ناج من «داعش» لا يفارقه صوت الساطور يقطع يديه... وآخر فقد عائلته وساقيه

«الشرق الأوسط» تنقل شهادات مصابين نزحوا إلى مخيم عين عيسى في ريف الرقة

أحمد حميدي فقد ساقيه وعائلته بقصف في ريف الرقة («الشرق الأوسط»)
أحمد حميدي فقد ساقيه وعائلته بقصف في ريف الرقة («الشرق الأوسط»)
TT

ناج من «داعش» لا يفارقه صوت الساطور يقطع يديه... وآخر فقد عائلته وساقيه

أحمد حميدي فقد ساقيه وعائلته بقصف في ريف الرقة («الشرق الأوسط»)
أحمد حميدي فقد ساقيه وعائلته بقصف في ريف الرقة («الشرق الأوسط»)

تبقى قصة أحمد حميدي، الشاب الثلاثيني، محفورة في ذاكرة والديه، اللذين يبكيان كلما عاد بهما المشهد إلى ذلك اليوم الذي أدمى قلب ابنهما البكر. أحمد المنحدر من حي الدرعية غرب مدينة الرقة كان متزوجا ولديه أربعة أطفال، ولدان وابنتان، يعمل سائق سيارة أجرة ينقل البضائع والخضراوات من السوق ويوزعها على المحلات والبقلات التجارية.
لكن حدثا أليما غيّر مجرى حياته. إذ بعد إعلان معركة تحرير الرقة في يونيو (حزيران) 2017، وكانت تعد سابقا أبرز معاقل تنظيم داعش في سوريا، من قبل «قوات سوريا الديمقراطية» بدعم من التحالف الدولي بقيادة واشنطن، ومحاصرة هذه القوات المدينة، ووصولها على مشارف حي الدرعية، تعرضت المنطقة التي يسكنها أحمد لنيران طيران التحالف، ويروي تلك اللحظات لـ«الشرق الأوسط»، قائلا: «تعرضنا لقصف شديد، وسقطت قذيفة فوق منزلنا، لقي ولداي الاثنان وعمي والد زوجتي حتفهم، نعم ماتوا كلهم أمام ناظري».
دفعت الحادثة أحمد ومن تبقى من عائلته إلى أن يلوذوا بالفرار بداية يوليو (تموز) العام الماضي، لكن طريق الهروب كان يخبئ له مزيدا من الألم. إذ خسر ما تبقى من عائلته. وقال أحمد: «وصلنا إلى مؤسسة الأعلاف شمال غربي الرقة، لتنفجر بنا عبوة ناسفة زرعها عناصر (داعش) في الطريق بقصد منع المدنيين من الهروب». الحادثة سيتذكرها أحمد طوال حياته، لأنها سلبت منه زوجته وابنته وفقد على أثرها ساقيه. وأضاف: «عائلتي كانت 6 أشخاص، بقينا منها أنا من دون ساقين، وأذني اليمنى لم أعد أسمع بها شيئا، وابنتي ذات السنوات الأربع أصيبت بالشلل وباتت مقعدة من شدة الانفجار».
توقف عن الحديث. اغرورقت عيناه بالبكاء. بكت معه والدته وأبوه وشقيقاته. وللتغلب على حالته يستعين أحمد بمهدئات الأعصاب والحبوب المنومة من أجل النسيان، كما يلجأ إلى الدخان ويشرب في اليوم أربع علب من السجائر. وتابع: «لحظات مثقلة بالذكريات الحزينة». أما ابن عمه محمود الذي لم يقف مكتوف الأيدي أمام حالة أحمد، فيأتي يوميا إليه في مسعى لإقناعه على الخروج لقضاء بعض الوقت خارج خيمته، الكائنة في مخيم عين عيسى الواقع على بعد 50 كيلومترا غرب الرقة. وقال: «في كل مرة يرفض الخروج، أصبح يخجل كثيرا سيما عندما يركب الكرسي، ويتحسس من ضحكات الأطفال ونظرات الناس، يعتقد أن الجميع يشفق عليه».
وذكرت منظمة الصحة العالمية والمنظمة الدولية للأشخاص ذوي الإعاقة، في تقريرها السنوي الصادر بتاريخ 13 ديسمبر (كانون الأول) 2017، أن «هناك ثلاثين ألف مصاب كل شهر بسبب الحرب في سوريا، وأن الحرب خلّفت مليونا ونصف المليون مصاب بإعاقة دائمة»، وبحسب التقرير يعيش 1.5 مليون شخص مع إعاقات مستديمة، «منهم 86 ألف شخص أفضت إصابتهم إلى بتر أطرافهم»، مشيرة إلى أن «الصراع الدائر هناك يحتدم باستخدام أسلحة متفجرة في المناطق المأهولة بالسكان».
غير أنّ عبد الستار الحاج محمد (48 سنة) المنحدر من حارة البدو بمدينة الرقة، والمقيم حاليا في مدينة الطبقة غرب الرقة، ورغم أن ساقه اليسرى بترت جراء انفجار لغم أرضي عندما حاول الهروب في سبتمبر (أيلول) العام الماضي، من قبضة عناصر تنظيم داعش، قام الرجل المكلوم بالتجول في الأماكن المدمرة والأحياء المهجورة في الطبقة، باحثا عن الخردة وأكياس البلاستيك ليبيعها في محلات مخصصة لشراء هذه المخلفات، مقابل مبلغ زهيد يكفيه لقمة عيشه وكسب قوت بيته.
وقال لـ«الشرق الأوسط»: «كنا سنموت إما برصاص قناص (داعش) وإما بقصف الطيران، لذلك قررنا أن نلوذ بالفرار، لكن فقدت ابني الأكبر، وتعاني زوجتي من ضعف في السمع منذ ذلك اليوم».
كما تعرض منزل عبد الستار في الرقة إلى القصف، ولا يمتلك المال الكافي كي يعيد بناءه من جديد، الأمر الذي دفعه للعيش مؤقتا في مدينة الطبقة حتى تنفرج حالته. وزاد: «مضطر أن أبقى هنا، وأعمل في جمع هذه الخردة حتى يفرجها الله... اللهم فكّ كربتنا».
وبحسب تقرير منظمة الصحة العالمية، فإن أقل من نصف المستشفيات والمرافق الصحية العامة في سوريا لا تزال تفتح أبوابها أمام المرضى، بَيْدَ أن أكثرها يفتقر إلى التجهيزات المناسبة لتقديم الرعاية إلى المرضى الذين يعانون من الإصابات، كما يوجد مركزان للتأهيل البدني (في دمشق وحمص) يوفران الأطراف الاصطناعية. ولفتت المنظمة الدولية إلى أن «القيود البالغة الشدة على إتاحة الرعاية الطبية» تسببت في تحول الإصابات التي يعاني منها كثير من الناس إلى اعتلالات دائمة.
من جهته، قال جلال نوفل، رئيس مركز الصحة النفسية في مدينة غازي عنتاب بتركيا، إنّ بتر القدم أو اليد أو قطعها بحد ذاتها خسارة كبيرة للإنسان، تترافق بالصدمة والمعاناة، لأن صاحبها خسر جزءا حميما من جسده. وقال إن المصاب يعاني من أمرين: «الأول يدعى ألم الطرف الشبحي، حيث قد يرافق هؤلاء شعور بالألم مكان الجزء المبتور، كأن يشعر الشخص بحاجة إلى حك يده المقطوعة»، فيما يدور الألم الثاني حول الصورة الاجتماعية المصاحبة للإنسان وخسارة جزء حميم من جسده، مشيراً: «تنعكس عليه اجتماعيا ويرافقه شعور أنه غير مقبول ومنبوذ ترافقها حالة من الخجل».
وتذكر إبراهيم العلي (28 سنة)، المتحدر من بلدة منبج بريف حلب الشرقي، 5 يوليو 2016، حيث كان ينتظر بفارغ الصبر استقبال أول أيام عيد الفطر، حيث تحولت أفراح العيد الملونة إلى لون أسود، إذ اقتاده عناصر تنظيم داعش الذين كانوا يسيطرون آنذاك على البلدة، إلى ساحة عامة وقطعوا يده اليمنى، بتهمة بيع دراجة نارية مسروقة.
وفي منزله الطيني المتواضع في منبج، قال إبراهيم لـ«الشرق الأوسط»: «أتذكر صوت المقصلة التي بترت يدي وكأنّ ذلك حدث قبل قليل. تمنيت لو حكم القاضي بالموت على أن أعيش بقية حياته بيدٍ واحدة»، حيث لم يعد بمقدوره مزاولة أي مهنة، ويخجل من الخروج إلى الشارع والاختلاط مع الناس، لأن التنظيم تسبب في عاهة دائمة لديه، كما يفضل عدم الاختلاط مع الناس كثيراً، حيث يرافقه الشعور بالخجل والعار وندبة في القلب لا يشعر بها إلا من ذاقها.
أما زوجته وفاء فتشرح حالتيه النفسية والعصبية، فقالت: «يقضي معظم الوقت مستلقيا يدعي النوم، لكنه لا يتحدث مع أحد، أما في الليل فتنتابه حالات عصبية وعلى الرغم من تناوله حبوبا مهدئة فإنه لا تنفعه ولا يصدق متى تشرق الشمس». كما لفتت زوجته إلى أنّ إبراهيم وعندما يدخل المطبخ لتحضير الشاي أو تسخين الطعام «لا يستطيع رفع شيء بيده اليسرى، لأن اليمنى مقطوعة، ثم يبدأ بتكسير الصحون والكؤوس، وكل شيء يراه أمامه».
أما وليد إسماعيل (52 سنة) الذي فر صيف 2017 من مسقط رأسه في حي الرميلة بالرقة بعد اشتداد المعارك والقصف، رفقة زوجته وأطفاله الخمسة وعائلات ثانية، انفجرت بهم عبوة ناسفة تسببت بقطع قدمه اليمنى، وفقد عينه اليسرى، وتعرض وجهه لحروق بليغة، إلى جانب مقتل عشرة أشخاص حرقا أمام عينيه، جراء شدة الانفجار، وتحولت إلى كتل من الجثث المتفحمة.
وفي محاولته رواية تفاصيل الحادثة، قال بحسرة: «نجونا بأعجوبة، بعد الانفجار حملتني زوجتي وجاري على ظهرهما مسافة كيلومترين، وأسعفاني إلى مستشفى في تل أبيض، وبتر الأطباء قدمي شبه المقطوعة لمنع انتشار الغرغرينا».
لكن وليد لم يستسلم لوضعه؛ فبعد تماثله للشفاء ذهب إلى حداد وطلب منه صناعة ساق معدنية تساعده في المشي والتحرك، كما يستخدم قدمه اليسرى فقط في القيادة، وقال في ختام حديثه: «لن أنسى الحادثة طوال حياتي، لكن اليوم أجمل ومتفائل بغدٍ أفضل».


مقالات ذات صلة

بوركينا فاسو ستجنِّد 100 ألف مدني في الجيش احتياطياً

أفريقيا الكابتن إبراهيم تراوري قائد المجلس العسكري الحاكم في بوركينا فاسو وحوله عدد من الجنود (رويترز) p-circle

بوركينا فاسو ستجنِّد 100 ألف مدني في الجيش احتياطياً

أعلن وزير الحرب في بوركينا فاسو، السبت، أن بلاده ستجند 100 ألف مدني بحلول نهاية عام 2026، لتعزيز قواتها الاحتياطية، ودعم الجيش في حربه ضد الجماعات الإرهابية.

«الشرق الأوسط» (أبيدجان)
المشرق العربي 
نقل عائلات تنظيم «داعش» من الباغوز إلى مراكز احتجاز بإدارة «قسد» في 2019 (أ.ف.ب)

«داعش» يراهن على «تناقضات» في سوريا

باتت منطقة الجزيرة السورية بين دير الزور والرقة والحسكة، الساحة الرئيسية، لاختبار قدرات تنظيم «داعش»، في ظل تغيير أولوياته وسباقه غير المعلن مع الحكومة السورية.

«الشرق الأوسط» (لندن)
المشرق العربي لافتة لأهالي المعتقلين المرحّلين إلى سجون العراق في اعتصام وسط دمشق (متداولة)

وفد أممي يلتقي في الشدادي أهالي المرحلين من سجون «قسد» إلى العراق

يلتقي في الشدادي بالحسكة وفدٌ أممي أهاليَ المرحّلين من سجون «قسد» إلى العراق، ويطالب الأهالي بإعادتهم ومحاكمتهم في سوريا.

سعاد جرَوس (دمشق)
خاص صورة مقاتل من «داعش» وزعتها وكالة «أعماق» التابعة للتنظيم، في الباغوز السورية في 2019 (أ.ب) p-circle 03:03

خاص «داعش» يغيّر أولوياته ويسعى لرفع «تكلفة الحكم» في سوريا

تشكل الأشهر القادمة مرحلة مفصلية في رسم طبيعة التهديد الأمني في شمال ووسط سوريا، بما يحدد ملامح المواجهة القادمة بين الدولة وأجهزتها الأمنية وتنظيم «داعش».

سلطان الكنج
شؤون إقليمية أفراد من الشرطة يفتشون سيارة بموقع حادث بعد سماع دوي إطلاق نار بالقرب من مبنى القنصلية الإسرائيلية في إسطنبول 7 أبريل 2026 (رويترز)

تركيا توقف 90 شخصاً تشتبه بارتباطهم بـ«داعش»

أعلنت وزارة الداخلية التركية، الاثنين، توقيف 90 شخصاً للاشتباه بارتباطهم بـ«داعش»، وذلك بعد أسبوعين من عملية إطلاق نار خارج القنصلية الإسرائيلية في إسطنبول.

«الشرق الأوسط» (أنقرة)

هل يعزز حديث السيسي والشرع «الودي» في قبرص تقارب البلدين؟

السيسي خلال لقاء الشرع على هامش القمة العربية بالقاهرة في مارس 2025 (الرئاسة المصرية)
السيسي خلال لقاء الشرع على هامش القمة العربية بالقاهرة في مارس 2025 (الرئاسة المصرية)
TT

هل يعزز حديث السيسي والشرع «الودي» في قبرص تقارب البلدين؟

السيسي خلال لقاء الشرع على هامش القمة العربية بالقاهرة في مارس 2025 (الرئاسة المصرية)
السيسي خلال لقاء الشرع على هامش القمة العربية بالقاهرة في مارس 2025 (الرئاسة المصرية)

أعاد حديث وصفته وسائل إعلام مصرية وسورية بأنه «ودي» بين الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، ونظيره السوري أحمد الشرع، مسار علاقات البلدين للواجهة مجدداً.

وبحسب خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، فإن «العلاقات التي شهدت تفاهمات اقتصادية ومساعي مصرية للمشاركة في إعادة إعمار سوريا، سيدفعها اللقاء (الودي) خطوة للأمام في مسار الشراكة، ويعزز فرص التقارب بصورة أكبر». وأشار الخبراء إلى «وجود تحديات يجب تجاوزها لتوسيع العلاقات».

وأفادت وسائل إعلام بالقاهرة ودمشق بأن «حديثاً ودياً» جرى بين الرئيس المصري ونظيره السوري، في «قمة قبرص»، الجمعة، لبحث تطورات المنطقة وتعزيز التعاون العربي الأوروبي.

وتقدم ذلك المشهد على لقطات أخرى حاولت حسابات بمنصات التواصل وصفها بأنها «تجاهل»، بعدما ادعت أنه «لم يبادر أي منهما بالتحدث إلى الآخر على الرغم من جلوسهما جنباً إلى جنب في الاجتماع».

في حين بادر الإعلامي المصري، عمرو أديب عبر برنامجه على قناة «إم بي سي مصر»، مساء الجمعة، بنفي «هذه الادعاءات حول التجاهل»، قائلاً: «جرت الأمور بشكل طبيعي، وتحدثا الرئيسان معاً، لا سيما عند التقاط الصورة التذكارية».

عضو «المجلس المصري للشؤون الخارجية»، مساعد وزير الخارجية الأسبق، السفير محمد حجازي، يرى أنه «في لحظة إقليمية شديدة السيولة، لم يكن الحديث الودي الذي جمع بين الرئيس السيسي ونظيره السوري على هامش لقاء قبرص مجرد لقطة بروتوكولية عابرة، بل يمكن قراءته باعتباره تعبيراً دقيقاً عن دبلوماسية الإشارة الإيجابية التي تلجأ إليها الدول حين تكون المسارات مفتوحة، ولكنها لم تنضج بعد إلى مستوى التحولات الاستراتيجية الكاملة».

القادة عقب «الاجتماع التشاوري» في قبرص الجمعة (الرئاسة المصرية)

وبحسب حجازي، فإن «الانتقال من صورة يُفهم منها التباعد أو التجاهل إلى مشهد حوار مباشر وودي، يعكس وجود إرادة سياسية لتفادي أي انطباع عن العزلة أو القطيعة، ويؤكد أن قنوات الاتصال بين القاهرة ودمشق مفتوحة وتسير إيجاباً نحو الأمام، وأنها لم تنقطع يوماً، بل تعمل بهدوء وإيجابية بعيداً عن الأضواء».

ويتابع: «قد لا يكون الحديث الودي نهاية المطاف؛ لكنه بالتأكيد ليس تفصيلاً هامشياً، بل خطوة وإشارة إيجابية محسوبة في طريق طويل نحو إعادة صياغة علاقة تاريخية، تظل قابلة للتقدم؛ ولكن وفق إيقاع الحذر الاستراتيجي».

ووفق رأي أستاذ العلاقات الدولية السوري، عبد القادر عزوز، فإن «الحديث الودي الذي جرى في قبرص، كان تعبيراً عن إدراك ووعي كبيرين من القيادة السياسية في كلا البلدين بأهمية العلاقات السورية - المصرية المشتركة، خاصة أنها كانت، عبر التاريخ، بمثابة صمام أمان للأمن القومي العربي والأمن الإقليمي على حد سواء».

ويوضح أن «التنسيق السوري - المصري يلعب دوراً كبيراً في تحقيق استقرار المنطقة، خاصة في ظل ما تشهده الساحة الإقليمية حالياً»، ويتوقع أن «يؤدي ذلك إلى تعزيز التقارب والعمل على معالجة أي خلافات أو مشكلات قائمة بين البلدين».

ومنذ سقوط بشار الأسد، بدت العلاقات المصرية - السورية في التحرك نحو اتصالات ثنائية وتعاون اقتصادي في قطاع الغاز، قبل تفاعلات الحديث الودي في قبرص بين رئيسي البلدين.

وفي يناير (كانون الثاني) الماضي، استضافت دمشق «ملتقىً اقتصادياً واستثمارياً» مشتركاً بين البلدين، بعد أيام من توقيع البلدين مذكرتي تفاهم في مجال الطاقة، «للتعاون في توريد الغاز المصري إلى سوريا، بهدف توليد الكهرباء».

الرئيسان السيسي والشرع خلال لقاء بالقاهرة في مارس 2025 (الرئاسة المصرية)

كما التقى السيسي، الشرع، على هامش القمة العربية الطارئة بالقاهرة في مارس (آذار) 2025، بعد سلسلة خطوات اتخذتها القاهرة تجاه دمشق، أبرزها دعوة من الرئيس المصري لنظيره السوري لحضور القمة، عقب تهنئته بالمنصب الرئاسي في فبراير (شباط) 2025، بخلاف اتصالات ولقاءات متكررة بين وزيري خارجية البلدين.

ويرى حجازي أن «هذا التطور لا يأتي من فراغ، بل يندرج ضمن مسار تدريجي شهد خلال العامين الماضيين مؤشرات متراكمة على إعادة اختبار العلاقة بين البلدين، سواء عبر الاتصالات الرسمية أو بوادر التعاون الاقتصادي المحدود».

غير أن هذا المسار، وفق حجازي، «يظل محكوماً بجملة من التحديات المعقدة، في مقدمتها طبيعة التحولات داخل سوريا نفسها، كما يظل ملف التنظيمات المسلحة والتوازنات الأمنية داخل سوريا عنصراً حاسماً في أي انفتاح مصري أعمق؛ إذ لا يمكن فصل التقارب السياسي عن ضمانات الاستقرار الأمني».

ورغم هذه التحديات، شدد حجازي على أن «معادلة الفرص تبدو حاضرة بقوة، مع إدراك متزايد بأن إعادة دمج سوريا في الإطار العربي تمثل مصلحة مشتركة، ليس فقط لسوريا، بل أيضاً لإعادة التوازن إلى الإقليم وتقليص أدوار القوى غير العربية، بخلاف ملف إعادة إعمار سوريا بوصفه مدخلاً عملياً للتعاون بما تمتلكه مصر من خبرات».

وبحسب عزوز، فإنه «لو لم يصل البلدان بعد إلى مرحلة تصفير المشكلات من خلال الحوار المباشر، فعلى الأقل يجب أن يكون هناك نوع من تحييد الخلافات، خاصة أنها ليست جوهرية في مسيرة العلاقات السورية - المصرية المشتركة، في ظل وجود فرص كبيرة للتطوير رغم التعقيدات الدولية بعد حرب إيران».

ودعا إلى «تجسير مزيد من التواصل بين أجهزة الدولة في كلا البلدين، بما يخدم الأمن والاستقرار في المنطقة ومصلحة الشعبين السوري والمصري، وتطوير هذه العلاقات في مختلف المجالات، سواء على الصعيد السياسي أو الاقتصادية».


مصر تُشدد على وقوفها مع دول الخليج لمواجهة أي تحديات تستهدف أمنها

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تُشدد على وقوفها مع دول الخليج لمواجهة أي تحديات تستهدف أمنها

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي (الخارجية المصرية)

شدّدت مصر على وقوفها مع دول الخليج في مواجهة أي محاولات تستهدف أمنها، وأكدت تطلعها لأن تصل المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران إلى تفاهمات تراعي الشواغل الأمنية لدول المنطقة، وفي مقدمتها دول الخليج العربي.

جاء ذلك خلال اتصالات هاتفية أجراها وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نظرائه في الكويت والبحرين وسلطنة عمان وباكستان، وفقاً لبيانات صادرة السبت، عن «الخارجية المصرية».

وتأتي الاتصالات المصرية بالتزامن مع بوادر لاستئناف المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران في باكستان، وترقب لما ستؤول إليه المفاوضات، وفي ظل أوضاع مضطربة في المنطقة، وتهديدات متصاعدة للملاحة البحرية في مضيق هرمز.

وأجرى عبد العاطي اتصالاً هاتفياً مع الشيخ جراح جابر الأحمد الصباح، وزير خارجية دولة الكويت الشقيقة، للتشاور حول التطورات في المنطقة، وتنسيق الجهود لخفض التصعيد.

تبادل الوزيران الآراء بشأن مستجدات المسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران، وأكدا أهمية عقد الجولة الثانية لتثبيت وقف إطلاق النار واستدامة التهدئة وإنهاء الحرب، لتجنيب المنطقة تداعيات خطيرة، وشدّد عبد العاطي في هذا السياق على ضرورة مراعاة الشواغل الأمنية لدول الخليج، وفقاً لبيان «الخارجية المصرية».

وجدد عبد العاطي إدانة مصر الهجوم الذي استهدف موقعين بالمراكز الحدودية البرية الشمالية الكويتية، الجمعة، باستخدام طائرات مسيّرة، مؤكداً «تضامن مصر الكامل مع حكومة الكويت وشعبها وسائر دول الخليج الشقيقة في مواجهة أي محاولات لزعزعة أمنها واستقرارها»، ومشدداً على دعم مصر لكل الإجراءات والتدابير التي تتخذها السلطات الكويتية لحماية حدودها وصون مقدراتها.

وكذلك أجرى اتصالاً هاتفياً مع وزير خارجية سلطنة عمان، بدر البوسعيدي، تناول التطورات المتسارعة في المنطقة وتنسيق الجهود المشتركة لخفض التصعيد.

وتبادل الوزيران الرؤى حول أهمية دعم مسار التفاوض للتوصل إلى تفاهمات تُسهم في تثبيت وقف إطلاق النار وإنهاء الحرب وإرساء دعائم الاستقرار بالمنطقة، وتعزيز الحلول السياسية بعيداً عن التصعيد العسكري.

وجدّد الوزير عبد العاطي التأكيد، خلال الاتصال، على تضامن مصر الكامل ودعمها لسلطنة عمان الشقيقة وسائر دول الخليج العربي، مشيراً إلى أن أمن الخليج يُمثل جزءاً لا يتجزأ من الأمن القومي المصري.

وأجرى عبد العاطي اتصالاً مع وزير خارجية مملكة البحرين، عبد اللطيف بن راشد الزياني، جدّد خلاله تضامن مصر الكامل مع البحرين في مواجهة أي تحديات تستهدف أمنها واستقرارها.

وسبق أن أدانت مصر مراراً الاعتداءات الإيرانية على الدول العربية، وزار الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، عدداً من الدول الخليجية في رسالة دعم وتضامن.

وبالتزامن مع بوادر استئناف المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، أجرى عبد العاطي اتصالاً مع وزير خارجية باكستان، محمد إسحاق دار، أكد خلاله ضرورة الحفاظ على حرية الملاحة الدولية، ومراعاة الشواغل الأمنية لدول المنطقة، وفي مقدمتها دول الخليج العربي.


السيسي: مصر تدعم الحقوق العربية بلا مهادنة

الرئيس المصري خلال خطابه بمناسبة ذكرى تحرير سيناء (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري خلال خطابه بمناسبة ذكرى تحرير سيناء (الرئاسة المصرية)
TT

السيسي: مصر تدعم الحقوق العربية بلا مهادنة

الرئيس المصري خلال خطابه بمناسبة ذكرى تحرير سيناء (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري خلال خطابه بمناسبة ذكرى تحرير سيناء (الرئاسة المصرية)

أكد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، السبت، أن بلاده تدعم «الحقوق العربية بلا مواربة أو مهادنة»، مؤكداً أن التضامن هو السبيل الوحيد لتجاوز المحن، وحذر «من مساعٍ مدبرة لإعادة رسم خريطة الشرق الأوسط»، ما عده خبراء بمثابة رسائل توضح استراتيجية القاهرة ورؤيتها بشأن مختلف الأزمات وسبل مواجهتها.

وقال السيسي، في كلمة مسجلة، السبت، بمناسبة الاحتفال بالذكرى الرابعة والأربعين لتحرير سيناء، إن «منطقة الشرق الأوسط تمر بظروف دقيقة ومصيرية، حيث تشهد مساعي مدبرة لإعادة رسم خريطتها، تحت دعاوى آيديولوجية متطرفة»، مؤكداً أن «الطريق الأمثل لمستقبل المنطقة لا يقوم على الاحتلال والتدمير وسفك الدماء، بل على التعاون والبناء والسلام».

وشدد السيسي على «ضرورة احترام سيادة الدول وسلامة أراضيها، ووقف محاولات تقسيم دول المنطقة وتفكيكها، والاستيلاء على مقدرات شعوبها، وإذكاء أسباب الاقتتال الداخلي والحروب الأهلية والدولية»، مؤكداً أن «الحلول السياسية والمفاوضات هي السبيل الأمثل لتجنيب المنطقة مزيداً من الكوارث والدماء والدمار».

وفي هذا الصدد، أشار السيسي إلى «إدانة مصر بكل وضوح وحزم الاعتداءات التي تعرضت لها بعض الدول العربية مؤخراً، ورفضها القاطع لأي مساس بسيادة تلك الدول، أو انتهاك سلامة أراضيها»، وقال: «تتخذ مصر مواقف سياسية مشهودة لدعم الحق العربي أمام المنظمات الدولية دون مواربة أو مهادنة». وأضاف الرئيس المصري أن «التضامن هو السبيل الأوحد لتجاوز المحن، وأن بلاده ستظل السند والركيزة لأمتها، تدافع عن قضاياها، وتعمل بإخلاص من أجل تحقيق مصالحها العليا».

وسبق وأدانت مصر مراراً الاعتداءات الإيرانية على الدول العربية، وزار الرئيس المصري عدداً من الدول الخليجية في رسالة دعم وتضامن.

فيما أدان وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، خلال اتصاله مع الشيخ جراح جابر الأحمد الصباح، وزير خارجية دولة الكويت، الهجوم الذي استهدف موقعين بالمراكز الحدودية البرية الشمالية الكويتية، أمس، باستخدام طائرات مسيرة.

وأكد «تضامن مصر الكامل مع حكومة وشعب الكويت وسائر دول الخليج الشقيقة في مواجهة أي محاولات لزعزعة أمنها واستقرارها، مشدداً على دعم مصر لكافة الإجراءات والتدابير التي تتخذها السلطات الكويتية لحماية حدودها وصون مقدراتها».

وحدة الصف العربي

رأى مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير رخا أحمد حسن، أن خطاب السيسي تضمن رسالة مهمة تضمنت التأكيد على «أهمية وحدة الصف العربي باعتباره السبيل لمواجهة التحديات»، وأضاف في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن الخطاب عبّر عن «موقف مصر المبدئي بعدم جواز الاستيلاء على الأراضي بالقوة، وأنه لا تنازل عن الحقوق العربية في مواجهة الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة».

وجدد السيسي خلال كلمته التي تطرقت لملفات عديدة، التأكيد على «أهمية التطبيق الكامل للمرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، بما يشمل إدخال المساعدات الإنسانية دون معوقات، والشروع الفوري في إعادة إعمار القطاع»، مشدداً على «رفض مصر القاطع؛ الذي لا يقبل تأويلاً أو مساومة، لأي مسعى يرمى إلى تهجير الفلسطينيين، تحت أي ظرف كان»، ومؤكداً «ضرورة وقف الاعتداءات المتكررة، ضد أبناء الشعب الفلسطيني في الضفة الغربية».

الرئيس المصري يؤكد الدفاع عن الحقوق العربية بلا مواربة (الرئاسة المصرية)

وأعاد السيسي التأكيد على أن «خيار مصر دائماً هو السلام». وقال إن هذا «خيار ينبع من قوة وحكمة وقناعة ثابتة، لا من ضعف أو تردد أو خوف»، مشدداً على أن «القوات المسلحة المصرية؛ بعقيدتها وجدارتها، قادرة على حماية الوطن والدفاع عنه، والتصدي لكل من يحاول المساس بأمنه القومي، أو تهديد استقراره».

طريق التنمية

وأشار إلى أن بلاده «اختارت، بإرادة صلبة وعزم لا يلين، أن تسلك طريق البناء والتنمية، دون توقف أو تأجيل، رغم ما واجهته من تحديات جسيمة خلال العقد الأخير»، لافتاً في هذا الصدد إلى «الحرب على الإرهاب، وجائحة (كورونا)، والحرب الروسية - الأوكرانية، وحرب غزة، وأخيراً الحرب الإيرانية»، وقال إن هذه التحديات «ترتب عليها تداعيات ثقيلة، منها خسارة مصر نحو عشرة مليارات دولار، من إيرادات قناة السويس... ولجوء نحو عشرة ملايين وافد إلى مصر... فضلاً عن الارتفاع العالمي في أسعار الغذاء والطاقة».

وسبق أن أشارت مصر مراراً لما تعرضت له من خسائر اقتصادية بسبب الاضطرابات الجيوسياسية، واتخذت أخيراً إجراءات تقشفية لترشيد الاستهلاك ومواجهة تداعيات أزمة الطاقة الناتجة عن الحرب الإيرانية.

وتضمن خطاب الرئيس المصري في ذكرى تحرير سيناء رسائل عدة؛ أبرزها بحسب الخبير العسكري اللواء سمير فرج «التأكيد على السلام باعتباره خياراً استراتيجياً»، وقال فرج لـ«الشرق الأوسط»، إنه في ظل تأكيد السيسي على خيار السلام، «تحتفظ مصر بالقوة العسكرية اللازمة للدفاع عن الوطن»، ما «يجعل الجيش قوة ردع لا هجوم واعتداء».

وأضاف فرج أن الرئيس المصري أكد «أهمية تنمية سيناء باعتبارها السبيل لتأمينها ضد أي محاولات اعتداء مستقبلية»، مشدداً على أن الرئيس المصري كان حريصاً على التحذير من محاولات تقسيم المنطقة، أو المساس بسيادة دولها، والتأكيد على رفض التهجير، وأن الخطاب في مجمله تضمن توضيحاً لرؤية مصر واستراتيجيتها في مواجهة الأزمات ودعم الحقوق العربية.