«الشرق الأوسط» تستطلع خريطة دعم الخبز في العالم العربي

مصر وتونس والأردن والسودان.... مساع للموازنة بين المطالب الاجتماعية وتخفيف الغلاء

«الشرق الأوسط»  تستطلع خريطة دعم الخبز في العالم العربي
TT

«الشرق الأوسط» تستطلع خريطة دعم الخبز في العالم العربي

«الشرق الأوسط»  تستطلع خريطة دعم الخبز في العالم العربي

في الوقت الذي تشهد فيه البلدان العربية ضغوطا مالية، كان تقليص دعم الخبز إحدى القضايا المطروحة في مناقشات الموازنة العامة، وفي هذا التقرير الموسع نعرض أبرز ما وصلت إليه بعض الحكومات العربية التي تعرضت لهذا الملف في مخططات 2018، وكيف سعت للموازنة بين المطالب الاجتماعية بتخفيف ضغوط الغلاء والحد من عجز الموازنة.
- السودان... سعر الرغيف يتضاعف بين ليلة وضحاها
وضع السودان في موازنة 2018 عددا من الإجراءات الإصلاحية للحد من العجز المالي، من ضمنها إنهاء دعم القمح والاعتماد على القطاع الخاص في استيراده من الخارج.
وتمثل تلك الإصلاحات التي اشتملت أيضا على مراجعة تعريفة الكهرباء ملفا حساسا في السودان بالنظر إلى أن البلد عانى لأكثر من عام من موجة تضخمية قوية بعد تقليص الدعم عن الوقود وعن سلع أساسية.
وتأتي سياسات موازنة 2018 استجابة لتوصيات صندوق النقد الدولي الذي نصح بتطبيق إصلاحات اقتصادية تشمل التخارج من دعم القمح والوقود.
وقد ينتظر السودان موجة تضخمية جديدة بعد رفع السعر الرسمي للجنيه السوداني مؤخرا من 6.9 جنيه إلى 18 جنيها.
وجاءت خطوة رفع سعر الصرف بعد اتساع الفجوة بقوة بين السعرين الرسمي والموازي لفترة طويلة، وتفاقمت أزمة العملة بعد أن رفعت الولايات المتحدة عقوباتها عن البلاد في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، وهو ما شجع نشاط الاستيراد.
ومع بدء العام المالي في السودان هذا الشهر بدأت أزمة خبز تلوح في الأفق. حيث أعلن اتحاد أصحاب المخابز بالخرطوم عن أنهم تسلموا عبوات طحين سعة 50 كيلو غراما بسعر 440 جنيها للعبوة، بعد أن كان السعر بنحو 170 جنيها، وهو ما سيؤدي لمضاعفة أسعار الخبز.
ويدافع حسن حسين شريف، نائب رئيس غرفة الدقيق باتحاد الغرف التجارية والصناعية، عن سياسات القمح في موازنة 2018، مشيرا إلى أن الدعم يتسبب في فارق كبير بين سعر جوال القمح المدعوم، نحو 7.5 دولار، وسعره في أسواق عالمية، بنحو 30 دولارا، وهو ما يعطي دافعا قوية لتهريبه وإهدار المال العام الموجه لهذا الدعم والذي لا يقل عن 500 مليون دولار سنويا.
وأضاف شريف لـ«الشرق الأوسط» أن الزيادات الأخيرة في تكاليف الإنتاج ساهمت أيضا في رفع سعر رغيف الخبز من نصف جنيه إلى جنيه، لكنه أشار إلى أن جودة الخبز ستتحسن بعد زيادة الأسعار.
وكان التضخم الشهري في السودان ارتفع خلال نوفمبر (تشرين الثاني) بنحو 1.75 في المائة، مما يشير إلى استمرار الضغوط التضخمية رغم تراجع التضخم السنوي في هذا الشهر إلى 24.7 في المائة بعد مرور عام على الإجراءات الإصلاحية التي زادت من الأسعار.
ويعتمد السودان على استيراد نسبة مهمة من احتياجاته من القمح، مما يجعل تكلفة الخبز عرضة للتأثر بتذبذبات العملة المحلية أمام الدولار.
وأنتج السودان في 2017 نحو 445 ألف طن من القمح واستورد مليوني طن، وفقا لبيانات نشرتها وكالة «رويترز».
وقال مجدي حسن، وزير الدولة بوزارة المالية، إن السودان سيترك عملية استيراد القمح للقطاع الخاص مع تحرير السلعة الاستراتيجية في 2018.
ونقلت «رويترز» عن الوزير قوله، إن سياسات القمح الجديدة لا يفترض أن تؤثر على أسعار الخبز لأن المنافسة بين الشركات المستوردة للقمح ستكون قوية.
ويتخوف البعض من تكرار التجربة السلبية لسياسة تحرير الدقيق في عهد وزير المالية الأسبق بدر الدين محمود، حيث إن الجهات التي استوردت الدقيق، والتي كان يتُوقع منها تخفيف حدة الأسعار وتقليل السيطرة الاحتكارية، استوردت السلعة الاستراتيجية بأسعار تفوق سعر القمح المطحون محليا.
وقال الوزير مجدي حسن لـ«رويترز» إن الدولة ستظل تنظم مناقصات لشراء القمح تحت السياسات الجديدة.
وقال الصحافي والمحلل الاقتصادي أسامة عبد الماجد، لـ«الشرق الأوسط»، إنه من الممكن الاعتماد على خلط الذرة بالقمح للسيطرة على أسعار الخبز في ظل ارتفاع أسعار الطحين، مشيرا إلى أن البلاد كانت تعاقدت مع شركة روسية منتصف عام 2015 لاستيراد مصانع تنتج الخبز المخلوط بالذرة، لكن المشروع لم يتم.
وكان السودان خصص مليار دولار لزراعة القمح والذرة الشامية، في محاولة للتوسع في زراعة هاتين السلعتين وتحقيق الاكتفاء الذاتي.
ويشارك في تنفيذ مشروع زراعة القمح الذي أطلق عليه (المشروع الزراعي القومي البستاني) ومقره ولاية نهر النيل بشمال البلاد، وزارة الزراعة وشركة (زادنا) للاستثمارات العالمية السودانية ويستهدف زراعة 250 ألف فدان من القمح والذرة الشامية، وسيدخل الإنتاج في الموسم الشتوي المقبل.
- في الأردن الدعم النقدي بديلاً عن العيني
يعتزم الأردن رفع الدعم عن الخبز خلال 2018 مع تقديم دعم نقدي للفئات المستحقة بديلا عنه، ومن المتوقع أن تشهد أصناف الخبز المختلفة ارتفاعات ملموسة على أثر هذه الإجراءات، بمعدلات تتراوح بين 60 في المائة إلى مائة في المائة.
ويسعى الأردن للسيطرة على نفقاته مع تراجع المنح الخارجية خلال الفترة الأخيرة وتزايد أعبائه بسبب استضافة اللاجئين.
ويقدر عجز موازنة البلاد في 2017 بنحو 2.6 من الناتج الإجمالي، لكن هذا العجز يتضاعف تقريبا إذا ما تم تجنيب المنح ليصل إلى 4.1 في المائة، ويطمح الأردن في النزول بنسبة العجز هذا العام إلى 1.8 في المائة.
وكان الأردن لجأ إلى صندوق النقد في 2012 بعد أن تفاقمت أزمته المالية، ونصح الصندوق البلاد بترشيد نفقات الدعم التي تلتهم ربع نفقات الموازنة تقريبا.
واتجه الأردن لرفع أسعار الوقود مع تقديم التحويلات النقدية للمواطنين في هذا العام على سبيل التعويض، وقابلت إجراءات رفع الوقود احتجاجات اجتماعية في بداية تطبيقها.
وحصل الأردن في 2016 على موافقة صندوق النقد على برنامج تمويلي جديد مدته 3 سنوات، بقيمة 723 مليون دولار، واستهدف البرنامج مساعدة البلاد على تخفيض الدين العام الذي تفاقم في ظل التباطؤ الاقتصادي العالمي والاضطرابات الإقليمية.
واستهدف الأردن تحت هذا البرنامج أن يهبط الدين العام إلى 77 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2021.
لكن صندوق النقد قال في بيان رسمي، قبل أن يفتتح البرلمان أعماله ويناقش ميزانية 2018، إنه لا يوصي برفع الدعم عن الخبز، الذي يكلف الدولة نحو 197 مليون دولار، ولا يوصي كذلك بتطبيق إجراءات اقتصادية تشكل عبئا على كاهل الفقراء في الأردن.
وعلق بقوله: «عند تصميم الإجراءات الاقتصادية، يتعين النظر إلى تأثيرها على الاقتصاد الأردني وعلى الفقراء».
إلا أن البرلمان الأردني قرر رفع الدعم عن الخبز وتعويض المواطنين بالدعم النقدي بدلا منه.
وخطط الأردن في موازنة 2018 تقديم دعم نقدي لكل فرد مستحق بقيمة 32 دينارا، مستهدفا بالدعم الأسر التي لا يزيد إجمالي دخلها على 12 ألف دينار سنوياً، و6 آلاف دينار بالنسبة للفرد، ولا تمتلك سيارتين خصوصيتين أو أكثر، أو أراضي وعقارات تزيد قيمتها على (300 ألف دينار أردني).
ووجهت الحكومة الأردنية في موازنة 2018 مخصصات بقيمة 171 مليون دينار للإنفاق على الدعم النقدي، وتقدر وزارة المالية أن عدد المستفيدين من هذا الدعم يتجاوز نصف السكان تقريبا، أكثر من خمسة ملايين نسمة من أصل عشرة ملايين يعيشون في الأردن منهم 2.9 مليون غير أردني.
وتدفع الحكومة الأردنية بأنها ستعمل على تقديم الدعم النقدي بطريقة شفافة تضمن وصوله لمستحقيه، بحيث ستتاح للمواطنين آلية للاعتراض في حال عدم وصول الدعم إليهم وكانوا مستحقين له، وسيتم البت في هذه المعارضات من قبل لجان مختصة.
ورغم الإجراءات الإصلاحية ذات الأثر التضخمي، لكن موازنة 2018 تتطلع إلى كبح التضخم عند 1.5 في المائة، بعد عام تذبذب فيه التضخم السنوي بين أقل من 1 في المائة و4.6 في المائة.
ويستهلك المواطن الأردني نحو 90 كيلوغراما سنويا، في حين تبلغ كلفة إنتاج الكيلو الواحد من الخبز نحو 32 قرشا، وهي تتغير شهريا حسب أسعار القمح وتكاليف الإنتاج.
- تونس تتراجع في اللحظة الأخيرة عن تحريك أسعار الخبز
بعد أن كان لدى الحكومة التونسية مخططات لرفع أسعار كل من الوقود والخبز، حذر اتحاد الشغل من الغضب الشعبي الذي سينتج عن رفع أسعار الأغذية الأساسية، فقررت البلاد الاكتفاء بزيادة أسعار الوقود في 2018.
وكان متوقعا أن يرتفع سعر الخبز المدعم من قبل الدولة، خاصة الخبز صغير الحجم (الباقات) من 190 مليما إلى مائتي مليم (الدينار التونسي يعادل ألف مليم).
وتعود آخر زيادة في سعر الخبز إلى عام 2010، أي قبل أشهر من الانتفاضة التي أنهت حكم الرئيس السابق زين العابدين بن علي. وفي محاولة لاحتواء الغضب الشعبي أعلن بن علي في يناير (كانون الثاني) 2011 خفض سعر الخبز من جديد لكن ذلك لم يكبح الاحتجاجات المتصاعدة ضده.
وأعلنت الحكومة الأسبوع الماضي عن نيتها تثبيت أسعار ثمانية سلع غذائية مدعومة، من بينها الخبز والحليب والسكر وزيوت الطعام، خلال عام 2018، نافية أي مخططات لتطبيق زيادات جديدة بعد الرفع الأخير في بنود الطاقة.
وتحاول الحكومة كبح عجز الموازنة الذي بلغ 6 في المائة في 2017 عبر حزمة من الإجراءات الإصلاحية لمراجعة أسعار البنود المدعومة أشارت لها في موازنة 2018.
وخصصت في مشروع الموازنة الجديدة 3.5 مليار دينار لنفقات الدعم، وهو تقريبا المبلغ المقدر نفسه للدعم خلال 2017، لكنها قالت إنها ستضطر لمراجعة أسعار بعض السلع والخدمات المدعمة لكبح الزيادة في نفقات الدعم خلال السنة المقبلة.
وترتبط البلاد باتفاق قرض مع صندوق النقد الدولي، أبرمته في 2016 بقيمة 2.8 مليار دولار، لدعم الإصلاحات الاقتصادية في البلاد، وفي أبريل (نيسان) الماضي وافق الصندوق على إرسال شريحة متأخرة من هذا القرض، بقيمة 320 مليون دولار، بشرط زيادة عائدات الدولة من الضرائب وتقليص فاتورة الأجور الحكومية وتخفيض دعم الوقود.
ولا يعني تثبيت أسعار السلع الأساسية في 2018 أن الحكومة ترى نظام الدعم مثاليا، حيث توجه الحكومة انتقادات لهذا النظام الذي تقول إنه يهدر موارد الدولة.
وبحسب تصريحات حكومية فإن نحو 80 في المائة من الدعم لا يذهب لمستحقيه، ويقول خبراء إن جزءا من الخبز المدعم يوجه لتغذية الأبقار والأغنام في ظل ارتفاع سعر العلف.
وكشفت تحقيقات أعوان المراقبة (وزارة التجارة) عن خروقات كثيرة في توجيه المواد الغذائية المدعمة نحو استعمالات أخرى من بينها المطاعم والفنادق السياحية الضخمة وصناعة المرطبات.
ويعلق تونسيون بسخرية عن أن «الخبزة الواحدة في تونس أقل من سعر سيجارة فاخرة».
ووفقاً للبيانات الرسمية فقد تجاوزت ميزانية الصندوق العام للتعويض (نفقات الدعم) قرابة الضعف في الفترة بين سنة 2011 والسنة الحالية، إذ ارتفعت من 730 مليون دينار تونسي (نحو 294 مليون دولار) إلى نحو 1.6 مليار دينار تونسي (645 مليون دولار).
وينتفع المستهلك التونسي الواحد سنويا بمعدل 33 دينارا تونسيا من الخبز المدعم ونحو 84 دينارا لدعم مختلف المواد الغذائية على غرار السكر والزيوت النباتية.
لكن التونسيين يعانون من ضغوط معيشية تجعل للدعم دورا محوريا في حياتهم، خاصة في ظل الاتجاه الصعودي للتضخم، حيث وصل معدل نمو الرقم القياسي لأسعار المستهلكين لأعلى مستوياته خلال 2017 في نوفمبر الماضي، عند مستوى 6.3 في المائة.
وتضع السلطات في حسبانها «انتفاضة الخبز» التي عرفتها تونس في بداية عقد الثمانينات من القرن الماضي إثر مضاعفة أسعار الخبز.
«المستهلك لا ينتفع بالسعر المدعم حاليا للخبز»، كما يقول الخبير الاقتصادي سعد بومخلة، مشيرا إلى أن معظم المحال تحاسب المستهلك على سعر مائتي مليم وتحتفظ بالفكة الباقية «والأولى أن تنتفع خزينة الدولة بهذا الفارق بدلا من أن يذهب لجيب التاجر».
ويرى بومخلة أن سعر الخبز في تونس يعد متدنيا مقارنة بعدد من البلدان الأوروبية والعربية، مشيرا إلى أن أسعاره لم تخضع للمراجعة منذ أكثر من عشر سنوات.
- مصر... سعر الرغيف باق عند خمسة قروش
حافظت مصر على سعر رغيف الخبز المدعم عند مستواه المقدر منذ عقود بخمسة قروش، لكن الحكومة تعتزم تطبيق عدد من الإجراءات لترشيد الإنفاق على هذا الدعم.
وقال علي المصيلحي، وزير التموين والتجارة الداخلية في مصر، في تصريحات صحافية، إن وزارته تعد خطة لإدماج دعم الخبز في منظومة الدعم النقدي بدلا من العيني.
وأوضح الوزير أنه يقصد بذلك توجيه قيمة الدعم الذي كانت تدفعه على كل رغيف إلى المواطن بشكل مباشر، ويشتري المواطن رغيف الخبز بسعر السوق.
وكانت مصر تتيح الخبز المدعم من دون أي ضوابط وهو ما تسبب في تسرب نسبة كبيرة من هذا الخبز إلى تغذية الحيوانات علاوة على تهريب الدقيق المدعم في ظل فارق السعر بينه وبين الدقيق الحر.
وعدلت الحكومة منظومة الخبز بشكل كبير في عام 2014 عندما بدأت توزع الخبز من خلال «بطاقات ذكية» تتاح فقط لأعضاء منظومة التموين، حاملي البطاقات التموينية، وحددت لكل فرد نصيبا من الدعم يقدر بخمسة أرغفة في اليوم.
واتسم نظام البطاقات الذكية بقدر من المرونة، حيث يستطيع المستهلك الذي يحتاج إلى أقل من خمسة أرغفة في اليوم أن يحصل على رصيد بقيمة دعم الخبز غير المستهلك ويشتري به سلعا أخرى، فيما يعرف بنظام «نقاط الخبز».
واعتمدت الحكومة بقوة على منظومة دعم الخبز في مواجهة الضغوط التضخمية التي توالت خلال الأشهر الأخيرة في ظل ضعف العملة المحلية أمام الدولار وتطبيق إجراءات اقتصادية ذات أثر تضخمي.
وزادت في موازنة 2017 - 2018 دعم الفرد في البطاقة التموينية بنسبة 140 في المائة من 21 جنيها إلى 50 جنيها (نحو 2.8 دولار) شهريا.
لكن الحكومة تسعى في الوقت ذاته للحد من المشتركين في منظومة التموين، فقد كان هذا النظام العريق، الذي تعود جذوره لحقبة الحرب العالمية الثانية، غير محدد بضوابط قوية، ويضم حاليا نحو 68.8 مليون مواطن من خلال نحو 20.8 بطاقة تموين.
ووضعت وزارة التموين العام الماضي شروطا خاصة لاستخراج بطاقات التموين الجديدة، منها ألا يزيد دخل المنضم للمنظومة من العاملين في القطاعات العام على 1500 جنيه شهريا (نحو 88 دولارا)، وإذا كان من أصحاب المعاشات فلا يزيد دخله على 1200 جنيه (نحو 70 دولارا).
وفي الوقت نفسه تتيح الضوابط الجديدة استخراج بطاقات التموين لمتلقي صور الدعم النقدي المختلفة، ومعاشات الضمان الاجتماعي، ومعاشات تكافل وكرامة، بجانب فئات أخرى مثل أصحاب الأمراض المزمنة وعمال التراحيل وغيرهم.
وبدأت مصر في التوسع في الدعم النقدي منذ العام المالي 2014 - 2015 بطرح معاشي تكافل وكرامة للفئات متدنية الدخل وأصحاب الإعاقة والمسنين.
وتزامن هذا التوجه مع سعي الدولة للتخارج تدريجيا من الدعم السلعي من تحرير أسعار الوقود والكهرباء.
ويدعم صندوق النقد الدولي اتجاه مصر للتخارج من الدعم السلعي والاعتماد على الدعم النقدي، حيث تتفق هذه الرؤية مع برنامج للإصلاح الاقتصادي اتفقت عليه البلاد مع الصندوق في نوفمبر 2016.



«هرمز» تحت ضغط التأمين... «أقساط الحرب» تتجاوز القوانين الدولية

سفينة شحن بالقرب من مضيق هرمز (رويترز)
سفينة شحن بالقرب من مضيق هرمز (رويترز)
TT

«هرمز» تحت ضغط التأمين... «أقساط الحرب» تتجاوز القوانين الدولية

سفينة شحن بالقرب من مضيق هرمز (رويترز)
سفينة شحن بالقرب من مضيق هرمز (رويترز)

بينما تشتعل التوترات العسكرية في مضيق هرمز، تدور في الكواليس حرب من نوع آخر لا تقل خطورة؛ بطلها شركات التأمين التي باتت تتحكم في مصير السفن. ومع قفز تكاليف التأمين إلى مستويات جنونية، يحذِّر مختصون عبر «الشرق الأوسط» من أنَّ العالم أمام «ساعة الحقيقة»؛ فإغلاق الممر المائي لا يهدِّد تدفق النفط فحسب، بل يهدِّد رغيف الخبز في أفقر دول العالم، ويضع القوانين الدولية التي تحمي التجارة تحت اختبار الانهيار.

وكانت أقساط التأمين ضد مخاطر الحرب في مضيق هرمز ارتفعت إلى ما بين 1 في المائة و7.5 في المائة من قيمة السفن، بعد أن كانت أقل من 1 في المائة، وذلك عقب تصاعد الهجمات. وبمعنى آخر، يمكن أن تصل أقساط التأمين لرحلة واحدة كبيرة لناقلة نفط تبلغ قيمتها 100 مليون دولار إلى ما بين مليونَي دولار و9 ملايين دولار، بعد أن كانت تبلغ نحو 250 ألف دولار قبل تصاعد التوترات.

وفي هذا الإطار، قال رئيس مجلس التنفيذيين اللبنانيين، ربيع الأمين، لـ«الشرق الأوسط»: «لم يعد مضيق هرمز مجرد ممر بحري ضيق لا يتجاوز عرضه 21 ميلاً. بل بات يشبه الرئة الوحيدة التي يتنفس منها الاقتصاد العالمي. وحين تُهدَّد هذه الرئة، لا يختنق النفط وحده، بل يختنق الغذاء والدواء والأمل معه. وهنا تتحوَّل الجغرافيا إلى قدر».

وتابع: «المشهد مقلق، لا من باب التحليل الأكاديمي البارد، بل لأن تداعياته تطرق أبواب الشركات التي نعمل معها، والأسواق التي نتنفس هواءها يومياً، حين ترتفع أقساط التأمين البحري بين 30 في المائة و120 في المائة في أشهر معدودة». وشدَّد على أنه حين تنسحب شركات التأمين الكبرى كلياً من تغطية السفن التي يتحتم مرورها عبر مضيق هرمز، فهذا لا يعني فقط ارتفاع التكاليف، بل يعني أن منظومة الثقة التجارية برمتها باتت تترنح، على حدّ تعبيره.

خريطة تُظهر مضيق هرمز وبراميل نفط مطبوعة بتقنية ثلاثية الأبعاد (رويترز)

الأرقام تقول ما لا تقوله الخطب

وقال الأمين: «أكثر من 230 ناقلة نفط محملة تنتظر اليوم وقت مرورها عبر المضيق، دون قدرة على المغادرة. وقد وصفت وكالة الطاقة الدولية ما يجري بأنه (أكبر اضطراب في إمدادات النفط في تاريخ السوق العالمية)». وشرح أن أسعار الغاز الطبيعي في أوروبا قفزت أكثر من 70 في المائة، كما ارتفع وقود الطائرات 95 في المائة مما دفع مطارات أوروبية إلى تقنين التزود بالوقود. وبعض التقديرات ترى أن النفط قد يلامس 200 دولار للبرميل إن طال الإغلاق. واستدرك أن ما يقلق أكثر من النفط هو القمح ومنتجات الأسمدة، مبيناً أن منطقة الخليج، ليست فقط خزان الطاقة العالمي، بل هي أيضاً المغذي الأول لحقول العالم، لافتاً إلى أن 35 في المائة من صادرات اليوريا العالمية تعبر هذا المضيق.

وأضاف: «الهند تستورد 70 في المائة من احتياجاتها من هذه المنطقة. وأسعار اليوريا قفزت 26 في المائة لتبلغ 585 دولاراً للطن، في رقم لم يُرَ منذ سنوات. حين يرتفع سعر السماد، يرتفع سعر الخبز. والذي يدفع الفاتورة الأثقل ليس المزارع الأوروبي أو الأميركي، بل الأسرة الفقيرة في أفريقيا وجنوب آسيا، حيث يُقدَّر أن 45 مليون شخص باتوا على حافة انعدام الأمن الغذائي الحاد». وأوضح أن «الأزمات الجيوسياسية لها ثمن يتوزع بشكل غير عادل، بينما المتفاوضون في غرف مغلقة يتجادلون حول مصالح استراتيجية، في وقت تعاني فيه الأمم الفقيرة من ارتفاع أسعار السلع». وشدَّد على ضرورة أن تتعامل قطاعات التأمين والشركات والحكومات مع هذا الواقع، لا بمنطق «الاستجابة للأزمة»، بل بمنطق «استباق الكارثة»، مؤكداً الحاجة إلى «منظومة تأمين إقليمية مرنة، وآليات تمويل طارئة، وقنوات حوار تُقدِّم الأمن الغذائي والطاقوي على أي حسابات أخرى؛ لأنَّ الاستقرار الاقتصادي لا يُبنى بعد الكارثة، بل يُبنى قبلها».

اختبار شرعية النظام الدولي

من جهته، قال مدير «مركز فيجن للدراسات الاستراتيجية»، الدكتور سعيد سلام، لـ«الشرق الأوسط»: «إن أزمة مضيق هرمز الراهنة لم تعد مجرد صراع عسكري، بل تحوَّلت إلى اختبار لشرعية النظام الدولي، حيث باتت الحسابات الدقيقة لشركات التأمين العالمي هي المحرِّك الفعلي لتدفقات التجارة، متجاوزةً في أثرها القوانين والاتفاقات الدولية». ووفق سلام، فإنَّ التصعيد العسكري الذي بدأ في أواخر فبراير (شباط) الماضي، وما تبعه من إغلاق إيران المضيق وشنها هجمات على 19 - 20 سفينة تجارية لم تلتزم بالشروط الإيرانية للعبور، أمور أدت إلى خلق حالة من «الإغلاق الاقتصادي» الشامل.

ولفت إلى أنَّ شركات التأمين رفعت التكاليف خوفاً من المخاطر غير المسبوقة، إلى مستويات جعلت الملاحة في مضيق هرمز غير مجدية تجارياً؛ ما دفع الناقلات للبحث عن مسارات بديلة طويلة ومكلفة، بينما تحاول القوى الكبرى والجهات الدولية ضمان استمرار الإمدادات عبر تدخلات استثنائية لم تنجح حتى الآن في استعادة الثقة بالمسار الملاحي. وشدَّد سلام على أنَّ هذا الواقع يُمثِّل تقويضاً لمنظومة القانون البحري التي تأسَّست منذ عام 1982، حيث تبرز فجوة واسعة بين الحق القانوني في «المرور عبر المضائق» وواقع التهديدات التي تفرضها طهران، في محاولة لإعادة صياغة قواعد الاشتباك في المنطقة. وأوضح أنَّ انخراط الدول العظمى في تقديم ضمانات حكومية للسفن يُعقِّد المشهد، حيث يضفي صبغةً سياسيةً مباشرةً على الشحن التجاري؛ ما يجعل هذه السفن أهدافاً في نزاعات وصراعات لا ناقة لها فيها ولا جمل، وهو ما ينذر بتفتيت النظام البحري العالمي إلى مناطق نفوذ متباينة يحكمها منطق القوة والتهديد بدلاً من حرية التجارة.

على الجانب الآخر، فإنَّ التنافس بين القوى الدولية، وفق سلام، انتقل إلى الفضاء التأميني والتقني، فبينما تحاول المنظومة الغربية إدارة المخاطر بتكاليف باهظة، بدأت الصين في تقديم ضمانات موازية للسفن المرتبطة بها، ما يمهِّد لانقسام العالم إلى معسكرات تأمينية، كل منها يسير وفق أجندة جيوسياسية خاصة.

سفينة في مضيق هرمز قبالة سواحل محافظة مسندم العمانية (رويترز)

الجبهة الأكثر خطورة

وأضاف سلام إلى قتامةِ المشهد، مسألةَ التهديد السيبراني الذي أصبح برأيه يمثل الجبهة الأكثر خطورة، حيث لم تعد الألغام البحرية هي العائق الوحيد، بل أصبحت الأنظمة الرقمية لإدارة الموانئ والتحكم في السفن عرضةً لاختراقات تعطِّل السلاسل العالمية للحظات، وهو ما لا توفره عقود التأمين التقليدية. وأكد أنَّ الأثر الأعمق لهذه الأزمة يكمن في تداخلها مع الأمن الغذائي العالمي، مبيناً أنَّ الاقتصاد العالمي يعتمد على غاز الخليج لإنتاج الأسمدة، وأي تعطُّل في هذا المسار يرفع أسعار الغذاء، ويقلص الإنتاج الزراعي في الدول النامية؛ ما يخلق ضغوطاً اجتماعية واقتصادية قد تفجِّر موجات هجرة جماعية تضغط على استقرار الدول الغنية. وعليه والحديث لسلام، فإن فشل مفاوضات إسلام آباد يؤكد «أننا بصدد مرحلة طويلة من الغموض»، حيث لن تكتفي الشركات بالتحوُّط المالي، بل ستكون مضطرةً لتبني استراتيجيات هجينة تجمع بين التأمين، والأمن السيبراني، والتحالفات الاستراتيجية لتجاوز هذه المخاطر.

وتابع: «إنَّ عهد الملاحة الآمنة والمكفولة دولياً قد ولَّى، والعالم الآن أمام واقع جديد يفرض فيه التهديد نفسه بوصفه قاعدةً للتعامل في المضيق. فالشركات التي ستنجو في هذا المشهد هي التي تمتلك مرونةً فائقةً وقدرةً استباقيةً على قراءة المخاطر قبل وقوعها، بينما يبقى الانتظار السلبي مقامرةً تكلِّف النظام العالمي بأكمله ركوداً تضخمياً لا مفر منه، في وقت بات فيه تأمين المسار هو المعيار الوحيد لضمان استمرارية الإنتاج والنمو في عالم لا يعترف بضعف المترددين».


أميركا تتوقع ذروة أسعار النفط خلال أسابيع

حفارة نفط تعمل في حقل بتكساس (رويترز)
حفارة نفط تعمل في حقل بتكساس (رويترز)
TT

أميركا تتوقع ذروة أسعار النفط خلال أسابيع

حفارة نفط تعمل في حقل بتكساس (رويترز)
حفارة نفط تعمل في حقل بتكساس (رويترز)

قال وزير الطاقة الأميركي كريس رايت، إن من المرجح أن تصل أسعار النفط إلى ذروتها «خلال الأسابيع القليلة المقبلة» بمجرد استئناف حركة السفن عبر مضيق هرمز، قبل أن تعود لمعدلاتها الطبيعية، مع استقرار حركة الملاحة في المضيق.

وتحوم أسعار النفط الفورية حالياً حول 150 دولاراً للبرميل، بينما تتداول العقود الآجلة عند 100 دولار للبرميل.

وقال رايت خلال منتدى «سيمافور» للاقتصاد العالمي في واشنطن، إن من المتوقع أن تستمر الأسعار في الارتفاع حتى تستأنف حركة السفن «بشكل ملموس» عبر المضيق. وكان قد ذكر في تعليقات سابقة أن من المرجح أن تنخفض أسعار النفط قريباً.

وأضاف رايت: «سنشهد ارتفاعاً في أسعار الطاقة، وقد تواصل الارتفاع حتى نرى حركة ملاحية ملموسة عبر مضيق هرمز... ومن المرجح أن يصل سعر النفط إلى ذروته خلال ذلك الوقت. وقد يحدث ذلك في غضون الأسابيع القليلة المقبلة».

وقال الرئيس الأميركي دونالد ترمب، يوم الأحد، إن أسعار النفط والبنزين يُحتمل أن تظل مرتفعة حتى انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر (تشرين الثاني)، في اعتراف نادر بالتداعيات السياسية المحتملة لقراره مهاجمة إيران قبل 6 أسابيع.


الصين تتعهد بـ«إجراءات مضادة» حال تنفيذ تهديد ترمب بتعريفات جمركية

حاويات بضائع معدة للتصدير في ميناء نانجينغ شرق الصين (أ.ف.ب)
حاويات بضائع معدة للتصدير في ميناء نانجينغ شرق الصين (أ.ف.ب)
TT

الصين تتعهد بـ«إجراءات مضادة» حال تنفيذ تهديد ترمب بتعريفات جمركية

حاويات بضائع معدة للتصدير في ميناء نانجينغ شرق الصين (أ.ف.ب)
حاويات بضائع معدة للتصدير في ميناء نانجينغ شرق الصين (أ.ف.ب)

تعهدت الصين، الثلاثاء، بفرض «إجراءات مضادة» إذا نفّذ الرئيس الأميركي دونالد ترمب تهديده بفرض تعريفات جمركية جديدة، وذلك عقب تقارير تفيد بأن بكين زوّدت إيران بأسلحة أو تعتزم تزويدها بها.

وقال ترمب، المقرر أن يزور بكين الشهر المقبل لإجراء محادثات مع نظيره شي جينبينغ، الأحد، إنه سيفرض تعريفة جمركية بنسبة 50 في المائة على البضائع الصينية إذا قدمت مساعدات عسكرية إلى طهران. وجاءت تصريحاته في اليوم نفسه الذي أفادت فيه شبكة «سي إن إن» الأميركية بأن الاستخبارات الأميركية أشارت إلى أن الصين تستعد لتسليم أنظمة دفاع جوي جديدة إلى إيران خلال الأسابيع القليلة المقبلة، نقلاً عن ثلاثة مصادر مطلعة على التقييمات.

وخلال عطلة نهاية الأسبوع، نقلت صحيفة «نيويورك تايمز» عن مسؤولين أميركيين قولهم إن الاستخبارات الأميركية أشارت إلى أن بكين ربما تكون قد أرسلت بالفعل شحنة من الصواريخ المحمولة على الكتف.

وصرح المتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية، غو جياكون، خلال مؤتمر صحافي يوم الثلاثاء، بأن هذه التقارير «مختلقة بالكامل». وأضاف غو: «إذا أصرت الولايات المتحدة على استخدام هذا بوصفه ذريعة لفرض رسوم جمركية إضافية على الصين، فستتخذ الصين بالتأكيد إجراءات مضادة حازمة».

وتُعدّ الصين شريكاً اقتصادياً رئيسياً لإيران، إذ تستورد معظم نفطها، لكن لا توجد بين البلدين أي اتفاقية عسكرية رسمية، ويقول العديد من المحللين إن بكين تنظر إلى العلاقة بينهما على أنها علاقة مصالح في المقام الأول. كما تربط الصين علاقات اقتصادية قوية بدول الخليج، وقد انتقدت هجمات إيران عليها خلال الحرب.