تطمينات إلى أكراد سوريا... حماية أميركية واعتراف روسي

محادثات قائد «الوحدات» في موسكو تزامنت مع تحذيرات واشنطن لدمشق

مقاتل كردي ضمن «قوات سوريا الديمقراطية» خلال معارك شرق نهر الفرات (حملة «غضب الفرات»)
مقاتل كردي ضمن «قوات سوريا الديمقراطية» خلال معارك شرق نهر الفرات (حملة «غضب الفرات»)
TT

تطمينات إلى أكراد سوريا... حماية أميركية واعتراف روسي

مقاتل كردي ضمن «قوات سوريا الديمقراطية» خلال معارك شرق نهر الفرات (حملة «غضب الفرات»)
مقاتل كردي ضمن «قوات سوريا الديمقراطية» خلال معارك شرق نهر الفرات (حملة «غضب الفرات»)

تبلغ قائد «وحدات حماية الشعب» الكردية، سبان حمو، من مسؤولين عسكريين روس خلال زيارته موسكو أن الإدارات الذاتية الكردية ستدعى إلى «مؤتمر الحوار الوطني السوري» في سوتشي الذي سيؤسس «في شكل متدرج لسوريا اتحادية»، في وقت تلقى حمو بـ«ارتياح» تصريحات وزير الدفاع الأميركي جيم ماتيس بأن واشنطن ستدافع عن «قوات سوريا الديمقراطية» الكردية - العربية ضد أي هجوم من قوات الحكومة السورية «بتشجيع» من إيران.
لكن بالنسبة إلى حمو، فإن المرحلة اللاحقة لهزيمة «داعش» شرق سوريا، هي الانتقال من «الانتصارات العسكرية» إلى «الاعتراف السياسي» من دول التحالف الدولي بقيادة أميركا من جهة وروسيا من جهة ثانية.
وكان حمو زار في اليومين الماضيين موسكو تلبية لدعوة من وزارة الدفاع الروسية للمشاركة في احتفالات النصر بهزيمة «داعش» بحضور وزير الدفاع سيرغي شويغو، ورئيس الأركان فاليري غيراسيموف، ثم عقد حمو جلسات عمل مع مسؤولين في وزارة الدفاع وجهاز الاستطلاع في الجيش الروسي حول عملية آستانة ومؤتمر الحوار السوري المقرر في سوتشي.
ونجحت «قوات سوريا الديمقراطية» التي تشكل «وحدات حماية الشعب» الكردية عمادها الرئيسي في تحقيق توازن بين حلفين دوليين: الأول، أنها حررت مناطق شرق نهر الفرات من «داعش» بدعم من التحالف الدولي بقيادة أميركا. الآخر، شكلت غرفة عمليات مشتركة مع الجيش الروسي في دير الزور، وضمت أربع غرف صغيرة في دير الزور وريف الرقة وحلب وعفرين وتل رفعت.
ولا تزال «سوريا الديمقراطية» تحافظ على هذا التوازن بين الحلفين منذ توصل واشنطن وموسكو إلى رسم «خط التماس» بينهما وهو نهر الفرات في مايو (أيار) الماضي: شرق النهر لحلفاء أميركا وغرب النهر لحلفاء روسيا. وكان لافتاً، أن تحذيرات ماتيس في مقر وزارة الدفاع الأميركية (بنتاغون) قوات الحكومة السورية من الهجوم على «قوات سوريا الديمقراطية»، وضرورة احترام «خط التماس» تزامنت مع وجود قائد «وحدات الحماية» الكردية في موسكو للاحتفال بـ«النصر على (داعش)».

ماذا سمع حمو من الروس؟
بحسب المعلومات المتوفرة لـ«الشرق الأوسط»، فإن الجنرالات الروس المختصين في عملية آستانة والتحضير لمؤتمر سوتشي «أكدوا أن الإدارات الذاتية لشمال سوريا ستدعى إلى مؤتمر سوتشي»؛ الأمر الذي سيثير حفيظة أنقرة التي تعارض حضور أي طرف قريب من «الوحدات» أو «الاتحاد الديمقراطي الكردي» مؤتمر سوتشي.
وكانت قمة سوتشي بين الرؤساء، الروسي فلاديمير بوتين، والتركي رجب طيب إردوغان والإيراني حسن روحاني، أسفرت عن الاتفاق على ضرورة تفاهم الدول الثلاث على قائمة المدعوين إلى مؤتمر الحوار السوري. وجرى التأكيد على ذلك في اجتماع آستانة الأخير، بحيث يجتمع ممثلو «الضامنين الثلاثة» نهاية الشهر الحالي لإقرار قائمة أعدتها موسكو وضمت نحو 1500 سوري مدعوين إلى سوتشي.
واشترطت أنقرة إقصاء «الوحدات» و«الاتحاد»؛ الأمر الذي وافقت عليه موسكو؛ لأنها «حريصة على دعم تركيا للحوار السوري لأنها تدرك أنه لا يمكن أن ينجح من دون مشاركة المعارضة السياسية والعسكرية الفاعلة التي تدعمها أنقرة»، بحسب المصادر. ولاحظت أن أنقرة صعّدت في الأيام الأخيرة ضد مؤتمر سوتشي وضد الرئيس بشار الأسد، إضافة إلى أن معظم الفصائل العسكرية والسياسية السورية أصدرت بيانات ترفض المشاركة في مؤتمر سوتشي.
وقالت المصادر: إن «الروس يقيمون تعاوناً تكتيكياً مع تركيا لإنجاح سوتشي؛ لذلك فإنهم لن يوجهوا دعوات رسمية إلى الوحدات أو الاتحاد الكرديين، لكنهم سيدعون الإدارات الذاتية» التي أعلنت في شمال سوريا وشمالها الشرقي، وضمت ما يعرف باسم «فيدرالية الشمال السوري»، وتضم جميع المكونات وترمي لـ«تكون نموذجاً لسوريا المستقبل القائمة على فيدرالية الجغرافيا وليس المكونات»، حيث نظمت انتخابات بحضور مراقبين أميركيين وروس.
وبحسب ما سمع حمو، فإن موسكو حسمت تصورها لمؤتمر الحوار في سوتشي، بحيث يسفر عن إطلاق عملية لصوغ دستور سوري جديد عبر تشكيل لجنة دستورية من ممثلي الأطراف السوري تبحث مسودة الدستور التي أعدها الجانب الروسي بداية العام الماضي، ونصت في شكل رئيسي على تذويب صلاحيات رئيس الجمهورية لصالح رئيس الوزراء وتشكيل «جمعية المناطق» من الإدارات المحلية، إضافة إلى البرلمان الوطني.
وأكد جنرالات روس لقائد «وحدات الحماية» أنهم متفقون على أن نموذج روسيا الاتحادية صالح لسوريا «لكن في شكل متدرج وعبر الصبر والتفاوض»، علماً بأن دمشق ترى أن نموذج روسيا «غير صالح لأن مساحة روسيا واسعة جداً وتضم قوميات وأدياناً على عكس سوريا الصغيرة والمتداخلة دينياً وطائفياً». وقال أحد الجنرالات الروس: «الحل في سوريا فيدرالي، لكن الأمر يحتاج إلى وقت، ولا بد من موافقة الحكومة الجديدة في دمشق على ذلك بعد صوغ الدستور السوري».
وقد تؤدي «العُقد» الكثيرة في الطريق إلى سوتشي، مثل مواقف أنقرة، ومشاركة الأكراد، ومواقف دمشق وطهران والمعارضة السورية إلى تأجيل المؤتمر السوري بضعة أيام أو أسابيع عن موعده المقرر في 29 الشهر الحالي، لكن الجنرالات الروس كانوا حاسمين في موقفهم: «بعد الانتصارات العسكرية ضد الإرهاب و(داعش)، لا بد من إعلان الرئيس فلاديمير بوتين النصر السياسي وعقد مؤتمر السوري قبل انتخابات الرئاسة الروسية في 18 مارس (آذار) المقبل».

ماذا عن واشنطن؟
قال وزير الدفاع الأميركي قبل يومين: إن «لدينا خطاً فاصلاً» بين المناطق التي يسيطر عليها حلفاء الولايات المتحدة في الشرق السوري، وتلك الخاضعة لسيطرة القوات الحكومية المدعومة من روسيا في الغرب و«سيكون من الخطأ تجاوز هذا الخط».
جاء هذا رداً على كلام الأسد من «كل من يعمل لصالح الأجنبي، خصوصاً الآن تحت القيادة الأميركية (...) وضد جيشه وضد شعبه هو خائن، بكل بساطة». وتابع الأسد بعدما التقى وفداً روسياً رفيعاً «هذا هو تقييمنا لتلك المجموعات التي تعمل لصالح الأميركيين».
وتفسير موسكو لموقف دمشق من الأكراد، أن طهران «تدفع لمواجهة بين قوات سوريا الديمقراطية والنظام»، ذلك أن جنرالات روساً أبلغوا حمو أن «قوات أخرى تدفع الحكومة السورية للمواجهة معكم»، بحسب المصادر. وأضافت: إن الجانب الروسي «وعد بعدم حصول ذلك».
في موازاة تعزيز العلاقة مع موسكو، تواصل «الوحدات» تلقي الدعم الأميركي؛ إذ تسلمت قبل يومين شحنات إضافية من السلاح والعتاد العسكري بموجب قرار تنفيذي وقّعه الرئيس الأميركي دونالد ترمب منتصف الشهر الماضي، وخصص نحو 400 مليون دولار أميركي لتسلح «قوات سوريا الديمقراطية» خصوصاً لدى تحول دورها من قتال «داعش» إلى الحفاظ على الأرض المسيطر عليها. وقال قيادي كردي أمس: لدينا برنامج عسكري واضح برفع عدد قواتنا من 25 إلى 30 ألفاً مع تغيير واضح في دورها بحيث تصبح جيشاً نظامياً».
ولدى سؤاله عن طبيعة الدور الأميركي في سوريا في العام المقبل، قال ماتيس: «سترون مزيداً من الدبلوماسيين على الأرض. سننتقل من السيطرة على الأراضي إلى تأمين الاستقرار، وإن العسكريين سيؤمّنون تحرّك دبلوماسيينا وأمنهم»، في وقت توقع قادة «الوحدات» أن تنقل واشنطن دورها من البعد العسكري إلى السياسي. وقال أحد القادة الأكراد أمس: «نريد من واشنطن أن تكشف تصورها السياسي لمنطقتنا والنظام السياسي الجديد في سوريا. نريد اعترافاً سياسياً بالمنطقة التي تسيطر عليها (قوات سوريا الديمقراطية)، أي النظام الفيدرالي السوري».
وباتت قوات النظام تسيطر على 55 في المائة من سوريا بعدما حققت تقدماً كبيراً على فصائل المعارضة وعلى «داعش» منذ التدخل الروسي العسكري المباشر نهاية 2015، أما «قوات سوريا الديمقراطية» فتسيطر على 28 في المائة.
وساهم دعم واشنطن لـ«سوريا الديمقراطية» في تعميق الفجوة مع أنقرة التي تقلق من قيام كيان كردي شمال سوريا قرب حدودها الجنوبية؛ ما أدى إلى تضيق الفجوة بين أنقرة وموسكو إزاء الأزمة السورية لتنفيذ القرار 2254 الذي نص على وحدة الأراضي السورية. ويسعى الجيش التركي لبدء عملية عسكرية في عفرين شمال حلب، حيث أقام الجيش الروسي مركزاً لها، خصوصاً بعد ضم إدلب إلى اتفاقيات خفض التصعيد، لكن الأيام الماضية شهدت هجوم قوات النظام على خطوط التماس بين حماه وإدلب بالتزامن مع تصعيد لهجة أنقرة ضد سوتشي والأسد.
وقال قيادي كردي: إن «قوات سوريا الديمقراطية» تسيطر على معظم الحدود مع تركيا باستثناء منطقتي جرابلسي وإدلب، وهي أقامت غرفتي عمليات مع الجيش الروسي في عفرين وتل رفعت بين حلب وتركيا، في وقت أشار دبلوماسي إلى مقايضات ومفاوضات معقدة تجري بين أنقرة وموسكو وطهران من جهة، وتصعيد بين موسكو وواشنطن وحلفائهما من جهة ثانية في الطريق إلى سوتشي الذي تسبقه جولة من مفاوضات جنيف في 21 الشهر الحالي.



الحوثيون يتبنّون ثالث هجماتهم على إسرائيل خلال 5 أيام

مسلحون حوثيون خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران (إ.ب.أ)
مسلحون حوثيون خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران (إ.ب.أ)
TT

الحوثيون يتبنّون ثالث هجماتهم على إسرائيل خلال 5 أيام

مسلحون حوثيون خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران (إ.ب.أ)
مسلحون حوثيون خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران (إ.ب.أ)

تبنّى الحوثيون هجوماً باتجاه إسرائيل، الأربعاء، هو الثالث منذ إعلان انخراطهم في الحرب إلى جانب إيران، في تطور يعكس تزايد التنسيق بين أطراف ما يُعرف بـ«محور المقاومة» الذي تقوده إيران، ويشمل إلى جانب «حزب الله» اللبناني فصائل عراقية مسلحة بالإضافة إلى الحوثيين في اليمن.

وأعلن الجيش الإسرائيلي أن أنظمة الدفاع الجوي تصدّت، فجر الأربعاء، لصاروخ أُطلق من اليمن باتجاه الأراضي الإسرائيلية، مؤكداً أنه جرى اعتراضه دون تسجيل إصابات أو أضرار. وأوضح، في بيان، أن الرصد المبكر مكّن من التعامل مع التهديد، قبل أن يُسمح لاحقاً للسكان بمغادرة المناطق المحمية.

وتزامن ذلك مع إعلان الحوثيين تنفيذ عملية صاروخية جديدة، قالوا إنها استهدفت «أهدافاً حساسة» في جنوب إسرائيل، ضمن ما وصفوه بـ«معركة الجهاد المقدس»، مؤكدين أن الهجوم جاء بالتنسيق مع إيران و«حزب الله» اللبناني.

مسيرة حوثية أُطلقت من مكان مجهول باتجاه إسرائيل (إعلام حوثي)

الهجوم الأخير يأتي عقب هجومَين السبت الماضي، تبنّت الجماعة خلالهما إطلاق صواريخ باليستية وطائرات مسيّرة، في أول انخراط مباشر لها في مسار الحرب، في حين تحدثت إسرائيل عن اعتراض صاروخَين وطائرتَين مسيرتَين فقط.

وعلى الرغم من هذا التصعيد، يرى مراقبون أن التأثير العسكري لهذه الهجمات سيظل محدوداً، بالنظر إلى عدم قدرة الجماعة على إطلاق أعداد كبيرة ومتزامنة من الصواريخ.

وتشير تقديرات المراقبين إلى أن أقصى ما يمكن أن تحققه هذه العمليات هو استنزاف جزئي لمنظومات الدفاع الجوي الإسرائيلية، التي تواجه بالفعل ضغوطاً نتيجة التعامل مع هجمات متعددة المصادر، بما في ذلك الصواريخ الإيرانية وهجمات «حزب الله».

تنسيق مشترك

إعلان الحوثيين أن عملياتهم نُفّذت «بالاشتراك» مع إيران و«حزب الله» يعكس مستوى متقدماً من التنسيق داخل المحور الداعم لطهران، وهو ما عزّزته تصريحات قائد «فيلق القدس» في «الحرس الثوري» الإيراني، إسماعيل قاآني، الذي أشاد بما وصفه «الحضور في الوقت المناسب» لليمن في هذه المواجهة.

وفي رسالة موجّهة إلى الحوثيين، عدّ قاآني هذا الانخراط يعكس «تشخيصاً صائباً لتحولات المنطقة»، ويرتبط بمسار أوسع لما سمّاه «جبهة المقاومة الإسلامية» في مواجهة الولايات المتحدة وإسرائيل. كما أشار إلى أن الدعم الإيراني سيستمر في مختلف ساحات المواجهة، في تأكيد إضافي على وحدة الموقف بين أطراف هذا المحور.

عناصر من الحوثيين يستعرضون في مدينة الحديدة الساحلية على البحر الأحمر (أرشيفية - رويترز)

هذه التصريحات، التي حملت نبرة تصعيدية واضحة، تعكس سعي طهران إلى إظهار تماسك حلفائها، وإرسال رسائل ردع في مواجهة التحركات العسكرية الأميركية والإسرائيلية في المنطقة.

في المقابل، قدّمت الجماعة الحوثية مبررات لتدخلها العسكري، عبر رسائل بعث بها نائب وزير خارجيتها في حكومة الانقلاب، عبد الواحد أبو راس، إلى الأمم المتحدة، وعدد من الهيئات الدولية، أكد فيها أن هذا التدخل يأتي رداً على ما وصفه بـ«العدوان الأميركي-الإسرائيلي» على إيران ودول المنطقة.

وأشار المسؤول الحوثي إلى أن قرار التدخل، الذي دخل حيز التنفيذ في 28 مارس (آذار) الماضي، يستند -حسب وصفه- إلى «المسؤولية الدينية والأخلاقية»، وإلى قواعد القانون الدولي، لافتاً إلى أن الهدف منه هو الضغط لوقف العمليات العسكرية في المنطقة، وليس توسيع نطاق التصعيد.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


القوات اليمنية ترفع جاهزيتها القتالية في باب المندب

جاهزية يمنية في مضيق باب المندب تحسباً لأي تطورات (إعلام محلي)
جاهزية يمنية في مضيق باب المندب تحسباً لأي تطورات (إعلام محلي)
TT

القوات اليمنية ترفع جاهزيتها القتالية في باب المندب

جاهزية يمنية في مضيق باب المندب تحسباً لأي تطورات (إعلام محلي)
جاهزية يمنية في مضيق باب المندب تحسباً لأي تطورات (إعلام محلي)

رفعت القوات الحكومية اليمنية مستوى الجاهزية القتالية في جزيرة ميون الاستراتيجية التي تقسم مضيق باب المندب إلى جزأين، في خطوة تعكس تصاعد المخاوف من تهديدات محتملة لحركة الملاحة الدولية في أحد أهم الممرات البحرية بالعالم، بالتزامن مع إنهاء بعثة الأمم المتحدة لمراقبة وقف إطلاق النار في ميناء الحديدة مهامها بشكل نهائي بعد سنوات من العمل دون تحقيق اختراقات ملموسة.

ويأتي هذا التطور في وقت تتسع فيه رقعة المواجهة بالمنطقة، مع انخراط جماعة الحوثيين في الصراع إلى جانب إيران، وتبنيها إطلاق صواريخ وطائرات مسيّرة باتجاه إسرائيل؛ مما يثير مخاوف متصاعدة من انعكاسات ذلك على أمن البحر الأحمر وباب المندب، الذي تمر عبره نسبة كبيرة من التجارة العالمية وإمدادات الطاقة.

وأكدت مصادر عسكرية يمنية لـ«الشرق الأوسط» أن القوات المرابطة في جزيرة ميون تلقت توجيهات برفع الجاهزية القتالية إلى أعلى مستوياتها، ضمن إجراءات احترازية لمواجهة أي تهديدات محتملة قد تستهدف المضيق الحيوي. وأوضحت المصادر أن هذه التوجيهات جاءت عقب رصد تحركات مريبة، من بينها محاولة هبوط طائرة عسكرية مجهولة في مدرج الجزيرة.

فنار إرشاد السفن في جزيرة ميون اليمنية وسط باب المندب (إعلام محلي)

ووفق هذه المصادر، فإن الطائرة، التي يُرجح أنها من طراز نقل عسكري، حاولت تنفيذ عملية هبوط مفاجئة، غير أن القوات الحكومية تصدت لها ومنعتها من الاقتراب؛ مما اضطرها إلى الانسحاب. ولم تُعرف هوية الطائرة حتى الآن، إلا إن التقديرات تشير إلى احتمال أنها كانت تقل عناصر بهدف تنفيذ عملية إنزال؛ مما يعكس حساسية الموقع الاستراتيجي للجزيرة.

وتحظى جزيرة ميون بأهمية استثنائية؛ نظراً إلى إشرافها المباشر على مضيق باب المندب؛ مما يجعل أي محاولة للسيطرة عليها أو اختراقها تهديداً مباشراً لأمن الملاحة الدولية، ويمنح الطرف المسيطر عليها قدرة على التأثير في حركة السفن العابرة.

مخاوف متصاعدة

تزامناً مع هذه التطورات، تتصاعد التحذيرات من احتمال استهداف الحوثيين حركة الملاحة في البحر الأحمر، خصوصاً في ظل سجلهم السابق في مهاجمة السفن خلال العامين الماضيين، في أثناء الحرب على قطاع غزة، عندما تعرضت سفن تجارية لهجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة.

ويُعدّ مضيق باب المندب أحد أهم الشرايين البحرية في العالم؛ إذ يربط بين البحر الأحمر وخليج عدن، وتمر عبره يومياً كميات ضخمة من النفط والبضائع. وأي اضطراب في هذا الممر الحيوي ينعكس بشكل مباشر على سلاسل الإمداد العالمية، ويؤدي إلى ارتفاع تكاليف النقل والتأمين البحري، فضلاً عن تهديد أمن الطاقة العالمي.

حشد في صنعاء دعا إليه زعيم الحوثيين لمساندة إيران (إ.ب.أ)

وتشير تقديرات ملاحية إلى أن استمرار التهديدات في هذه المنطقة قد يدفع شركات الشحن إلى تغيير مساراتها نحو طرق أطول وأعلى تكلفة، مثل الالتفاف حول رأس الرجاء الصالح؛ مما يزيد من الضغوط الاقتصادية على الأسواق العالمية.

إنهاء «بعثة الحديدة»

في موازاة ذلك، أعلنت بعثة الأمم المتحدة لدعم اتفاق الحديدة، المعروفة باسم «أونمها»، إنهاء عملياتها رسمياً، بعد استكمال نقل مهامها إلى مكتب المبعوث الخاص للأمين العام للأمم المتحدة، بموجب قرار مجلس الأمن الدولي.

وأوضحت البعثة أن فريقاً مشتركاً منها ومن مكتب المبعوث الأممي، برئاسة القائمة بأعمال رئيسها ماري ياماشيتا، عقد مشاورات مع ممثلي الحكومة اليمنية، ركزت على استعراض ما جرى تحقيقه من مهام، وترتيبات المرحلة الانتقالية؛ لضمان استمرار التنسيق بين الأطراف المعنية.

مغادرة بعثة الأمم المتحدة الحديدة بعد إنهاء مهمتها المتعثرة (إعلام محلي)

وكانت البعثة قد أُنشئت عقب الهجوم الذي شنته القوات الحكومية في عام 2018، ووصولها إلى مشارف مدينة الحديدة؛ بهدف مراقبة تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار وإعادة الانتشار في المدينة وموانئها، غير أن أداءها ظل محل انتقادات واسعة.

وتنظر الحكومة اليمنية إلى إنهاء مهمة البعثة بوصفه نتيجة طبيعية لفشلها في تنفيذ بنود الاتفاق، مشيرة إلى أن البعثة خضعت لقيود فرضتها جماعة الحوثيين؛ مما حدّ من قدرتها على التحرك والمراقبة الميدانية.

وكانت الحكومة قد سحبت ممثليها من لجان المراقبة في أبريل (نيسان) 2020، عقب مقتل أحد ضباطها المشاركين في فرق التنسيق برصاص الحوثيين داخل مدينة الحديدة، في حادثة زادت من تعقيد مهمة البعثة وأضعفت ثقة الحكومة بجدواها.

كما طالبت السلطات اليمنية مراراً بنقل مقر البعثة إلى خارج مناطق سيطرة الحوثيين؛ لضمان حرية حركتها، إلا إن الأمم المتحدة لم تستجب لهذه المطالب؛ مما أدى، وفقاً للمصادر الحكومية، إلى تقليص فاعلية البعثة وتحويلها إطاراً شكلياً أكثر منه عملياً.


كيف توفر مصر احتياجاتها البترولية لوجيستياً ومالياً خلال الحرب الإيرانية؟

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يشهد الاثنين انطلاق فعاليات مؤتمر ومعرض مصر الدولي للطاقة «إيجبس 2026» في القاهرة (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يشهد الاثنين انطلاق فعاليات مؤتمر ومعرض مصر الدولي للطاقة «إيجبس 2026» في القاهرة (الرئاسة المصرية)
TT

كيف توفر مصر احتياجاتها البترولية لوجيستياً ومالياً خلال الحرب الإيرانية؟

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يشهد الاثنين انطلاق فعاليات مؤتمر ومعرض مصر الدولي للطاقة «إيجبس 2026» في القاهرة (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يشهد الاثنين انطلاق فعاليات مؤتمر ومعرض مصر الدولي للطاقة «إيجبس 2026» في القاهرة (الرئاسة المصرية)

رفعت الحرب الإيرانية من أعباء الطاقة على مصر، التي تعدُّ أكبر دولة عربية من حيث عدد السكان، وتستهلك سنوياً قرابة 12 مليون طن من السولار، ونحو 6.7 مليون طن من البنزين، وتحتاج لاستيراد كميات إضافية من الغاز في حدود مليارَي قدم.

وبحسب مسؤولين مصريين سابقين وخبراء بقطاع الطاقة تحدَّثوا لـ«الشرق الأوسط»، فإنَّ مصر تعتمد لوجيستياً على تعاقدات رئيسية للطاقة مع السعودية والكويت والعراق والولايات المتحدة، بخلاف الأسواق الفورية، ومع الأزمة الحالية دخلت ليبيا بوصفها مساراً جديداً مؤقتاً، مشيرين إلى أن مصر تموِّل تلك التعاقدات عبر مسارات عدة، مثل عائدات صادرات المشتقات النفطية، وتسهيلات البنوك، ودعم البنك المركزي، وسط أعباء مالية تزداد مع ارتفاع الأسعار العالمية جراء استمرار حرب إيران منذ نحو شهر.

وتستعد مصر لاستيراد مليون برميل على الأقل شهرياً من النفط الليبي لتعويض توقف إمدادات النفط الخام الكويتي؛ نتيجة الإغلاق الفعلي لمضيق هرمز، بحسب ما نقلت وكالة «بلومبرغ» عن مصادر مطلعة في 29 مارس (آذار)، لافتة إلى أن ليبيا سترسل الآن شحنتين شهرياً إلى جارتها الشرقية، بإجمالي 1.2 مليون برميل، وهو ما أكدته مصادر مطلعة لـ«الشرق الأوسط».

وتعتمد المصافي المصرية جزئياً على النفط الخام الكويتي، إذ تستورد منه ما بين مليون ومليونَي برميل شهرياً، بالإضافة إلى نحو مليون برميل من شركة «أرامكو السعودية»، لكن بعد اندلاع الحرب في 28 فبراير (شباط) الماضي، خفَّضت الكويت إنتاجها النفطي وعمليات التكرير عندما تباطأت حركة الشحن عبر مضيق هرمز، وأعلنت مؤسسة البترول الكويتية حالة «القوة القاهرة» على مبيعات النفط الخام.

وفي 10 مارس، أكد أحمد كجوك وزير المالية، خلال مؤتمر صحافي آنذاك، أن الحكومة قامت بتأمين نحو 50 في المائة من احتياجاتها من الوقود بأسعار محددة، وهو ما يغطي النصف الأول من العام المالي.

وزير البترول المصري يتفقد قبل أيام سفينة حفر آبار غاز جديدة لصالح «بى بي» و«أركيوس» (وزارة البترول المصرية)

ويقول وزير البترول المصري الأسبق، رئيس لجنة الطاقة في مجلس الشيوخ أسامة كمال، لـ«الشرق الأوسط»: «هناك عقود مبرمة لتوريد الغاز الطبيعي من الولايات المتحدة، وهي عقود مستقرة وتعمل بشكل طبيعي حتى الآن دون معوقات في التدفق»، مشيراً إلى أن «المتغيرات تتركز بشكل أساسي في أسعار الغاز وتكاليف النقل التي تتأثر بالارتفاع العالمي لأسعار النفط».

ووفق تقديرات رسمية، تبلغ احتياجات مصر من الغاز قرابة 6.2 مليار قدم مكعبة يومياً، بينما يصل إنتاجها اليومي إلى نحو 4.2 مليار قدم مكعبة.

كما اتخذت الحكومة حزمة إجراءات احترازية؛ منها تخفيض ساعات العمل المسائية في المحال العامة والمراكز التجارية، وهو إجراء تحوطي لترشيد استهلاك الطاقة، وفق الوزير الأسبق.

وحول كيفية تمويل الواردات البترولية في ظلِّ الارتفاع القياسي للأسعار العالمية، قال المسؤول السابق: «قبل اندلاع الحرب تجاوز الاحتياطي النقدي الأجنبي حاجز الـ52 مليار دولار، والشهر الماضي وحده شهد سحب ما يزيد على مليار دولار لتغطية تكاليف الاستيراد، ومن المتوقع أن تتجاوز فاتورة مارس حاجز المليارَي دولار»، متوقعاً ألا تستمر الأزمة إلى الأسبوع الثالث من أبريل (نيسان) «وإلا ستكون خسارة فادحة للعالم وليس لمصر فقط».

وبمزيد من التفاصيل عن آليات تأمين النفط الخام والمنتجات البترولية، أوضح نائب رئيس «هيئة البترول المصرية للعمليات» سابقاً مدحت يوسف في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن «مصر تعتمد في الوقت الحالي على واردات الخام من الكويت والعراق بخلاف تعاقدات مستمرة مع شركة (أرامكو السعودية)؛ لتوريد النفط الخام إلى معامل تكرير ميدور والمعامل المصرية الأخرى عبر ميناء ينبع»، مشدداً على أن «(أرامكو) ملتزمة بتعاقداتها مع مصر، وهناك صعوبة تحُول دون زيادة الكميات التعاقدية فوق المتفق عليه، نظراً لالتزاماتها ومصداقيتها مع عملائها الدوليِّين».

وأضاف: «هناك مشكلة تواجه مصر مع الحرب وتأثر توريدات الخام من الكويت والعراق؛ مما دفع للبحث عن بدائل، منها محاولة التعاقد على الخام الليبي، بالإضافة إلى اللجوء إلى السوق الفورية التي تحمل ميزةً وعيباً، حيث توفِّر الخام عالمياً لكنه يُشكِّل ضغطاً مالياً كونه يتطلب سداداً فورياً وبأسعار مرتفعة، على عكس التعاقدات الكويتية مثلاً، التي كانت تمنح مصر تسهيلات مرنة جيدة تصل إلى 9 أشهر».

وأكد يوسف، أن ميناء ينبع السعودي يظل المورد الأكبر لمصر، والالتزامات لا تزال قائمة من خلال مناقصات ربع سنوية وأساليب سداد قائمة أيضاً.

وعن الغاز، كشف يوسف عن أنه «يحمل مشكلة كبيرة مع توقف إمدادات الغاز من الجانب الإسرائيلي مع بدء الحرب»، لافتاً إلى غياب التعاقدات المباشرة بين الدول مثل الإمارات أو قطر، حيث تتم التوريدات عبر موردين عالميِّين ملتزمين بالتوريد، لكن بأسعار مرتبطة بمتغيرات السوق العالمية المرتبطة بسعر غاز «TTF» الهولندي، الذي سجَّل مستويات مرتفعة بلغت 21 دولاراً للتسليم في مصر.

وعدّ أنَّ الميزة الحالية لمصر هي أنَّ الأزمة وقعت في فصل الشتاء، حيث ينخفض استهلاك الكهرباء إلى 29.5 غيغاواط، مقارنة بـ40 غيغاواط في فصل الصيف، محذراً من أنه في حال استمرار الأزمة حتى ذروة الاستهلاك الصيفي، قد تضطر الدولة لتخفيف الأحمال عن بعض الصناعات أو المنازل، أو الاعتماد على بدائل مكلفة جداً مثل المازوت والسولار لتوليد الكهرباء.

وبشأن سبل تمويل هذه الواردات، أوضح يوسف أنَّ الهيئة العامة للبترول تعتمد على مسارات عدة؛ أولها عائد الصادرات عبر تصدير بعض المنتجات البترولية والغاز المسال، وتصدير خام خليط غارب في حدود 65 ألف برميل يومياً، بالإضافة إلى حصيلة صادرات وقود النفاثات وشركات البتروكيماويات.

وأضاف أن تلك العائدات تغطي «جزءاً كبيراً من التمويلات بالخارج، لكنها لا تكفي، وبالتالي تلجأ هيئة البترول لأمرين آخرين بالحصول على تسهيلات من البنوك المصرية ودعم البنك المركزي؛ كي لا يحدث أي اختناق بالسوق المحلية»، محذراً من أنَّ استمرار الحرب سيؤدي إلى مزيد من الاستنزاف الاقتصادي، ما يتطلب جاهزيةً تامةً للسيناريوهات كافة.

وفي 18 مارس الحالي، قال رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي، في مؤتمر صحافي، إن فاتورة واردات الطاقة في مصر ازدادت بأكثر من المثلين منذ اندلاع الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، ‌مؤكداً الضغوط المتزايدة على الموارد المالية للبلاد مع ارتفاع أسعار الوقود العالمية.

وبلغت قيمة واردات مصر من الغاز في عام 2025 نحو 8.9 مليار دولار مقابل 4.9 مليار دولار في عام 2024، وفق بيانات «الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء»، بينما قفزت فاتورة واردات مصر البترولية بنسبة 23 في المائة، لتصل إلى 21 مليار دولار، بنهاية عام 2025.