هجوم استباقي للمعارضة شرق دمشق... ونزوح من إدلب نحو تركيا

قتلى بغارات على حرستا قرب العاصمة وقوات النظام تفتح 3 جبهات شمالاً

دخان يتصاعد من غوطة دمشق بعد غارات من قوات النظام أمس (المجلس الطبي لدوما)
دخان يتصاعد من غوطة دمشق بعد غارات من قوات النظام أمس (المجلس الطبي لدوما)
TT

هجوم استباقي للمعارضة شرق دمشق... ونزوح من إدلب نحو تركيا

دخان يتصاعد من غوطة دمشق بعد غارات من قوات النظام أمس (المجلس الطبي لدوما)
دخان يتصاعد من غوطة دمشق بعد غارات من قوات النظام أمس (المجلس الطبي لدوما)

أطلقت قوات المعارضة السورية هجوماً استباقياً على إدارة المركبات في مدينة حرستا شرق دمشق، بعد يومين على تعزيزات دفع بها النظام إلى المنطقة، في محاولة للتوغل إلى عمق أحياء المدنيين في الغوطة الشرقية، في وقت استمرت فيه المعارك بين قوات النظام وفصائل إسلامية ومعارضة بين حماة وجنوب إدلب، وسط غارات على مناطق الاشتباكات ما أدى إلى نزوح مدنيين باتجاه حدود تركيا شمال البلاد.
وتجددت الاشتباكات على محاور داخل إدارة المركبات ومحيطها بين «حركة أحرار الشام الإسلامية» من جهة، وقوات النظام والمسلحين الموالين من جهة أخرى، بالتزامن مع اشتباكات في منطقة العجمي بأطراف مدينة حرستا، بين «هيئة تحرير الشام» و«أحرار الشام» من طرف، وقوات النظام والمسلحين الموالين من طرف آخر، ترافقت مع قصف عنيف من قبل قوات النظام بعشرات القذائف على محاور القتال ومدينة حرستا، بالإضافة لغارة جوية من قبل الطيران الحربي استهدفت مدينة حرستا.
وواصلت قوات النظام قصفها المكثف على غوطة دمشق الشرقية، إذ استهدفت أمس مناطق في مدينة دوما، ومناطق في الزريقية والنشابية وأوتايا بمنطقة المرج، إضافة إلى كفربطنا، ومدينة سقبا، بحسب «المرصد السوري لحقوق الإنسان».
وبدأت فصائل المعارضة عملاً عسكرياً في إدارة المركبات استكمالاً لمعاركها السابقة، وحققت تقدماً خلال ساعات بالسيطرة على حي العجمي المجاور للإدارة. وسيطرت فصائل المعارضة على حي العجمي في حرستا والفرن الآلي وطريق حرستا - عربين، وقطعت طريق إمداد قوات النظام، بحسب ما أفاد به موقع «عنب بلدي».
وقال الناشط في الغوطة الشرقية يوسف البساتيني إن هجوم المعارضة «استباقي بعد تعزيزات من قوات النظام إلى المنطقة بهدف اقتحام الغوطة والتوغل فيها». وقال البساتيني لـ«الشرق الأوسط» إن «إدارة المركبات تعتبر خاصرة رغوة في الغوطة يحاول النظام اختراقها بهدف تقسيم مناطق الغوطة إلى جزر معزولة وقطع طرقات حيوية في المنطقة»، لافتاً إلى أن مسافة نصف كيلومتر تفصل مناطق سيطرة النظام عن أحياء يسكنها المدنيون. وقال: «الثوار يخافون أن يحقق النظام خرقاً في المنطقة، ويصل إلى مناطق سيطرة المدنيين، بعدما نقل قواته بشكل مريب إلى منطقة العجمي القريبة».
واستقدم النظام تعزيزات من «الحرس الجمهوري» إلى منطقة الإدارة، منذ السبت، ونشر إعلاميون عسكريون صوراً لانتشار قوات النظام في المنطقة. وقالت مواقع مقربة من الحرس الجمهوري على وسائل التواصل الاجتماعي إن الفصائل تمكنت من السيطرة على أبنية بعد الثغرة التي أحدثتها عربة مفخخة فجرت في المنطقة الجمعة الماضي. وترتبط السيطرة على إدارة المركبات بدخول أحياء العجمي والحدائق والجسرين، وإرجاع نفوذ قوات النظام إلى المنطقة التي تلي عقدة مواصلات حرستا، إلى جانب السيطرة الكاملة على طريق حرستا - عربين.
وقال البساتيني إن أهداف الهجوم تتخطى مسألة استباق النظام إلى المنطقة، حيث تأتي رداً أيضاً على «عدم التزام النظام بالاتفاقات الهادفة لوقف إطلاق النار في الغوطة»، مشيراً إلى أن القواعد الشعبية في الغوطة ضغطت على «جبهة النصرة» لخروج عناصرها الذين يصل عددهم إلى 300 عنصر من المنطقة، في مقابل التزام الغوطة بوقف إطلاق النار، لكن «النظام عرقل الاتفاق عبر المراوغة وذلك كي تبقى (النصرة) ذريعة للنظام لقصف الغوطة، رغم أن المنطقة تحوي نحو نصف مليون مدني». وأشار البساتيني إلى أن النظام «يستغل حاجة الناس وندرة المواد الغذائية في الغوطة للحصول على إتاوات عالية مقابل إدخالها إلى المنطقة المحاصرة».
وتنفي مصادر المعارضة أن يكون الهجوم رداً على اتفاقات لإخراج مسلحين متشددين من الغوطة إلى إدلب، مشيرة لـ«الشرق الأوسط» إلى أن منطقة المركبات «تسيطر عليها حركة أحرار الشام، وليس جبهة النصرة»، لافتة إلى أن النظام «يسعى على الدوام إلى إشعال المعارك حول الغوطة وشد المقاتلين إلى المناطق الزراعية المفتوحة لإبعاد المعارك عن دمشق، وهو ما يفسر الهجوم على النشابية» في شرق غوط دمشق الشرقية.
وفتحت قوات النظام معركة على جبهة النشابية في قطاع المرج، بعد خروج أسرى من سجون «جيش الإسلام» في مدينة دوما، ضمن اتفاقية مع النظام لخروج مرضى وحالات إنسانية مقابل خروج 29 أسيراً من مدينة عدرا العمالية كان «جيش الإسلام»، قد احتجزهم في هجوم سابق.
وقال ناشطون إن العمل العسكري لقوات النظام جاء بصورة مفاجئة بعد أن أوقفت العمليات العسكرية من جانب «جيش الإسلام»، ونقلتها في الأشهر الماضية إلى القطاع الأوسط الذي يسيطر عليه «فيلق الرحمن» للسيطرة على حي جوبر ومحور بلدة عين ترما.
على صعيد متصل، أفادت «شبكة شام» بأن النظام واصل قصف الأحياء السكنية في مدن وبلدات الغوطة الشرقية المحاصرة بشكل جنوني بكل أنواع الأسلحة وبشكل عنيف، مشيراً إلى أن مدينة حرستا تعرضت لأعنف حملة قصف من قبل النظام، حيث سجل ناشطون قيام الطائرات الحربية باستهداف المدينة وأطرافها بنحو 25 غارة جوية، تزامنت مع قصف عنيف جداً بأكثر من مائة قذيفة «هاون» ومدفعية وصاروخية، كما تم استهداف المدينة بصواريخ محملة بالقنابل العنقودية. كما أغارت الطائرات الحربية على أطراف مدينة دوما ومدينة عربين وبلدتي مسرابا ومديرا.
وقالت قائد عسكري في غوطة دمشق الشرقية لوكالة الأنباء الألمانية: «شنَّت طائرات حربية سوريا اليوم أكثر من 22 غارة على مدينة حرستا شمال شرقي العاصمة دمشق وقصفتها بصواريخ الفيل وقذائف عنقودية محرمة دولية، تمهيداً لتقدم قوات الحرس الجمهوري التابع للنظام السوري الذي وصلت إليه تعزيزات يوم أمس من قوات درع القلمون».
على صعيد آخر، تتواصل المعارك العنيفة بين قوات النظام المدعومة بالمسلحين الموالين لها من جنسيات سوريا وغير سوريا من جانب، والفصائل الإسلامية والمقاتلة و«هيئة تحرير الشام» من جانب آخر، على محاور في ريف إدلب الجنوبي الشرقي، حيث رصد «المرصد» تركُّز القتال في قرية الخوين التي تشهد معارك كر وفر بين الطرفين، إذ «تمكنت الفصائل وتحرير الشام من معاودة التقدم في أجزاء واسعة داخل القرية، وسط انسحاب لقوات النظام من أجزاء واسعة منها بعد عدم تمكنها من تثبيت سيطرتها نتيجة الهجوم العنيف والمعاكس للفصائل على المنطقة».
وتترافق الاشتباكات مع عمليات قصف من الطائرات المروحية والحربية بشكل مكثف على مناطق سيطرة الفصائل، حيث استهدفت مناطق في قرية الخوين ومناطق أخرى في معرة النعمان وقرية الهلبة وقرية شم الهوى، فيما قتل وجرح عناصر من قوات النظام والمسلحين الموالين لها في هجوم معاكس وسط معلومات عن انسحاب قوات النظام من كامل القرية.
وقال «المرصد»: «القصف الجوي المستمر تسبب في سقوط مزيد من الخسائر البشرية، بالتزامن مع مفارقة مزيد من المواطنين للحياة في بلدة كفرسجنة الواقعة على بعد 20 كلم من قرية الخوين، ليرتفع إلى 10 أعدد الشهداء الذين قضوا أمس في ريف إدلب الجنوبي الشرقي».
وشهدت المنطقة «حركة نزوح واسعة من بلدة التمانعة وقرى ومناطق أخرى قريبة من محاور الاشتباك وواقعة في مرمى قصف قوات النظام والطائرات الحربية والمروحية، حيث قصد النازحون مناطق بعيدة عن القصف والقتل اليومي الذي يشهده القطاع الممتد من ريف إدلب الجنوبي إلى ريفها الشرقي»، في حين لا تزال المعلومات متضاربة حول المروحية التي هبطت في مناطق سيطرة النظام بريف حماة الشمالي الشرقي، فيما إذا كانت تحطمت في مناطق سيطرة النظام أم أن الطيار تمكَّن من الهبوط بها، بعد معلومات عن عطل فني أصابها.
وأعلنت المعارضة السورية مقتل تسعة مدنيين وإصابة عشرات في قصف جوي على ريف إدلب الجنوبي والشرقي. وقال مصدر في المعارضة لوكالة الأنباء الألمانية: «شنّت طائرات حربية روسية وسوريا عشرات الغارات على بلدات التمانعة وخان شيخون ومعرة حرمة وكفر سجنة وقرية الخوين بريف إدلب الجنوبي، ما تسبب بسقوط أكثر من تسعة قتلى وعشرات الجرحى في صفوف المدنيين».
وقالت مصادر إعلامية مقربة من القوات الحكومية إن طائرات حربية سوريا شنت عدة غارات على مواقع مسلحي جبهة النصرة والفصائل المرتبطة بها في قرية الخوين قبل اقتحامها من قوات النظام، صباح اليوم.
وتشن القوات الحكومية هجوماً من ثلاثة محاور في ريف أدلب للوصول إلى مدينة خان شيخون ومطار أبو الظهور العسكري والسيطرة على طريق دمشق - حلب الدولي.
إلى ذلك، أعادت قوات النظام فتح طريق حمص - السلمية وسط البلاد أمس. وقالت مصادر إعلامية مقربة من القوات الحكومية السورية لوكالة الأنباء الألمانية إن قوات النظام أعادت فتح الطريق بعد هجوم شنه مسلحو المعارضة في محيط منطقة خنيفس على الطريق بريف حماة الجنوبي الشرقي، ما أوقع قتلى وجرحى في صفوفهم.
يشار إلى أن المنطقة التي تعرضت للهجوم تتسم بالهدوء، ولَم تشهد معارك منذ أشهر.



العراق ينفي وقوع إطلاق نار على حدوده من الجانب الكويتي

العلم العراقي
العلم العراقي
TT

العراق ينفي وقوع إطلاق نار على حدوده من الجانب الكويتي

العلم العراقي
العلم العراقي

نفت وزارة الداخلية العراقية، الجمعة، الأنباء التي ترددت حول وقوع حادث إطلاق نار من الجانب الكويتي استهدف إحدى النقاط الحدودية في محافظة البصرة (550 كم جنوب بغداد)، وفق ما نشرت «وكالة الأنباء الألمانية».

وأكدت الوزارة، في بيان، أن ما تداولته بعض وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي بهذا الشأن «عارٍ من الصحة تماماً».

وشددت على أنه لم يتم تسجيل أي حادث من هذا النوع، وأن الأوضاع على الشريط الحدودي بين البلدين تسير بصورة طبيعية ومستقرة.

ودعت «الداخلية العراقية» وسائل الإعلام إلى ضرورة توخي الدقة في نقل الأخبار واعتماد المصادر الرسمية فقط، محذرة من الانجرار وراء الشائعات التي قد تثير البلبلة، وتؤثر في طبيعة العلاقات الأخوية التي تربط العراق والكويت.

كما أشارت الوزارة في بيانها إلى أنها تحتفظ بحقها القانوني في اتخاذ الإجراءات اللازمة ضد مروجي الأخبار الكاذبة التي تستهدف المساس بالأمن والاستقرار في البلاد.


ممارسات حوثية تفسد نمط الاقتصاد الزراعي وتهدد بالكساد

الممارسات الحوثية في القطاع الزراعي تؤرق المزارعين وتهدد مصادر دخلهم (إكس)
الممارسات الحوثية في القطاع الزراعي تؤرق المزارعين وتهدد مصادر دخلهم (إكس)
TT

ممارسات حوثية تفسد نمط الاقتصاد الزراعي وتهدد بالكساد

الممارسات الحوثية في القطاع الزراعي تؤرق المزارعين وتهدد مصادر دخلهم (إكس)
الممارسات الحوثية في القطاع الزراعي تؤرق المزارعين وتهدد مصادر دخلهم (إكس)

يواجه المزارعون بمناطق سيطرة الجماعة الحوثية في اليمن مخاطر فقدان مصادر دخلهم، وتتزايد معاناتهم بفعل جملة من الممارسات والإجراءات التي تؤثر بشكل مباشر على بنية الإنتاج الزراعي، كاستهداف مصادر الطاقة البديلة، وإغراق الأسواق بمدخلات زراعية فاسدة، وفرض قيود على التصدير، واحتكار عمليات التسويق.

ويخشى المزارعون من أن تؤدي الممارسات الحوثية إلى الإضرار التام بالعملية الزراعية والإخلال بالعلاقة بينهم وبين الأسواق المحلية والخارجية، وأن تدفع الكثير منهم إلى هجر هذه المهنة، في وقت تواصل فيه الجماعة الترويج لمزاعم دعم التنمية الزراعية بهدف الوصول إلى الاكتفاء الذاتي.

مصادر محلية في محافظة ذمار (100 كيلومتر جنوب صنعاء) تقول إن حصار الجماعة قرية الأغوال في مديرية الحدا، منذ قرابة أسبوعين، تسبب بتلف المحاصيل الزراعية نتيجة الصقيع والجفاف، بعد منع المزارعين من الوصول إلى مزارعهم لحمايتها من البرد وريها بالماء.

إلى جانب ذلك، أقدم مسلحو الجماعة، وبأوامر مباشرة من القيادي محمد البخيتي، المعين محافظاً للمحافظة في التنظيم الحوثي، على اقتلاع الألواح الشمسية وقطع أسلاك منظومات الطاقة، وكسر أقفال الآبار، في إجراء يرى المزارعون أنه يهدف إلى إلزامهم بالعودة لاستخدام الوقود المرتبط بتجارة واقتصاد الجماعة.

مسلحون حوثيون يحاصرون قرية الأغوال في محافظة ذمار ويتسببون بتلف المزروعات (إكس)

وفي الجوف (شمال شرق صنعاء)، أدى توزيع الجماعة بذوراً فاسدة إلى ظهور نباتات علفية دخيلة عند الحصاد، أتلفت كميات كبيرة من محاصيل الحبوب، وخفّضت الإنتاج إلى أقل من الثلث، وفقاً للمزارعين الذين أبدوا حسرتهم على ضياع موسم زراعي، وانتهى بمحصول ضئيل وخسائر كبيرة، بعد أن لجأ العديد منهم إلى الاقتراض لإنجاح موسمه.

ونقلت مصادر زراعية عن المزارعين أن المحصول الضئيل نفسه لا يصلح للاستهلاك الآدمي.

وشهدت مديرية الحميدات، غرب المحافظة، الخسائر الأكبر، حيث لم يتجاوز محصول غالبية الحقول 30 كيساً من الحبوب، بعد أن كانت تنتج أكثر من 100 كيس خلال المواسم الماضية. ويصف المزارعون المحصول بأنه شبيه بالقمح ولا يصلح إلا كعلف للحيوانات.

إفساد المحاصيل

يتهم مزارعو البطاطس في محافظة ذمار الجماعة الحوثية بإغراق الأسواق ببذور مستوردة فاسدة وملوثة، والتسبب في كارثة زراعية بتدمير محاصيل استراتيجية وتعميق أزمة الأمن الغذائي.

ونفذ هؤلاء وقفة احتجاجية في العاصمة المختطفة صنعاء، أمام مبنى وزارة الزراعة في حكومة الجماعة التي لا يعترف بها أحد، مطالبين بوقف استيراد وتوزيع البذور غير المطابقة للمعايير، وبتعويضهم بعد الخسائر التي تكبدوها بسبب تلك الأصناف واستخدام مبيدات محظورة، وغياب الفحوصات المخبرية والرقابة الفعالة على الشحنات.

جانب من احتجاج مزارعي البطاطس أمام مبنى تابع للحوثيين في صنعاء (إعلام محلي)

وشهدت الوقفة اصطفاف عشرات الشاحنات المحملة بالمحصول المتضرر، ورفع المحتجون لافتات تدعو إلى وقف استيراد وتوزيع بذور غير مطابقة للمعايير، متهمين الجهات التابعة للجماعة بالتساهل في إدخال أصناف مصابة تسببت في انتشار أمراض نباتية خطيرة خلال المواسم الماضية، إلى جانب استخدام مبيدات محظورة.

وواصلت الجماعة الحوثية ادعاءاتها بدعم التنمية الزراعية وتحقيق الاكتفاء الذاتي إلى الترويج لنجاح زراعة محاصيل استراتيجية مثل القمح والأرز، وهم ما يعدّ تحدياً معقداً، حيث تصنف اليمن من البلدان محدود الموارد المائية.

ويلفت خبير زراعي يمني، يعمل في قطاع الزراعة الذي يسيطر عليه الحوثيون، إلى أن مزاعم الحوثيين بنجاح زراعة القمح تسقط في الفجوة الكبيرة بين الاستهلاك المحلي والإنتاج الممكن، حيث يستهلك اليمنيون ما يقارب 4 ملايين طن من القمح، والتي تحتاج إلى مساحات شاسعة لإنتاجها.

قادة حوثيون وسط مزرعة في الجوف حيث يشكو المزارعين من خسائر فادحة (إعلام حوثي)

ولا تتجاوز المساحات المزروعة في اليمن عشرات الآلاف من الهكتارات، بإنتاج أقصى يقدَّر بعشرات الآلاف من الأطنان، بحسب حديث الخبير الزراعي الذي طلب من «الشرق الأوسط» حجب بياناته حفاظاً على سلامته.

تضليل بمسمى الاكتفاء

أما زراعة الأرز، والحديث لنفس الخبير الزراعي، فهي خيار غير منطقي في ظل الاستنزاف الحاد للموارد المائية وتراجع منسوب المياه الجوفية، فضلاً عن غياب شبكات ري حديثة قادرة على دعم مثل هذا التوجه.

ويشير خبير آخر، تتحفظ «الشرق الأوسط» على بياناته أيضاً، إلى أن الجماعة الحوثية نفسها منعت مزارعي سهل تهامة، غربي البلاد، خلال السنوات الأخيرة، من التوسع في زراعة الموز بحجة الحفاظ على مخزون المياه الجوفية، في الوقت ذاته الذي تروّج لمزاعم زراعة الأرز الذي لا يمكن إنتاجه إلا في بيئة تتوفر فيها مياه جارية طوال العام.

ويشهد الموسم الحالي تكدساً وكساداً كبيرين للبرتقال واليوسفي، خصوصاً في محافظة الجوف (شمال شرق صنعاء) تحت تأثير الإجراءات التي تفرضها الجماعة الحوثية على المزارعين في المحافظة.

فتى يمني يعمل في حقل على أطراف صنعاء حيث يتراجع الإنتاج الزراعي جراء ممارسات الحوثيين (إ.ب.أ)

ومنذ قرابة شهرين يواجه مزارعو البرتقال واليوسفي صعوبات كبيرة في التصدير، بعد احتكار شركة حوثية تحمل اسم «سوق الارتقاء» تصدير المنتجات الزراعية إلى دول الجوار.

وتنقل مصادر زراعية عن هؤلاء المزارعين اتهامات للجماعة الحوثية بممارسة التضليل لنهب محاصيلهم، وذلك بادعاء أن استيراد دول الخليج هذين المنتجين من سوريا ومصر، تسبب في تراجع الطلب على الإنتاج اليمني منها، ووصفوا نشاط شركة «الارتقاء» الحوثية بـ«النهبوي» الذي لا يقتصر على هذين المنتجين فحسب.

وتلفت المصادر إلى أن جميع مزارعي الفواكه والمحاصيل القابلة للتصدير باتوا تحت رحمة هذه الشركة التي تتحكم بالأسعار والكميات، وتتسبب في تلف المنتجات الزراعية وإلحاق خسائر كبيرة بالمزارعين الذين يضطر غالبيتهم إلى البيع بأسعار زهيدة إلى الأسواق المحلية التي تشهد وفرة كبيرة وقدرة شرائية متدنية.


الحوثيون يوسّعون دائرة المجاعة... ويدفعون آلاف الأسر للتسول

 يمنيات يتجمعن في باحة مدرسة حكومية في إب للحصول على وجبة إفطار (فيسبوك)
يمنيات يتجمعن في باحة مدرسة حكومية في إب للحصول على وجبة إفطار (فيسبوك)
TT

الحوثيون يوسّعون دائرة المجاعة... ويدفعون آلاف الأسر للتسول

 يمنيات يتجمعن في باحة مدرسة حكومية في إب للحصول على وجبة إفطار (فيسبوك)
يمنيات يتجمعن في باحة مدرسة حكومية في إب للحصول على وجبة إفطار (فيسبوك)

مع حلول شهر رمضان، الذي اعتاد اليمنيون استقباله بأجواء من التكافل والتراحم، تبدَّلت ملامح الحياة في العاصمة المختطفة صنعاء ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، حيث تحوَّلت الشوارع والأسواق وأبواب المساجد إلى مشاهد يومية للفقر والعوز.

ورصدت «الشرق الأوسط» امتلاء أرصفة الشوارع بأعداد متزايدة من النساء والأطفال وكبار السن الذين اضطروا إلى التسول؛ بحثاً عن لقمة تسد رمق أسرهم، في مؤشر واضح على تعمق الأزمة الاقتصادية والإنسانية التي تعصف بالبلاد منذ سنوات.

وباتت ظاهرة التسول، وفق سكان وناشطين، جزءاً ثابتاً من المشهد اليومي، بعد أن كانت حالات محدودة قبل انقلاب الحوثيين، إذ دفعت ظروف المعيشة القاسية آلاف الأسر إلى خيارات لم تكن واردة في حياتها من قبل.

ويعزو مراقبون هذا التحول إلى استمرار انقطاع الرواتب، وتراجع فرص العمل، وارتفاع أسعار المواد الغذائية، إضافة إلى غياب أي معالجات اقتصادية حقيقية تخفف من معاناة السكان.

الفقر يدفع أشخاصاً في صنعاء للتسول لسد الرمق (الشرق الأوسط)

وخلال جولة ميدانية في عدد من شوارع صنعاء، رصدت «الشرق الأوسط» انتشار النساء والأطفال الذين يفترشون الأرصفة في محاولة لاستدرار المساعدة. ويروي كثير منهم قصصاً متشابهة عن فقدان المعيل أو توقف مصادر الدخل، بينما اضطر آخرون إلى ترك أعمالهم أو دراستهم؛ بسبب الظروف الاقتصادية المتدهورة.

ويؤكد سكان أن الظاهرة لم تعد محصورة في أحياء فقيرة بعينها، بل امتدت إلى معظم مديريات صنعاء ومدن أخرى، ما يعكس اتساع رقعة الفقر وتآكل الطبقة الوسطى.

ويحمّل عاملون إغاثيون الجماعة الحوثية مسؤولية تفاقم الأزمة، متهمين إياها بالانشغال بفرض الجبايات والإتاوات بدلاً من تبني سياسات اقتصادية واجتماعية تحد من الانهيار المعيشي.

وتقول أم أحمد، وهي أم لعد من الأطفال، تجلس قرب أحد المساجد، إن زوجها فقد عمله منذ عامين، ولم تعد الأسرة قادرةً على دفع إيجار المنزل أو تأمين الغذاء والدواء. وتضيف بحزن: «لم أتخيل يوماً أن أطلب المساعدة من الناس، لكن أطفالي بحاجة للطعام، ورمضان هذا العام هو الأصعب علينا».

طابور نساء أمام أحد المطاعم بصنعاء أملاً في الحصول على الطعام (الشرق الأوسط)

وفي شارع الزبيري، يقف الطفل سالم (12 عاماً) حاملاً علبة صغيرة لجمع التبرعات، بعدما اضطر لترك المدرسة إثر مرض والده. ويقول إنه كان يحلم بإكمال تعليمه، لكنه بات يخرج يومياً قبل الإفطار لمحاولة جمع ما يساعد أسرته على البقاء.

أما عبد الله، وهو موظف حكومي، فيؤكد أنه لم يتقاضَ راتبه منذ سنوات، ما دفعه للاعتماد على المساعدات. ويقول: «خدمت الدولة عقوداً طويلة، واليوم أجد نفسي مضطراً لطلب العون. لم نصل إلى هذه الحال إلا بسبب غياب الحلول».

طوابير طويلة

بالتوازي مع اتساع ظاهرة التسول، تشهد صنعاء ومحافظتا إب وذمار مشاهد إنسانية قاسية، تتمثل في طوابير طويلة لنساء وفتيات ينتظرن لساعات للحصول على وجبات مجانية تقدمها مبادرات خيرية محدودة الإمكانات. وتحمل النساء أكياساً فارغة على أمل العودة بما يسد جوع أطفالهن.

ويؤكد عاملون في المجال الإغاثي أن أعداد الأسر الباحثة عن وجبات الإفطار المجانية تزداد يومياً بشكل غير مسبوق، ما يعكس حجم التدهور المعيشي. ففي أحد أحياء مديرية معين بصنعاء، يصطف العشرات يومياً للحصول على وجبة بسيطة مكونة من الخبز وعلبة زبادي.

محتاجات يتجمعن للحصول على وجبة مجانية من مطبخ خيري في ذمار (فيسبوك)

وتقول أم عبد الله، وهي نازحة وأم لـ5 أطفال، إن هذه الوجبة قد تكون الطعام الوحيد المتاح لعائلتها خلال اليوم. وتوضح أنها تخرج بعد صلاة الفجر لتضمن موقعاً في الطابور، مضيفة: «أحياناً ننتظر 3 ساعات، لكنها تبقى فرصة كي لا ينام أطفالي جائعين».

وفي محافظة إب، أثارت مشاهد تجمع مئات النساء أمام مطبخ خيري غضباً واسعاً على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث عدّ ناشطون تلك الصور دليلاً على وصول الأزمة الإنسانية إلى مستويات غير مسبوقة.

وتقول ابتسام، وهي أم لـ3 أطفال، إنها تقطع مسافة طويلة سيراً على الأقدام يومياً، لكنها كثيراً ما تعود خالية اليدين بعد انتهاء التوزيع.

أما في ذمار، فتتكرر المشاهد ذاتها، حيث تنتظر نساء لساعات طويلة تحت الشمس للحصول على وجبة ساخنة. وتقول سمية، التي يعاني زوجها المرض ولا تملك مصدر دخل: «أشعر بالألم وأنا أقف في الطابور، لكن حاجتي من أجل أطفالي أكبر من أي شعور».

أزمة عميقة

تشير بيانات أممية إلى تصاعد مقلق في مؤشرات الفقر في اليمن خلال السنوات الأخيرة، إذ ارتفع عدد المحتاجين للمساعدات الإنسانية من نحو 21.6 مليون شخص عام 2023 إلى أكثر من 22 مليوناً في 2026، مع استمرار الحرب وتدهور الاقتصاد.

كما ارتفعت نسبة الأسر اليمنية التي اضطرت إلى التسول لتأمين احتياجاتها الغذائية من نحو 5 إلى 6 في المائة قبل 3 سنوات إلى نحو 10 في المائة حالياً، مع تقديرات بوصولها إلى 12 في المائة في بعض المناطق.

ويعني ذلك أن أسرة واحدة من كل 10 أسر يمنية أصبحت تعتمد على التسول مصدر دخل مباشر، وهو تحوُّل خطير يعكس انتقال الظاهرة من حالات فردية إلى نمط معيشة اضطراري.

يمني يحمل أسطوانة غاز فارغة في أحد المساجد طالباً مساعدته لتعبئتها (فيسبوك)

ويرى مختصون اجتماعيون أن هذه المؤشرات تعكس فساد الجماعة الحوثية التي فاقمت الفقر والبطالة وانهيار الخدمات، محذرين من أن استمرار الوضع الحالي قد يقود إلى تفكك اجتماعي أوسع وارتفاع معدلات الجريمة والهجرة الداخلية.

وتتزامن هذه التطورات مع تحذيرات أممية من تدهور أوضاع النساء والفتيات بشكل خاص، في ظل نقص التمويل الإنساني واستمرار الصراع لأكثر من 11 عاماً. وأفاد صندوق الأمم المتحدة للسكان بأن ملايين النساء يعانين من الجوع الحاد، بينما تفتقر ملايين أخريات لخدمات الصحة الإنجابية الأساسية.

وتشير التقديرات إلى وفاة 3 نساء يومياً؛ بسبب مضاعفات الحمل والولادة، في حين تحتاج أكثر من 6 ملايين امرأة وفتاة إلى خدمات الحماية من العنف. ويرى مختصون أن الضغوط الاقتصادية دفعت النساء إلى تحمل العبء الأكبر في تأمين الغذاء لأسرهن، ما جعلهن الأكثر تأثراً بالأزمة.