جين ماير لـ {الشرق الأوسط}: غطيت سقوط جدار برلين وتفجير ثكنات المارينز في بيروت وحرب الخليج

من محررة في صحيفة أسبوعية صغيرة في «فيرمونت» إحدى أصغر الولايات الأميركية إلى كبيرة محرري {نيويوركر}

جين ماير
جين ماير
TT

جين ماير لـ {الشرق الأوسط}: غطيت سقوط جدار برلين وتفجير ثكنات المارينز في بيروت وحرب الخليج

جين ماير
جين ماير

التحقت جين ماير خبيرة الصحافة الاستقصائية بالعمل كاتبة في «نيويوركر» في مارس (آذار) عام 1995، وتكتب الصحافية المقيمة في واشنطن العاصمة في الشؤون السياسية في المجلة، وكانت مسؤولة عن تغطية الحرب على الإرهاب، وكتبت كثيرا من القصص من على الخط الأمامي للنزاعات في أفغانستان وباكستان والعراق، وحرب الخليج، وكانت شاهدا بقلمها وكاميرتها على سقوط جدار برلين. وقبل انضمامها إلى «نيويوركر» عملت ماير لمدة 12 سنة مراسلة لـ«وول ستريت جورنال». وفي عام 1984، أصبحت أول امرأة تعينها الجريدة مراسلة في البيت الأبيض. كما عملت أيضا مراسلة حرب وشؤون خارجية في الجريدة ذاتها. ومن بين المواضيع التي قامت بتغطيتها إعلاميا، تفجير الثكنات الأميركية في بيروت، وحرب الخليج، وسقوط سور برلين، والأيام الأخيرة من عهد الشيوعية في الاتحاد السوفياتي.
وحازت ماير جائزة جون تشانسلور للتميُّز في الصحافة، وزمالة مؤسسة غوغنهايم عام 2008، وجائزة إدوارد فاينتال من جامعة جورج تاون، وجائزة رايدن أور للكتاب. وكانت مرشحة للحصول على عدة جوائز من بينها جائزة {لوس أنجليس تايمز} للكتاب في عام 2008. كما رشحتها «وول ستريت جورنال» مرتين للحصول على جائزة بوليتزر في كتابة المواضيع المطولة. وتكتب ماير في عدد من الإصدارات الأخرى منها «واشنطن بوست»، «لوس أنجليس تايمز»، «ذا نيويورك ريفيو أوف بوكس». وجاء الحوار مع جين ماير كبيرة محرري {نيويوركر} على النحو التالي:

* كيف بدأت عملك في الصحافة؟
- عندما كنت فتاة صغيرة كنت أرغب كثيرا أن أكون صحافية، كنت أصنع تصاريح صحافية من الكروت الشخصية التي يتركها العمال في منزلنا. وكانت تراودني أحلام في يقظتي بأنني في يوم ما سوف أغطي أحداثا مهمة، ولكن أول عمل تمكنت من الالتحاق به في الصحافة كان في صحيفة أسبوعية صغيرة في واحدة من أصغر الولايات، فيرمونت. كنت أكتب أثناء عملي الصيفي هناك أخبارا محلية صغيرة وساعدت على إخراج الصحيفة من البداية إلى النهاية ثم توصيلها إلى المنازل في سيارة جيب قديمة.
* متى تأكدت أنك اخترت المهنة المناسبة؟
- ربما تكون من أكثر اللحظات المؤثرة والمؤكِّدة بالنسبة لي عندما شاهدت سقوط سور برلين. كنت أعمل مراسلة لصحيفة «وول ستريت جورنال» وأكتب مواضيع لـ«نيويورك سيتي»، وكنت أتابع بفضول المعارضة العلنية المتزايدة للدولة الشيوعية في ألمانيا الشرقية. فكرت في أن الأمر جدير بالبحث، فسافرت إلى برلين. وبعد ثلاثة أيام، كنت أقف حرفيا أمام نقطة تفتيش تشارلي عند سور برلين عندما تم السماح لأول مجموعة من سكان ألمانيا الشرقية بالعبور. إن وقوع مثل هذه الأحداث التاريخية أمام ناظريك، والمشاركة في نقل الخبر شيء مذهل.
* ما أول موضوع تكتبينه؟ ومتى نُشر؟ وما أكثر عمل تستمتعين به: أن تكوني مراسلة حرب أم كاتبة في السياسة الخارجية أم صحافية تقارير استقصائية؟
- من الصعب تذكر أول موضوع، فقد كتبت الكثير من المواضيع القصيرة التي لا أذكرها في عملي. ومن حسن الحظ أنه لم يقرأها سوى عدد قليل للغاية لأنها لم تكن جيدة جدا، وكان علي تعلم الكثير في مساري المهني. كنت أغطي أخبار الشرطة والجرائم والحرائق وحوادث السيارات. وقد تعلمت الكثير بشأن نقل الحقائق كما هي، والتحقق من كل شيء جيدا.
في الفترة الحالية، أفضل البحث بعمق في الأخبار في محاولة لنقل ما وراء العناوين، حيث أعتقد أنه في عالم تويتر، يحتاج الناس بالفعل إلى أكثر مما يحصلون عليه. وغالبا ما تكون أكثر المواضيع التي تثير اهتمامي من النوع الذي يحمل مساءلة للأشخاص في السلطة. أعتقد أن هذا من أهم الأدوار الأساسية التي تقوم بها الصحافة. فمسؤوليتنا أن نقول الحق مع أهل السلطة، وأنا أتخذها على محمل الجدية.
* يعد كتابك «الجانب المظلم» من أبرز الكتب التي تناولت الحرب على الإرهاب، وكان له صدى كبير في العالم العربي. عندما ذكرت أن ثلث معتقلي غوانتانامو مسجونون بطريق الخطأ، هل كان هناك رد فعل عكسي أو غضب من جهة السلطات الأميركية؟
- نعم. كان كثير من المعتقلين الذين حاولت نقل قصصهم غير مقبولين في أميركا في ذلك الوقت، لذلك كانت معركة شاقة أن أجعل أي شخص يهتم بشأنهم. ولكن كانت مجلتي «نيويوركر» استثنائية. يقدم مسؤولو التحرير لدينا نموذجا ذهبيا للصحافة؛ إذ ساعدونا على الحديث عن الموضوع بلا خوف. على سبيل المثال عندما طلبت وكالة الاستخبارات المركزية (سي آي إيه) أن نحذف أسماء الضباط غير السريين، وقيل إنهم قد يتعرضون للخطر إذا تم الكشف عن أعمالهم أمام العالم، صممت المجلة على نشر الأسماء على أي حال، لأن مسؤولي التحرير شعروا كما شعرت بأنه من المهم في دولة ديمقراطية إخضاع من يتولون السلطة للمساءلة.
* وهل أثرت الاكتشافات التي توصلت إليها على قناعاتك في السياسة الخارجية فيما يتعلق بالحرب على الإرهاب؟
- نعم.. كانت دهشتي كبيرة لأن أجد مسؤولي حكومتنا ينحدرون إلى هذا المستوى لتنفيذ برنامج تعذيب. لم أكن أتوقع منهم انتهاك القيم الأميركية بهذه الوحشية. في الوقت ذاته، أثار إعجابي وشد من عزمي الشجاعة التي أبداها الكثير من المعارضين، داخل وخارج الحكومة، من أصحاب القناعات السياسية المختلفة، الذين خاضوا مخاطرات كثيرة للإفصاح عن الحقيقة. لذلك كانت التجربة كاشفة للحقيقة وفي الوقت نفسه تزيدنا تأكيدا.
* هل كان لكتابك «الجانب المظلم» أثر على المعاملة التي كنت تلقينها في الأوساط السياسية أو الصحافية؟
- ظننت أنني سأكون مكروهة في بعض أوساط الصقور المتشددين، ولكن في الحقيقة في أميركا تزيد نسبة الأشخاص الذي يعارضون التعذيب والوحشية كثيرا عمن يؤيدونها، وذلك في صفوف الجمهوريين والديمقراطيين معا. لذلك لم يكن هناك ما يضرني سياسيا بالمعنى التقليدي.
أحاول عندما أكتب ألا أفكر في التداعيات السياسية. أحاول أن أكتب للقراء وليكن ما يكون بعد ذلك.
* حصلت على كثير من الجوائز الرفيعة عن أعمالك، ولكن ما أكثر جائزة تفتخرين بها؟
- أشعر بالفخر بها جميعا. لا أستطيع أن أحدد ما هي أكثر جائزة تبعث على الفخر، ولكن من أكثر اللحظات التي شعرت فيها بالفخر هي تلك الليلة التي لم أحصل فيها على جائزة رغم وصولي إلى قائمة المرشحين النهائيين، وجاءت إلي ابنتي التي كانت في سن المراهقة حينها وقالت لي: «أمي أنا أحبك، وأجد أنك الأفضل». كان فخري بتربيتي لابنة ذات قلب كبير وعطوف أكبر من شيء آخر.
* أنت أول سيدة تعمل مراسلة لـ«وول ستريت جورنال» في البيت الأبيض؟ هل هناك سبب ما وراء كل هذا التأخير في تعيين امرأة في هذه المهمة؟
- نعم، يرجع السبب إلى بداية الثمانينات، عندما كانت هناك تفرقة بين الجنسيين. وحتى عندما كنت أغطي أخبار البيت الأبيض لـ«وول ستريت جورنال»، قيل لي إنني لا أستطيع تغطية اجتماعات القمة التي تناقش الحد من انتشار الأسلحة، لأن الاعتقاد السائد في ذلك الوقت هو المرأة لا يمكنها استيعاب تفاصيل الرياضيات والعلوم التي تتعلق بالصواريخ النووية. كان ما يقال في ذلك الحين «إن المرأة لا تستطيع أن تحسب وزن الرؤوس النووية». لذلك عندما كان هناك اجتماع قمة مهم مع الاتحاد السوفياتي بشأن الحد من انتشار السلاح، طُلب مني المكوث في المنزل والكتابة عن مصمم الأزياء المفضل لنانسي ريغان.
* هل واجهت معوقات أو صعوبات إضافية كمحررة تحقيقات بسبب كونك امرأة، أو صعب ذلك مهمتك في بعض المواقف؟
- لا أدري بالفعل إذا كان الأمر سيكون مختلفا، لذلك من الصعب علي أن أحدد. ولكني أفترض أنه ليس سيئا أن يتعرض المرء للاستخفاف، وغالبا ما تتعرض السيدات لذلك.
* مر علينا الآن أكثر من ثلاثة أعوام منذ اندلاع الحرب في سوريا، وتتصدر أخبار الحرب الصفحات الأولى وعناوين الأخبار منذ البداية: فهل يمكن أن تصاب وسائل الإعلام بالملل؟
- لم تعد القضية الخطيرة في هذه البلاد هي إصابة الإعلام بالملل، بل انتشار الشعور بالملل من الحرب. أرى أن الشعب الأميركي يرغب كثيرا في أن تركز حكومتنا على مشكلاتنا الداخلية وأن تقلل التركيز على الصراعات في الخارج. لقد كان العقد الماضي عصيبا بداية من أحداث 11 سبتمبر (أيلول) عام 2001، لذلك على الرغم من كرمهم وتعاطفهم مع بقية العالم أصبح كثيرون في الشعب الأميركي يشعرون بالملل.
* كيف تصنفين تغطية «ذا نيويوركر» لأحداث الربيع العربي؟
- لدينا عدد كبير من المراسلين والمحررين الأكثر مهارة ووعيا في العمل الصحافي اليوم، وأرى أننا نعرض مختلف وجهات النظر مما يضفي ثراء استثنائيا على تقاريرنا.
* تتسم تغطية أخبار القضية الفلسطينية بالتحيز الملحوظ، سواء التحيز لإسرائيل في الغرب أو لفلسطين في العالم العربي.. فهل توافقين على هذه المقولة؟ وماذا يمكن فعله لمعالجة ذلك؟
- هذا موضوع ليست لدي خبرة كبيرة به، لذلك لا أشعر أنني مؤهلة تماما لتقييمه. أنا شخصيا نصفي يهودي ونصفي مسيحي، وأحترم الديانتين بالإضافة إلى الديانات الأخرى، لذلك لا أشعر بتحيز شخصي في هذه القضية فيما عدا رغبتي في تحقيق السلام والعدل والتعايش، والشعور بالإحباط لأن الدين يقسم الناس إلى هذه الدرجة.
* من الصحافي المفضل لديك - على المستويين المحلي والدولي، ولماذا؟
- لا أستطيع أن أجيب عن ذلك. هناك كثيرون. وتدهشني المواهب التي يملكها زملائي يوميا.
* كم عدد الساعات التي تعملين فيها أسبوعيا؟ هل يتبقى لك كثير من الوقت الخاص؟
- قد أعمل على مدار ستة أيام في الأسبوع، وفي اللحظة الراهنة، لا أشعر أنها تكفي مطلقا. أعكف على تأليف كتاب في الوقت الحالي، ودائما ما أشعر بالتأخير. تدرس ابنتي الآن في الجامعة، لذلك أصبح لدي مزيد الوقت للعمل على عكس الفترة التي كانت فيها أصغر سنا. وما زلت أعد العشاء لزوجي ولي في معظم الأيام، وأقوم بجولات التسوق والشؤون المنزلية الكثيرة، وأشعر بمتعة فعلية في ذلك. كما أحب عملي بالفعل، لذلك لا أشعر بالعبء إذا قمت بعملي كل يوم تقريبا، بل يبدو فرصة لي للانغماس في أكثر شيء أستمتع به.
* ما رأيك في الخلاف القائم حول الإعلام المطبوع مقابل الإعلام الرقمي؟ وهل تعتقدين أن الأشكال الجديدة للإعلام سوف تقضي على الأشكال القديمة؟
- مرت مجلة «نيويوركر»، التي تتفوق في الصحافة المطولة المطبوعة، بعام من أنجح أعوامها على الإطلاق. ويشير هذا إلى وجود سوق مستمرة للصحافة التقليدية، إذا تميزت بالذكاء والتجدد الكافي. كما أن للمجلة موقعا إلكترونيا يمتلئ بالمواضيع القصيرة المثيرة للاهتمام، لذلك لا أرى أن المنافسة محصلتها صفر بالضرورة، على الأقل في المكان الذي أعمل به. أرى أن ما يغيب عن كثير من الإعلام الإلكتروني هو المواضيع الطويلة. يمكنك أن تجد مقالات الرأي، الفكاهة، نشرات الأخبار القصيرة وأخبار النميمة. ولكن بالنسبة للمواضيع، التي أعتقد أن الجنس البشري يسعى إليها، يجب أن يكون لديك الوقت والمكان لتطور الشخصيات وتوضيح الخلافات المعقدة والتعمق في القضايا. من الصعب علي أن أصدق أنه بعد أن كانت القصص تروى منذ فجر التاريخ، سوف ينتقل البشر إلى تويتر إلى الأبد.
* ما المدونة أو الموقع الإخباري المفضل لديك؟
- أتابع بعضا منها في أحيان كثيرة. ولكن تحتاج المتابعة إلى كثير من الوقت، من بين المواقع التي أثارت اهتمامي، بالإضافة إلى «نيويوركر»، موقع أندرو سوليفان، وبوليتيكو، وذا ابشوت، وثينك بروغرس، وريد ستيت، وسليت، وصالون، وهافينغتون بوست، وناشونال ريفيو كورنر، وديلي كولر. كما أتابع أيضا عددا من المدافعين عن حقوق الإنسان وخبراء السياسة الخارجية.
* بم تنصحين الصحافيين الشباب الذين يوشكون على البدء في مهنة الصحافة؟ ومن مثلك الأعلى في الصحافة؟
- نصيحتي هي الإسراع في البدء والسعي إلى وسيلة للبدء في الكتابة والعمل ولو على أقل مستوى. فقط أن يبدأوا، هذه أفضل طريقة للتحسن في المجال. كل ما عليكم هو البدء في مكان ما. بالنسبة لي، كان أهم تحفيز هو إيجاد مواضيع أهتم بها بشغف. كان عملي أفضل ما يكون عندما أشعر أنني أكتب في مواضيع ذات أهمية، وأن القارئ يريد بالفعل أن يعرفها. يحول هذا الشعور العمل من مجرد مهنة إلى دعوة.
* ما الصفات التي ترين أنها يجب أن تتوفر في الصحافي الناجح؟
- الصدق.
* ما النصيحة التي تقدمينها للصحافيين العرب الشباب؟
- اجتهدوا من أجل تقديم جميع جوانب الموضوع حتى تكونوا عادلين. من الصعب في بعض الأحيان الحديث مع أشخاص تخالفهم الرأي وأن تعبر عن آرائهم بدقة، ولكن إذا فعلت ذلك سوف يصبح عملك أقوى وليس أضعف، وسوف تساهم في العملية الديمقراطية.

* جين ماير في سطور
* التحقت جين ماير بالعمل كاتبة في «نيويوركر» في مارس (آذار) عام 1995. تكتب الصحافية المقيمة في واشنطن العاصمة في الشؤون السياسية في المجلة، وكانت مسؤولة عن تغطية الحرب على الإرهاب.
قبل انضمامها إلى «نيويوركر» عملت ماير لمدة 12 عاما مراسلة لـ«وول ستريت جورنال». وفي عام 1984، أصبحت أول امرأة تعينها الجريدة مراسلة في البيت الأبيض. كما عملت أيضا مراسلة حرب وشؤون خارجية في الجريدة ذاتها. ومن بين المواضيع التي قامت بتغطيتها إعلاميا، تفجير الثكنات الأميركية في بيروت، وحرب الخليج، وسقوط سور برلين، والأيام الأخيرة من عهد الشيوعية في الاتحاد السوفياتي.
حازت ماير على جائزة جون تشانسلور للتميُّز في الصحافة، وزمالة مؤسسة غوغنهايم عام 2008، وجائزة إدوارد فاينتال مكن جامعة جورج تاون، وجائزة رايدن أور للكتاب. كانت مرشحة للحصول على عدة جوائز من بينها جائزة لوس أنجليس تايمز للكتاب في عام 2008. كما رشحتها «وول ستريت جورنال» مرتين للحصول على جائزة بوليتزر في كتابة المواضيع المطولة. ألفت ماير كتاب «الجانب المظلم: القصة الداخلية لكيفية تحول الحرب على الإرهاب إلى حرب على القيم الأميركية»، الذي حقق أعلى مبيعات في عام 2008، واختارته «نيويورك تايمز» كواحد من أفضل عشرة كتب في ذلك العام. ووصفته «الإيكونومست»، و«صالون»، و«سليت» و«بلومبرغ» بأفضل كتاب في العام. وتكشف ماير في الكتاب تفاصيل تقرير سرّي أعدته هيئة الصليب الأحمر الدولي، العام الماضي، وفيه تحذّر إدارة بوش، من أن معاملة وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية للسجناء، تشكّل تعذيبا دون أي شك، ويمكن أن تجعل موظفي إدارة بوش الذين وافقوا على استخدام أساليب التعذيب، مذنبين بارتكاب جرائم حرب. كما تكشف ماير أيضا، إلى جانب أمور كثيرة أخرى، أن إدارة بوش قد تجاهلت تحذيرات وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية، التي ذكرت قبل ست سنين، أن نحو ثلث السجناء المحتجزين في سجن خليج غوانتانامو، قد سُجنوا خطأ. وتروي المؤلفة بأسلوب نابض بالحياة، تفاصيل وسمات الحرب على الإرهاب، وهي تفاصيل غاية في الفظاعة، ولكن إدارة بوش اعتادت أن تطلق عليها أسماء ملطفة، ومنها تسليم السجناء إلى دول عريقة في التعذيب، من خلال رحلات جوية في طائرات لا تحمل أي سمات، وإنشاء السجون السرية المبثوثة في بقاع الأرض في دول نائية، والتفنن في استخدام أساليب التعذيب المختلفة أثناء استجواب السجناء، وإعادة السجناء الذين يحالفهم الحظ بإثبات براءتهم، حيث يتركهم عملاء المخابرات الأميركية مثل الفضلات، معصوبي الأعين، عند الحدود في نقاط نائية، إلى أن يعثر عليهم من يعيدهم إلى دولهم.



الذكاء الاصطناعي... الوجه الجديد للإعلام الآسيوي

مذيعو أخبار ومراسلون في محطة «إن إتش كيه» اليابانية (إن إتش كي)
مذيعو أخبار ومراسلون في محطة «إن إتش كيه» اليابانية (إن إتش كي)
TT

الذكاء الاصطناعي... الوجه الجديد للإعلام الآسيوي

مذيعو أخبار ومراسلون في محطة «إن إتش كيه» اليابانية (إن إتش كي)
مذيعو أخبار ومراسلون في محطة «إن إتش كيه» اليابانية (إن إتش كي)

في صباح يوم عادي بالعاصمة الهندية نيودلهي، لم يعد يجتمع المحررون حول قوائم المواضيع المطبوعة فقط. فالآن أصبحت الشاشات مضاءة بلوحات قياس تتبع سلوكيات القراء وقت حدوثها، بينما تقترح أدوات الذكاء الاصطناعي عناوين رئيسة بعدة لغات، وتحدد التحليلات أي مواضيع ستخرج من نطاق صالة التحرير.

وحقاً بدأت صالات التحرير التقليدية تختفي تدريجياً في معظم أنحاء آسيا، حيث ما عاد الموضوع الإعلامي الآسيوي يُكتب فقط بالحبر، أو يُبث عبر الأثير، بل يُكتب بلغة البايثون (لغة برمجة)، ويُخزّن على السحابة الإلكترونية، ويُوزّع عبر الخوارزميات.

من دلهي وبكين حتى سيول وطوكيو، تسير المؤسسات الإعلامية بهدوء عبر واحدة من أكبر عمليات التحوّل التقني في تاريخها، وفي قلب هذا التحوّل تكنولوجيا المعلومات، والذكاء الاصطناعي الذي لا يعيد تعريف كيفية إنتاج الأخبار فحسب، بل أيضاً كيفية استهلاك المجتمعات في أنحاء آسيا للمعلومات، وتفسيرها. لقد انتقل الذكاء الاصطناعي، الذي كان ذات يوم مقتصراً على التحليلات غير المرئية ورسائل التنبيه الآلية، إلى قلب صالة التحرير حيث يعيد تشكيل طريقة نقل الأخبار، وترجمتها، والتحقق منها، واستهلاكها.

مذيعة تلفزيونية روبوتية في الصين (تشينخوا)

الذكاء الاصطناعي أداة اتصال لا بديل

في الهند، مثلاً، احتوى الفضاء الإعلامي -وهو أحد أكبر الفضاءات الإعلامية وأكثرها تنوعاً في العالم- الذكاء الاصطناعي باعتباره أداة. وفي ظل وجود عشرات اللغات، وجمهور يمنح الأولوية للهواتف الجوّالة، تعتمد المؤسّسات الإعلامية الهندية راهناً بشكل متزايد على الذكاء الاصطناعي في الترجمة، وتحويل المقاطع الصوتية إلى نصوص، وتلخيص المحتوى.

ووفق كونال كابور، وهو محرّر رقمي بارز في منصة إخبارية هندية رائدة، «أصبح الذكاء الاصطناعي واقعاً أساسياً لدولة مثل الهند. إنه يتيح لنا اختيار موضوع خبري، وجعله متاحاً بعدة لغات في غضون دقائق... وطبعاً، هذا لا يحلّ محل الصحافة، بل يعزّز وضعها».

هنا لا تشبه صالة التحرير المكتبة بقدر ما تشبه المختبر، حيث يجلس مهندسون في البرمجيات إلى جوار صحافيين، ومراسلين، لضمان ألا يكون «التوصيل بلغات متعددة» مجرد هدف، بل عملية آلية سلسة. وتستخدم العديد من صالات التحرير الهندية الآن الذكاء الاصطناعي لتحويل التقارير الاستقصائية الطويلة إلى تفاسير، ومقاطع «ريلز»، ونشرات صوتية قصيرة. وأيضاً تستخدم مكاتب صحافة البيانات التحليلات القائمة على تكنولوجيا المعلومات لرصد نتائج السياسات الحكومية، والأنباء الرائجة الخاصة بالانتخابات، والبيانات المرتبطة بالمناخ.

من جهة ثانية، تحوّل مؤسسات إعلامية، عبر استخدام منصات مثل «بهاشيني» و«بهاراتجين»، تقريراً واحداً باللغة الإنجليزية إلى نشرة صوتية باللغة التاميلية، ومقطعاً مصوّراً باللغة الماراثية، وموجزاً مكتوباً باللغة البنغالية في أقل من 60 ثانية. وهنا يوضح محرر مقيم في دلهي: «نحن نعمل على جَسر الهوة الرقمية. كان مألوفاً أن الصحافة الإقليمية قليلة الموارد، أما الآن فيستطيع صحافي مبتدئ في منطقة ريفية استخدام الذكاء الاصطناعي للتأكد من دقة بيانات حكومية، أو ترجمة أخبار دولية إلى اللهجة المحلية فوراً».

جلسة نقاشية في إحدى محطات التلفزيون الهندية (رويترز)

اللغة الإنجليزية

وقد يكون الأثر الأبرز والأهم للذكاء الاصطناعي في الهند ملموساً خارج صالات التحرير التي تعتمد على اللغة الإنجليزية. إذ تستخدم المؤسسات الإعلامية الإقليمية -والتي كثيراً ما تقيدها الميزانيات المحدودة- حالياً أدوات الذكاء الاصطناعي للتنافس مع مؤسسات في مراكز حضرية على السرعة، وعدد المشاهدات. ووفق محرر بارز في صحيفة يومية تصدر باللغة الهندية في دلهي: «للمرة الأولى تساعد التكنولوجيا في ترجيح الكفة لصالح الصحافة الإقليمية. لقد حدّ الذكاء الاصطناعي من الاعتماد على صالات التحرير المركزية، ودعم الصحافيين المحليين».

وإضافة إلى الترجمة، يزداد اعتماد المؤسسات الإعلامية الهندية على أدوات الذكاء الاصطناعي في استخراج البيانات، والبحث القانوني، والتحقّق من المعلومات. وتفحص أنظمتها سجلات المحاكم، والعطاءات الحكومية، والتصريحات المشفوعة بالقسم الخاصة بالانتخابات، والإفصاحات البيئية، والأعلام الشاذة، والأنماط الناشئة.

الحالة الصينية...

في حين يوجّه «الاحتواء» استخدام الهند للذكاء الاصطناعي، تشكّل «السيطرة والكفاءة» استخدام الصين له.

فالصين تظل القائد العالمي في تحول البث الإعلامي إلى الآلية. ومنذ ظهور أول مذيعين إخباريين بالذكاء الاصطناعي للمرة الأولى منذ سنوات، تطوّرت التكنولوجيا من «الروبوتات» إلى اختفاء القدرة على التمييز بين البشر و«الروبوت». ومنذ مطلع العام الحالي بدأت مؤسسات مثل «شينخوا» وشبكة تلفزيون الصين الدولية تستخدم «بشريين رقميين» بأبعاد ثلاثية بمقدورهم إذاعة أنباء عاجلة بأكثر من 20 لغة بشكل متزامن.

المذيعون الصناعيون هؤلاء مزوّدون بـ«نماذج لغة كبيرة متعدّدة الوسائط» تستطيع مزامنة الصوت مع حركة تعبيرات الوجه، والإيماءات في الوقت الفعلي. ولا يكمن سبب هذا الانجذاب في خفض التكلفة فحسب، بل يشمل الاتساق، وثبات الأداء. إذ لا تشعر الآلات بالتعب، أو الإرهاق... ولا تنحرف، أو تعيد تأويل الأشياء.

وهنا يشرح سوميت جين، المحلل الإعلامي المقيم في العاصمة الصينية بكين، قائلا: «... بالنسبة إلى الصين تتجاوز المسألة خفض التكاليف لتصل إلى القدرة على التحكم في الرواية بما يضمن توصيل رسالة الدولة كل يوم طوال أيام الأسبوع بمثالية، وباتساق لا يتغير». ويردف: «المعضلة الأخلاقية هنا عميقة، فمع صعوبة التمييز بين المذيعين الصناعيين والبشريين، يزداد الخط الفاصل بين المسؤولية التحريرية والمخرج الخوارزمي ضبابية».

في المقابل، في حين أتاح هذا التطور للإعلام الصيني العمل على نطاق هائل، فإنه أثار نقاشات جدلية على المستوى الدولي بشأن الاستقلال التحريري، والمراقبة، والرقابة. ولكن مع ذلك ترى وسائل الإعلام الصينية أن التكنولوجيا أمر لا يمكن تفاديه. ووفق المنتج الإعلامي لي واي: «إن التحول إلى الآلية في مجتمع رقمي بهذا الحجم ليس خياراً، بل ضرورة».

كوريا الجنوبية: الطابع الشخصي

بالتوازي، قادت كوريا الجنوبية صحافة الذكاء الاصطناعي إلى اتجاه مختلف نحو المبالغة في إضفاء الطابع الشخصي. إذ لم تعد الأخبار تُنقل وتُقدم باعتبار أنها منتج منفرد، بل يعاد تشكيلها باستمرار لكل مستخدم.

في العاصمة سيول لم تعد الأخبار عبارة عن «منتج» تقرأه، بل بيانات تتغير بحسب كينونتك وهويتك. فإذا كنت من الركاب في منطقة غانغنام يستخدم التطبيق الإخباري الذكاء الاصطناعي لمنح الأولوية للتحديثات الخاصة بالانتقال، والأسهم التكنولوجية. وإذا كنت طالباً فإنه يسلّط الضوء على سياسة التعليم.

وحالياً تستثمر المؤسسات الإعلامية الكورية الجنوبية، بشكل كبير، فيما تسمى «الصحافة التي تعمل آلياً» حيث تراقب عناصر الذكاء الاصطناعي بشكل آلي تلقائي مواقع التواصل الاجتماعي بحثاً عن المواضيع الرائجة، وتكتب تقارير أولية، بل وحتى تتعامل مع تحسين محركات البحث قبل أن يراها محرّر بشري.

وبهذا الشأن، حذّر محرّر بارز مقيم في العاصمة الكورية سيول خلال منتدى إعلامي نُظّم أخيراً، فقال: «مكمن الخطر هنا هو سيادة مبدأ الراحة في مجال الصحافة. فإذا أوضح الذكاء الاصطناعي للناس ما يتوافق مع عاداتهم، فسنفقد الاحتكاك والتفاعل الذي يجعل الديمقراطية ناجحة».

اليابان: ذاكرة أرشيفية

في هذه الأثناء يُستخدم الذكاء الاصطناعي في اليابان «حارساً للماضي»... إذ تحوّل هنا إلى أداة لتحقيق سلامة الأمة، وحفظ السياق التاريخي.

وبالفعل تستخدم المؤسسات الإعلامية اليابانية الذكاء الاصطناعي لوضع سياق فوري لنبأ عاجل مع صور أرشيفية، ما يوفر عدسة تاريخية عميقة تعجز الأنظمة التقليدية عن التعامل معها. ويوضح هيروشي تاناكا، المحرر البارز في طوكيو: «يستطيع الصحافيون لدينا توصيل النقاط بشكل فوري بين تحول اقتصادي حالي وتغيير في السياسات منذ ثلاثين سنة». ثم يضيف: «أصبح الذكاء الاصطناعي الشريك الخفي في كل صالة تحرير». في أي حال، يظل تركيز اليابان على استخدام التكنولوجيا في تعزيز الدقة، والجاهزية للكوارث بما يضمن أن تسهم الثواني، التي تيسر توفيرها بفضل الذكاء الاصطناعي، في إنقاذ الأرواح على أرض الواقع. هنا لا يعمل الذكاء الاصطناعي باعتبار أنه عنصر معطل، بل إنه حارس لجودة مستوى الأداء.

الخط الأخلاقي...والمهمة الجديدة للإعلام

في أي حال، يصح القول إن ظهور الذكاء الاصطناعي في جميع أنحاء آسيا حلّ محل الأدوار التقليدية لصالات التحرير. وبحلول عام 2026 تحوّلت مهام مثل كتابة تقارير الأرباح، والموجزات الرياضية، وتحديثات أحوال الطقس إلى هذه الآلية. لكن مقابل تحرير الصحافيين من العمل الروتيني المتكرّر، أدى التقدم التكنولوجي هذا إلى تزايد المخاوف من فقدان الوظائف، وتراجع الثقة.

لقد تغير دور الصحافي، حيث لم يعد يتمحور حول كتابة موضوع فحسب، بل يتعلق بإدارة «بيئة محيطة للمحتوى». والآن تتولى الآلات حالياً إنجاز تقريباً كل المهام الروتينية، مثل كتابة ما سُجل من أهداف في الألعاب الرياضية، أو موجزات أسواق الأسهم. وتقول الصحافية الهندية أنيتا ديساي: «إن الدور الجديد للصحافي هو أن يكون حارساً للحقيقة. لندع الذكاء الاصطناعي يتولى أمر البيانات، بحيث نستطيع نحن التركيز على إجراء المقابلات، وجمع المعلومات الاستقصائية، والدراما الإنسانية التي لا تستطيع الآلة الشعور بها، أو القيام بها».

وفعلاً في العام 2026 لم يعد الصحافي راوياً لقصة، بل يعد حارساً للصدقية، ومسؤولاً عن ضمان خدمة التكنولوجيا للحقيقة عوضاً عن تجاوزها.


حق رفض ملخصات «غوغل» يثير مخاوف «العقوبة الخفية» لدى الناشرين

شعار «غوغل» فوق أحد مبانيها (رويترز)
شعار «غوغل» فوق أحد مبانيها (رويترز)
TT

حق رفض ملخصات «غوغل» يثير مخاوف «العقوبة الخفية» لدى الناشرين

شعار «غوغل» فوق أحد مبانيها (رويترز)
شعار «غوغل» فوق أحد مبانيها (رويترز)

أعاد اقتراح طرحته «هيئة المنافسة والأسواق البريطانية» (CMA) لمنح الناشرين حق رفض استخدام محتواهم في تغذية ملخصات «غوغل» المعززة بالذكاء الاصطناعي، الجدل حول مستقبل العلاقة بين شركات التكنولوجيا والناشرين، وسط تساؤلات بشأن جدوى هذا الحق قانونياً وعملياً. وفي حين تُصر «الهيئة» على ألا ينعكس الرفض سلباً على ظهور المواقع في نتائج البحث، أثار خبراء مخاوف من «عقوبة خفية» قد تطال الناشرين عبر تراجع غير مُبرر في الترتيب أو الزيارات.

«هيئة المنافسة والأسواق البريطانية» كانت قد ذكرت في نهاية يناير (كانون الثاني) الماضي، أنه «ينبغي أن يكون بإمكان الناشرين إلغاء الاشتراك الذي يسمح باستخدام محتواهم في ملخصات الذكاء الاصطناعي من (غوغل)». فردت «غوغل» على الاقتراح البريطاني بإفادة، قالت فيها إنها «تدرس بالفعل تحديثات لعناصر التحكم للسماح للمواقع الإلكترونية بإلغاء الاشتراك تحديداً في ميزات الذكاء الاصطناعي التوليدي للبحث».

الدكتور السر علي سعد، الأستاذ المشارك في تخصص الإعلام الجديد بجامعة أم القيوين، رأى أنه في ضوء المقترحات البريطانية الأخيرة، يبدو منح الناشرين حق رفض استخدام محتواهم في ملخصات الذكاء الاصطناعي أو في تدريب النماذج، حقاً قانونياً مُعلناً؛ لكنه غير محصن عملياً بشكل كامل بعد.

وأوضح لـ«الشرق الأوسط» أن «هيئة المنافسة والأسواق البريطانية» تستند إلى منطق مشابه لقانون الأسواق الرقمية الأوروبي الذي «لا يجيز معاقبة الناشرين أو تهميشهم في نتائج البحث بسبب رفضهم؛ غير أن الإشكالية تكمن في أن خوارزميات الترتيب معقدة وغير شفافة، ما يجعل العقوبة الخفية ممكنة تقنياً حتى لو كانت محظورة تنظيمياً».

وتابع سعد: «لذا، فإن الضمان الحقيقي لا يتحقق إلا عبر الفصل التقني الواضح بين البحث التقليدي وخدمات الذكاء الاصطناعي، وإتاحة آليات تدقيق مستقلة وحق الطعن التنظيمي إذا ثبت تراجع غير مبرّر في الزيارات أو الترتيب، وهو ما تعمل عليه الهيئات التنظيمية حالياً وفق ما توضحه هيئة المنافسة والأسواق البريطانية والمفوضية الأوروبية».

«وكالة الصحافة الفرنسية» كانت بدورها قد أوردت بنهاية يناير الماضي أن «ناشري المواقع الإلكترونية والمؤسسات الإعلامية كانوا قد وجهوا اتهامات لروبوتات الذكاء الاصطناعي بسرقة محتواهم من دون تعويض، بهدف تغذية نماذجهم التي تقدم للمستخدمين المعلومات مرة أخرى دون الإشارة للمصدر». وأفادت «الوكالة» بأن «هذا المسار المجحف تسبب في تقليل دخول المستخدمين إلى صفحات الناشرين الأصليين، ما يقلل من عدد زوار مواقعهم، وبالتالي من عائداتهم الإعلانية».

ووفق الدكتور سعد، فإن قرار الرفض هذا «محفوف بالمخاطر»، بينما عدّ النموذج الأكثر عملية، هو ترخيص المحتوى، «وفي حال قرر الناشرون الرفض الجماعي لاستخدام محتواهم في التدريب أو في الملخصات، فإن البديل الواقعي الذي يتشكل عالمياً، هو الانتقال إلى اقتصاد ترخيص المحتوى، سواءً عبر اتفاقات ترخيص مباشرة كما حدث بين (أوبن إيه آي) ومجموعة (أليكس سبرينغر)».

سعد اقترح أيضاً نموذجاً آخر يمكن أن يكون عادلاً للطرفين، هو «نماذج مشاركة العائدات الإعلانية، أو التفاوض الجماعي للناشرين على غرار التجربة الأسترالية، إلى جانب نماذج الوصول عبر واجهات برمجية مدفوعة بدل السحب الحر للمحتوى». واعتبر أن «هذه النماذج لم تعد افتراضية؛ بل موثقة وفاعلة، وتشير بوضوح إلى تحول المحتوى الصحافي من مورد مجاني إلى أصل اقتصادي منظم في بيئة الذكاء الاصطناعي».

وفي هذا الصدد، رأى هاني سيمو، خبير المشاريع الرقمية، في حوار مع «الشرق الأوسط»، أن وجود آليات واضحة لتعويض الناشرين عن استخدام محتواهم في تدريب الذكاء الاصطناعي «يقع في صميم اهتمام جميع أصحاب المصلحة في المجال».

وأضاف: «لا نزال نسبياً في بداية عصر الذكاء الاصطناعي، ولذا أجد أن الأمور لا تزال في مراحل التشكيل والتطوير، ونتيجة لذلك غالباً ما اعتمدت (غوغل) على تعويض الناشرين من خلال اتفاقيات ثنائية لا يمكن تعميمها».


السعودية تصنع مستقبل الإعلام في منتدى عالمي

الحارثي متحدثاً خلال النسخة السابقة من المنتدى (واس)
الحارثي متحدثاً خلال النسخة السابقة من المنتدى (واس)
TT

السعودية تصنع مستقبل الإعلام في منتدى عالمي

الحارثي متحدثاً خلال النسخة السابقة من المنتدى (واس)
الحارثي متحدثاً خلال النسخة السابقة من المنتدى (واس)

أكَّد محمد بن فهد الحارثي، رئيس المنتدى السعودي للإعلام، أن قطاع الإعلام في السعودية يحظى بأولوية وطنية بوصفه أداة للقوة الناعمة وصناعة الوعي. وأشار الحارثي، في حوار مع «الشرق الأوسط»، إلى أن رعاية خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز تمنح المنتدى بُعداً يُعزز من مكانة المملكة بوصفها مركزاً إعلامياً عالمياً.

وكشف رئيس المنتدى السعودي للإعلام، الذي سينطلق الاثنين 2 فبراير (شباط) المقبل، عن تفاصيل «بوليفارد 2030» التي تحتفي بمشروعات السعودية، وتأتي بالتزامن مع مرور 10 أعوام على إطلاق الرؤية، وعن إطلاق أول جائزة عالمية في فئة غير مسبوقة للمحتوى المُولّد بالذكاء الاصطناعي.

رعاية ملكية للمنتدى

وقال الحارثي إن رعاية خادم الحرمين الشريفين لنسخة هذا العام رسالة واضحة بأن الإعلام يحظى بأولوية وطنية، بوصفه أداة للقوة الناعمة وصناعة الوعي، ما يجذب نخبة من صناع القرار والخبراء الدوليين، ويرسخ مكانة السعودية مركزاً إعلامياً يصنع التأثير، ويقود الحوار حول مستقبل الصناعة في عالم سريع التحول.

وأوضح أن المنتدى يتميز بأنه حراك استراتيجي متواصل يترجم «رؤية المملكة 2030»، وأن ما يميزه هو التكامل بين الحوارات المهنية والمبادرات العملية، ومن ذلك معرض «فومكس» والجائزة السعودية للإعلام، ما يخلق منظومة شاملة تنتج مخرجات ملموسة.

وأضاف: «نحن نضيف للقطاع بُعداً مستقبلياً من خلال استكشاف تأثير الذكاء الاصطناعي، وبناء جسور التواصل مع المؤسسات العالمية، وتمكين الكوادر الوطنية، بما يجعل المنتدى رافداً حقيقياً لتطوير الصناعة محلياً وإقليمياً».

وأكد الحارثي أن المنتدى هذا العام يكتسب بُعداً استثنائياً بتزامنه مع مرور 10 أعوام على إطلاق الرؤية، وسيشهد للمرة الأولى إطلاق «بوليفارد 2030»؛ وهي مساحة تستعرض منجزات برامج الرؤية والمشروعات الضخمة (مثل الدرعية، والعلا، والبحر الأحمر، والقدية)، بجانب معرض مستقبل الإعلام.

أول جائزة عالمية للذكاء الاصطناعي

وعن قدرة المنتدى على مواكبة التحولات العالمية، قال الحارثي إن شعار المنتدى، «الإعلام في عالم يتشكل»، يعكس إدراكاً عميقاً للتحولات الجيوسياسية والتقنية. وقال: «ستعقد أكثر من 150 جلسة حوارية تغطي موضوعات متنوعة، من توظيف الذكاء الاصطناعي إلى اقتصاد الإعلام والترفيه، ومن أبرز الإنجازات أن النسبة الأكبر من المتحدثين هم قيادات إعلامية دولية بارزة تزور السعودية للمرة الأولى. كما أضفنا للجائزة السعودية للإعلام فئة غير مسبوقة للمحتوى المُولّد بالذكاء الاصطناعي، لتكون أول جائزة عالمية في هذا المجال».

وعن مساهمة المنتدى في بناء جسور التفاهم مع المؤسسات العالمية، وتصحيح الصورة الذهنية، قال الحارثي إن المنتدى يُمثل أداة قوة ناعمة؛ من خلال مبادرة «SMF Connect» تربط الإعلاميين السعوديين بنظرائهم عالمياً. وأضاف: «لقد لمسنا أن الإعلامي الأجنبي حين يأتي للسعودية يخرج بانطباعات إيجابية، وبعضهم اعترف بأن نظرته للمملكة كانت مبنية على معلومات غير دقيقة قبل أن يخوض التجربة المعيشة، ويرى الإنجازات بنفسه في الرياض».

وأوضح الحارثي أن أبرز التحديات التي تواجه الإعلام السعودي حالياً، هي مواكبة التقنيات المتسارعة، وبناء كوادر مؤهلة في المجالات المستقبلية، وتعزيز المنافسة العالمية للمحتوى السعودي. وعن آلية عمل المنتدى على مواجهتها، قال الحارثي: «إن ذلك يتم عبر برامج متخصصة مثل مبادرة (غرفة العصف)، وهي مساحة مُصمَّمة للعصف الذهني وصناعة الأفكار؛ حيث يجتمع الشباب الموهوبون مع الخبراء والمختصين في جلسات منظمة لاستكشاف قضايا الإعلام الراهنة، وتوليد أفكار برامجية ورقمية يتم تبنيها من مؤسسات إعلامية أو إنتاجية مختلفة، ومبادرة نمو (SMF GROW UP) الداعمة للشركات الناشئة، وهي بالشراكة مع برنامج ضمان تمويل المنشآت الصغيرة والمتوسطة (كفالة) والفرصة متاحة للمؤسسات الإعلامية لكي تستفيد من هذه المبادرة».

محمد بن فهد الحارثي رئيس المنتدى السعودي للإعلام (المنتدى)

«سفراء الإعلام»

ومبادرة «سفراء الإعلام» التي تُهيئ طلاب الجامعات ليكونوا جيلاً جديداً من الكوادر المهنية القادرة على المنافسة إقليمياً ودولياً. ونفخر بأن معظم الشباب والشابات الذين يعملون في فريق المنتدى في هذه النسخة هم من مخرجات هذه المبادرة في نسختيها السابقتين.

وأشار الحارثي إلى أن التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي محوران رئيسيان في نسخة المنتدى 2026، وأضاف: «خصصنا جلسات متعمقة لاستكشاف توظيف الذكاء الاصطناعي في الصحافة وصناعة المحتوى، والبنية الرقمية للإعلام، كما أطلقنا فئة جديدة في الجائزة السعودية للإعلام للمحتوى المُولّد بالذكاء الاصطناعي، وهي نقلة نوعية تُعيد تشكيل مفهوم الصناعة الإبداعية، وتهدف هذه الخطوات إلى تحفيز الابتكار وبناء ثقافة تجريبية لدى الإعلاميين، بما يجعل المملكة في طليعة الدول المستفيدة من التقنيات المتقدمة. ومن مبادرات المنتدى المتخصصة في هذا الإطار، (معسكر الابتكار الإعلامي) الذي يُركز على الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات».

توسع في الجائزة السعودية للإعلام

وأوضح الحارثي طبيعة التوسع الذي شهدته الجائزة السعودية للإعلام، عبر 4 مسارات تغطي 14 فرعاً؛ حيث تمثلت الإضافة الأبرز في استحداث فئة المحتوى المُولَّد بالذكاء الاصطناعي ضمن مسار المحتوى المرئي والمسموع، لتكون بذلك أول جائزة عالمية متخصصة في هذا المجال ضمن منظومة الجوائز المهنية. كما أُضيفت جائزة «المنافس العالمي» التي تكرّم المبادرات الإعلامية السعودية ذات الحضور والتأثير الدولي، بهدف تحفيز المنافسة العالمية وترسيخ ثقافة الابتكار.

وعمّا إذا كان قد انعكس هذا التوسع في الجائزة على نتائج المشاركة في فروعها، قال الحارثي: «إن الجائزة تجاوزت البُعد المحلي لتصبح منصة عالمية حقيقية؛ حيث استقطبت مشاركات من أكثر من 20 دولة، بزيادة قدرها 200 في المائة في المشاركات الدولية مقارنة بالنسخة السابقة، يشمل ذلك تنوعاً جغرافياً استثنائياً يشمل دولاً عربية، ويمتد إلى قوى إعلامية عالمية، مثل الصين وأميركا وبريطانيا وألمانيا وفرنسا، إضافة إلى سنغافورة وسويسرا وهولندا، ونجح هذا الحضور الدولي في رفع سقف المنافسة؛ حيث تأهل أكثر من 500 عمل للفرز النهائي ضمن 14 فرعاً مهنياً، وسيحتفي المنتدى بالفائزين من مختلف أنحاء العالم، في حفل التكريم يوم 4 فبراير (شباط) 2026».

بالإضافة إلى الجائزة، أصبح للمنتدى مبادرات متعددة. وعن أهميتها في تعزيز قطاع الإعلام السعودي، قال الحارثي: «إن المبادرات تحوّل المنتدى من فعالية سنوية إلى عمل مؤسسي مستدام وحراك متواصل، فمبادرة (ضوء المنتدى) تنقل النقاشات الإعلامية لمختلف مناطق المملكة، و(غرفة العصف) تخلق مساحة لصناعة الأفكار الإبداعية، في حين (سفراء الإعلام) تبني جيلاً جديداً من الكوادر الأكاديمية بخبرة ميدانية مبكرة، وهذه المبادرات مجتمعة تُسهم في بناء بيئة إعلامية ممكّنة، وتعزز القدرات الوطنية، وتضع المملكة في موقع القيادة الإعلامية إقليمياً ودولياً».