صراعات ما بعد «داعش»

ليس أمام البغدادي سوى غرب العراق للاختباء

صراعات ما بعد «داعش»
TT

صراعات ما بعد «داعش»

صراعات ما بعد «داعش»

المعركة انتهت - على الأقل في الوقت الراهن - وجرى تطهير آخر معاقل تنظيم «داعش» على أيدي قوات سورية وعراقية بدأت تدخل إلى قرى على جانبي نهر الفرات للمرة الأولى منذ أكثر من عقد. وقد انتهت هذه الحملة المحددة في خضم الحرب الطويلة ضد المسلحين المتطرفين، لكن الحرب الأوسع مستمرة.
بيد أن التساؤل هنا: كيف سيتطور هذا الصراع على امتداد الشهور والسنوات؟ في الواقع، سيعتمد هذا الأمر على مجموعة من العوامل: رد فعل فلول «داعش» والحركة الأوسع التي خرج التنظيم من رحمها، والقرارات التي تتخذها مجموعات ودول متورطة في الحروب المتنوعة المشتعلة عبر أرجاء العالم الإسلامي، وبطبيعة الحال الإطار العالمي الأوسع الذي تدور فيه هذه الصراعات. وتعد تلك حرباً معقدة، أشبه بالحروب العالمية الكبرى التي دارت في القرن الـ20، وتضمنت صراعات عدة، أصغر من الحرب الكبرى التي غالباً ما يجري رسم صورتها.
ويكمن التساؤل الأول هنا: ماذا سيحدث للمسلحين أنفسهم؟ لقد ولّى الكيان الذي أطلق عليه «الخلافة» المزعومة وأعلن عنه من داخل مسجد عمره 950 عاماً في الموصل في خطاب أطلقه زعيم «داعش» إبراهيم عواد (46 عاماً) أستاذ الشريعة السابق الذي أصبح معروفاً باسم أبو بكر البغدادي. الحقيقة أن سقوط هذا الكيان المزعوم بدا دوماً أمراً محتملاً، ومن المحتمل كذلك أن يلقى البغدادي حتفه في غضون فترة قصيرة نسبياً. والجدير بالذكر أن أسامة بن لادن، زعيم تنظيم القاعدة، ظل حياً على مدار عقد بعد هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001، لكن كانت أمامه باكستان للاختباء بها. واقعياً، ليس أمام زعيم «داعش» سوى غرب العراق للاختباء به.
الواضح أن العامل الوحيد الذي لم يجعل هزيمة التنظيم أمراً حتمياً منذ اللحظة الأولى حالة الفوضى والعنف التي عانتها سوريا جراء الحرب الأهلية هناك، وهو ما سمح للتنظيم بتوسيع رقعة نفوذه في المقام الأول. ومع حسم الصراع هناك لصالح نظام الأسد، بفضل الدعم الإيراني والروسي، ننتقل الآن نحو مرحلة جديدة يتركز النضال فيها حول ممارسة النفوذ على تسوية ما بعد الحرب، وليس القضاء على عدو مشترك. المؤكد أن هذا الوضع سيخلق ديناميكيات خاصة به، وصراعات أيضاً. فالواضح أن مساعي البغدادي لبناء قوة عظمى عانت أوجه قصور جوهرية عدة أسفرت عن إخفاقها في نهاية الأمر. ومن المهم التعرف على نقاط الضعف تلك؛ لأنها تكشف الكثير عن تطور حركة التطرف خلال الشهور والسنوات المقبلة.
أولاً: كان الكيان الذي أعلنه «داعش» (أي «الخلافة» المزعومة) في حاجة إلى المضي في حالة مستمرة من الغزو كي ينجح، ذلك أن النصر يضفي عليه شرعية، وكذلك يجلب مجندين جدداً لتعويض الخسائر في صفوف المقاتلين. كما أن السيطرة على مزيد من الأراضي تعني مزيداً من الموارد، وشراء الأسلحة والذخائر، وكنوزاً أثرية يمكن بيعها، ومزيداً من السكان لفرض ضرائب عليهم، وأصحاب أعمال لابتزازهم، وممتلكات لنهبها، وآبار بترول لاستغلالها.
إلا أن التوسع إلى ما لا نهاية لم يكن خياراً واقعياً، ذلك أن ثمة قيوداً طبيعية أمام المساحات التي يمكن لـ«داعش» بسط نفوذه عليها. مثلاً، ثبتت استحالة توسيع رقعة نفوذ التنظيم لما وراء المعاقل التي يهيمن عليها السنّة. كما أن «داعش» لم يكن ليجرؤ على خرق حدود دول قوية مثل تركيا أو إسرائيل أو الأردن. كما أن عناصره من السنّة المزودين بأسلحة خفيفة لم يكونوا لينجحوا أبداً في شق طريقهم عبر وسط وجنوب العراق، حيث السيطرة للشيعة، أو لبنان.
اليوم، عاد «داعش» إلى الصورة نفسها التي كان عليها منذ عقد تقريباً: جماعة عنيدة ومتمردة محنكة بمجال أعمال العنف الإرهابية الوحشية، تنطلق من اعتبارات طائفية متطرفة.
ومن أجل الاحتفاظ بالصورة والمكانة كلتيهما اللتين تمتع بهما «داعش» في السنوات الأخيرة، فإنه سيتعين عليه الاعتماد على جماعات تابعة له. لكن يبدو هذا الأمر غير مؤكد، ففي الوقت الذي قد تظل بعض الجماعات على ولائها للتنظيم المركزي، مثل «ولاية سيناء»، من المحتمل أن تقدم أخرى على الانفصال. ومن بين الجماعات الأكثر احتمالاً للانفصال «بوكو حرام» في غرب أفريقيا التي لطالما اتسمت صلاتها بـ«داعش» بالهشاشة.
ثانياً: تسبب تطرف «داعش» في إثارة سخط مجتمعات تقع تحت نفوذه، ورغم تلقي التنظيم تحذيرات من الإخفاقات التاريخية التي منيت بها جماعات في الجزائر مطلع ومنتصف تسعينات القرن الماضي، فإنه مضى قدماً في أجندته المتطرفة التي لا تعرف حدوداً.
وكانت النتيجة أن زعامات عشائرية سنيّة وعناصر نافذة أخرى داخل العراق وسوريا سبق وأن قبلت سلطة التنظيم؛ الأمر الذي بدا ميزة كبرى بالنسبة إلى الأخير، بفضل ما يوفره من أمن نسبي ونمط مبتذل من العدالة وحماية في مواجهة الشيعة وقمع النظام، انقلبت ضد الحكام الجدد. وتكشف سرعة انهيار الكيان الجديد الذي بناه التنظيم مدى السطحية التي اتسم بها الولاء تجاهه.
ويعني ذلك أنه خلال الفترة المقبلة، فإن تنظيم «القاعدة» بقيادة أيمن الظواهري يتمتع اليوم بميزة أكبر تمكّنه من الفوز في التنافس العالمي على زعامة الحركة الأصولية المتطرفة. ومع أن تنظيم «القاعدة» خفت نجمه كثيراً أمام «داعش» في السنوات الأخيرة، فإنه يحظى اليوم بميزة كبرى. يسعى كلا التنظيمين إلى بناء كيان جديد، لكن الرؤية الاستراتيجية لـ«القاعدة» أطول أمداً: فقط عندما تتوفر على الأرض الظروف اللازمة، سيصبح من الممكن تنفيذ المشروع. وخلال السنوات الأخيرة، استفاد تنظيم القاعدة من محاولة بناء إجماع في صفوف المجتمعات المتنوعة التي توجد بينها؛ وذلك لإدراكه أن التحرك بسرعة كبيرة في وقت قصير للغاية سيثير رد فعل عكسياً. واللافت، أنه عندما يصبح الانسحاب التكتيكي ضرورياً - حتى من مكان بالغ الأهمية مثل ميناء المكلا في اليمن - يبدو أتباع التنظيم على استعداد للتنازل عن الأراضي التي يسيطرون عليها. ويبدو «تنظيم القاعدة ببلاد المغرب الإسلامي» في وضع جيّد يؤهله لأن يكون القوة المتشددة المهيمنة في منطقة الساحل.
داخل سوريا، عملت الجماعة التابعة لـ«القاعدة» المعروفة باسم «جبهة النصرة»، والتي بدّلت اسمها اليوم إلى «جبهة فتح الشام»، بجد لبناء قاعدة دعم لها في أوساط العشائر والسكان. ورغم أنها قد تتعرض للسحق خلال الهجمات التالية من جانب قوات النظام أو قوى أخرى، فإنها أظهرت فاعلية الاستراتيجية التي ينتهجها تنظيم القاعدة.
ثالثاً: شن «داعش» هجمات ضد قوى غربية وإقليمية، وكان ذلك قراراً واعياً يضرب بجذوره في آيديولوجية هذه الحركة المتشددة ورؤيتها العالمية، ولم يأت انطلاقاً من الرغبة في الدفاع عن النفس، مثلما لمح البعض. انطلقت أول مجموعة أرسلها «داعش» إلى أوروبا مطلع عام 2014، قبل أن يشرع التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة في توجيه ضربات جوية لمعاقل التنظيم. ويخبرنا التاريخ أنه من الصعب إحراز نصر قاطع ضد المتطرفين والمتمردين دون إقرار تسوية سياسية وتوفر ظروف اجتماعية واقتصادية تقضي على العوامل المحفزة وراء الآيديولوجيات المتطرفة.
ومع هذا، فإن المنظمات المسلحة التي يستهدفها الغرب وحلفاؤه داخل العالم الإسلامي عادة ما يجري إجبارها على الأقل على التخلي عن مكاسب من حيث الأراضي التي تسيطر عليها، وبخاصة المراكز الحضرية. ويعني ذلك أنه بوسعنا توقع إقدام «داعش» على شن مزيد من الهجمات ضد الغرب والقوى الإقليمية في المستقبل، وأن يثير ذلك ردود أفعال تؤدي إلى مزيد من التآكل في قدرات التنظيم الإرهابي، وإن كان ذلك سيأتي على حساب كثير من الدماء.
بالنسبة إلى المنطقة الأوسع بوجه عام، ثمة عوامل عدة تيسّر الحياة أمام المتطرفين. الملاحظ أن ثمة صراعاً وحالة من غياب الاستقرار قائمة على امتداد القوس الواسع الممتد من ساحل شمال أفريقيا حتى جنوب غربي آسيا. من بين الأخطاء الشائعة أن يجري اتخاذ قرار بأنه فقط لأن هناك بعض المشكلات في جزء ما، تصبح الدولة برمتها مفتقرة إلى الاستقرار. قد تكون دولة، مثل ليبيا، مفتقرة بالفعل إلى الاستقرار، لكن ليس باكستان، مثلاً.
في الوقت ذاته، فإن ثمة صراعات منخفضة الحدة دائرة في سيناء مثلاً، والكثير من الصراعات مرتفعة الحدة مثلما الحال في اليمن، مما يخلق فرصاً أمام المتشددين يمكن استغلالها. ولا يزال الوضع داخل سوريا فوضوياً، بينما يظل العراق ممزقاً.
ومن شأن تدمير كيان «داعش» تفكك التحالف المناوئ لهذا التنظيم وعودة ظهور الانقسامات والتنافسات التي تفتح بدورها مجالاً أمام عودة العناصر المسلحة المتشددة إلى النشاط. وبالتأكيد، يمكن أن تتفاقم المشكلة جراء بعض السياسات الأميركية التي قد يستغلها متشددون، مثل الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل دون استيعاب حقيقة عواقب مثل هذا الإجراء.
وحتى في حال توقف أعمال القتال نهائياً داخل سوريا وتوفر الأموال الضخمة اللازمة لعملية إعادة الإعمار والمضي قدماً في طريق السلام، فإن أعداداً ضخمة من الشباب العاطل عن العمل والغاضب قد توفر مورداً هائلاً أمام أي تنظيم متطرف يسعى إلى اجتذاب مجندين. كما أن أي جهود للتخفيف من تأثير رجال الدين والآيديولوجيات المتطرفة لن تؤتي ثماراً قبل عقود.
الملاحظ أن أربع موجات كبرى من الحركات المسلحة انطلقت على امتداد الأعوام الـ50 الماضية، ظلت أول موجتين - أواخر السبعينات ومطلع الثمانينات من القرن الماضي، ثم مطلع التسعينات - مقتصرتين بدرجة كبيرة على العالم المسلم. أما الثالثة والرابعة - من منتصف التسعينات وحتى عام 2010، ثم منذ تلك الفترة حتى اليوم - فقد شهدتا وقوع أعمال عنف كبرى في دول تنتمي غالبية سكانها إلى المسلمين، مع وقوع سلسلة من الهجمات اللافتة للأنظار في الغرب. وبذلك، تحولت هذه التنظيمات إلى مشكلة عالمية.
واتبعت الموجات الأربع جميعها مساراً متشابهاً: فترة من النمو البطيء غير الملحوظ، ثم وقوع حدث ضخم يلفت الأنظار نحو التهديد الجديد، ومرحلة من النضال الدموي، ثم انتصار جزئي على المسلحين. وقد دام كل منها ما بين 10 أعوام و15 عاماً.
ثمة مشكلتان هنا: الأولى: تحمل كل موجة بذور الموجة التالية: تأجيج الاستقطاب وزعزعة استقرار الدول ونشر آيديولوجيات العنف المتطرف على رقعة أوسع. الأخرى: نميل إلى التركيز على المرحلة الأخيرة من تهديد ما آخذ في الانحسار، بدلاً من الآخر المتنامي. وينبغي أن نضع هذا نصب أعيننا اليوم، ونحن نتابع عودة «داعش» لدوره الأصلي كتنظيم إرهابي، وليس حركة تمرد مكتملة الأركان.



إسرائيل تدرج السفح الغربي لجبل الشيخ ضمن مناطق نفوذها في لبنان

دورية للجيش الإسرائيلي داخل الأراضي اللبنانية في الجنوب (أ.ف.ب)
دورية للجيش الإسرائيلي داخل الأراضي اللبنانية في الجنوب (أ.ف.ب)
TT

إسرائيل تدرج السفح الغربي لجبل الشيخ ضمن مناطق نفوذها في لبنان

دورية للجيش الإسرائيلي داخل الأراضي اللبنانية في الجنوب (أ.ف.ب)
دورية للجيش الإسرائيلي داخل الأراضي اللبنانية في الجنوب (أ.ف.ب)

وسّع الجيش الإسرائيلي موجة إنذارات الإخلاء إلى السفح الغربي لجبل الشيخ، في تمدد غير مسبوق باتجاه منطقة حدودية مع سوريا لم تكن محتلة منذ العام 1985 في جنوب شرقي لبنان، وهو ما أثار موجة أسئلة عن خريطة الحركة الجديدة التي لا تقتصر على تقييد عودة السكان فحسب، بل تعيد توجيه ثقلها العملياتي نحو الشرق.

ويشير ضم الجيش الإسرائيلي لبلدة عين عطا ضمن تمددها إلى جبل كريستوباني، وهي تسمية إسرائيلية مستحدثة للمنطقة، إلى أن المعركة لم تعد محصورة في الجبهة الجنوبية التقليدية، بل تتجه تدريجياً إلى اختبار محاور بديلة باتجاه الحدود مع سوريا، قد تعيد رسم خطوط الاشتباك. وبدل أن تتحول الهدنة إلى مساحة استقرار، تبدو مرحلة لإعادة التموضع، وتقوم على ضبط الأرض جنوباً، وفتح احتمالات التصعيد شرقاً.

خريطة نشرها الجيش الإسرائيلي للمنطقة الحدودية مع لبنان (الجيش الإسرائيلي)

وعين عطا، تتبع إدارياً قضاء راشيا في محافظة البقاع، وتقع على مرتفع استراتيجي على الجانب اللبناني من سفح جبل حرمون، وهي منطقة اتصال بين الأراضي اللبنانية والأراضي السورية التي احتلتها إسرائيل في العام الماضي في شمال القنيطرة، وتشرف في لبنان على عمق استراتيجي يربط البقاع بالجنوب.

محررة منذ 1985

ويضع مصدر نيابي لبناني هذا التصعيد بالتحذيرات في إطار مختلف، معتبراً في حديثه إلى «الشرق الأوسط» أنّها «تندرج ضمن الضغط الذي يستهدف كل اللبنانيين، عبر توسيع رقعة القلق، وزرع حالة دائمة من الترقّب، والخوف»، مضيفاً: «إنّ المشروع التوسعي الإسرائيلي لا يستثني أحداً من حيث الاستهداف».

ويوضح المصدر أنّ إدراج عين عطا ضمن هذه التحذيرات «يثير تساؤلات جدية، لا سيما أنّ البلدة ليست من القرى التي خضعت للاحتلال في مراحل التسعينات، بل تُعدّ محرّرة منذ عام 1985»، مشدداً على أنّ «الحديث عنها بهذا الشكل يفتقر إلى الدقة، سواء من الناحية التاريخية، أو الميدانية».

أطفال يلهون في سيارة مدمرة بجنوب لبنان العام 1983 (متداول)

تبدّل في التفكير العملياتي

في قراءة أوسع لهذه المؤشرات، يضع رئيس «مركز الشرق الأوسط للدراسات» العميد الركن المتقاعد الدكتور هشام جابر هذا التصعيد ضمن سياق تحوّل في المقاربة العسكرية الإسرائيلية. ويقول لـ«الشرق الأوسط» إنّ «الحديث عن منطقة جنوب عين عطا لا يمكن فصله عن القراءة العسكرية لطبيعة السيطرة النارية والاستكشافية التي يؤمّنها جبل الشيخ»، موضحاً أنّ «جبل الشيخ يوفّر إشرافاً بالنار والاستطلاع يمتد إلى البقاع الغربي، ومناطق واسعة من الجنوب».

ويشير إلى أنّ «إسرائيل بعدما لم تنجح في تحقيق تقدّم حاسم في الجنوب، بدأت تبحث عن محاور بديلة، من بينها البقاع الغربي، ومنطقة عين عطا تحديداً، لما لهذه المنطقة من أهمية عملياتية»، لافتاً إلى أنّ «هذا المحور كان مطروحاً سابقاً كخيار لهجوم بري محتمل، خصوصاً أنّ التقدّم من الجنوب أثبت تعقيداته الميدانية».

جرافات إسرائيلية معززة بدبابات عسكرية تنفذ أعمال هدم داخل الأراضي اللبنانية (إ.ب.أ)

ويضيف أنّ «السيناريو الأكثر ترجيحاً كان، ولا يزال، يعتمد على اختراق من جهة البقاع الغربي، نظراً لخصوصية هذه المنطقة من حيث الطبيعة الجغرافية والديموغرافية، فهي أقل تعقيداً من الجنوب، وأرضها أكثر انفتاحاً، ما يسهّل العمليات العسكرية».

توسعة بالتحذيرات

وتتزامن التحذيرات مع استمرار تمركز القوات الإسرائيلية خلال فترة وقف إطلاق النار، وتشمل طيفاً واسعاً من القرى، من الناقورة في جنوب غربي لبنان، إلى مرجعيون وكفرشوبا وعين عطا شرقاً، مروراً ببلدات محورية، مثل بنت جبيل، والخيام، وميس الجبل، إضافة إلى مناطق حيوية كنهر الليطاني ووادي السلوقي. وعلى الأرض، تتقاطع هذه الإنذارات مع معطيات ميدانية تشير إلى استمرار تمركز القوات الإسرائيلية داخل بعض النقاط، ما يحوّل الهدنة عملياً إلى مساحة ضبابية بين وقف النار واستمرار السيطرة.

وتتقدم منطقة عين عطا في هذه القراءة بوصفها نقطة مفصلية في أي سيناريو عسكري محتمل. ويشدّد جابر على أنّ «منطقة جنوب عين عطا تشكّل نقطة مفصلية في أي حسابات عسكرية، كونها مفرق طرق يربط بين البقاع الغربي وراشيا وحاصبيا والجنوب، وبالتالي فإن السيطرة عليها تفتح مسارات متعددة لأي تقدّم عسكري»، معتبراً أنّ «أهميتها تكمن في كونها عقدة مواصلات تتيح الانتقال نحو عدة اتجاهات في وقت واحد».

نازحون يعبرون جسراً مدمراً في طريق العودة إلى منازلهم في قرية طير فلسيه في جنوب لبنان (أ.ب)

ويشير إلى أنّ السيطرة عليها تتيح التحرك شرقاً نحو عمق البقاع، وجنوباً نحو حاصبيا والعرقوب، وغرباً باتجاه القرى الأساسية في البقاع الغربي، ما يمنح أي قوة مهاجمة مرونة عالية في المناورة، والتحكم بخطوط الإمداد». ويقول إنّ «التركيبة الديموغرافية المختلطة في هذه المنطقة تجعلها، عسكرياً، أكثر رخاوة من بيئة الجنوب».

ويرى أنّ «هذا السيناريو، في حال تحقّق، قد يؤدي إلى فصل البقاع الشمالي عن الجنوب، ما يغيّر موازين المعركة بشكل جذري، ويضع القوى المدافعة أمام تحديات لوجستية وميدانية أكثر تعقيداً».

الأهداف تتجاوز الميدان

لا يقتصر هذا التحوّل، وفق جابر، على البعد العسكري، بل يتعداه إلى أهداف سياسية واضحة. ويرى أنّ «إسرائيل، في حال دخلت واحتلت نقاطاً في هذه المنطقة، قد تتكبّد خسائر، لكنها تراهن على استخدام هذا التقدّم ليكون ورقة ضغط، ولفرض شروطها السياسية على لبنان، خصوصاً فيما يتعلق بسلاح (حزب الله) وترسيم الحدود». ويضيف أنّ «الهدف من أي تحرّك عسكري إسرائيلي لا يقتصر على المكاسب الميدانية، بل يتجاوزها إلى تحقيق أهداف سياسية، أبرزها الضغط على الدولة اللبنانية لفرض وقائع جديدة، سواء لجهة سلاح (حزب الله)، أو إعادة ترتيب الحدود الجنوبية».


ضياء العوضي... طبيب مصري أثار الجدل في حياته وبعد مماته

الطبيب المصري الراحل ضياء العوضي (حسابه الرسمي على «فيسبوك»)
الطبيب المصري الراحل ضياء العوضي (حسابه الرسمي على «فيسبوك»)
TT

ضياء العوضي... طبيب مصري أثار الجدل في حياته وبعد مماته

الطبيب المصري الراحل ضياء العوضي (حسابه الرسمي على «فيسبوك»)
الطبيب المصري الراحل ضياء العوضي (حسابه الرسمي على «فيسبوك»)

لم تمر وفاة الطبيب المصري ضياء العوضي في دولة الإمارات قبل بضعة أيام مرور الكرام، فالجدل دائر منذ أشهر حول شخصيته و«نظريته» التي يروج لها برفض العلاج عبر الأدوية التقليدية والاعتماد على نظام غذائي أطلق عليه «الطيبات».

ورغم تأكيد محاميه أن الوفاة «طبيعية»، وصدور بيان من وزارة الخارجية والتعاون الدولي والمصريين بالخارج، الثلاثاء، ذكر أن الوفاة التي حدثت في أحد فنادق مدينة دبي «جاءت طبيعية، ولا توجد أي شبهات جنائية، وجاءت بسبب جلطة مفاجئة بالقلب»، فإن ملابسات الواقعة تحولت إلى مادة جدل واسع على منصات التواصل الاجتماعي.

فالعوضي عُرف بآرائه المثيرة للجدل، مثل التحذير من تناول الأطفال الذكور الدواجن بزعم تأثيرها على «الرجولة»، وتفضيل الإفطار بـ«النوتيلا» على الأطعمة التقليدية مثل الفول، والدعوة إلى استهلاك كميات كبيرة من السكر يومياً، إلى جانب التحذير من الخضراوات رغم قيمتها الغذائية المعروفة.

العوضي عُرف بالترويج لما سمّاه «نظام الطيبات» رافضاً العلاج بالأدوية التقليدية (لقطة من لقاء تلفزيوني أجراه معه الإعلامي محمود سعد)

ولا تزال صفحات مؤيدة له تضم آلاف المتابعين تعيد نشر مقاطع له وتدافع عن منهجه في التغذية، ومن بين هؤلاء مدوِّنة تُدعى رشا حجازي، قالت إن الطبيب الراحل طوّر ما يُعرف بـ«دايت الأرز» الذي وضعه الطبيب الألماني - الأميركي والتر كيمبنر.

غير أن الطبيب والإعلامي المصري الدكتور خالد منتصر روى تفاصيل موقف وحيد جمعه مع العوضي، عبر منشور على «فيسبوك»، حين علّق الراحل بشكل عدّه منتصر «غير طبيعي» وحذره من «أكل البطيخ» مظهراً «ثقة زائدة»، ولفت منتصر إلى أن «تحويل الطبيب العوضي إلى تريند» على مواقع التواصل أسهم في «زيادة حضوره الإعلامي».

وشدد منتصر على أن الوفاة لا تنفي حق نقد «الآراء الطبية غير العلمية»، مؤكداً أن «توصية الطبيب الراحل بوقف الإنسولين أو مثبطات المناعة أو الكورتيزون بشكل مفاجئ يُعد جريمة طبية»، محذراً من أن ذلك يكرّس الجهل ويغذي من وصفهم بـ«سماسرة الوهم».

اتهامات وشطب عضوية

في السياق ذاته، أشار الدكتور أسامة حمدي، أستاذ الباطنة والسكر بجامعة هارفارد الأميركية، إلى ما وصفها بـ«أخطاء طبية جسيمة» نُسبت إلى الطبيب الراحل، تمثلت في الترويج لعلاج مرض السكري بزيادة تناول السكر، والدعوة إلى وقف الإنسولين حتى لمرضى النوع الأول، إضافةً إلى وقف الكورتيزون عن مرضى يعتمدون عليه.

وأوضح أن هذه الممارسات، وفق روايات طبية، أدت إلى مضاعفات خطيرة بينها حالات تسمم كيتوني ووفاة سيدة، محذراً من خطورة تجاهل الأسس العلمية في علاج الأمراض المزمنة، حسب منشور عبر صفحته على «فيسبوك».

وفي مارس (آذار) الماضي، قررت نقابة الأطباء المصرية شطب عضوية العوضي، بعد اتهامه بنشر معلومات طبية مضللة وغير مدعومة علمياً عبر وسائل التواصل الاجتماعي، مؤكدةً أن هذه الممارسات قد تمثل تهديداً مباشراً لصحة المواطنين.

كما شملت الاتهامات الترويج لأساليب علاجية غير معتمدة علمياً في التعامل مع بعض الأمراض المزمنة، وهو ما عدّته لجنة التأديب بالنقابة إخلالاً جسيماً بأصول المهنة وقواعدها الأخلاقية والمهنية.

ويعتقد الدكتور وسام إبراهيم حمودة، استشاري ورئيس قسم جراحات التجميل والحروق بجامعة بنها، أن «الأدوية العشبية والمنتجات الطبيعية قد تلعب دوراً في الوقاية من بعض الأمراض، إلا أن فاعليتها في العلاج أو تسريع التعافي لا تزال بحاجة إلى أدلة علمية حاسمة».

وأوضح في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»: «حسم هذا الجدل يتطلب جهوداً بحثية جادة تقودها مؤسسات علمية وشركات دواء عربية، لإنتاج دراسات موثوقة قادرة على الفصل في هذا الملف، في ظل غياب يقين علمي نهائي حتى الآن».

«منظومة مصالح» أم «منظومة تغذية»؟

ووسط الجدل الدائر حول منهجه، قال مصطفى ماجد، محامي العوضي في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إن ملابسات وفاة موكله تواكبت مع انقطاع التواصل مع أسرته قبل أيام. لكنه أكد أن سبب الوفاة «لا تتوفر به أي شبهة جنائية»، مشيراً إلى أنه تلقى إخطاراً هاتفياً من السلطات المصرية يفيد بأن «التحقيقات الجارية في الإمارات عزت سبب الحقيقي للوفاة إلى أزمة قلبية». وهو ما أوضحته وزارة الخارجية في بيان الثلاثاء.

وسبق أن وجّه وزير الخارجية، بدر عبد العاطي، القنصلية المصرية في دبي بـ«التواصل المستمر مع السلطات الإماراتية المختصة للوقوف على ملابسات الواقعة، ومتابعة الإجراءات ذات الصلة»، إلى جانب سرعة إنهاء الإجراءات اللازمة لنقل الجثمان إلى مصر.

المحامي مصطفى ماجد (صفحته الرسمية)

ورغم الإعلان لم ينقطع الجدل، إذ كتب أحد متابعيه، ويدعى علي محمد، معبّراً عن قناعته بأن العوضي واجه ما وصفها بـ«منظومة مصالح» داخل القطاع الطبي تشمل أطباء ومعامل وشركات أدوية. وزعم أن هذه المنظومة تستفيد من المرضى عبر الإكثار من الوصفات الطبية والفحوص، وترتبط بعلاقات دعائية وتسويقية مع شركات الأدوية.

غير أن هذه الفرضية يرفضها الدكتور أسامة حمدي الذي رأى أن وقوع الوفاة نتيجة «جلطة قلبية مفاجئة» كان «أمراً متوقعاً»، وكتب في منشور عبر حسابه في «فيسبوك»: «مع الأسف، لقد توقعت تماماً ما حدث له حين رأيت نحافته الشديدة والمستمرة، وفقدانه الشديد لعضلات فخذيه، وشحوب وجهه وتوتره، نتيجة لنظام غذائي صارم ينتهجه، ويمنع عنه -عن عمد- كثيراً من الفيتامينات والأملاح المعدنية، وكثيراً من الأحماض الأمينية المهمة للعمليات الحيوية في الجسم، مع استمراره في التدخين بشراهة رغم التحذيرات المعروفة والمثبتة علمياً».

رأي خبراء الاجتماع

ويُبدي علماء اجتماع شكوكاً في أن هذا الجدل يحمل قدراً مما يُعرف بـ«الافتعال الإعلامي»، وهي أيضاً رؤية الدكتور سعيد صادق، أستاذ الاجتماع السياسي بالجامعة الأميركية، الذي لفت إلى أن العوضي «لم يكن لديه منتج علمي أو طبي ملموس يبرر فرضيات الاستهداف أو المؤامرة، مثل حالات شهيرة لعلماء في عالمنا العربي».

وأضاف قائلاً لـ«الشرق الأوسط»: «الانشغال الواسع بالقضية يعكس خللاً في ترتيب أولويات النقاش العام، خصوصاً في ظل التحديات الاقتصادية التي يواجهها المواطن المصري»، مضيفاً أن «تضخم مثل هذه القضايا يرتبط بطبيعة الإعلام الرقمي وسعي بعض الصفحات وراء (التريند) لما يحققه من عوائد سريعة».

وانتهى إلى أن «ثورة السوشيال ميديا أعادت تشكيل بيئة الإعلام، وأصبح البحث عن الانتشار هدفاً رئيسياً لدى كثير من المنصات»، مؤكداً أن ذلك يؤدي إلى تضخيم قضايا هامشية على حساب ملفات أكثر أهمية وتأثيراً في المجتمع.


قمع حوثي متصاعد في إب... واستحداث سجون سرية

حشد حوثي في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (أ.ف.ب)
حشد حوثي في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (أ.ف.ب)
TT

قمع حوثي متصاعد في إب... واستحداث سجون سرية

حشد حوثي في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (أ.ف.ب)
حشد حوثي في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (أ.ف.ب)

صعّدت الجماعة الحوثية من حملات القمع والاعتقالات في محافظة إب، في تطور يعكس تشديداً في القبضة الأمنية على واحدة من أعلى المحافظات اكتظاظاً بالسكان وأكبرها رفضاً لسلطة الجماعة الانقلابية، وذلك بالتزامن مع تحويل منشآت مدنية سجوناً سرية.

في هذا السياق، كشفت مصادر حقوقية عن استحداث الجماعة ما لا يقل عن 14 سجناً سرياً داخل منشآت مدنية وعسكرية في محافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، بينها مرافق رياضية وثقافية، في وقت ارتفع فيه عدد المعتقلين إلى أكثر من 150 شخصاً، بينهم ناشطون وتربويون وشباب، في سياق حملة تستهدف كبح أي تحرك مجتمعي معارض.

وتشير المعطيات المتداولة إلى أن هذه الحملة تأتي ضمن استراتيجية أمنية أوسع تهدف إلى إحكام السيطرة على المحافظة التي ظلت، خلال السنوات الماضية، بؤرة احتجاجات صامتة ومفتوحة ضد ممارسات الجماعة، خصوصاً في ظل تدهور الأوضاع المعيشية وغياب الخدمات الأساسية.

وتفيد مصادر حقوقية بأن ما يسمى «جهاز استخبارات الشرطة»، الذي يقوده علي الحوثي، نجل مؤسس الجماعة، يقف وراء موجة اعتقالات جديدة طالت أكثر من 40 شاباً في مركز المحافظة وأريافها خلال الأسابيع الأخيرة. وبذلك يرتفع عدد المعتقلين إلى أكثر من 150 شخصاً، في ظل اتهامات فضفاضة تتعلق بدعم الحكومة الشرعية أو معارضة سلطة الجماعة.

أكثر من مائة معتقل يمني في إب دون تهم واضحة خلال العام الماضي (إعلام محلي)

وأكدت منصة «ضمير»، المعنية بتوثيق قضايا المعتقلين والمُخفَين قسراً، أنها رصدت نحو 150 حالة اختطاف خلال العام الماضي والربع الأول من العام الحالي، «ضمن خطة أمنية منظمة تستهدف وأد أي نشاط مجتمعي مناهض».

ولفتت إلى أن هذه العمليات لا تجري عشوائياً، بل وفق آلية تبدأ بـ«الرصد والمتابعة، ثم تنفيذ مداهمات ليلية، تنتهي باقتياد المستهدفين إلى أماكن احتجاز سرية، دون أوامر قضائية».

وتركز الحملة، وفق تقرير المنصة، على فئات محددة في المجتمع، في مقدمتها المدرسون والناشطون المجتمعيون، «خصوصاً في فترات تشهد تصاعداً في الغضب الشعبي أو قبيل المناسبات الوطنية، حيث يُخشى من تحول هذا السخط احتجاجاتٍ ميدانية».

سجون سرية

من أبرز ما كشفت عنه المصادر الحقوقية استخدام الجماعة الحوثية منشآتٍ مدنيةً، بينها مرافق رياضية وثقافية، مراكزَ احتجاز سرية، في خطوة تعكس توسعاً في البنية الأمنية غير الرسمية.

وتشمل هذه المواقع أجزاء من معسكرات، مثل «معسكر الحمزة» في منطقة ميتم، و«معسكر القوات الخاصة» بمنطقة شبان، و«معسكر اللواء55» في مديرية يريم، إلى جانب مبانٍ أخرى توصف بأنها «بيوت آمنة».

كما جرى توسيع سجن المخابرات المعروف باسم «الأمن السياسي»، ليضم أعداداً متصاعدة من المعتقلين، وسط تقارير عن استخدام أساليب تعذيب لانتزاع اعترافات، في ظل غياب أي رقابة قضائية أو حقوقية.

تحويل منشآت رياضية في إب سجوناً حوثية سرية للنشطاء (إعلام محلي)

ويثير تحويلُ المنشآت المدنية أماكنَ احتجازٍ مخاوفَ واسعة من تآكل ما تبقى من البنية المدنية في المحافظة، فضلاً عن تداعيات ذلك على الحياة الاجتماعية والثقافية، إذ كانت إب تُعرف قبل سنوات بأنها «عاصمة السياحة» في اليمن.

على وقع هذه التطورات، أعلنت منصة «ضمير» ما سمتها «قائمة العار»، التي تضم قيادات حوثية قالت إنها مسؤولة بشكل مباشر عن إدارة السجون السرية وحملات القمع في إب. وتهدف هذه الخطوة، وفق المنصة، إلى وضع هؤلاء تحت طائلة المساءلة القانونية مستقبلاً.

وتضم القائمة هادي الكحلاني، المعين مديراً لأمن المحافظة، ونائبه حميد الرازحي، ورئيس فرع ما يسمى «جهاز الأمن والمخابرات»، زيد المؤيد، إضافة إلى عدد من القيادات المحلية المتهمة بتنفيذ الاعتقالات والتغطية على الانتهاكات، من بينهم بكيل غلاب ويحيى القاسمي وعبد الباري الطالبي وأشرف الصلاحي.

وتشير المصادر إلى أن بعض هؤلاء يلعبون أدواراً مزدوجة، تجمع بين العمل الأمني والاستفادة المالية من ملف المعتقلين، عبر شبكات وساطة تبتزّ أسر الضحايا مقابل وعود بالإفراج، غالباً ما يتبين لاحقاً أنها زائفة.

اقتصاد الابتزاز

وفق شهادات حقوقية، تحوّل ملف المعتقلين في إب مصدرَ دخلٍ غير مشروع لبعض المتنفذين، حيث تُفرض على الأسر مبالغ مالية كبيرة مقابل تسهيلات مزعومة أو وعود بالإفراج. وفي كثير من الحالات، يُشترط على الأسر عدم التواصل مع وسائل الإعلام أو المنظمات الحقوقية.

ويرى ناشطون أن هذه الممارسات تعكس ما يصفونه بـ«نظام رهائن»، حيث يُعتقل الأفراد ليس فقط لأسباب سياسية، بل أيضاً لأغراض مالية أو نتيجة وشايات كاذبة. ويشمل ذلك مدرسين يطالبون برواتبهم، وشباباً يشاركون في فعاليات وطنية، وحتى أطباء وناشطين مدنيين.

عنصر حوثي في صنعاء يمسك رشاشاً على متن عربة عسكرية (إ.ب.أ)

وفي ظل هذه التطورات، تتصاعد الدعوات من قبل ناشطين ومنظمات حقوقية إلى ضرورة تحرك عاجل من المجتمع الدولي لمحاسبة المسؤولين عن هذه الانتهاكات. ويؤكد هؤلاء أن تحويل المنشآت المدنية سجوناً سرية، وممارسة التعذيب، والإخفاء القسري، كلها تشكل انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي الإنساني.

كما يطالبون بفتح تحقيقات مستقلة، وضمان وصول المنظمات الدولية إلى أماكن الاحتجاز، والإفراج الفوري عن جميع المعتقلين دون تهم واضحة، ووضع حد لسياسات القمع التي تستهدف المجتمع المحلي في إب.

ويرى مراقبون أن ما يجري في محافظة إب يمثل نموذجاً مصغراً لسياسات أوسع تتبعها الجماعة في مناطق سيطرتها، حيث تُستخدم الأدوات الأمنية لإدارة المجتمع بالقوة، في ظل غياب مؤسساتِ الدولة وسيادةِ القانون.