطاقة السعودي الأمير عبد العزيز بن سلمان، في الرياض، يوم الأحد، رئيس المكتب الرئاسي في كوريا الجنوبية.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد الجدعان مترئساً اجتماع اللجنة الدولية للشؤون النقدية والمالية في الصندوق خلال اجتماعات الخريف (صندوق النقد)

وزير المالية السعودي يرأس وفد المملكة في «اجتماعات الربيع» بواشنطن

يترأس وزير المالية السعودي محمد الجدعان وفد المملكة المشارك في اجتماعات الربيع لصندوق النقد والبنك الدوليين.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد موظفان في «أرامكو» يقومان بأعمالهما في أحد مرافق الشركة (أرامكو)

التعافي السريع للمرافق النفطية يكرّس موثوقية السعودية مورداً عالمياً للطاقة

برهنت السعودية على جاهزية استثنائية وسرعة استجابة عالية في احتواء تداعيات الأزمة الأخيرة جرّاء الهجمات التي تعرضت لها بعض مرافقها النفطية.

بندر مسلم (الرياض)

أسعار النفط تقفز 4 % مع بدء الحصار الأميركي للموانئ الإيرانية

سفينة في الخليج العربي قبالة سواحل الشارقة (أ.ف.ب)
سفينة في الخليج العربي قبالة سواحل الشارقة (أ.ف.ب)
TT

أسعار النفط تقفز 4 % مع بدء الحصار الأميركي للموانئ الإيرانية

سفينة في الخليج العربي قبالة سواحل الشارقة (أ.ف.ب)
سفينة في الخليج العربي قبالة سواحل الشارقة (أ.ف.ب)

قفزت أسعار النفط نحو 4 في المائة، يوم الاثنين، بعد أن بدأ الجيش الأميركي حصاراً بحرياً على السفن المغادرة للموانئ الإيرانية. وتأتي هذه الخطوة التصعيدية في أعقاب انهيار محادثات نهاية الأسبوع الرامية لإنهاء الحرب، مما دفع طهران للتهديد بالرد ضد جيرانها في الخليج.

تقلبات حادة في الأسواق الآجلة والفورية

أنهت العقود الآجلة تعاملات يوم الاثنين على ارتفاع، مواصلةً حالة التذبذب التي سادت الأسواق منذ بدء النزاع في 28 فبراير (شباط) الماضي.

وارتفع خام برنت بمقدار 4.16 دولار أو ما نسبته 4.4 في المائة ليستقر عند 99.36 دولار للبرميل. كما صعد الخام الأميركي بمقدار 2.51 دولار أو 2.6 في المائة ليستقر عند 99.08 دولار.

وسجلت أسعار الخام المخصص للتسليم الفوري في أوروبا مستويات قياسية وصلت إلى 150 دولاراً للبرميل.

مضيق هرمز: شريان الطاقة العالمي في خطر

تسببت الحرب في أكبر اضطراب شهدته إمدادات النفط والغاز العالمية على الإطلاق، نتيجة تعطل حركة المرور في مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو 20 في المائة من تدفقات النفط والغاز الطبيعي المسال عالمياً.

وفي حين ذكر الرئيس الأميركي دونالد ترمب أن 34 سفينة عبرت المضيق يوم الأحد، إلا أن تقارير الملاحة تشير إلى انخفاض حاد، حيث تعبر في الظروف العادية أكثر من 100 سفينة يومياً.

تداعيات التضخم العالمي وتراجع الطلب

بدأت التكاليف المرتفعة تضغط بشدة على ميزانيات المستهلكين حول العالم. ففي الولايات المتحدة، سجلت أسعار البنزين والديزل أعلى مستوياتها منذ صيف 2022. وفي أوروبا، أعلنت المفوضية الأوروبية عن زيادة قدرها 22 مليار يورو في فواتير الوقود الأحفوري منذ بدء الحرب.

في حين خفضت منظمة «أوبك» توقعاتها للطلب العالمي على النفط في الربع الثاني بمقدار 500 ألف برميل يومياً.

انقسام دولي وإجراءات طارئة

في الوقت الذي لوّح فيه ترمب باستهداف أي سفن هجومية إيرانية تقترب من الحصار، أعلن حلفاء الناتو امتناعهم عن المشاركة في خطة الحصار، مقترحين التدخل فقط بعد انتهاء القتال.

من جانبه، أشار رئيس وكالة الطاقة الدولية، فاتح بيرول، إلى أن الدول الأعضاء قد تضطر للسحب من احتياطاتها النفطية الاستراتيجية لمواجهة نقص الإمدادات، معرباً عن أمله في ألا تكون هذه الخطوة ضرورية إذا استقرت الأوضاع.


«وكالة الطاقة» وصندوق النقد والبنك الدوليان: صدمة الحرب «جوهرية»

بهو مبنى المقر الرئيسي الثاني لصندوق النقد الدولي في واشنطن (إ.ب.أ)
بهو مبنى المقر الرئيسي الثاني لصندوق النقد الدولي في واشنطن (إ.ب.أ)
TT

«وكالة الطاقة» وصندوق النقد والبنك الدوليان: صدمة الحرب «جوهرية»

بهو مبنى المقر الرئيسي الثاني لصندوق النقد الدولي في واشنطن (إ.ب.أ)
بهو مبنى المقر الرئيسي الثاني لصندوق النقد الدولي في واشنطن (إ.ب.أ)

أطلق رؤساء ثلاث من كبرى المنظمات الدولية - وكالة الطاقة الدولية وصندوق النقد الدولي ومجموعة البنك الدولي - تحذيراً شديد اللهجة بشأن التداعيات الاقتصادية المتفاقمة والناجمة عن الحرب المستمرة في منطقة الشرق الأوسط.

وفي بيان مشترك صدر يوم الاثنين عقب اجتماع رفيع المستوى في واشنطن، أكد قادة هذه المؤسسات أن النزاع أحدث صدمة «جوهرية وعالمية وغير متكافئة»، حيث طال الضرر بشكل أساسي الدول المستوردة للطاقة، ولا سيما البلدان منخفضة الدخل. وأشار القادة إلى أن هذه «الصدمة» أدت بشكل مباشر إلى ارتفاع أسعار النفط والغاز والأسمدة، وإثارة مخاوف جدية تتعلق بالأمن الغذائي وفقدان الوظائف، وانخفاض كبير في إيرادات الصادرات لبعض الدول المنتجة للطاقة في المنطقة.

استمرار حالة عدم اليقين واضطراب الملاحة

وصف البيان الوضع الراهن بأنه «لا يزال غير يقيني للغاية»، مع الإشارة إلى أن حركة الشحن عبر مضيق هرمز لم تعُد إلى طبيعتها بعد. وحذر القادة من أنه حتى في حال استئناف الملاحة المنتظمة، فإن العودة لمستويات الإمداد ما قبل النزاع ستستغرق وقتاً، مما قد يبقي أسعار الوقود والأسمدة مرتفعة لفترة طويلة نتيجة الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية.

تداعيات قطاعية وإنسانية

أوضح البيان أن نقص المدخلات الأساسية الناتج عن تعطل الإمدادات سيؤثر على قطاعات الطاقة والغذاء والصناعة. كما أشار إلى أن الحرب تسببت في نزوح قسري للسكان، وتأثر الوظائف بشكل مباشر، وتراجع في حركة السفر والسياحة، وهو مسار قد يستغرق وقتاً طويلاً للتعافي منه.

تنسيق دولي ودعم مالي مرتقب

يأتي هذا الاجتماع باعتباره جزءاً من «مجموعة التنسيق» التي تم إنشاؤها في أوائل أبريل (نيسان) الجاري لضمان استجابة مؤسسية متكاملة للأزمة. وأعلن القادة أن فرق العمل المشتركة تعمل حالياً على مستوى الدول لتقديم مشورات تقنية مخصصة بهدف مساعدة الحكومات على وضع سياسات لمواجهة الصدمة، وتوفير دعم مالي مباشر من خلال صندوق النقد والبنك الدوليين للدول الأكثر تضرراً، لا سيما الدول ذات الدخل المنخفض التي تعاني من عبء فاتورة استيراد الطاقة.

واختتم رؤساء المنظمات بيانهم بالتزامهم بمواصلة مراقبة الأسواق عن كثب، والتنسيق مع المنظمات الدولية الأخرى لضمان وضع أسس «تعافٍ مرن» يضمن الاستقرار والنمو وتوفير فرص العمل في مرحلة ما بعد النزاع.


اتفاق مصر وقبرص... تنويع للإمدادات وابتعاد تدريجي عن «الارتهان لغاز إسرائيل»

محطة غاز في الطريق الصحراوي لقناة السويس خارج القاهرة (رويترز)
محطة غاز في الطريق الصحراوي لقناة السويس خارج القاهرة (رويترز)
TT

اتفاق مصر وقبرص... تنويع للإمدادات وابتعاد تدريجي عن «الارتهان لغاز إسرائيل»

محطة غاز في الطريق الصحراوي لقناة السويس خارج القاهرة (رويترز)
محطة غاز في الطريق الصحراوي لقناة السويس خارج القاهرة (رويترز)

اتفاق غاز بين مصر وقبرص جاء بعد تقلبات في إمدادات الغاز الإسرائيلي بسبب حرب إيران، لكن إسرائيل تحدثت عن أنها «شريكة بذلك الحقل القبرصي وأن ذلك دليل على تعاظم الدور الإسرائيلي في سوق الطاقة الإقليمية».

في المقابل، تعتقد مصر بحسب تصريحات رسمية، أن «لقبرص سيادة على الحقل، وليس لإسرائيل سلطة مطلقة فيه»، وهو ما جعل خبراء بينهم رئيس «لجنة الطاقة» بمجلس الشيوخ المصري (الغرفة الثانية للبرلمان) يؤكدون لـ«الشرق الأوسط» أن «الاتفاق يساعد مصر على تنويع الإمدادات من مصادر عدة، ويجعلها بعيدة عن الارتهان لضغوط سياسية من إسرائيل أو غيرها، بخلاف كونه يؤكد مكانة مصر في الإسالة التي لا بديل عنها حالياً».

وقالت سفارة إسرائيل لدى مصر، في بيان، إنه «تم توقيع عقد غاز ضخم مع مصر في حقل قبرصي بمشاركة شركة (نيو ميد) الإسرائيلية»، زاعمة أن «هذه الصفقة تسلط الضوء على تعاظم الدور الإسرائيلي في سوق الطاقة الإقليمية».

وسبق محاولة إسرائيل تكريس هيمنتها، تأكيد وزير الدولة المصري للإعلام، ضياء رشوان، الخميس الماضي، في مؤتمر صحافي، أن «العقد موقَّع بين مصر وقبرص كمالكة للحقل، و(شيفرون) و(شل) بوصفهما الشركتين المسؤولتين عن إدارته». ولفت إلى أن جميع الشركات متعددة الجنسيات تضم «أطرافاً أخرى» (في إشارة لإسرائيل).

وتحت عنوان «مصر تخرج من شرنقة إسرائيل غازياً» كتب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، عمرو هاشم ربيع، مقالاً بصحيفة «المصري اليوم» المحلية، قال فيه إن الكمية المصدرة من قبرص تقترب من الكمية المصدرة من إسرائيل، وتبلغ نحو مليار قدم مكعب يومياً، ومن ثم فإن تنويع المصادر الخارجية للغاز المورد لمصر أمر مهم للغاية، حتى تتجنب أي مثالب تتعلق باستيراد كمية كبيرة من الغاز من إسرائيل.

ويخلص إلى «أنه بذلك تكون مصر قد خرجت تدريجياً من شرنقة الغاز الإسرائيلي»، لافتاً إلى «أنه صحيح أن الغاز المتفق على توريده أخيراً من حقل (أفروديت) منتج من حقل تشارك فيه شركة (نيوميد إنرجي) الإسرائيلية، إلا أن باقي الشركاء غير ذلك؛ فالحكومة القبرصية في واجهة المشهد، لوقوع الحقل في أرضها، كما أن أكبر مُلاك الحقل هما شركة (شيفرون) الأميركية، وشركة (بي جي شل) البريطانية».

منصة الغاز التابعة لحقل «ليفياثان» أكبر حقول الغاز في إسرائيل (رويترز)

وتحدثت شركة «نيوميد إنرجي» الشريكة في حقل «أفروديت» القبرصي، الخميس، عن توقيع اتفاق لمدة 15 عاماً لبيع الغاز الطبيعي إلى شركة (إيغاس) المصرية، في وقت تنشط الجهود الحكومية لضمان تغطية الاستهلاك المحلي في ظل اضطرابات أسواق الطاقة، مع تأثر القاهرة سلباً بتوقف إمدادات الغاز القطري نتيجة «الحرب الإيرانية»، ومع إغلاق إسرائيل بعض حقولها قبل أن تستأنف العمل في حقل «ليفياثان» أخيراً.

وزير البترول المصري الأسبق، رئيس «لجنة الطاقة» بمجلس الشيوخ، أسامة كمال، يشير إلى أن الاتفاق المصري - القبرصي ليس صفقة لإدخال الغاز غداً، بل صفقة مستقبلية سيبدأ تنفيذها فور انتهاء شركة «شيفرون» من أعمال الربط في 2027، لافتاً إلى أن الحقل قبرصي، ولا يوجد أمام أي دولة في منطقة شرق المتوسط مخرج لتصدير غازها إلا من خلال الشبكة البحرية المصرية ومحطتي الإسالة الموجودتين في مصر، حيث لا تمتلك أي دولة أخرى في المنطقة هذه الإمكانات، ومصر لها الأولوية في الغاز.

وأكد كمال لـ«الشرق الأوسط» أن «المشروعات المشتركة تربط مصائر الدول ببعضها البعض؛ ما يضمن وقوف دول أوروبية مثل قبرص واليونان بجانب مصر في مختلف المواقف السياسية حال كررت إسرائيل، وأوقفت إمدادات غازها مجددا»، موضحاً أن الاتفاقية مع قبرص «ليست لها علاقة بالغاز الإسرائيلي، بل في إطار التنوع لمجابهة أي ضغوط سياسية مستقبلية».

الخبير الاستراتيجي في الطاقة، والزميل الزائر بجامعة جورج ميسن الأميركية، الدكتور أوميد شكري، قال لـ«الشرق الأوسط»، إن اتفاق الغاز المصري - القبرصي يأتي في إطار استراتيجي، وليس اتفاقية تجارية نهائية، موضحاً أنه «يُتيح تطوير وتصدير الغاز البحري القبرصي مستقبلاً، لا سيما من حقلي (أفروديت) و(كرونوس)، عبر البنية التحتية المصرية القائمة للغاز الطبيعي المسال».

وأضاف «أنه بالنسبة لمصر يُساعد هذا الاتفاق في سدّ فجوة متزايدة في الإمدادات المحلية، مع تعزيز دورها بوصفها مركزاً إقليمياً للغاز، أما بالنسبة لقبرص فهو يُوفر مساراً تجارياً مُجدياً لتصدير الموارد التي كانت ستُهدر لولا ذلك».

وبشأن إمكانية أن يُمثل الاتفاق تحولاً عن الاعتماد على الغاز الإسرائيلي، قال شكري: «ليس تماماً... حيث يعكس الاتفاق تنويعاً لا استبدالاً، خصوصاً أن مصر مُرتبطة هيكلياً بواردات الغاز الإسرائيلي، التي تُوفر إمدادات فورية وقابلة للتوسع عبر البنية التحتية القائمة. ومع ذلك، يُقلل اتفاق قبرص من اعتماد مصر على الغاز الإسرائيلي».

وتستورد مصر ما يصل إلى مليار قدم مكعبة يومياً، من الغاز الإسرائيلي بموجب اتفاق تم توقيعه عام 2019، ثم جرى تعديله بنهاية عام 2025 لينص على توريد 130 مليار متر مكعب من الغاز الإسرائيلي لمصر بقيمة 35 مليار دولار حتى عام 2040.

وتراجع إنتاج مصر من الغاز الطبيعي إلى نحو 4.1 مليار قدم مكعبة يومياً، مقابل احتياجات يومية تقارب 6.2 مليار قدم مكعبة، ترتفع إلى نحو 7.2 مليار قدم مكعبة خلال أشهر الصيف، وفقاً لتقديرات حكومية.