الجزائر: إنجازات وتحولات... وثوابت

هكذا عاشت عام 2017

عز الدين ميهوبي وزير الثقافة الجزائري
عز الدين ميهوبي وزير الثقافة الجزائري
TT

الجزائر: إنجازات وتحولات... وثوابت

عز الدين ميهوبي وزير الثقافة الجزائري
عز الدين ميهوبي وزير الثقافة الجزائري

كلّما تعلّق الأمرُ بنهاية سنة وبداية أخرى، أجدُني بين وضعين مختلفين متخالفين، وبينَ حالين متميّزين متمايزين، وضعِ مغادرٍ مدبر، وحالِ حائلٍ مقبل، أغلق خزانة السنة القديمة وأفتح خزانة السنة الجديدة... فحين تغادرك اللحظة ويهرب منك الحاضرُ ليسكن الماضي، فهذا لا يعني أنّ تلك اللحظة قد امّحت واختفت، إنّها حيّة موجودة في الزمان... إنّنا في النهاية نقصدُ أحداثاً ونغادر أخرى، وحين تهربُ منّا الأحداث وتنفلتُ لتصبح جزءاً من الماضي فإنّها بالتأكيد تتقاطعُ مع الأحداث التي تسكن الآتي ولم تحدث بعد، الحدثُ في النهاية إمّا واقعٌ أو متوّقعٌ... إمّا وقع وانتهى وإمّا لم يقع بعدُ... فلا يمكنُ أن أتحدث عن نهاية سنة دونَ أنْ أتحدّث عن فلسفة الزمان المرعبة والتي وجب التعامل معها بكثير من الوعي والإدراك.
لعلّ أهمّ حدثين مرّا على الجزائر خلال سنة 2017، هما تعزيزُ التقدّم الديمقراطي وترتيبُ البيت السياسي باستحقاقين انتخابيين، الانتخابات التشريعية 04 مايو (أيار) والانتخابات المحليّة 23 نوفمبر (تشرين الثاني)، وهما الحدثان اللّذان ترتّب عنهما تشكيل مجلس شعبي وطني جديد (برلمان)، ومجالس بلديّة وولائيّة جديدة.
وللجزائر تجربة عميقة وراسخة في تسيير العملية الانتخابية بدأتْ منذُ تسعينات القرن الماضي، فالصّرحُ الديمقراطي التعدّدي ما فتئ يتدعّم في البلاد بلبناتٍ واثقة ومؤسسة على الشفافية والنزاهة والحريّة، ولعلَّ الشعب الجزائري من خلال هذين الحدثين تمكّن من اختيار ممثليه في مختلفِ الهيئات والمؤسسات التي تُعنى بتشريع قوانينه وتسيير حياته اليومية.
الأكيدُ أنّ عملية التحوّل الديمقراطي التي اعتمدتها الجزائر لم تكن سهلة تماماً؛ إذ تخللتها مكابدات سياسية وأمنية معقّدة، ولم تكن «فاتورتها» زهيدة، بل كثيرٌ من التضحيات والندوب التي تركتها أزمة التسعينات في جسد المجتمع الجزائري الذي تخطّى حقل الألغام وتعافى من ذلك بعد عمل سياسي وقانوني وثقافي شاق، تمّ استباقه بتشريح للأزمة - المأساة، وبتفكيك للواقع الاجتماعي بمخطط أرسى دعامته الرئيس عبد العزيز بوتفليقة من خلال اعتماء مصالحة وطنية وإصلاحات شاملة؛ إذ أدرك الجزائريون في النهاية، أنّهم شركاء في تسيير مرحلة ما بعد الإرهاب، وتكريس شرعية المؤسسات، والمساهمة في إدارة الشأن السياسي للبلاد ضمن التنوّع السياسي والحزبي، سلطة ومعارضة، ومنطلق هذا، الوعي الجماعي للفرد الجزائري الذي صار العالم أمامه مفتوحاً على خبرات وتجارب سياسية أخرى قد تكون ناجحة أو فاشلة.
ومن أجل هذا فقد تعزّزت المنظومة التي تسيّر الاقتصاد الجزائري بجملة من الترتيبات والقوانين، أهمّها مراجعة قانون القرض والنقد، وهو ما سيساعدُ على تدعيم اقتصاد وطني حيوي ونشيط يعتمدُ على الطاقات البديلة والاستثمار الحقيقي في شتّى المجالات، ولا سيما في الصناعة والزراعة مع تدعيم تجربة المؤسّسات المصغرة والمتوسّطة لتكونَ رهاناً حقيقياً سيأتي بثماره بعد سنوات قليلة إن شاء الله، وإنّ رغبة الحكومة في تحقيق هذه الخيارات بعد تحديدها ستثمر حسب توقعات المختصين والخبراء بمنظومة اقتصادية قويّة تكون بديلاً حقيقيّاً لصادرات النفط الحالية، ومن هذا الموقع لا بدّ من التذكير بدعوة الحكومة لكلّ المستثمرين والفاعلين الاقتصاديين في العالم إلى اكتشاف البيئة الاقتصادية في الجزائر، بعد تشريع كثير من التسهيلات للراغبين في الاستثمار.
لكنَّنا في النهاية مجبرون على حماية هذه القوانين وحماية تطوّر عملية النموّ الاقتصادي في البلاد بتعزيز شبكات الأمن المختلفة، سواء تعلّق الأمر بمكافحة الاتّجار غير الشرعي لمختلف المنتجات وإيقاف تهريبها خارج الحدود، أو بمكافحة آفة المخدّرات التي تتسلل إلى شبابنا أيضاً من الحدود أو بمكافحة الإرهاب والتطرّف المتسلل إلينا من الحدود الشرقيّة والجنوبية، وفي هذا الصدد فقد لعبت خبرة المؤسسة العسكرية بمختلف قواتها دوراً قوياً في القضاء على أي بادرة لعودة مثل هذه الجماعات الإرهابية المتطرفة التي يبدو أنّ كثيراً منها حفظ درس تيقنتورين (2013)، فالجيش الوطني الشعبي تمكّن في السنوات الماضية ـ رغم خطورة الوضع في دول الجوار ـ ولا سيما سنة 2017 من وضع حدّ لتقدم خطر الموت والدمار، فكانت حدودنا الشرقيّة مقبرة حقيقيّة للإرهابيين الدمويين.
في هذه السنة، انتخب الرئيس عبد العزيز بوتفليقة نائباً لرئيس الاتحاد الأفريقي، ويعلم الجميعُ أنَّ البعد الأفريقي في السياسة الجزائريّة على قدرٍ كبير من الأهميّة؛ ذلكَ أنّ الجزائرَ بلدُ التنوّع والاختلاف، والأبعاد الكثيرة التي تشكّل الهوية والانتماء الجزائريين هي في الحقيقة مصدر ثراء ثقافي وسياسي وفكري كبير.
وشهدت الجزائر زيارة عديد من الزعماء، شكّلت فيها زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الاستثناء؛ لطبيعة العلاقات التاريخية وثقل الملفات وحساسية بعضها، ورغم أنّ الجانب الاقتصادي أضحى يأخذ حيّزاً مهماً بين البلدين، فإنّ ملف الذاكرة يبقى حاضراً باستمرار، مع تسجيل تطوّر نوعي في معالجة بعض القضايا ذات الصّلة، بينها موافقة الرئيس الفرنسي على استعادة جماجم المقاومين الجزائريين المحفوظة في متحف الإنسان بفرنسا، بعد استيفاء بعض الإجراءات القانونية، وهي خطوة ذات دلالات مرتبطة بملف استعادة الأرشيف بكلّ أبعاده.
في سياق الذاكرة، تميزت سنة 2017 برحيل المفكّر والسياسي رضا مالك، واحدٌ من أبرز الوجوه السياسيّة والفكرية في الجزائر، ومن ضمن أهمّ الفاعلين في مفاوضات إيفيان التي جرت قبيل الاستقلال بأشهر، وهو الذي تبوأ عديداً من المناصب الدبلوماسية والحكومية، وعرف بسجالاته الفكرية والسياسية وجرأته في مواجهة خصومه، وبدرجة أخصّ في التيار الإسلامي.
لا يختلف اثنان في أنّ للدبلوماسيّة الجزائريّة ثوابت ومعالم، تأسست على عقيدة الثورة الجزائريّة، وتعزّزت بقامات عديدة، أبرزها الرئيس عبد العزيز بوتفليقة الذي حاور وفاوض في مسيرته الطويلة كبار العالم أمثال ديغول وويلي برانت، وبريجنيف وتشي غيفارا وشوون لاي وغيرهم، أبقى على ذلك الخط في إدارته للشأن الخارجي للجزائر، بالحفاظ على استقلالية القرار والموقف من كلّ القضايا حتّى تلك التي تتسم بالحساسية العالية، من قبيل أن الجيش الجزائري محكوم بمبدأ عدم التدخل في نزاعات خارج حدوده؛ لأنّ الجزائر تتبنى مبدأ الحوار أوّلاً وثانياً وأبداً؛ لهذا فإنّ 2017 شهدت محافظة الجزائر على هذه القاعدة، وأنصفها التاريخ كثيراً.
لا يمكنُ أن نمرّ على سنة 2017 دون أنْ نتذكّر القرارَ المؤسف والمجحف للرئيس الأميركي بإعلان القدس عاصمةً للكيان الإسرائيلي، إنّه القرار المؤلم الذي تعتبره الجزائر تجاوزاً للقرارات الأممية في شأن القضية الفلسطينية، ودوساً على حقوق شعب يشهد كلّ العالم بالظلم الواقع عليه بسبب السياسات غير المنصفة، وطبيعي أن يستمرّ الجزائريون في ترديد مقولة الرئيس بومدين «نحن مع فلسطين ظالمة أو مظلومة». هناك أحداث كثيرة في الثقافة والفنّ سنة 2017، لعلّ أهمّها تمكنّنا من إنجاز فيلم سينمائي يجسّد حياة العلّامة عبد الحميد ابن باديس، في فترة وجيزة جدّاً، الفيلم الذي انطلق تصويره فعلياً في يونيو (حزيران) 2016، تمّ عرضه الشرفي الأول في مايو 2017، وهي السنة التي عادَ فيها صاحب رائعة «آفافا إينوفا» الفنان الكبير إيدير، معلناً عودته بعد غياب دام قرابة أربعين عاماً؛ إذ سيحيي حفلين يومي 4 و5 يناير (كانون الثاني) 2018.
كما شهدت2017 تكريم الفنّان الكبير لونيس آيت منقلات بالدكتوراه الفخرية في جامعة تيزي وزّو ضمن الاحتفالات بمئوية الكاتب الراحل مولود معمري، دون أن ننسى إطلاق تسمية اسم محمد فوزي، الفنان المصري الكبير، على المعهد العالي للموسيقى بالجزائر العاصمة بتوصية من رئيس الجمهورية مع إسدائه وسام الاستحقاق الوطني ما بعد الوفاة، باعتباره ملحّن النشيد الوطني الجزائري الخالد «قسماً» الذي كتب كلماته شاعر الثورة مفدي زكريّا. وهي اللفتة التي تفاعل معها الرأي العام في مصر والجزائر؛ كونها تعبّر عن وفاء وعرفان من الجزائر لهذا الفنان العبقري، حيث تنازلت عائلته عن حقوقها المادية للدولة الجزائرية.
2017 كانت سنة الاحتفاء بالثقافة الأفريقية في الجزائر من خلال جنوب أفريقيا، ضيف شرف المعرض الدولي للكتاب، الحدث الثقافي الأبرز والأكثر استقطاباً في الجزائر بمليوني زائر... كما تميزت السنة بتكريس علوّ كعب الكتاب الجزائريين في المشهد الثقافي العربي من خلال مشاركاتهم العديدة في مختلف اللقاءات الأدبية والثقافية، ولعلّ الأهمّ هو فوز ثلاثة كتّاب جزائريين بأهم جوائز «كتارا»، هم سعيد خطيبي، وعبد الوهاب عيساوي، والدكتور بشير ضيف الله... كما شهدنا تنظيم عديد من الفعاليات في السينما والمسرح والأدب ومختلف الفنون، على غرار مهرجان وهران الدولي للفيلم العربيّ، وهو الذي كان بوابة حقيقية لعودة التتويجات إلى السينما الجزائرية التي فازت بأهم جوائز المهرجان، فضلاً عن مهرجان الفيلم الملتزم الذي يعكس القيم الإنسانية والنضالية التي رسّختها الثورة الجزائرية كواحدة من ثوابتها. ورحلت عنّا خلال هذا العام أسماء وازنة في المشهد الثقافي والفكري والإبداعي، بينها المفكر والسياسي العربي دماغ العتروس، والذي يعدّ من ضمن أبرز رموزنا الثقافية والنضالية، وأحد أبرز فناني الجزائر من المجدّدين في عالم الموسيقى الراحل بلاوي الهواري الذي تسلّم من الرئيس وسام الاستحقاق الوطني قبل أشهر قليلة من وفاته، تاركاً خزانة فنية كبيرة ومهمة... وكانت بداية السنة قد عرفت فقداننا واحداً من أبرزِ جهابذة اللغة العربية والمعروف بـ«أبو اللسانيات» وهو المرحوم عبد الرحمن حاج صالح، رئيس المجمع الجزائري للغة العربية سابقاً، والحائز جائزة الملك فيصل العالمية.
ونزلت خلال 2017 الجزائر ضيف شرف على مهرجان «سوق عكاظ» بالطائف في المملكة العربية السعودية، حيث احتفت المملكة بجوانب من التراث الثقافي الجزائري، واعتبر الأمير سلطان بن سلمان بن عبد العزيز حضور الجزائر خطوة نحو بناء جسور تبادل ثقافي دائم خدمة للتراث العربي.
في الختام، نأمل أن تكون سنة 2018 سنة خير وبركة على البشريّة جمعاء، وأن يعمّ الأمن والسلامُ الشارع العربيَّ، نتمنى أنْ تكون سنة تراجعُ فيها الشعوب العربيّة خياراتها الثقافيّة ورهاناتها الاجتماعيّة.



تعهدات «مجلس السلام» تحت اختبار التنفيذ وسط تعقيدات ميدانية بغزة

فلسطينيون يسيرون بجوار الملاجئ وسط أنقاض المباني المدمرة في مدينة غزة (أ.ف.ب)
فلسطينيون يسيرون بجوار الملاجئ وسط أنقاض المباني المدمرة في مدينة غزة (أ.ف.ب)
TT

تعهدات «مجلس السلام» تحت اختبار التنفيذ وسط تعقيدات ميدانية بغزة

فلسطينيون يسيرون بجوار الملاجئ وسط أنقاض المباني المدمرة في مدينة غزة (أ.ف.ب)
فلسطينيون يسيرون بجوار الملاجئ وسط أنقاض المباني المدمرة في مدينة غزة (أ.ف.ب)

الاجتماع الأول لـ«مجلس السلام»، الذي ترأسه الرئيس الأميركي دونالد ترمب، بحضور عربي إسرائيلي وغياب للسلطة الفلسطينية، فتح الباب لأفكار عديدة، اختصرتها واشنطن في أموال إعمار قطاع غزة، ونزع سلاح حركة «حماس»، بينما كانت المطالب العربية مرتبطة بتنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار بالقطاع كاملاً ونشر قوات الاستقرار الدولية وتمكين لجنة التكنوقراط من عملها دون عراقيل من تل أبيب.

تلك المخرجات لهذا الاجتماع الذي حضره ممثلون من أكثر من 40 دولة، ومراقبون من 12 دولة أخرى، يراه خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، قد لا تنجح في اختبار التنفيذ، لأن هناك عراقيل عديدة أبرزها عدم الانسحاب الإسرائيلي، وعدم الوصول إلى تفاهمات واضحة بشأن نزع سلاح «حماس»، وهو ما سيعقد التنفيذ بصورة كبيرة وقد تقود الاتفاق لتعثر أو تجميد.

مخاوف

وأكد الرئيس الإندونيسي، برابوو سوبيانتو، ضرورة توخي الحذر من جهود يمكن أن تقوض عملية السلام في غزة، حسب ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية»، عن وكالة «أنتارا نيوز» الإندونيسية، الجمعة.

ويحمل التحذير الإندونيسي مخاوف من التنفيذ غداة مشاركته في تدشين ترمب «مجلس السلام»، الذي شهد تركيزاً على إعادة إعمار قطاع غزة الذي مزّقته الحرب الإسرائيلية، وتشكيل قوة استقرار دولية فيه.

وأعلن ترمب أن بلاده ستتبرع بمبلغ 10 مليارات دولار للمجلس، مشيراً إلى أن السعودية وكازاخستان وأذربيجان والإمارات والمغرب والبحرين وقطر وأوزبكستان والكويت ساهمت بأكثر من 7 مليارات دولار للحزمة الإغاثية لغزة.

وشدّد ترمب على نزع سلاح «حماس»، بقوله إن الحركة ستسلم أسلحتها كما وعدت، محذراً من «ردّ قاسٍ» إذا لم تفعل. وقال: «العالم الآن ينتظر (حماس) وهي العقبة الوحيدة التي تقف في طريقنا حالياً».

ولم يختلف معه وزير خارجية إسرائيل، جدعون ساعر، في كلمته، باجتماع مجلس السلام، معلناً دعمه خطة نزع سلاح «حماس» وغيرها من الفصائل، وسبقه رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو بالتأكيد قبل الاجتماع أنه «لن يكون هناك إعادة إعمار قبل نزع سلاح غزة».

فيما أعلن الجنرال جاسبر جيفرز، قائد قوة الاستقرار الدولية التي تم تشكيلها حديثاً، في كلمته بالاجتماع، أن إندونيسيا والمغرب وكازاخستان وكوسوفو وألبانيا تعهدت جميعاً بإرسال قوات للمشاركة في الجهود. بالإضافة إلى ذلك، وافقت مصر والأردن، البلدان المحاذيان لقطاع غزة، على تدريب قوات الشرطة والأمن.

بينما أكدت مصر في كلمتها التي ألقاها رئيس الوزراء مصطفى مدبولي، أهمية الحفاظ على الارتباط بين الضفة الغربية وغزة، لتمكين السلطة الفلسطينية من استئناف مسؤولياتها في القطاع، داعياً لتمكين الفلسطينيين من مباشرة أمورهم، وتمكين «لجنة التكنوقراط»، من مباشرة أعمالها من داخل القطاع وبكل مناطقه.

وتعهد رئيس مجلس الوزراء القطري وزير الخارجية الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، في كلمته، بتقديم الدوحة مليار دولار لدعم مهمة المجلس للتوصل إلى حل نهائي، مؤكداً أن مجلس السلام تحت قيادة ترمب «سيدفع للتنفيذ الكامل لخطة الـ20 بنداً دون تأخير».

الملاكمة الفلسطينية الهاوية النازحة فرح أبو القمسان أمام أنقاض مبنى مدمر في مدينة غزة (أ.ف.ب)

ويرى المحلل في الشؤون الإسرائيلية في مركز الأهرام للدراسات، الدكتور سعيد عكاشة، أن ما تم طرحه في «مجلس السلام» لا يحمل خططاً واضحة، وسيقود لارتباك في تنفيذ الاتفاق وربما تعثر وجمود، مشيراً إلى أن ترمب سارع في تحقيق إنجاز بتدشين المجلس دون التركيز على إنهاء العقبات والوصول إلى تفاهمات لها أولاً.

ويتفق معه المحلل السياسي الفلسطيني، نزار نزال، مشيراً إلى أن «تعهدات المجلس قد تتعثر في اختبار التنفيذ لأنه مُصَر على المضي في نقاط اقتصادية مثل جلب أموال للإعمار دون إعلان خطة واضحة أو نقاط أمنية مثل نزع سلاح (حماس) دون الحديث عن انسحاب إسرائيل أو مستقبل الحركة».

وتابع: «هذا البعد عن الالتزامات السياسية للمجلس يعد إشكالية وسيصطدم بتعقيدات أمنية تؤخر تنفيذ البنود الشائكة مثل نشر قوات الاستقرار أو انسحاب إسرائيل أو تمكين (لجنة التكنوقراط)».

أولوية «حماس»

بالمقابل، واصلت «حماس» عدم الصدام مع تصريحات ترمب التي يصدرها بشأن نزع سلاحها الأيام الأخيرة، معلنة في بيان الخميس، أن أي ترتيبات في قطاع غزة يجب أن تبدأ بـ«وقف كامل للعدوان الإسرائيلي».

وتعقيباً على الاجتماع، أكدت «حماس»، في بيان، مساء الخميس، أن «أي مسار سياسي أو ترتيبات تُناقش بشأن قطاع غزة ومستقبل شعبنا الفلسطيني يجب أن تنطلق من وقف كامل للعدوان ورفع الحصار وضمان الحقوق الوطنية المشروعة لشعبنا، وفي مقدمتها حقه في الحرية وتقرير المصير».

فيما قال الوسيط الأميركي بشارة بحبح في تصريحات صحافية الخميس، إن نزع سلاح «حماس» مرهون بتقديم ضمانات وحماية عناصرها.

ويستبعد عكاشة أن يتوقف العدوان في غزة، كما تريد «حماس»، طالما لم يتم نزع السلاح، حسب ما تكشف عنه التصريحات الأميركية والإسرائيلية، مشيراً إلى أن «هذا المسار التي ترسمه الحركة يقول إنها تريد البقاء وهو ما لن يسمح باستكمال بنود الاتفاق وقد نفاجأ بعودة للحرب، في ظل عدم حسم واشنطن صلاحيات وموعد نشر قوات الاستقرار».

ويعتقد نزال أنه «لا يمكن التفاوض مع (حماس) على انتهاء وجودها وتقبل، لا بد أن يتم بحث مستقبلها، وإنهاء معادلة المقايضات والتوجه لتفاهمات حقيقية وجادة».


الحوثيون يعطّلون مشاريع خدمية في 5 محافظات يمنية

قيادات حوثية تشرف على حفر آبار مياه في إحدى المديريات بمحافظة إب (إكس)
قيادات حوثية تشرف على حفر آبار مياه في إحدى المديريات بمحافظة إب (إكس)
TT

الحوثيون يعطّلون مشاريع خدمية في 5 محافظات يمنية

قيادات حوثية تشرف على حفر آبار مياه في إحدى المديريات بمحافظة إب (إكس)
قيادات حوثية تشرف على حفر آبار مياه في إحدى المديريات بمحافظة إب (إكس)

شهدت خمس محافظات يمنية خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية تعطيل عدد من المشاريع الخدمية الحيوية، في تطور وصفته مصادر حقوقية بأنه سعي من الجماعة الانقلابية لمفاقمة المعاناة الإنسانية والضغوط المعيشية على ملايين السكان.

وشملت عمليات الإيقاف والتعطيل مشاريع مياه وطرق رئيسية كانت تمثل شريان حياة لآلاف الأسر اليمنية، خصوصاً في المناطق الريفية التي تعاني أصلاً من ضعف الخدمات الأساسية وارتفاع معدلات الفقر.

وتشير إفادات محلية إلى أن مشاريع عدة وصلت إلى مراحل متقدمة من التنفيذ بجهود مجتمعية وتمويلات محلية أو خيرية، قبل أن تتوقف بصورة مفاجئة نتيجة تدخلات مباشرة أو غير مباشرة من قبل مشرفين تابعين للجماعة الحوثية، الأمر الذي تسبب في حرمان آلاف المواطنين من خدمات حيوية، وفي مقدمتها مياه الشرب ووسائل التنقل الآمنة.

ويرى مراقبون أن تعطيل هذه المشاريع يأتي في توقيت تواجه فيه البلاد واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية عالمياً، في ظل تدهور الاقتصاد وتراجع القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف المعيشة، ما يجعل أي توقف في الخدمات الأساسية عاملاً مضاعفاً لمعاناة السكان.

نساء وأطفال في محافظة حجة يتدافعون للحصول على مياه للشرب تبرع بها فاعلو خير (فيسبوك)

في هذا السياق، تحولت أزمة المياه في محافظة عمران (50 كيلومتراً شمال صنعاء) إلى محور احتجاجات شعبية متواصلة في قرية ضحيان التابعة لمديرية خارف، حيث خرج السكان في مظاهرات غاضبة تنديداً بتعطيل مشروع مياه عمومي يخدم نحو ثلاثة آلاف نسمة. ورفع المحتجون لافتات تطالب بإعادة تشغيل المشروع ومحاسبة المتسببين في تعطيله، مؤكدين أن انقطاع المياه حوّل حياتهم اليومية إلى معاناة مستمرة.

وبحسب شهادات محلية، فإن المشروع توقف منذ أشهر طويلة نتيجة صراع بين مشرفين حوثيين على الإيرادات المالية الخاصة به، بعد اتهامات متبادلة بنهب العائدات وتحويلها لمصالح شخصية. وأدى ذلك الخلاف إلى توقف كامل للخدمة، تاركاً السكان دون مصدر منتظم لمياه الشرب.

ويؤكد أحد أبناء المنطقة (تحدث باسم مستعار) أن تجاهل مطالب الأهالي يعكس حجم الإهمال الذي تعانيه المناطق الريفية، محذراً من تداعيات صحية خطيرة مع استمرار انقطاع المياه، خصوصاً في ظل غياب البدائل وارتفاع أسعار نقل المياه من مناطق بعيدة.

وتشير مصادر حقوقية إلى أن أزمة المياه في عمران نموذج متكرر لواقع الخدمات في مناطق عدة، حيث تتحول المشاريع العامة إلى أدوات نفوذ وصراع، بدلاً من كونها وسائل لتحسين حياة السكان.

ابتزاز وتعطيل في إب

في محافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء) أفادت مصادر محلية بتوقف مشروع مياه يخدم عشرات القرى في مديرية العدين غرب المحافظة، بعد ضغوط وعمليات ابتزاز تعرض لها القائمون على المشروع من قبل نافذين حوثيين. ويخدم المشروع سكان نحو خمسين قرية في عزلة «بني هات»، وكان يوفر المياه بأسعار منخفضة تتناسب مع الظروف الاقتصادية المتدهورة للأهالي.

وأوضحت المصادر أن القائمين على المشروع رفضوا دفع إتاوات مالية مفروضة عليهم، الأمر الذي أدى إلى إيقاف المشروع منذ مطلع الشهر الحالي. ويأتي ذلك في وقت يعاني فيه السكان أصلاً من نقص مزمن في الخدمات الحكومية، ما جعل المشروع يمثل شرياناً أساسياً للحياة اليومية.

الحوثيون يستهدفون بالطيران المسيّر معدات لشق طريق للسكان جنوب تعز (إكس)

ويقول سكان محليون إن توقف المشروع أجبر كثيراً من الأسر على شراء المياه بأسعار مرتفعة، ما استنزف دخولهم المحدودة، خصوصاً مع ارتفاع تكاليف النقل والوقود. كما حذر ناشطون من أن استمرار تعطيل المشاريع المجتمعية قد يدفع المبادرات المحلية إلى التراجع خوفاً من الضغوط أو الخسائر.

ويرى مراقبون أن فرض الإتاوات على المشاريع الخدمية يهدد بوقف المبادرات التنموية القائمة على الجهود المجتمعية، والتي أصبحت تمثل بديلاً شبه وحيد لتعويض غياب المؤسسات الحكومية الفاعلة.

استهداف الطرق

في محافظة تعز (جنوب غربي) توقفت أعمال شق طريق حيوي في مديرية سامع جنوب المدينة عقب استهداف معدة هندسية بطائرة مسيّرة، ما أدى إلى توقف كامل للمشروع الذي كان من المنتظر أن يسهم في ربط عدد من القرى المعزولة وتسهيل حركة السكان والبضائع.

وأثار الحادث موجة استياء واسعة بين الأهالي، الذين رأوا أن استهداف المشاريع الخدمية يمثل تهديداً مباشراً لحياتهم اليومية، مطالبين بتوفير حماية للمبادرات التنموية وضمان عدم تعرضها لأي أعمال عسكرية أو استهداف مباشر.

أما في محافظتَي ريمة وحجة (جنوب غربي وشمال غربي)، فقد اتهم مواطنون وناشطون الجماعة الحوثية بعرقلة مشاريع مياه وصيانة طرق رئيسية وفرعية، ما تسبب في تفاقم عزلة القرى الجبلية وارتفاع تكاليف التنقل والحصول على المياه. ويعاني أكثر من 120 ألف نسمة في حجة من شح حاد في مياه الشرب، في حين يواجه سكان ريمة صعوبات يومية بسبب تهالك الطرق ووعورة التضاريس.

جانب من احتجاجات سابقة أمام مبنى محافظة عمران الخاضعة للحوثيين (إكس)

وأجبر تدهور الطرق كثيراً من المرضى على قطع مسافات طويلة للوصول إلى المرافق الصحية، كما عاق وصول المساعدات الإنسانية إلى مناطق نائية، ما فاقم الوضع الإنساني والصحي للسكان.

ويؤكد محللون أن تعطيل مشاريع المياه والطرق لا يقتصر أثره على الخدمات المباشرة فحسب، بل يمتد ليؤثر على قطاعات الصحة والتعليم والتجارة، ويعمق حالة الاعتماد على المساعدات الإنسانية.

وفي ظل هذه التطورات، دعا ناشطون ووجهاء محليون إلى تحييد المشاريع الخدمية عن الصراعات السياسية والعسكرية، والسماح باستكمالها باعتبارها ضرورة إنسانية مُلحّة.


«الرئاسي اليمني» يتوعد بالتصدي لعناصر التخريب والفوضى

عناصر «المجلس الانتقالي الجنوبي» المنحل حاولوا اقتحام القصر الرئاسي بعدن (أ.ب)
عناصر «المجلس الانتقالي الجنوبي» المنحل حاولوا اقتحام القصر الرئاسي بعدن (أ.ب)
TT

«الرئاسي اليمني» يتوعد بالتصدي لعناصر التخريب والفوضى

عناصر «المجلس الانتقالي الجنوبي» المنحل حاولوا اقتحام القصر الرئاسي بعدن (أ.ب)
عناصر «المجلس الانتقالي الجنوبي» المنحل حاولوا اقتحام القصر الرئاسي بعدن (أ.ب)

على خلفية محاولة عناصر موالية لما كان يُعرف بـ«المجلس الانتقالي الجنوبي» اقتحام القصر الرئاسي في عدن، شدد مجلس القيادة الرئاسي اليمني على أنه لن يسمح بحدوث فوضى في المدينة أو في سائر المحافظات الجنوبية، متهماً قوى إقليمية بالضلوع في تحركات مشبوهة لزعزعة الاستقرار وتقويض وحدة الصف.

وقال مصدر مسؤول في رئاسة مجلس القيادة، إن قيادة الدولة تابعت بأسف بالغ ما أقدمت عليه عناصر خارجة عن النظام والقانون من أعمال تحريض، وحشد مسلح ومحاولات متكررة للاعتداء على مؤسسات الدولة في العاصمة المؤقتة عدن، وما نجم عنها من سقوط ضحايا غداة انعقاد أول اجتماع للحكومة الجديدة التي شرعت في تحديد أولوياتها للنهوض بأوضاع المحافظات المحررة، وتحسين الخدمات، وتعزيز سُبل العيش الكريم للمواطنين.

وأوضح المصدر أن الأجهزة الأمنية تعاملت مع هذا التصعيد غير المسؤول بأقصى درجات ضبط النفس، وعملت على تفريق التجمعات التي حاولت قطع الطرقات وإثارة الشغب، واستهداف قوات الأمن بينما كانت تقوم بواجباتها الوطنية في حماية المنشآت السيادية وحفظ الأمن العام، وفقاً للقانون.

قوات الأمن تواجه أنصار «المجلس الانتقالي الجنوبي» المنحل خلال اشتباكات أمام القصر الرئاسي في عدن (أ.ب)

وأعرب المصدر عن بالغ الأسف لسقوط ضحايا جرّاء هذا التصعيد المنظم، مؤكداً أن الجهات التي قامت بالتمويل، والتسليح، والتحريض، ودفع عسكريين بزي مدني إلى المواجهة مع قوات الأمن، تتحمل كامل المسؤولية السياسية والأخلاقية والقانونية عن إراقة مزيد من دماء اليمنيين، والمقامرة بأمن العاصمة المؤقتة، ومصالح أبنائها.

وأكد المصدر الرئاسي أن قيادة الدولة، مع احترامها الكامل لحق التعبير السلمي المكفول دستورياً، تُشدد على أن أي اعتداء على مؤسساتها الوطنية أو تعطيل لعملها، أو استخدام الشارع وسيلة ضغط لتحقيق أهداف سياسية غير مشروعة، يُعد مساساً بالشرعية الدستورية ومصالح المواطنين، وسيُواجه بحزم، ولن يُسمح بتكراره تحت أي ظرف.

رسالة حاسمة

وأشار المصدر في مجلس القيادة الرئاسي اليمني إلى أن انعقاد الحكومة الجديدة في العاصمة المؤقتة عدن، يمثل رسالة حاسمة على مضي الدولة في استعادة انتظام جميع مؤسساتها من الداخل، وتكريس نموذج الاستقرار، والبناء على جهود السعودية في تطبيع الأوضاع، وتحسين الخدمات العامة، والشروع في حزمة مشروعات إنمائية سريعة الأثر، بما يؤسس لمرحلة واعدة في حياة المواطنين.

وأكد المصدر أن التوقيت المتزامن لهذا التصعيد مع التحسن الملموس في الخدمات، والتحضيرات الجارية للمؤتمر الجنوبي برعاية السعودية، يُثير تساؤلات جدية حول الدور المشبوه لبعض القوى الإقليمية التي تسعى لإعادة إنتاج الفوضى وتعطيل أي مساعٍ لتوحيد الصف الوطني في مواجهة التهديد الوجودي المتمثل في الميليشيات الحوثية الإرهابية المدعومة من النظام الإيراني.

الحكومة اليمنية الجديدة عقدت أول اجتماع لها في عدن (إكس)

وشدد المصدر على أن الدولة لن تسمح بتحويل عدن والمحافظات الجنوبية إلى ساحة للفوضى، وتنفيذ مشروعات إقليمية مشبوهة، وأنها ماضية، بدعم من السعودية، في حماية مواطنيها ومصالحهم العليا، وردع أي أنشطة تستهدف زعزعة الأمن والاستقرار أو تعطيل مسار البناء وإعادة الإعمار، واستعادة مؤسسات الدولة.

كما دعا المصدر الرئاسي المواطنين في عدن وبقية المحافظات المحررة إلى التعاون مع الأجهزة الأمنية لحماية المكتسبات المتحققة، وعدم الانجرار وراء دعوات الفوضى الصادرة عن عناصر فارين من وجه العدالة وكياناتها المنحلة المدعومة من الخارج، في إشارة إلى ما كان يُسمى «المجلس الانتقالي الجنوبي».

واختتم المصدر الرئاسي تصريحه بالقول: «إن مستقبل الجنوب لن يُبنى بالاعتداء على مؤسسات الدولة أو تعطيلها، بل بإعادة إعمارها، وتحسين خدماتها، والمشاركة الواعية والمسؤولة في الحوار الجنوبي المرتقب».