سياسة فرنسا الخارجية: تأرجح بين الاستمرارية والتغيير

سياسة فرنسا الخارجية: تأرجح بين الاستمرارية والتغيير
TT

سياسة فرنسا الخارجية: تأرجح بين الاستمرارية والتغيير

سياسة فرنسا الخارجية: تأرجح بين الاستمرارية والتغيير

الحدث جاء فارقا في الحملة الانتخابية الرئاسية في فرنسا قياسا لما عرفناه سابقا: إيمانويل ماكرون الذي أصبح لاحقا رئيسا للجمهورية كان أول رئيس انتخب على أساس برنامج سياسي يثمن العولمة ويدعو بوضوح إلى مزيد من الاندماج الأوروبي.
وهذا التحدي يبرز بقوة على ضوء المنافسة التي كانت تواجهه ممثلة بـمارين لو بن «مرشحة اليمين المتطرف» المتمسكة بخط سياسي مناقض تماما وعلى ضوء الأوضاع العالمية التي كانت تدفع باتجاه خيارات انتخابية تستوحي تغليب القومية إن لم يكن الانتماءوية. والمثال الأكبر على ذلك كان دونالد ترمب، في الولايات المتحدة الأميركية.
من هذه التوجهات الماكرونية، كانت تستشف نزعة الانقطاع عن السياسات والتوجهات السابقة. وأكثر من ذلك، فإن ماكرون ندد بالاستعمار ونعته بأنه «جريمة ضد الإنسانية»، كما انتقد من سبقه إلى رئاسة الجمهورية متهما إياهم بـ«الجمود» والنزوع نحو توجهات المحافظين الجدد فضلا عن الإفراط في اتباع سياسة التدخل «في الدول الأخرى». وبالمقابل، فإنهم، وفق ماكرون، اتسموا بـ«البرودة» فيما يتعلق بالاتحاد الأوروبي. وبذلك كان ماكرون ينأى بنفسه ليس فقط عن النزعة القومية - الشعبوية المهيمنة وقتها بل أيضا عن النزوع باتجاه تيار المحافظين الجدد الذي برز في فرنسا منذ بداية القرن الـ21، وبالنسبة للرئيس الجديد، وحده الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما كان موضع إعجاب لديه.
المقارنة بين إعلانات النوايا والوعود المسبقة وبين النتائج التي تحققت على أرض الواقع تبين وجود تمايزات ملحوظة. صحيح أن ماكرون، في خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في 19 سبتمبر (أيلول) الماضي بدا وكأنه يعيد التأكيد على تبنيه سياسة تدافع عن العولمة من جهة ولكن أيضا عن التعددية الممثلة بالأمم المتحدة ودورها من جهة أخرى. وهذا الدفاع عن التعددية المعمقة والمتجددة يبرز كخيار صلب ولكن كذلك كمؤشر على توجهات دبلوماسية دولة راغبة في استخدام موقعها كعضو دائم في مجلس الأمن الدولي كعامل يضاعف من قوتها. لكن الواقع شيء آخر، إذ إن القوى العظمى وعلى رأسها الولايات المتحدة الأميركية تبتعد أكثر فأكثر عن المنظمات الدولية التي تمثل التعددية. أما على المستوى الأوروبي، فإن الصعوبات والعوائق موجودة أكثر من أي وقت مضى. ذلك أن «إعادة تأسيس» الاتحاد الأوروبي التي يريدها ماكرون والتي جدد التأكيد عليها في خطاباته اللاحقة «أثينا في 7 سبتمبر وجامعة السوربون في 26 من الشهر نفسه» من الصعوبة بمكان أن يتنكب لها وحده فيما الشركاء الرئيسيون مصابون بالشلل. فألمانيا تعاني من صعوبات تشكيل حكومة جديدة وإيطاليا غارقة في التحضر للانتخابات القادمة وإسبانيا تتخبط في تمزقاتها الداخلية. يضاف إلى ذلك كله الصعوبات المترتبة على انسحاب بريطانيا «البريكسيت». لكن حتى اليوم ما زال الخط الذي يدافع عنه ماكرون بالغ القوة، إذ يدعو إلى «سيادة أوروبية» تقوم على تمكين «الاتحاد» من الدفاع عن نفسه بنفسه وجعله أكثر فاعلية وبروزا. لكن ما يريده ماكرون ما زال نظريا. وحدها عودة «التحالف الكبير» للحكم في ألمانيا «اليمين والاشتراكي الديمقراطي» توفر الاستقرار وتسمح بإعادة إطلاق الدينامية الأوروبية، شرط ألا تفضل ألمانيا أن تلعب، ضمنا، ورقتها الخاصة والفردية التي تؤمّن لها أفضل من أي ورقة أخرى مصالحها.
هذه المبادئ المعلنة لماكرون التي تشدد على الانقطاع لا تلغي حقيقة طابع الاستمرارية في قيادة السياسة الخارجية لفرنسا. ذلك أن هذه السياسة تبدو أكثر قابلية لتحمل عدد من بعض مظاهر التعديل على الهوامش منه على تقبل التحولات العميقة. والأدلة على ذلك كثيرة: مهما تكن التحوطات النظرية لـماكرون، فإن سياسة التدخل العسكري ما زالت على حالها خصوصا في أفريقيا. الخط الذي يسير عليه كامل الوضوح حيث إن فرنسا تلعب دور التنسيق النشط لا بل المهيمن في الحرب على التنظيمات الجهادية في بلدان الساحل الأفريقي فيما تسعى للحصول على الدعم المالي من شركاء آخرين، من جهة، وعلى دور أكبر للدول الأفريقية المعنية من جهة أخرى. بيد أن هذا الخط يطرح ثلاث إشكاليات بشأن المستقبل يمكن صياغتها بثلاثة أسئلة: أولها، هل من الممكن الحصول على نتائج حاسمة من خلال اتباع هذا النهج في محاربة التنظيمات الجهادية؟ والثاني: أليس اتباع هذا الخط والبقاء عليه يشكلان عودة للسياسة الاستعمارية التي يندد بها ماكرون؟ والأخير، ألا تركب باريس عددا من المخاطر من خلال فتح الباب للحصول على تمويلات «خارجية» تساوي نصف المبالغ المالية التي ستصرف «على القوة الأفريقية المشتركة لبلدان الساحل»؟
في الشرق الأوسط ونزاعاته، يبدو التموضع «السياسي» الفرنسي أكثر تعقيدا، لا بل إن المعطيات تبدو، من وجهة نظر معينة، معكوسة: فرنسا حاضرة في أفريقيا ومهمشة في الشرق الأوسط أكثر من أي وقت مضى. فالخيارات الفرنسية التي كانت تجعلها أكثر قربا من الفلسطينيين حتى زيارة أرييل شارون لباريس في عام 1995 لم تتوقف عن التراجع. نيكولا ساركوزي ثم فرنسوا هولاند قطعا خطوات كبيرة للتقارب مع إسرائيل لكن هذا التقارب المترافق مع تعديل السياسة الفرنسية لم تكن له أي انعكاسات على الطرف الإسرائيلي. ولم يحد ماكرون عن هذا المنحى: منذ الأسابيع الأولى لوصوله إلى الرئاسة، دعا رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى باريس للمشاركة في الاحتفال التذكاري لترحيل مجموعة من اليهود باتجاه ألمانيا من المكان المسمى «فال ديف» في باريس. وبهذه المناسبة توجه لنتنياهو مسميا إياه «عزيزي بيبي» «الاسم المصغر لنتنياهو» وذهب إلى حد اعتبار الصهيونية نوعا من معاداة السامية. ولا شك أن تداعيات ذلك قد تراجعت بفضل الانتقادات التي وجهها ماكرون لقرار الرئيس الأميركي الاعتراف بالقدس عاصمة لدولة إسرائيل. ورغم ذلك عاد الرئيس الفرنسي لاستقبال نتنياهو بعد يومين فقط في قصر الإليزيه...
بموازاة الطريق المسدودة التي وصلت إليها الدبلوماسية الفرنسية في الملف الفلسطيني، ثمة طريق مسدودة أخرى هي الملف السوري. ذلك أن الرئيسين اللذين سبقا ماكرون إلى قصر الإليزيه راهنا على رحيل سريع للرئيس السوري الأمر الذي قاد إلى تهميش باريس سريعا في هذا النزاع. لذا، فإن العهد الجديد جعل من العودة إلى قلب الملف السوري عنصرا أساسيا لسياسة فرنسا الحالية.
يبقى النظر في سياسات فرنسا إزاء القوى الكبرى. فمن جانب هناك الولايات المتحدة الأميركية، حيث سعى ماكرون إلى اجتذاب رئيسها دونالد ترمب من خلال استقباله مع كافة المظاهر الاحتفالية في 14 يوليو (تموز) الماضي والتشديد على الصداقة التاريخية بين الطرفين. والحال أن رهان ماكرون لا يخلو من الخطورة لأنه جاء كخطوة أحادية وأبقى الحلفاء الأوروبيين خارج اللعبة خصوصا أن ترمب لا يبدو مستعدا لتقديم تنازلات كما برز ذلك في قراره الانسحاب من اتفاقية باريس حول المناخ الموقعة في ديسمبر (كانون الأول) عام 2015، كذلك، فإن هذا الرهان جاء غامضا لأنه لم يترافق مع أي تعديل في سياسة فرنسا الأطلسية ولا حول العلاقات الفرنسية - الروسية ناهيك عن علاقاتها مع مجموعة «دول البريكس» خصوصا الصين التي لم تظهر على شاشة الدبلوماسية الفرنسية في الأشهر الستة الأخيرة. واضح بالنسبة لنا أن انعدام اليقين بشأن تعاطي الولايات المتحدة بشؤون العالم يوفر الكثير من الفرص للاتحاد الأوروبي. والقادم من الأيام وحده سيظهر لنا ما إذا كانت أوروبا قد نجحت في استغلالها وأن ماكرون كان المحرك الأول لها.



«البنتاغون» تبحث معاقبة أعضاء في حلف الأطلسي بسبب حرب إيران

سكرتير حلف شمال الأطلسي (أ.ف.ب)
سكرتير حلف شمال الأطلسي (أ.ف.ب)
TT

«البنتاغون» تبحث معاقبة أعضاء في حلف الأطلسي بسبب حرب إيران

سكرتير حلف شمال الأطلسي (أ.ف.ب)
سكرتير حلف شمال الأطلسي (أ.ف.ب)

‌قال مسؤول أميركي إن رسالة بريد إلكتروني داخلية لوزارة الحرب الأميركية (البنتاغون) احتوت على خيارات أمام الولايات المتحدة لمعاقبة أعضاء في حلف شمال الأطلسي تعتقد ​أنهم لم يدعموا العمليات الأميركية في الحرب مع إيران، بما في ذلك تعليق عضوية إسبانيا في الحلف، ومراجعة موقف الولايات المتحدة بشأن مطالبة بريطانيا بجزر فوكلاند.

وذكر المسؤول، الذي اشترط عدم الكشف عن هويته للتحدث عن محتوى الرسالة، أن الخيارات السياسية مفصلة في مذكرة تصف خيبة الأمل إزاء ما يُنظر إليه على أنه تردد أو رفض من جانب بعض أعضاء الحلف لمنح الولايات المتحدة حقوق الوصول والتمركز ‌العسكري والعبور ‌الجوي في إطار حرب إيران، وفقاً لما نقلته وكالة «رويتر» للأنباء».

وأشار إلى أن ​الرسالة ‌وصفت ⁠حقوق الوصول ​والتمركز العسكري والعبور ⁠الجوي بأنها «مجرد الحد الأدنى المطلق بالنسبة لحلف شمال الأطلسي»، وأضاف أن الخيارات كانت متداولة على مستويات عالية في البنتاغون.

وذكر المسؤول أن أحد الخيارات الواردة في الرسالة يتضمن تعليق عضوية الدول «صعبة المراس» من مناصب مهمة أو مرموقة في حلف الأطلسي.

وانتقد الرئيس الأميركي دونالد ترمب بشدة أعضاء حلف شمال الأطلسي لعدم إرسال أساطيل بحرية للمساعدة في فتح مضيق هرمز، الذي أُغلق ⁠أمام الملاحة البحرية العالمية عقب اندلاع الحرب ‌الجوية في 28 فبراير (شباط).

كما أشار ترمب ‌إلى أنه يفكر في الانسحاب من ​الحلف. وتساءل ترمب خلال مقابلة مع ‌«رويترز» في أول أبريل (نيسان) قائلاً: «ألم تكونوا لتفعلوا ذلك لو ‌كنتم مكاني؟»، رداً على سؤال حول ما إذا كان انسحاب الولايات المتحدة من حلف شمال الأطلسي مطروحاً.

وقال المسؤول إنه مع ذلك فإن رسالة البريد الإلكتروني لا تشير إلى أن الولايات المتحدة ستفعل ذلك. كما أنها لا ‌تحتوي على اقتراح لإغلاق القواعد الأميركية في أوروبا. ولكن المسؤول رفض الإفصاح عما إذا كانت الخيارات تتضمن ⁠سحب الولايات المتحدة لبعض ⁠قواتها من أوروبا، وهو ما يتوقعه الكثيرون.

ورداً على طلب للتعليق بشأن رسالة البريد الإلكتروني، قالت المتحدثة باسم البنتاغون كينجسلي ويلسون: «مثلما قال الرئيس ترمب، على الرغم من كل ما فعلته الولايات المتحدة لحلفائنا في حلف الأطلسي، فإنهم لم يقفوا إلى جانبنا».

وأضافت ويلسون: «ستضمن وزارة الدفاع أن تكون لدى الرئيس خيارات موثوقة لضمان ألا يكون حلفاؤنا مجرد نمر من ورق (قوة ظاهرية بلا تأثير حقيقي)، بل أن يقوموا بدورهم. ليس لدينا أي تعليق آخر على أي مداولات داخلية بهذا الشأن».

ويقول محللون ودبلوماسيون إن الحرب الأميركية الإسرائيلية مع إيران أثارت تساؤلات جدية ​حول مستقبل حلف الأطلسي ​الذي تأسس منذ 76 عاماً، وأثارت قلقاً غير مسبوق من أن الولايات المتحدة قد لا تمد يد العون لحلفائها الأوروبيين إذا تعرضوا لهجوم.


بعد دعوته لدعم أوكرانيا... ترمب: الأمير هاري «لا يتحدث باسم بريطانيا»

الأمير البريطاني هاري (إ.ب.أ)
الأمير البريطاني هاري (إ.ب.أ)
TT

بعد دعوته لدعم أوكرانيا... ترمب: الأمير هاري «لا يتحدث باسم بريطانيا»

الأمير البريطاني هاري (إ.ب.أ)
الأمير البريطاني هاري (إ.ب.أ)

وسط استمرار الحرب في أوكرانيا وازدياد تداخل المواقف السياسية في هذا الملف، أثارت تصريحات للأمير البريطاني هاري جدلاً، خصوصاً بعد تعليقه على دور الولايات المتحدة في النزاع. وسرعان ما جاءت ردود فعل رسمية، حيث رفض الرئيس الأميركي دونالد ترمب تلك التصريحات وشكّك في صفة تمثيل هاري لبلاده.

فقد انتقد ترمب تصريحات الأمير هاري بشأن الصراع الأوكراني، مؤكداً أنه «لا يتحدث باسم المملكة المتحدة»، وذلك وفقاً لما نقلته صحيفة «إندبندنت».

وجاءت هذه التصريحات عقب خطاب حماسي ألقاه هاري خلال مشاركته في منتدى كييف الأمني يوم الخميس، دعا فيه «القيادة الأميركية» إلى «الوفاء بالتزاماتها بموجب المعاهدات الدولية»، مشدداً على أهمية الدور الأميركي المستمر في حفظ الأمن العالمي.

وفي مداخلة نادرة له حول قضايا دولية، أوضح هاري أنه لا يتحدث بصفته سياسياً، بل «جندي يُدرك معنى الخدمة»، في إشارة إلى خلفيته العسكرية.

ورداً على هذا الخطاب، الذي ألقاه الأمير خلال زيارة مفاجئة لأوكرانيا، قال ترمب للصحافيين: «أعلم أمراً واحداً، وهو أن الأمير هاري لا يتحدث باسم المملكة المتحدة، هذا أمر مؤكد. بل أعتقد أنني أتحدث باسم المملكة المتحدة أكثر منه».

وأضاف ترمب بنبرة لافتة: «لكنني أُقدّر نصيحته كثيراً».

ثم وجّه سؤالاً قال فيه: «كيف حاله؟ وكيف حال زوجته؟ أرجو إبلاغها تحياتي».

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)

وتأتي زيارة الأمير هاري المفاجئة، وهي الثالثة له إلى أوكرانيا منذ اندلاع الحرب عام 2022، بعد أيام قليلة من اختتام جولة قام بها في أستراليا برفقة زوجته ميغان ماركل.

وفي كلمته، شدد هاري على أن للولايات المتحدة دوراً محورياً في هذا الملف، قائلاً: «للولايات المتحدة دور فريد في هذه القضية، ليس فقط بسبب قوتها، بل لأنها كانت جزءاً من ضمان احترام سيادة أوكرانيا ووحدة أراضيها عندما تخلت عن أسلحتها النووية».

وأضاف: «هذه لحظة للقيادة الأميركية، لحظة لأميركا لتُظهر قدرتها على الوفاء بالتزاماتها بموجب المعاهدات الدولية، ليس بدافع الإحسان، بل انطلاقاً من دورها الدائم في تعزيز الأمن العالمي والاستقرار الاستراتيجي».


إثيوبيا و«تيغراي»... تحركات تهدد اتفاق «بريتوريا» للسلام

أفراد من القوات الخاصة يحرسون أحد شوارع مدينة حميرة بإثيوبيا (رويترز)
أفراد من القوات الخاصة يحرسون أحد شوارع مدينة حميرة بإثيوبيا (رويترز)
TT

إثيوبيا و«تيغراي»... تحركات تهدد اتفاق «بريتوريا» للسلام

أفراد من القوات الخاصة يحرسون أحد شوارع مدينة حميرة بإثيوبيا (رويترز)
أفراد من القوات الخاصة يحرسون أحد شوارع مدينة حميرة بإثيوبيا (رويترز)

دخلت الأزمة بين إثيوبيا وإقليم تيغراي مرحلة جديدة من الصراع، بعد إعلان الحزب السياسي الرئيسي في الإقليم اعتزام استعادة سيطرته على مقاليد الأمور من الحكومة الفيدرالية.

ويعتقد خبير بالشأن الأفريقي تحدث لـ«الشرق الأوسط» أن تلك التطورات تهدد اتفاق «بريتوريا» للسلام، وقد تعيد مشاهد النزاع مجدداً، بينما يرى برلماني ومحلل سياسي في إثيوبيا إمكانية لحل الخلافات عبر مسار سلمي.

وشهدت إثيوبيا أزمات عديدة، بينها اندلاع حرب بين «جبهة تحرير شعب تيغراي» والقوات الفيدرالية بين عامَي 2020 و2022 في إقليم تيغراي أودت بحياة مئات الآلاف وتسببت في نزوح نحو مليون نسمة.

و«جبهة تحرير شعب تيغراي» حركة مسلحة تحولت إلى حزب سياسي وهيمنت على الحياة السياسية الإثيوبية لما يقرب من ثلاثة عقود، قبل أن تنتهي تلك الهيمنة مع تولي آبي أحمد رئاسة الوزراء عام 2018.

انتقادات حقوقية دولية

من جهة أخرى، قالت منظمة «هيومن رايتس ووتش» الحقوقية الدولية في تقرير، صدر الأربعاء، إن أبناء إقليم تيغراي، الواقع في شمال إثيوبيا، يتعرّضون «للتمييز والاعتقال التعسفي»، وإن الانتهاكات بحقهم قد ترقى إلى «جرائم ضدّ الإنسانية».

وذكرت لايتيتيا بدر، نائبة مديرة قسم أفريقيا في المنظمة، أن أبناء تيغراي يواجهون «قيوداً قاسية ولا إنسانية على كل جوانب حياتهم»، واتهمت السلطات الإثيوبية وشركاءها بتجاهل هذا الواقع.

وجاءت تلك الانتقادات بعد يومين من تحركات داخلية بالإقليم مناهضة للحكومة الفيدرالية، حيث اتهمتها «جبهة تحرير شعب تيغراي» بانتهاك اتفاقية «بريتوريا» عبر حجب الأموال المخصصة لدفع رواتب موظفي الخدمة المدنية في الإقليم، وأشارت إلى تمديدها ولاية رئيس الإدارة المؤقتة تاديسي ووريدي قبل أيام دون استشارة الحزب. وبحسب الجبهة، فإن الحكومة الفيدرالية تستعجل شن «حرب دامية أخرى».

وقالت الجبهة في بيان إنها تعتزم ممارسة مهامها على كامل الإقليم، وتعهدت بتعزيز الصداقات مع شعوب المناطق الإثيوبية المجاورة ودول الجوار.

وكانت الحكومة الفيدرالية الإثيوبية قد وقَّعت مع «الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي» اتفاق «بريتوريا للسلام» في نوفمبر (تشرين الثاني) 2022 بجنوب أفريقيا، لإنهاء حرب أهلية دامية استمرت عامين. ونص الاتفاق على وقف دائم للأعمال العدائية، وتشكيل إدارة مؤقتة لإدارة الإقليم، عبر حوار بين الطرفين، لتحل محل الهيئات المنتخبة في الإقليم إلى حين تنظيم انتخابات جديدة.

وكررت الحكومة الفيدرالية أكثر من مرة في بيانات رسمية التزامها باتفاقية بريتوريا، واتهمت «جبهة تحرير شعب تيغراي» بالتآمر ضدها مع إريتريا، التي نالت استقلالها عن إثيوبيا عام 1993 وخاض البلدان حرباً حدودية بين عامي 1998 و2000.

مخاوف من صدامات جديدة بين الحكومة الفيدرالية و«جبهة تحرير تيغراي» (رويترز)

ويرى نائب رئيس «المجلس المصري للشؤون الأفريقية»، صلاح حليمة، أن «جبهة تحرير تيغراي» المقربة من إريتريا، ليست وحدها التي تتبنى توجهات ذات نزعة استقلالية، مشيراً إلى منطقة الأورومو، وإقليم أوغادين كذلك.

وأضاف أن هذا النزاع الجاري يشكل تهديداً لاستقرار إثيوبيا ويؤثر على وحدتها وسلامتها الإقليمية، «فضلاً عن أن اتفاق بريتوريا في خطر، ما لم تُعالج الأمور بشكل سليم عبر توافق بين الجبهة والحكومة المركزية بمشاركة إريتريا لكونها طرفاً في هذه المشكلة».

في المقابل، يرى النائب الإثيوبي محمد نور أحمد أن الحكومة الإثيوبية تواصل تنفيذ بنود «اتفاقية بريتوريا»، وقال إن «جبهة تحرير تيغراي» حتى لو كانت قد نفذت بعض الالتزامات «فإنها لم تطبق ما ورد في نص الاتفاقية بشكل كامل، حيث يوجد خلل كبير في هذا الجانب».

ويشير المحلل السياسي الإثيوبي عبد الشكور عبد الصمد إلى حملة عسكرية شنتها «جبهة تحرير تيغراي» قبل بضعة أشهر عبر ثلاثة محاور، سبقتها بأشهر تحركات عبر منطقة شمال عفر على الحدود، وقال إن هذه التحركات «هي جزء من الجهود والضغوط التي تبذلها الجبهة سعياً للحصول على دعم دولي وإعلامي وإقليمي».

تصعيد وسط أجواء حوار

تأتي الأزمة الحالية رغم بدء جولة أولى من «منتدى التشاور» في إثيوبيا أوائل الشهر الحالي بحضور معنيين من إقليم تيغراي، في أجواء وصفتها «وكالة الأنباء الإثيوبية» وقتها بأنها إيجابية.

و«الحوار الوطني» هو عملية أطلقتها الحكومة الإثيوبية عام 2021 وتديرها لجنة وطنية مكونة من 11 مفوضاً، بهدف معالجة جذور النزاعات، وتعزيز السلام والمصالحة المستدامة بعد الحروب والاضطرابات، خاصة في إقليم تيغراي، فيما يأتي الحوار قبل انتخابات مقررة في يونيو (حزيران) المقبل.

لكن الأزمة تأتي بعد أجواء حشد عسكرية في فبراير (شباط) الماضي وكانت متبادلة بين الجيش الإثيوبي الذي حاصر الإقليم، وقوات «تيغراي» التي انتشرت باتجاه حدودها.

ولا يستبعد السفير حليمة احتمال المواجهة العسكرية إذا استمر التصعيد بين الحكومة والجبهة، لافتاً إلى أن الحوار المعلن يبدو أنه لم يقدم نتائج، ولم يُفضِ إلى قبول مطالب الجبهة ورؤيتها، ويؤدي بالضرورة إلى دفع الأمور نحو مزيد من التصعيد.

ولا يعتقد النائب الإثيوبي محمد نور أحمد أن الأمور ستصل إلى صدام، خاصة في ظل الحوار الوطني الجاري الذي أوشك على الانتهاء في جميع المناطق والأقاليم الإثيوبية، متهماً بعض لجان الجبهة بمحاولة تخريب الاتفاق.

وقال: «حكومتنا تنظر للأمور بهدوء وعدم استعجال، ولذلك فإننا نتوقع أن تحل هذه المشاكل القائمة قريباً عبر الطرق السلمية».

ويتفق معه عبد الصمد قائلاً إن الجبهة غير قادرة على فعل شيء، خاصة في ظل وجود انقسام داخلي عميق داخل صفوفها، مضيفاً: «أستبعد الصدام العسكري، رغم وجود بعض المساعي الإقليمية والداخلية لمحاولة جر المنطقة إلى هذا الصراع».

واستطرد قائلاً: «الشارع داخل إقليم تيغراي أعلن مراراً وتكراراً أنه قد تعب، ولا يريد الانجرار إلى حرب أخرى. ولذلك، أستبعد خيار الصراع، ونتمنى تلافي ذلك عبر حل سياسي يكون شاملاً».