سياسة فرنسا الخارجية: تأرجح بين الاستمرارية والتغيير

سياسة فرنسا الخارجية: تأرجح بين الاستمرارية والتغيير
TT

سياسة فرنسا الخارجية: تأرجح بين الاستمرارية والتغيير

سياسة فرنسا الخارجية: تأرجح بين الاستمرارية والتغيير

الحدث جاء فارقا في الحملة الانتخابية الرئاسية في فرنسا قياسا لما عرفناه سابقا: إيمانويل ماكرون الذي أصبح لاحقا رئيسا للجمهورية كان أول رئيس انتخب على أساس برنامج سياسي يثمن العولمة ويدعو بوضوح إلى مزيد من الاندماج الأوروبي.
وهذا التحدي يبرز بقوة على ضوء المنافسة التي كانت تواجهه ممثلة بـمارين لو بن «مرشحة اليمين المتطرف» المتمسكة بخط سياسي مناقض تماما وعلى ضوء الأوضاع العالمية التي كانت تدفع باتجاه خيارات انتخابية تستوحي تغليب القومية إن لم يكن الانتماءوية. والمثال الأكبر على ذلك كان دونالد ترمب، في الولايات المتحدة الأميركية.
من هذه التوجهات الماكرونية، كانت تستشف نزعة الانقطاع عن السياسات والتوجهات السابقة. وأكثر من ذلك، فإن ماكرون ندد بالاستعمار ونعته بأنه «جريمة ضد الإنسانية»، كما انتقد من سبقه إلى رئاسة الجمهورية متهما إياهم بـ«الجمود» والنزوع نحو توجهات المحافظين الجدد فضلا عن الإفراط في اتباع سياسة التدخل «في الدول الأخرى». وبالمقابل، فإنهم، وفق ماكرون، اتسموا بـ«البرودة» فيما يتعلق بالاتحاد الأوروبي. وبذلك كان ماكرون ينأى بنفسه ليس فقط عن النزعة القومية - الشعبوية المهيمنة وقتها بل أيضا عن النزوع باتجاه تيار المحافظين الجدد الذي برز في فرنسا منذ بداية القرن الـ21، وبالنسبة للرئيس الجديد، وحده الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما كان موضع إعجاب لديه.
المقارنة بين إعلانات النوايا والوعود المسبقة وبين النتائج التي تحققت على أرض الواقع تبين وجود تمايزات ملحوظة. صحيح أن ماكرون، في خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في 19 سبتمبر (أيلول) الماضي بدا وكأنه يعيد التأكيد على تبنيه سياسة تدافع عن العولمة من جهة ولكن أيضا عن التعددية الممثلة بالأمم المتحدة ودورها من جهة أخرى. وهذا الدفاع عن التعددية المعمقة والمتجددة يبرز كخيار صلب ولكن كذلك كمؤشر على توجهات دبلوماسية دولة راغبة في استخدام موقعها كعضو دائم في مجلس الأمن الدولي كعامل يضاعف من قوتها. لكن الواقع شيء آخر، إذ إن القوى العظمى وعلى رأسها الولايات المتحدة الأميركية تبتعد أكثر فأكثر عن المنظمات الدولية التي تمثل التعددية. أما على المستوى الأوروبي، فإن الصعوبات والعوائق موجودة أكثر من أي وقت مضى. ذلك أن «إعادة تأسيس» الاتحاد الأوروبي التي يريدها ماكرون والتي جدد التأكيد عليها في خطاباته اللاحقة «أثينا في 7 سبتمبر وجامعة السوربون في 26 من الشهر نفسه» من الصعوبة بمكان أن يتنكب لها وحده فيما الشركاء الرئيسيون مصابون بالشلل. فألمانيا تعاني من صعوبات تشكيل حكومة جديدة وإيطاليا غارقة في التحضر للانتخابات القادمة وإسبانيا تتخبط في تمزقاتها الداخلية. يضاف إلى ذلك كله الصعوبات المترتبة على انسحاب بريطانيا «البريكسيت». لكن حتى اليوم ما زال الخط الذي يدافع عنه ماكرون بالغ القوة، إذ يدعو إلى «سيادة أوروبية» تقوم على تمكين «الاتحاد» من الدفاع عن نفسه بنفسه وجعله أكثر فاعلية وبروزا. لكن ما يريده ماكرون ما زال نظريا. وحدها عودة «التحالف الكبير» للحكم في ألمانيا «اليمين والاشتراكي الديمقراطي» توفر الاستقرار وتسمح بإعادة إطلاق الدينامية الأوروبية، شرط ألا تفضل ألمانيا أن تلعب، ضمنا، ورقتها الخاصة والفردية التي تؤمّن لها أفضل من أي ورقة أخرى مصالحها.
هذه المبادئ المعلنة لماكرون التي تشدد على الانقطاع لا تلغي حقيقة طابع الاستمرارية في قيادة السياسة الخارجية لفرنسا. ذلك أن هذه السياسة تبدو أكثر قابلية لتحمل عدد من بعض مظاهر التعديل على الهوامش منه على تقبل التحولات العميقة. والأدلة على ذلك كثيرة: مهما تكن التحوطات النظرية لـماكرون، فإن سياسة التدخل العسكري ما زالت على حالها خصوصا في أفريقيا. الخط الذي يسير عليه كامل الوضوح حيث إن فرنسا تلعب دور التنسيق النشط لا بل المهيمن في الحرب على التنظيمات الجهادية في بلدان الساحل الأفريقي فيما تسعى للحصول على الدعم المالي من شركاء آخرين، من جهة، وعلى دور أكبر للدول الأفريقية المعنية من جهة أخرى. بيد أن هذا الخط يطرح ثلاث إشكاليات بشأن المستقبل يمكن صياغتها بثلاثة أسئلة: أولها، هل من الممكن الحصول على نتائج حاسمة من خلال اتباع هذا النهج في محاربة التنظيمات الجهادية؟ والثاني: أليس اتباع هذا الخط والبقاء عليه يشكلان عودة للسياسة الاستعمارية التي يندد بها ماكرون؟ والأخير، ألا تركب باريس عددا من المخاطر من خلال فتح الباب للحصول على تمويلات «خارجية» تساوي نصف المبالغ المالية التي ستصرف «على القوة الأفريقية المشتركة لبلدان الساحل»؟
في الشرق الأوسط ونزاعاته، يبدو التموضع «السياسي» الفرنسي أكثر تعقيدا، لا بل إن المعطيات تبدو، من وجهة نظر معينة، معكوسة: فرنسا حاضرة في أفريقيا ومهمشة في الشرق الأوسط أكثر من أي وقت مضى. فالخيارات الفرنسية التي كانت تجعلها أكثر قربا من الفلسطينيين حتى زيارة أرييل شارون لباريس في عام 1995 لم تتوقف عن التراجع. نيكولا ساركوزي ثم فرنسوا هولاند قطعا خطوات كبيرة للتقارب مع إسرائيل لكن هذا التقارب المترافق مع تعديل السياسة الفرنسية لم تكن له أي انعكاسات على الطرف الإسرائيلي. ولم يحد ماكرون عن هذا المنحى: منذ الأسابيع الأولى لوصوله إلى الرئاسة، دعا رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى باريس للمشاركة في الاحتفال التذكاري لترحيل مجموعة من اليهود باتجاه ألمانيا من المكان المسمى «فال ديف» في باريس. وبهذه المناسبة توجه لنتنياهو مسميا إياه «عزيزي بيبي» «الاسم المصغر لنتنياهو» وذهب إلى حد اعتبار الصهيونية نوعا من معاداة السامية. ولا شك أن تداعيات ذلك قد تراجعت بفضل الانتقادات التي وجهها ماكرون لقرار الرئيس الأميركي الاعتراف بالقدس عاصمة لدولة إسرائيل. ورغم ذلك عاد الرئيس الفرنسي لاستقبال نتنياهو بعد يومين فقط في قصر الإليزيه...
بموازاة الطريق المسدودة التي وصلت إليها الدبلوماسية الفرنسية في الملف الفلسطيني، ثمة طريق مسدودة أخرى هي الملف السوري. ذلك أن الرئيسين اللذين سبقا ماكرون إلى قصر الإليزيه راهنا على رحيل سريع للرئيس السوري الأمر الذي قاد إلى تهميش باريس سريعا في هذا النزاع. لذا، فإن العهد الجديد جعل من العودة إلى قلب الملف السوري عنصرا أساسيا لسياسة فرنسا الحالية.
يبقى النظر في سياسات فرنسا إزاء القوى الكبرى. فمن جانب هناك الولايات المتحدة الأميركية، حيث سعى ماكرون إلى اجتذاب رئيسها دونالد ترمب من خلال استقباله مع كافة المظاهر الاحتفالية في 14 يوليو (تموز) الماضي والتشديد على الصداقة التاريخية بين الطرفين. والحال أن رهان ماكرون لا يخلو من الخطورة لأنه جاء كخطوة أحادية وأبقى الحلفاء الأوروبيين خارج اللعبة خصوصا أن ترمب لا يبدو مستعدا لتقديم تنازلات كما برز ذلك في قراره الانسحاب من اتفاقية باريس حول المناخ الموقعة في ديسمبر (كانون الأول) عام 2015، كذلك، فإن هذا الرهان جاء غامضا لأنه لم يترافق مع أي تعديل في سياسة فرنسا الأطلسية ولا حول العلاقات الفرنسية - الروسية ناهيك عن علاقاتها مع مجموعة «دول البريكس» خصوصا الصين التي لم تظهر على شاشة الدبلوماسية الفرنسية في الأشهر الستة الأخيرة. واضح بالنسبة لنا أن انعدام اليقين بشأن تعاطي الولايات المتحدة بشؤون العالم يوفر الكثير من الفرص للاتحاد الأوروبي. والقادم من الأيام وحده سيظهر لنا ما إذا كانت أوروبا قد نجحت في استغلالها وأن ماكرون كان المحرك الأول لها.



قتيلان إثر اقتحام مركبة لمباراة كرة قدم في ولاية كانساس الأميركية

لقي شخصان أحدهما طفل يبلغ من العمر ست سنوات مصرعهما وأصيب عشرة آخرون (أ.ب)
لقي شخصان أحدهما طفل يبلغ من العمر ست سنوات مصرعهما وأصيب عشرة آخرون (أ.ب)
TT

قتيلان إثر اقتحام مركبة لمباراة كرة قدم في ولاية كانساس الأميركية

لقي شخصان أحدهما طفل يبلغ من العمر ست سنوات مصرعهما وأصيب عشرة آخرون (أ.ب)
لقي شخصان أحدهما طفل يبلغ من العمر ست سنوات مصرعهما وأصيب عشرة آخرون (أ.ب)

لقي شخصان، أحدهما طفل يبلغ من العمر ست سنوات، مصرعهما، وأصيب عشرة آخرون بعدما اقتحمت شاحنة ملعباً لكرة القدم خلال مباراة للناشئين في مدينة ويتشيتا بولاية كانساس الأميركية، السبت، في حادث أثار حالة من الصدمة بين العائلات التي كانت تتابع أبناءها خلال المنافسات.

وحسب وكالة «رويترز»، أعلنت الشرطة الأميركية أن الضحيتين طفل يبلغ السادسة من عمره ورجل يبلغ 35 عاماً، وقد فارقا الحياة في موقع الحادث، فيما نُقل عشرة مصابين إلى المستشفيات بإصابات متفاوتة، تراوحت بين الطفيفة والخطيرة، دون وجود مؤشرات على أن أياً منها يهدد الحياة.

اقتحمت شاحنة ملعباً لكرة القدم خلال مباراة للناشئين في مدينة ويتشيتا (رويترز)

وأوضح آرون موسيس، النقيب في شرطة ويتشيتا، خلال مؤتمر صحافي، أن امرأة تبلغ من العمر 34 عاماً كانت تقود الشاحنة التي انتهى بها المطاف داخل أحد الملاعب الواقعة في الجهة الغربية من مجمع «سترايكر» الرياضي، مشيراً إلى أنها تتعاون مع المحققين، وتوجد حالياً رهن الاحتجاز.

وأكدت الشرطة أن المصابين يشملون طفلين يبلغان الخامسة من العمر، وطفلين في الثامنة، وطفلاً في التاسعة، إلى جانب خمسة بالغين، فيما نُقل شخص بالغ آخر إلى المستشفى لأسباب طبية لا تتعلق بإصابات مباشرة ناجمة عن الحادث.

كشفت التحقيقات الأولية أن سائقة الشاحنة لديها طفل كان يشارك في مباريات لكرة القدم داخل المجمع الرياضي (رويترز)

وكشفت التحقيقات الأولية أن سائقة الشاحنة لديها طفل كان يشارك في مباريات لكرة القدم داخل المجمع الرياضي، غير أنه لم يكن يلعب في الملعب الذي شهد الحادث، كما كان على متن الشاحنة قاصران لحظة وقوعه.

وقال جو سوليفان، قائد شرطة ويتشيتا، إن المحققين تمكنوا من تحديد ما حدث، إلا أن العمل لا يزال مستمراً لمعرفة الأسباب التي أدت إلى اقتحام الشاحنة الملعب، مؤكداً أن دوافع الحادث وملابساته لم تتضح بعد.

وبدأت أجهزة الطوارئ تلقي البلاغات عند الساعة الثالثة و25 دقيقة بعد ظهر السبت بالتوقيت المحلي، حيث هرعت فرق الإسعاف والشرطة إلى المجمع الرياضي للتعامل مع الضحايا والمصابين.

من جانبها، وصفت ليلي وو، رئيسة بلدية ويتشيتا، الحادث بأنه يوم مفجع للمدينة، موضحة أن العائلات حضرت إلى المجمع الرياضي لقضاء فترة ما بعد الظهر في متابعة أطفالها وهم يلعبون كرة القدم، قبل أن تتحول الأجواء إلى مأساة لم يكن أحد يتوقع حدوثها.


كندا: قتلى إثر «حادثة خطيرة» تسببت في حريق بقاعدة عسكرية

مدخل قاعدة القوات الكندية في وينرايت (سي تي في نيوز)
مدخل قاعدة القوات الكندية في وينرايت (سي تي في نيوز)
TT

كندا: قتلى إثر «حادثة خطيرة» تسببت في حريق بقاعدة عسكرية

مدخل قاعدة القوات الكندية في وينرايت (سي تي في نيوز)
مدخل قاعدة القوات الكندية في وينرايت (سي تي في نيوز)

قال وزير الدفاع الكندي ديفيد ماكغينتي، أمس (السبت)، إن أشخاصاً قُتلوا وأُصيب ​آخرون في واقعة خطيرة أسفرت عن حريق في إحدى أكثر القواعد العسكرية ازدحاماً في كندا بمقاطعة ألبرتا.

وقال ماكغينتي لصحافيين في أوتاوا: «يحزنني أن أشارككم أن هناك قتلى ومصابين نتيجة واقعة» في قاعدة وينرايت التابعة للقوات الكندية.

ولم ‌يذكر عدد ‌القتلى أو المصابين، ​أو ‌سبب ⁠الوضع ​الذي وصفه ⁠بأنه «مأساوي» في القاعدة الكائنة بشرق وسط المقاطعة على بُعد نحو 210 كيلومترات شرق إدمونتون، وفق ما أفادت وكالة «رويترز» للأنباء.

وقال إن حريقاً كبيراً كان لا يزال مشتعلاً مساء السبت، مضيفاً: «لا أتذكر واقعة مثل هذه في الذاكرة ⁠القريبة».

وأضاف ماكغينتي أن الجيش ‌الكندي والشرطة الملكية ‌الكندية يحقِّقان في الواقعة.

وكان رئيس الوزراء الكندي مارك كارني كتب السبت على منصة «إكس»: «إن حادثاً خطيرا تسبّب في حريق كبير» وقع في القاعدة. وكتب كارني أن الحكومة الاتحادية «تعمل من كثب مع حكومة ألبرتا والسلطات المحلية».

وكان في قاعدة وينرايت 1310 من العسكريِّين والموظفين المدنيِّين حتى 2021، ‌وفقاً لبيانات التعداد. وتقع بلدة وينرايت، التي يبلغ عدد سكانها نحو ⁠6600 ⁠نسمة، إلى الشمال مباشرة من القاعدة.

وأفادت بلدية واينرايت في منشور على وسائل التواصل الاجتماعي بأن الحريق انتشر بسرعة بسبب الرياح القوية، قبل أن تؤكد في وقت لاحق السبت بأنه «أصبح تحت السيطرة»، فيما لا تزال فرق الإطفاء تراقب المنطقة.

وقالت الجنرال جيني كارينيان، رئيسة هيئة أركان الدفاع الكندية، في منشور على وسائل التواصل الاجتماعي إن القوات ​الكندية منخرطة بالكامل ​مع السلطات الاتحادية والإقليمية والمحلية. وأضافت: «تظل أولويتنا رفاه أفرادنا وأسرهم ومجتمعهم».

وقال طبيب في أحد مستشفيات إدموندتون، الواقعة على بعد نحو 200 كيلومتر شمال غرب القاعدة، لهيئة الإذاعة الكندية (سي بي سي)، إن المرافق الصحية في واينرايت «أنهكت تماماً» بعد استقبالها عددا كبير من الجرحى.

وتابع الطبيب وارن ثيرسك «العدد كبير (...). إنها كارثة لا تحدث في 15 إلى 25 سنة».


متحدثة الـ5 أيام... لماذا عين ترمب كاتي زكريا ثم أقالها سريعاً؟

الرئيس الأمريكي دونالد ترمب وإلى جانبه كاتي زكريا (إ.ب.أ)
الرئيس الأمريكي دونالد ترمب وإلى جانبه كاتي زكريا (إ.ب.أ)
TT

متحدثة الـ5 أيام... لماذا عين ترمب كاتي زكريا ثم أقالها سريعاً؟

الرئيس الأمريكي دونالد ترمب وإلى جانبه كاتي زكريا (إ.ب.أ)
الرئيس الأمريكي دونالد ترمب وإلى جانبه كاتي زكريا (إ.ب.أ)

 

لم تستمر مهمة كاتي زكريا متحدثةً باسم البيت الأبيض سوى خمسة أيام، قبل أن يقرر الرئيس الأميركي دونالد ترمب إقالتها، في نهاية مرتبكة لتعيين مفاجئ أثار استياء عدد من مستشاريه. وجاء القرار بعد مؤتمر صحافي أول متعثر، وتساؤلات بشأن خبرتها، وقدرتها على أداء المهمة، ثم جدل حول مؤهلاتها القانونية، وصولاً إلى مقابلات تلفزيونية زادت الضغوط عليها.

وكشفت شبكة «سي إن إن» أن تعيين زكريا جاء مدفوعاً برغبة ترمب في العثور على مدافع وفيّ عن سياساته، في وقت كان فيه الجمهوريون يواجهون صعوبات سياسية قبل انتخابات التجديد النصفي للكونغرس. لكن استعجال الرئيس في اختيارها، من دون تدقيق كافٍ في مؤهلاتها، ساهم في تحويل التعيين إلى إخفاق سريع.

ترمب أراد صوتاً يدافع عنه قبل الانتخابات

لم يُبدِ ترمب في البداية استعجالاً لملء المنصب الذي تركته كارولاين ليفيت في نهاية الصيف. وكان مستشاروه قد طرحوا أسماء عدة، لكن البحث تعثر، خصوصاً بعدما استُبعد مرشحون بسبب انتقادات سابقة وجهوها إلى الرئيس.

لكن تراجع فرص الجمهوريين في انتخابات التجديد النصفي، وتصاعد الانتقادات الموجهة إلى ترمب، دفعاه إلى تكثيف البحث عن شخص يتولى الدفاع عن رسالته إعلامياً. واشتكى لمستشاريه من عدم وجود أصوات كافية تدافع عنه وسط التغطية السلبية، بحسب «سي إن إن».

في هذا السياق، برز اسم كاتي زكريا، التي اعتادت الظهور على قنوات الأخبار والدفاع بحماسة عن ترمب وسياساته. وسأل الرئيس مستشاريه، ومن بينهم رئيسة موظفي البيت الأبيض سوزي وايلز، عن رأيهم فيها، كما طلب مشورة ليفيت.

وبحسب «سي إن إن»، لم يكن اسم كاتي مطروحاً للمنصب قبل أسبوع واحد من تعيينها. وبعد اتصال هاتفي بينها وبين ترمب، عرض عليها الرئيس الوظيفة بصورة مفاجئة، من دون حضور وايلز المحادثة، ما دفع مساعديه إلى إبلاغ رئيسة الموظفين بالقرار لاحقاً.

ووفق «سي إن إن»، كانت ناتالي هارب، مساعدة ترمب التي ترافقه باستمرار، من أبرز الداعمين لكاتي داخل البيت الأبيض.

كاتي زكريا في أول مؤتمر صحافي لها بالبيت الأبيض في واشنطن العاصمة (إ.ب.أ)

مؤتمر صحافي كشف ضعف استعدادها

وظهرت أولى علامات التعثر خلال المؤتمر الصحافي الأول لكاتي، الذي عُقد صباح الثلاثاء. وبعد رحلة ذهاباً وإياباً بين واشنطن وكاليفورنيا، استيقظت عند الثالثة فجراً للتحضير، لكن موادها لم تكن جاهزة إلا قبل 90 دقيقة من دخول قاعة الإحاطة.

وبدا أداؤها متعثراً حتى أثناء قراءة نص مُعد مسبقاً يشيد بسجل ترمب. وقال مسؤول كبير في الإدارة الأميركية لـ«سي إن إن» إنها لم تستطع السيطرة على القاعة، فيما تساءل مستشارون عن كيفية وصول شخص يفتقر إلى الخبرة والثقة اللازمتين إلى هذا المنصب.

وعندما بدأ الصحافيون طرح الأسئلة لم تعرف ما إذا كانت الولايات المتحدة قد أوقفت تبادل المعلومات الاستخباراتية مع أوكرانيا، رغم أن السؤال كان متوقعاً.

وتساءل أحد مستشاري ترمب بعد مشاهدته المؤتمر: «ما الذي يحدث هناك؟»، بينما لخّص آخرون مخاوفهم بسؤال مباشر: «هل تحقّق أحد من مؤهلاتها؟». وبحسب مسؤولين ومستشارين في البيت الأبيض تحدثوا إلى «سي إن إن»، لم يُجرَ التدقيق اللازم قبل تعيينها.

ورغم أن ترمب لم يعتبر أداءها سيئاً للغاية في البداية، فإنه شعر لاحقاً بالإحراج من التغطية الإعلامية السلبية للمؤتمر.

تجاهلت تفضيلات ترمب وأثارت انزعاج فريقه

ظهرت مؤشرات إضافية على قلة خبرة كاتي خلال زيارة ترمب إلى ألاسكا. فقد أخبرت مسؤولين في البيت الأبيض بأنها رتّبت مقابلة للرئيس مع مراسل من «فوكس نيوز» بعد تجمع انتخابي، رغم أن فريقه يعرف أنه لا يحب إجراء مقابلات بعد فعالياته، خصوصاً عندما يكون قد أمضى وقتاً طويلاً أمام الجمهور.

وأصرت كاتي على أن المقابلة فكرة جيدة، مشيرة إلى أن المراسل صديق لها. لكن ترمب أبدى انزعاجه عندما أبلغته بالخطة بعد انتهاء التجمع، وقال إنه لن يجري المقابلة، قبل أن يوافق عليها في نهاية المطاف.

كما أثار ظهورها في مقابلة مع «فوكس نيوز» بالتزامن مع تجمع انتخابي لترمب استياء بعض مستشاريه القدامى، الذين رأوا أن منافسة الرئيس على الاهتمام الإعلامي خلال فعالياته تصرف غير مناسب من أحد مرؤوسيه.

كاتي زكريا وإلى جانبها مساعدة البيت الأبيض ناتالي هارب ودانييل ألفاريز (أ.ب)

وعندما استطلع ترمب آراء كبار مساعديه بشأن أدائها، لم تجد كاتي كثيرين مستعدين للدفاع عنها، رغم أن بعضهم كان قد أشاد بها أمامها. وقال شخص مطلع على تعليقات الرئيس لـ«سي إن إن» إنه بدأ يتساءل عما إذا كانت «غير مستعدة للظهور على المسرح الكبير».

أزمة المؤهلات القانونية عجّلت بالإقالة

وتحولت مؤهلات كاتي القانونية إلى مشكلة إضافية. فقد كانت قد قدمت نفسها بوصفها محامية، من دون وجود دليل علني على اجتيازها امتحان مزاولة المهنة. ثم أفادت صحيفة «وول ستريت جورنال» بأنها رسبت في الامتحان، وهو ما أكدته كاتي لاحقاً، مدعية أنها أُبلغت بإمكان وصف نفسها بأنها «محامية» حتى إن لم يكن من حقها استخدام وصف «محامية ممارسة للمهنة».

لكن منشورات سابقة لها على وسائل التواصل الاجتماعي كانت قد كررت وصفها بأنها محامية، ما زاد التساؤلات بشأن دقة ما أعلنته، ومصداقيته. وبدلاً من احتواء الأزمة، ساهم دفاعها العلني عن نفسها في إبقاء القضية في دائرة الاهتمام، وسط انطباع بأنها لا تملك الخبرة اللازمة للتعامل مع التدقيق الإعلامي.

وبعد سلسلة من المقابلات الحادة على «فوكس نيوز»، بلغت الضغوط ذروتها خلال مقابلة مساء الخميس مع شون هانيتي، صديق ترمب، الذي استجوبها بشأن مؤهلاتها القانونية. وخلص الرئيس إلى أن استمرارها في المنصب لم يعد ممكناً.

ترمب أنهى المهمة بعد أيام

لم يبلغ ترمب كاتي بقراره إلا يوم الجمعة. وحتى خلال ظهور تلفزيوني آخر في ذلك اليوم، قالت إنها تعتقد أنها لا تزال تحظى بثقته، قبل أن تؤكد للصحافيين لدى عودتها إلى البيت الأبيض أنها تتطلع إلى العمل معهم.

وبعد ساعات أبلغها ترمب بأنه يرى أن عليها إعادة التفكير في الاستمرار بالمنصب. وقال لاحقاً: «سألتها: هل هذا المنصب مناسب لك يا كاتي؟ لأنك، بصراحة، لست بحاجة إلى ذلك».

ورغم الإقالة، قال مصدر مقرب من ترمب وفق «سي إن إن» إنه لا يزال يحترم كاتي، ويحبها على المستوى الشخصي. كما تناولت هي وعائلتها العشاء مع نائب الرئيس جي دي فانس مساء الجمعة، في إشارة إلى أنها لا تزال تحظى بتقدير بعض المسؤولين في الإدارة.

لكن ترمب عاد إلى نقطة البداية، من دون متحدث رسمي رئيس في مرحلة حساسة تسبق الانتخابات. وقال إن كثيرين يرغبون في تولي الوظيفة، من دون أن يكشف عن اسم مرشح محدد.

وتشير تفاصيل الواقعة إلى أن الإقالة لم تكن نتيجة زلة واحدة، بل حصيلة تعيين متسرّع، وضعف في الاستعداد للمؤتمر الصحافي، وسوء تقدير لتفضيلات الرئيس، ثم أزمة مؤهلات قانونية، ومقابلات تلفزيونية زادت الشكوك في قدرتها على أداء أحد أكثر المناصب الإعلامية حساسية في البيت الأبيض.