باريس وأنقرة عازمتان على تعزيز علاقاتهما الاستراتيجية وتعاونهما الأمني

إردوغان: حصلنا على وعود كثيرة لمساعدة اللاجئين السوريين وعلى أموال قليلة

الرئيسان الفرنسي إيمانويل ماكرون (يمين) والتركي رجب طيب إردوغان (أ.ف.ب)
الرئيسان الفرنسي إيمانويل ماكرون (يمين) والتركي رجب طيب إردوغان (أ.ف.ب)
TT

باريس وأنقرة عازمتان على تعزيز علاقاتهما الاستراتيجية وتعاونهما الأمني

الرئيسان الفرنسي إيمانويل ماكرون (يمين) والتركي رجب طيب إردوغان (أ.ف.ب)
الرئيسان الفرنسي إيمانويل ماكرون (يمين) والتركي رجب طيب إردوغان (أ.ف.ب)

لم يكن لقاء أمس بين الرئيسين الفرنسي والتركي في قصر الإليزيه الأول من نوعه. ذلك أن الرجلين سبق لهما أن التقيا عدة مرات بمناسبة مؤتمرات دولية. لكنها المرة الأولى التي يأتي فيها رجب طيب إردوغان إلى عاصمة أوروبية كبرى بعد محاولة الانقلاب التي كادت تطيح به في شهر يوليو (تموز) من العام 2016، وإذا كانت برلين هي الشريك «الطبيعي» الأول لأنقرة حيث تقيم أكبر جالية تركية في ألمانيا، إلا أن توتر العلاقات بين الطرفين والاتهامات المتبادلة وإعلان المستشارة الألمانية أنه «حان الوقت» لوقف المفاوضات مع الجانب التركي حول الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، فإن إردوغان «اختار» باريس لتكون بوابته إلى أوروبا. لذا، لم يخف إردوغان غبطته بهذه الزيارة، إذ لم يتردد في الإعراب عن «سعادته» بالمجيء إلى فرنسا، كما أنه وصف الرئيس ماكرون بـ«الرئيس والصديق العزيز». وعمد ماكرون إلى رد التحية بأفضل منها، ليس فقط عن طريق الترحيب بالضيف التركي ولكن عن طريق التعبير عن مواقف فيها الكثير من نقاط الالتقاء معه. إلا أن البهجة اختفت عن وجه الرئيس التركي عندما طرح عليه صحافيان فرنسيان سؤالين «محرجين» وثانيهما تضمن تنديدا بتركيا بسبب ما اعتبره الصحافي «ازدواجية» في التعامل مع التنظيمات الإرهابية، حيث استند إلى تقارير إعلامية تفيد بأن تركيا سهلت إيصال السلاح ومرور الجهاديين إلى سوريا. وكان رد إردوغان على الصحافي اتهامه بأنه «يتحدث كجماعة فتح الله غولن»، وذهب أبعد من ذلك عندما سأله لماذا لا يتحدث عن 4000 شاحنة محملة بالسلاح نقلها الأميركيون إلى التنظيمات في سوريا، ومنها إلى وحدات حماية الشعب والحزب الديمقراطي الكرديين «الإرهابيين»، وفق وصفه.
لا أحد يمكن أن يعتقد للحظة واحدة أن إيمانويل ماكرون يرأس مؤسسة خيرية. واستقباله لإردوغان رغم الحملة الشرسة التي شنتها ضده أحزاب اليسار وجمعيات الدفاع عن حقوق الإنسان لاستقباله الرئيس التركي الذي تعتبره مسؤولا يدوس على حقوق الإنسان والحريات العامة إنما هو ثمرة حسابات سياسية واستراتيجية. واستبق ماكرون الزيارة بإعلان أنه «لا يريد القطيعة مع تركيا» وأنه عازم، انطلاقا من مبدأ أساسي في سياسته بلاده الخارجية، على «الحديث مع الجميع وتسمية الأمور بأسمائها»، مضيفا أنه سيقوم بذلك بـ«كل احترام» ولكن «في الوقت نفسه مع الحرص على الدفاع عن قيمنا ومصالحنا». ومن جهته، وصف وزير الخارجية جان إيف لو دريان تركيا بأنها «شريك استراتيجي في أكثر ملف: الهجرات (إلى أوروبا عبر الأراضي التركية)، الحرب على الإرهاب، البحث عن حلول للأزمات الإقليمية». وبنظر لو دريان، فإن الحوار مع تركيا «متطلب وبناء»، كما أنه «يقوم على التزامات تركيا نفسها في ملف حقوق الإنسان».
اجتماع أمس الذي بدأ متأخرا لنحو خمسين دقيقة حصل في ظل إجراءات أمنية مشددة وحضور كثيف لرجال الشرطة التي أحاطت بقصر الإليزيه وأقفلت الشوارع المفضية إليه. وكان لافتا ضخامة «البعثة» الأمنية التي رافقت الرئيس التركي والعدد الكبير من الصحافيين الذين انتقلوا معه إلى باريس.
أسفرت زيارة إردوغان عن توقيع ثلاث اتفاقيات تناولت القطاعات الدفاعية والطيران المدني (شراء الخطوط الجوية التركية 25 طائرة أيرباص) والتأمين وعن توافق الطرفين على تعزيز التعاون الاقتصادي في كافة قطاعاته وزيادة المبادلات التجارية التي تصل حاليا إلى 13 مليار يورو. وأعرب إردوغان عن رغبته بالارتقاء بها لتصل إلى 20 مليار يورو.
بيد أن أهمية الزيارة الأولى تكمن في الملفات السياسية والاستراتيجية وعلى رأسها محاربة الإرهاب. وفي هذا السياق، أعلن ماكرون عن «غبطته» بالتعاون الأمني والاستراتيجي مع تركيا ووصفه بأنه اليوم، «وبعد أن عادت الثقة»، بات «من نوعية عالية»، منوها بتبادل المعلومات بين الأجهزة الاستخبارية، ومشددا على أن البلدين يحاربان عدوا واحدا هو «داعش». ورأى ماكرون أن البلدين «يواجهان إشكاليات مشتركة على المستويات الثنائية والإقليمية والدولية».
واحتل الملف السوري حيزا بينا في محادثات الرجلين. والنتيجة العملية الوحيدة التي أسفر عنها اللقاء الذي حضره وزيرا الخارجية من الجانبين التوافق حول دعوة «أصدقاء الشعب السوري» إلى عقد اجتماع في تركيا الشهر القادم. وتضم المجموعة عشر دول هي الدول الغربية والمملكة السعودية وتركيا والأردن والإمارات العربية المتحدة. وكما فعل ذلك في كلمته إلى السلك الدبلوماسي أول من أمس، برر ماكرون سياسته «المهادنة» إزاء النظام السوري كما هاجم مساري أستانة وسوتشي، معتبرا أن الفائدة الوحيدة التي نتجت عن الأول هي مناطق خفض الصعيد التي لا يبدو أنها محترمة من جانب النظام لا في الغوطة ولا في الشمال السوري. أما بالنسبة لسوتشي فقد اعتبر الرئيس الفرنسي أنها «ليست الإطار المناسب» للوصول إلى الحل السياسي، مشددا على أهمية أن يكون الحل شاملا وأن يضمن مصالح كافة المكونات السياسية في إشارة إلى المعارضة وكذلك الأقليات وتوفير عملية انتقال سياسية. أما الهدف من ذلك فهو التوصل إلى سلام صلب ودائم يمكن من «إعادة الاستقرار إلى سوريا». وفهم من الرئيسين أن فرنسا وتركيا ستعملان معا على أفكار وطروحات. ونزع ماكرون عن الأطراف الخارجية القدرة على الحلول محل السوريين لبناء السلام، معتبرا أن الحل يجب أن يكون بأيدي السوريين أنفسهم وأن يعبروا عن خياراتهم من خلال انتخابات حرة يشارك فيها الجميع وعلى رأسهم السوريون الذين هجروا وبشكل أساسي بسبب ما قام به النظام. أما إردوغان الذي دافع عن أستانة وسوتشي، فقد عاد للتأكيد أن الهدف هو «ليس الحل مع الأسد بل من غير الأسد». وكما في كل مناسبة فقد ندد إردوغان بالحزب الديمقراطي الكردي وبوحدات حماية الشعب، معتبرا أنها تتماهى مع حزب العمال الكردستاني الإرهابي، ومعربا عن دهشته من تعامل الولايات المتحدة معها.
وفي سياق مواز، شكا إردوغان من شح المساعدات التي تصل إلى تركيا التي تستضيف كما قال أكثر من 3 ملايين لاجئ سوري. وبحسب الرئيس التركي، فإن بلاده أنفقت 30 مليار دولار على اللاجئين بينما حصلا على الكثير من الوعود والقليل من الأموال هي 900 مليون من الاتحاد الأوروبي و600 مليون من الأمم المتحدة.
كان واضحا أن إردوغان جاء راغبا بالحصول على دعم فرنسي في موضوع انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي. وفي رأيه أن وضع تركيا فريد من نوعه لأنها «تنتظر على أبواب أوروبا منذ 54 عاما» وأنها «تعبت» من الانتظار. وشكا إردوغان من أن 16 فصلا تفاوضيا «من أصل 35» قد فتحت لكن حتى الآن لم يتم إغلاق أي منها. وإزاء هذا الوضع وبالنظر للتطورات الأخيرة التي حصلت في تركيا خصوصا منذ المحاولة الانقلابية، فقد اعتبر الرئيس ماكرون أنه من الصعب توقع حصول تقدم بين الجانبين بسبب أوضاع حقوق الإنسان في تركيا. ولذا، فإنه اقترح إعادة النظر بالمسار الحالي وبرغبة تركيا في الانضمام وأن تقوم بدل ذلك «شراكة» بين الجانبين بسب غياب الأفق، وذلك بغرض المحافظة على «انتماء» تركيا إلى أوروبا. وفي أي حال وبغض النظر عن الوضع القائم اليوم، أكد ماكرون أن «مستقبل تركيا يجب أن يكون في أوروبا».



مقتل 5 أشخاص بهجوم أميركي استهدف قاربين بشرق المحيط الهادئ

ضربة أميركية استهدفت قارباً يُشتبه في استخدامه لتهريب المخدرات في شرق المحيط الهادئ العام الماضي (أرشيفية - رويترز)
ضربة أميركية استهدفت قارباً يُشتبه في استخدامه لتهريب المخدرات في شرق المحيط الهادئ العام الماضي (أرشيفية - رويترز)
TT

مقتل 5 أشخاص بهجوم أميركي استهدف قاربين بشرق المحيط الهادئ

ضربة أميركية استهدفت قارباً يُشتبه في استخدامه لتهريب المخدرات في شرق المحيط الهادئ العام الماضي (أرشيفية - رويترز)
ضربة أميركية استهدفت قارباً يُشتبه في استخدامه لتهريب المخدرات في شرق المحيط الهادئ العام الماضي (أرشيفية - رويترز)

قال الجيش الأميركي، أمس الأحد، إن غارات أميركية على قاربين يحملان مهربي مخدرات مشتبه بهم في شرق المحيط الهادئ أسفرت عن مقتل خمسة أشخاص.

وقالت القيادة الجنوبية الأميركية إن خمسة من «إرهابيي المخدرات الذكور» قتلوا في «غارتين نشطتين فتاكتين» على قاربين تزعم الولايات المتحدة أنهما «كانا يعبران مسارات معروفة لتهريب المخدرات في شرق المحيط الهادئ ويشاركان في عمليات تهريب مخدرات».

وأضافت القيادة الجنوبية أن شخصاً واحداً نجا من الغارات، التي وقعت يوم السبت.

وفي الأشهر الأخيرة أمر الرئيس الأميركي دونالد ترمب مراراً بشن هجمات على قوارب في منطقة البحر الكاريبي وشرق المحيط الهادئ.

ويقول منتقدون إن الهجمات المميتة في المياه الدولية تنتهك القانون الدولي. ووفقاً للأرقام الرسمية، فقد قتل بالفعل أكثر من 130 شخصاً.


صراعات متشابكة ونظام دولي متآكل... العالم ينزلق نحو المواجهة الكبرى

كوكب يشهد صراعات وحروباً لا تنتهي... (رويترز)
كوكب يشهد صراعات وحروباً لا تنتهي... (رويترز)
TT

صراعات متشابكة ونظام دولي متآكل... العالم ينزلق نحو المواجهة الكبرى

كوكب يشهد صراعات وحروباً لا تنتهي... (رويترز)
كوكب يشهد صراعات وحروباً لا تنتهي... (رويترز)

لطالما ساد اعتقاد بأن الحرب العالمية الثالثة، إن وقعت، ستندلع نتيجة شرارة واحدة تقسم العالم بين معسكرين متقابلين خلال أيام. غير أن هذا التصور لا يتطابق مع طبيعة الصراع الدولي الراهن. فبدلاً من «الانفجار الكبير» المفاجئ، يتشكل اليوم نمط جديد من النزاعات، أكثر تعقيداً وتداخلاً، بحيث يبدو العالم كأنه ينزلق تدريجاً نحو حرب نشهد، بل يعيش بعضنا فصولها الأولى، وإن لم يُعترف بها رسمياً بعد.

وفي هذا السياق، يمكن القول إن الأزمات الدولية لم تعد أحداثاً منفصلة، بل تحولت إلى حلقات مترابطة ضمن شبكة صراعات أوسع. من الشرق الأوسط إلى أوكرانيا، وصولاً إلى تايوان وأميركا اللاتينية، تتقاطع مصالح القوى الكبرى وتتشابك أدواتها العسكرية والاستخباراتية والاقتصادية، الأمر الذي يجعل أي تصعيد في منطقة معينة قابلاً للتمدّد إلى مناطق أخرى. ويترافق هذا الترابط مع تراجع واضح في فاعلية النظام الدولي القائم على قواعد «مثالية»، الأمر الذي يدفع بعض المراقبين إلى التأكيد أن العالم دخل فعلياً المرحلة التمهيدية لحرب عالمية ثالثة.

3 مقاتلات «إف 18 سوبر هورنيت» انطلقت من حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لنكولن» الموجودة في الشرق الأوسط (رويترز)

* مؤشرات ميدانية وسياسية

من يظنّ أن هذا الاستنتاج متسرّع عليه أن ينظر إلى مؤشرات ميدانية وسياسية لا يمكن تجاهلها؛ ففي الشرق الأوسط، تشكّل المواجهة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، إحدى أخطر بؤر التوتر. ويتخوف خبراء عسكريون من أن ترى الصين، مثلاً، في ذلك فرصة سانحة للتحرك عسكرياً تجاه تايوان، وهو سيناريو قد يفتح الباب أمام مواجهة دولية شاملة.

وفي هذا السياق، أجرت الصين تدريبات عسكرية واسعة النطاق، شملت محاكاة فرض حصار بحري على الجزيرة التي تدخل استعادتها في صلب العقيدة السياسية لبكين، إلى جانب تطوير قدرات تكنولوجية متقدمة؛ مثل أدوات تعطيل البنية التحتية الرقمية للدول المستهدَفة.

ولا يقل الوضع تعقيداً في شبه الجزيرة الكورية، حيث تواصل كوريا الشمالية تطوير قدراتها العسكرية، بما في ذلك الأسلحة النووية والصواريخ الباليستية. وقد كثف زعيم البلاد كيم جونغ أون زياراته للمصانع العسكرية و«استعراضات» إشرافه على تجارب صاروخية، فيما تتراجع فرص استئناف المفاوضات مع الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية لإزالة أسباب التوتر.

إطفائيان يكافحان حريقاً في مدينة أوديسا الأوكرانية اندلع بعد هجوم بمسيّرة روسية (رويترز)

الأخطر من ذلك هو التقارب المتزايد بين بيونغ يانغ وموسكو، فقد أرسلت كوريا الشمالية قوات وأسلحة لدعم روسيا في حرب أوكرانيا، مقابل كلام عن حصولها على تكنولوجيا عسكرية متقدمة. ويعزز هذا التعاون ترابط ساحات الصراع المختلفة، ويزيد احتمال اتساع نطاق المواجهة.

وفيما يخص حرب أوكرانيا، لم يعد أحد يستخدم تسمية «عملية عسكرية خاصة» التي أطلقها فلاديمير بوتين في فبراير (شباط) 2022، فالحرب تجاوزت عامها الرابع ولا يُعلم متى وكيف تنتهي... ويرى بعض دول أوروبا في الحملة العسكرية الروسية مجرد محطة ضمن استراتيجية أوسع لإعادة رسم التوازنات في القارة. لذا؛ تتزايد التحذيرات الغربية من احتمال توسع النزاع، خصوصاً في مناطق حساسة مثل بحر البلطيق (شمال) أو منطقة البلقان (جنوب). كما أن الاختبارات الروسية المتكررة لقدرات حلف شمال الأطلسي، عبر اختراقات المجال الجوي أو تحركات عسكرية قرب الحدود، تعكس رغبة في تلمّس حدود الردع الغربي.

وقد دفع هذا التوتر المتصاعد عدة دول أوروبية إلى إعادة النظر في سياساتها الدفاعية، بما في ذلك رفع الموازنات العسكرية وتعزيز التحصينات الحدودية والانسحاب من اتفاقات تحدّ من استخدام بعض الأسلحة. ويعكس ذلك إدراكاً متزايداً لكون احتمالات المواجهة المباشرة، وإن لم تكن وشيكة، لم تعد مستبعدة كما كانت في السابق.

وفي المحصلة، يبدو أن العالم لا يتجه نحو حرب عالمية تقليدية؛ بل ينخرط في صراع متعدد الأبعاد، تتداخل فيه الجبهات وتتعدد أدواته بين العسكرية والاقتصادية والتكنولوجية. وتقف الولايات المتحدة، بوصفها القوة العظمى الأبرز، في قلب هذا المشهد، سواء على أنها قائدة لتحالفات دولية أو طرف مباشر في النزاعات.

لكن ما يميز المرحلة الراهنة هو غياب الخطوط الفاصلة الواضحة بين الحرب والسلم، حيث تتآكل القواعد الدولية تدريجياً، وتُختبر حدود الردع باستمرار. والمؤكد أن العالم يعيش مرحلة انتقالية خطيرة، قد تعيد تشكيل النظام الدولي لعقود مقبلة.

تجربة إطلاق صاروخ فرط صوتيّ في كوريا الشمالية (أرشيفية - رويترز)

ومع ذلك، يرى بعض المحللين أن الحديث عن حرب عالمية ثالثة بصيغتها التقليدية غير دقيق. فالصراع الدائر اليوم لا يتخذ شكل مواجهة مباشرة واحدة، بل يتمثل في تنافس متشعّب الأضلع وطويل الأمد بين الولايات المتحدة من جهة، ومحور فضفاض يضم الصين وروسيا وإيران من جهة أخرى. وتُخاض هذه المواجهة عبر حرب مباشرة راهناً بين أميركا وإيران، وحروب بالوكالة، وضغوط اقتصادية، وصراع على المواقع الجيوسياسية الحساسة، بدلاً من معارك تقليدية واسعة النطاق.

* رؤى استشرافية

عالم اليوم مليء بالتناقضات، فمقابل التقدم التكنولوجي الهائل الذي استبشر به كثر آملين في القضاء على الفقر والجوع والمرض، ثمة هشاشة بنيوية صادمة: فيروس مجهري شلّ العالم، وعولمة اقتصادية لا تتمتع بالمرونة للتكيّف مع الأزمات، ومؤسسات دولية تعجز عن التعامل مع الطوارئ، وهوّة بين مجتمعات وأفراد يزدادون ثراءً وفقراء يزدادون بؤساً، وإرهاب وتطرف وحروب متنقلة، وتلوّث مستفحل وتدهور مناخي مستمرّ... ووسط كل هذا سباق محموم لامتلاك الأسلحة بما فيها النووية!

ويَصلح هنا أن نعود إلى أدبيات استشرافية حاولت قبل عقود قراءة مستقبل النظام الدولي، ومن أبرزها كتاب صدر عام 1997 بعنوان «سيناريوهات إعادة تشكيل المجتمع الأميركي والعالمي بواسطة العلم والتكنولوجيا» Scenarios of U.S. and Global Society Reshaped by Science and Technology، لجوزيف كوتس، وجون ماهافي، وآندي هاينز. وقد حددوا فيه التحولات الأربعة (تكنولوجيا المعلومات، وعلم الوراثة، وتكنولوجيا المواد، وتكنولوجيا الطاقة) التي ستؤدي دوراً حاسماً في إعادة صياغة التوازنات العالمية. واليوم، مع تصاعد الحروب السيبرانية والتنافس على الذكاء الاصطناعي والطاقة، يتّضح أن بعض تلك السيناريوهات صار جزءاً من الواقع.

وأصاب هذا الكِتاب في تحديد عوامل التحوّل، لكنه أخطأ في افتراض أنها ستقود إلى الاستقرار والسلام.

حاملة الطائرات الفرنسية شارل ديغول تغادر مرفأ خليج سودرا في جزيرة كريت اليونانية (رويترز)

وفي المقابل، برعَ رجل الأعمال والمفكّر الأميركي راي داليو - مؤسس صندوق التحوّط «بريدجووتر» - في تبيان أسباب اندلاع حرب عالمية ثالثة في إطار تحليلي واسع يربط بين التاريخ والدورات الاقتصادية والسياسية، خصوصاً في كتابه «النظام العالمي المتغيّر» (The Changing World Order) الصادر عام 2021.

ويرى داليو أن الحروب الكبرى لا تندلع فجأة، بل تكون نتيجة تراكمات ضمن «دورة كبرى» تتكرر عبر التاريخ، وتشمل مجموعة عوامل رئيسية:

- صعود قوة جديدة وتراجع قوة مهيمنة، وهذا ما يُعرف بـ«فخ ثوقيديدس»، حين يؤدي صعود دولة (مثل الصين) إلى تحدّي الدولة المهيمنة (الولايات المتحدة)، مما يولّد توتراً بنيوياً قد ينتهي بصراع عسكري.

- تفضي الديون والانهيار الاقتصادي في الدول الكبرى إلى أزمات اقتصادية حادة، تُضعف الاستقرار الداخلي وتزيد احتمالات الصراع الخارجي.

- الانقسامات الداخلية والاستقطاب السياسي والاجتماعي داخل الدول (خصوصاً الكبرى) يمكن أن يتحول كل ذلك إلى صراع داخلي يضعف الدولة، ويجعلها أكثر ميلاً للصدام الخارجي لكي تتجنب التفكك والانهيار.

- تراجع النظام العالمي القائم منذ نهاية الحرب العالمية الثانية إلى حد الاضمحلال، مع ضعف المؤسسات الدولية وتراجع الثقة بالقواعد التي تنظّم العلاقات بين الدول.

- الصراعات على الموارد الاستراتيجية والتكنولوجيا المتقدمة (كالذكاء الاصطناعي) تزيد حدة المواجهة بين القوى الكبرى.

ويخلص داليو إلى القول إن حرباً عالمية ثالثة لن تكون نتيجة «شرارة واحدة»، بل نتيجة تلاقي هذه العوامل ضمن دورة تاريخية متكررة، شبيهة بما حدث قبل الحربين العالميتين الأولى والثانية.

ومن الواضح أن هذه العوامل تتلاقى منذ سنوات، وتسلك مساراً تصادمياً إلى درجة تدفع بعض المراقبين إلى القول إن السؤال لم يعد «هل ستندلع حرب عالمية ثالثة؟»؛ بل «كيف ومتى وبأي تكلفة؟».


هبوط طاقم «أرتميس 2» بعد أول تحليق حول سطح القمر منذ أكثر من 50 عاماً

مركبة «أوريون» الفضائية التي تحمل  طاقم «أرتميس 2» تهبط قبالة سواحل كاليفورنيا (ا.ب)
مركبة «أوريون» الفضائية التي تحمل طاقم «أرتميس 2» تهبط قبالة سواحل كاليفورنيا (ا.ب)
TT

هبوط طاقم «أرتميس 2» بعد أول تحليق حول سطح القمر منذ أكثر من 50 عاماً

مركبة «أوريون» الفضائية التي تحمل  طاقم «أرتميس 2» تهبط قبالة سواحل كاليفورنيا (ا.ب)
مركبة «أوريون» الفضائية التي تحمل طاقم «أرتميس 2» تهبط قبالة سواحل كاليفورنيا (ا.ب)

قالت وكالة الفضاء الأميركية (ناسا)، إن رواد الفضاء الأربعة، أعضاء مهمة «أرتميس 2»، وهم أول بشر يسافرون حول القمر منذ أكثر من 50 عاما، هبطوا بأمان قبالة سواحل ولاية كاليفورنيا بعد مهمة استمرت 10 أيام.

وسيتم استقبال الرواد كريستينا كوتش، وفيكتور غلوفر، وجيريمي هانسن، وريد وايزمان من قبل فرق الإنقاذ قبل نقلهم جوا إلى سفينة عسكرية أميركية لإجراء فحوصات طبية.واجتازت المركبة «أوريون» التي تحمل أربعة رواد فضاء عائدة إلى الغلاف الجوي للأرض، بنجاح اختبار درعها الحراري الذي يحمي الكبسولة التي تضم الطاقم من درجات الحرارة الحارقة.