المغرب... طي صفحة ابن كيران

عام العودة إلى «الاتحاد الأفريقي» الذي وسم المسار الدبلوماسي للبلد

المغرب... طي صفحة ابن كيران
TT

المغرب... طي صفحة ابن كيران

المغرب... طي صفحة ابن كيران

في العاشر من شهر أكتوبر (تشرين الأول) 2016 كلّف الملك محمد السادس الأمين العام لحزب العدالة والتنمية عبد الإله ابن كيران تشكيل الحكومة الجديدة، بعد إحراز الحزب موقع الصدارة في الانتخابات التشريعية.
اعتبر كثير من الباحثين والمراقبين أن الرئيس المعيّن سينجح في تشكيل تحالف حكومي أكثر قوة وانسجاما، مقارنة مع التجربة السابقة التي خرج منها حزب الاستقلال، وتنصّل بعض أطرافها من تحمّل المسؤولية بصدد حصيلتها النهائية، غير أن تأخّر تشكيل هذا التحالف لأكثر من خمسة أشهر رغم المفاوضات الواسعة والمكثّفة التي فتحها ابن كيران مع عدد من الأحزاب السياسية، أبرز وجود تباين في المواقف بين عدد من الأطراف، وخلّف حالة من الانتظار والاستياء في أوساط الرأي العام، بالنظر للكلفة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية لهذا التأخر.
ومع استمرار التباعد والتباين في المواقف، بدا أن المفاوضات وصلت إلى الباب المسدود.
في هذه الأجواء، قام الملك محمد السادس، واستنادا إلى مقتضيات الدستور، بإعفاء ابن كيران ؛ وعيّن محلّه الدكتور سعد الدين العثماني رئيس المجلس الوطني للحزب ذاته، كسبيل لتجاوز حالة الانتظار التي طالت أكثر من اللازم، وهو الخيار الذي بدا أنه الأقل كلفة من الناحية السياسية والمادية، مقارنة مع خيارات أخرى من قبيل إعادة الانتخابات أو تعيين قيادي من حزب آخر. لم يجد العثماني صعوبة كبيرة في مشاوراته التي أفضت إلى تشكيل تحالف حكومي في مدة قصيرة، تشكّل من ستة أحزاب سياسية هي حزب العدالة والتنمية، وحزب التجمع الوطني للأحرار، وحزب الحركة الشعبية، وحزب الاتحاد الدستوري، وحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية وحزب التقدم والاشتراكية.

تداعيات حادثة الحسيمة
أعادت الاحتجاجات السّلمية التي شهدتها بعض مناطق الريف في شمال المغرب منذ مقتل بائع سمك (محسن فكري) سحقا داخل شاحنة للنفايات بمدينة الحسيمة في أكتوبر 2016، فتح النقاش حول نجاعة التنمية المحلية.
وفي هذا الصدد أكّد رئيس الحكومة دكتور سعد الدين العثماني في أحد الحوارات التلفزيونية أن الأمر بيد السلطة القضائية... ويبدو اليوم أن ثمّة قناعة لدى مختلف الفاعلين بأن التنمية والديمقراطية هما الوسيلتان الناجعتان لمواجهة مختلف الأزمات بشكل مستدام.

ربط المسؤولية بالمحاسبة
تميزت سنة 2017 بسلسلة خطب ملكية حملت لغة صارمة تضمنت تحذيرات، إزاء اختلالات طبعت أداء عدد من النخب الإدارية والسياسية، على مستوى تدبير الشؤون العامة. فخلال خطاب العرش بتاريخ 29 يوليو (تموز) الماضي، حذّر العاهل المغربي من المقاربات السياسية والحزبية الضيّقة التي تستحضر المصالح الذاتية دون الوطن، منتقدا النخب التي يظلّ همها كسب المقاعد والتمكّن من السلطة دون تحمّل مسؤولياتها إزاء المواطنين وقضاياهم المختلفة.
وشكّل افتتاح الملك الدورة الأولى من السنة التشريعية الثانية للولاية العاشرة بتاريخ 13 أكتوبر الماضي مناسبة للتذكير بهذا المبدأ، وبالاختلالات والمشكلات التي تطبع النموذج التنموي للمغرب، وللدعوة إلى إعادة النظر في هذا النموذج، بما يستجيب وتطلعات المواطن، في إطار من المسؤولية.
وبتاريخ الرابع والعشرين من أكتوبر الماضي، وبناء على تقرير أعده المجلس الأعلى للحسابات (قضاء مالي) بشأن برنامج «الحسيمة... منارة المتوسط»، الذي تضمن مجموعة من الاختلالات التي عرفها المشروع، قام الملك محمد السادس واستناداً إلى مقتضيات الفصل 47 من الدستور المغربي، بإعفاء عدد من المسؤولين الوزاريين، وعبّر عن عدم رضاه على أداء عدد من زملائهم المعنيين بهذه الاختلالات في التجربة الحكومية السابقة، ليتوالى بعد ذلك مسلسل الإعفاءات التي طالت عددا من المسؤولين في مناصب إدارية عليا بسبب وجود اختلالات أو تقصير في الأداء.
وتنسجم هذه التدابير مع الصلاحيات الدستورية التي تستأثر بها المؤسسة الملكية باعتبارها الساهرة على احترام الدستور وحسن سير المؤسسات. ومع مرتكزات ربط المسؤولية بالمحاسبة، وهو ما يشكل رسالة واضحة إلى كل المؤسسات ومختلف الفاعلين لأجل توخّي تدبير ناجع ولتفعيل هذا المبدأ الدستوري بشكل يدعم تخليق الحياة العامة وتجويد السياسات العمومية.

تعزيز التوجّه المغربي نحو أفريقيا
منذ انضمام المغرب إلى الاتحاد الأفريقي بشكل رسمي في 30 يناير (كانون الثاني) الماضي، وهو يسعى إلى تعزيز علاقاته مع دول القارة على مختلف الواجهات.
يحيل الانضمام إلى وعي المغرب بالإمكانات الاستراتيجية الكبرى التي تختزنها القارة والتطورات التي شهدتها في مختلف المجالات، بشكل يحسم الصورة النمطية التي ظلت تربط القارة بالمجاعات والانقلابات والأوبئة والتخلّف، فأفريقيا اليوم تشهد تهافتا عالميا غير مسبوق، كما أن عددا من دولها يحقق نموا اقتصاديا مذهلا، فيما برزت فيها تجارب ديمقراطية واعدة، أفرزت نخبا جديدة تعي حجم التحديات التي تواجه أفريقيا، وتستوعب مصالحها الاستراتيجية.
قام العاهل المغربي بزيارات كثيرة لمجموعة من الأقطار الأفريقية، بصورة تعكس جدية المغرب في الانفتاح على محيطه الأفريقي، واقتناعه أيضا بأن الانضمام هو مجرّد بداية للمرافعة بشأن عدد من قضاياه.
وجاءت خطوة طلب الانضمام إلى المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا «سيدياو» لتعزز هذه التوجهات مع هذا الإطار الإقليمي الفرعي الذي يجعل من التعاون التجاري والاقتصادي بين أعضائه ضمن أهم انشغالاته وأولوياته.
وخلال مشاركة العاهل المغربي في أعمال الدورة الخامسة لقمّة الاتحاد الأفريقي - الاتحاد الأوروبي، يومي 29 و30 نوفمبر بحضور أكثر من 80 دولة من الجانبين، دعا في رسالة وجّهها إلى المشاركين إلى إرساء علاقات بنّاءة بين الجانبين تكون في مستوى التحولات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية التي شهدتها القارة الأفريقية، وإلى تطوير الشراكة الاقتصادية بينهما في إطار من الثّقة والتوازن والندّية.
ولا تخفى الانعكاسات الإيجابية التي خلفها انضمام المغرب للاتحاد الأفريقي بالنسبة لملف الصحراء، فقد شهدت هذه السنة أيضا رحيل رئيسة البعثة الأممية للصحراء «مينورسو»، كيم بولدوك، بعد سنوات شهدت فيها العلاقات بين هذه البعثة والمغرب محطات من التوتر.

المشهد الحزبي... بين المدّ والجزر
طوى حزب الاستقلال خلال 2017 صفحة أمينه العام عبد الحميد شباط، بانتخاب نزار بركة أمينا جديدا للحزب بـ924 صوتا مقابل 234 صوتا لمنافسه، بعد تنامي الخلافات الداخلية التي كادت تعصف بوحدة الحزب في السّنوات الأخيرة، وفي أعقاب المؤتمر الوطني السابع عشر للحزب الذي مرّ في ظروف طبعها التوتر والارتباك.
من جانب آخر، وبعد جدال واسع ونقاشات متباينة، حسم المجلس الوطني لحزب العدالة والتنمية موضوع تجديد الولاية الثالثة لعبد الإله ابن كيران على رأس الأمانة العامة للحزب، حيث جاء التصويت بالمجلس رافضا لهذا الخيار. وهو ما فتح الباب لانتخاب سعد الدين العثماني، رئيس الحكومة الحالي، أمينا عاما جديدا للحزب بعدما حصل على 1006 أصوات، مقابل 912 صوتا، لمنافسه إدريس الأزمي الإدريسي ضمن أحد أصعب المؤتمرات التي مرّ منها الحزب وهو تحت محكّ العمل الحكومي.
وإذا كان هناك من اعتبر هذا الرحيل سيؤثر بالسلب في مسار وتصاعد الحزب، بل وإلى حدوث تصدع داخلي سيفقده كثيرا من حضوره وقواعده، بالنظر إلى الشعبية التي يحظى بها ابن كيران، فإن عددا من المراقبين والباحثين اعتبروا القرار كان صائبا ويصبّ في مصلحة الحزب، لكونه يقطع مع مظاهر «شخصنة» هذا الأخير، ويدعم ديمقراطيته الداخلية وتجدّد نخبه، والانصياع للإطار التنظيمي لهذا الأخير في تدبير الخلافات.



تنديد عربي - إسلامي بحديث سفير أميركي عن «حق إسرائيل في الشرق الأوسط»

السفير الأميركي لدى إسرائيل مايك هاكابي (رويترز)
السفير الأميركي لدى إسرائيل مايك هاكابي (رويترز)
TT

تنديد عربي - إسلامي بحديث سفير أميركي عن «حق إسرائيل في الشرق الأوسط»

السفير الأميركي لدى إسرائيل مايك هاكابي (رويترز)
السفير الأميركي لدى إسرائيل مايك هاكابي (رويترز)

أثارت تصريحات السفير الأميركي لدى إسرائيل مايك هاكابي بشأن «حق إسرائيل في السيطرة على الشرق الأوسط» استهجاناً عربياً وإسلامياً، وإدانات في مصر والأردن وفلسطين.

وأدان الأمين العام لجامعة الدول العربية، أحمد أبو الغيط، في إفادة رسمية، السبت، التصريحات التي وصفها بـ«بالغة الخطورة»، في حين قالت «منظمة التعاون الإسلامي» إنها «دعوة غير مقبولة لتوسيع إسرائيل».

وقال السفير الأميركي لدى إسرائيل مايك هاكابي، في مقابلة مع الإعلامي الأميركي تاكر كارلسون، مساء الجمعة، إنه «لا بأس» إذا استولت إسرائيل على كامل أراضي الشرق الأوسط، متحججاً بنصوص دينية من «العهد القديم»، مشيراً إلى أن لإسرائيل «حقاً دينياً في الاستيلاء على الشرق الأوسط، أو على الأقل على الجزء الأكبر منه».

وعدّ هاكابي «إسرائيل أرضاً منحها الله، من خلال إبراهيم، إلى شعب مختار»، ما يعني أن «بإمكان إسرائيل المطالبة بأرض تشمل في الأساس كامل الشرق الأوسط».

وعدّ أبو الغيط التصريحات «مخالفة لأبجديات الدبلوماسية وأعرافها الراسخة كافّة، فضلاً عن مجافاتها للمنطق والعقل، وتناقضها مع سياسات الولايات المتحدة ومواقفها على طول الخط»، مشيراً إلى أن التصريحات «تستهدف مغازلة الجمهور اليميني في إسرائيل»، حسب المتحدث باسم الأمين العام للجامعة العربية جمال رشدي.

وأكد المتحدث باسم الأمين العام، أن «مثل هذه التصريحات المتطرفة التي لا تقف على أي أساس، تؤدي إلى تأجيج المشاعر وإثارة العواطف الدينية والوطنية، في وقت تجتمع فيه الدول تحت مظلة (مجلس السلام) من أجل بحث سبل تطبيق اتفاق غزة، واغتنام هذه الفرصة لإطلاق مسار سلمي جدي».

كما أدانت منظمة التعاون الإسلامي التصريحات «الخطيرة وغير المسؤولة» لهاكابي وعدّتها «دعوة غير مقبولة لتوسيع إسرائيل»، استناداً إلى «سردية تاريخية وآيديولوجية زائفة ومرفوضة»، محذرة من أن «هذا الخطاب الآيديولوجي المتطرف، من شأنه أن يغذّي التطرف ويشجع الاحتلال الإسرائيلي على مواصلة إجراءاته غير القانونية القائمة على التهجير والاستيطان».

وأدانت مصر «التصريحات المنسوبة إلى هاكابي». وأعربت، في بيان لوزارة الخارجية السبت، عن «استغرابها صدور هذه التصريحات التي تتناقض مع الرؤية التي طرحها الرئيس الأميركي دونالد ترمب والنقاط العشرين ذات الصلة بإنهاء الحرب في قطاع غزة، وكذلك مؤتمر (مجلس السلام) الذى عُقد في واشنطن، الخميس».

وجدّدت مصر التأكيد على أنه «لا سيادة لإسرائيل على الأرض الفلسطينية المحتلة أو غيرها من الأراضي العربية»، مشددة على «رفضها القاطع لأي محاولات لضمّ الضفة الغربية أو فصلها عن قطاع غزة، وكذلك رفض توسيع الأنشطة الاستيطانية في الأرض الفلسطينية المحتلة».

وكان الرئيس الأميركي ترمب قد عارض، في مقابلة مع موقع «أكسيوس» الشهر الحالي، ضم إسرائيل الضفة، وقال: «لدينا ما يكفي من الأمور التي تشغلنا الآن... لسنا بحاجة إلى الخوض في شؤون الضفة الغربية»، وفي سبتمبر (أيلول) الماضي، قال ترمب إنه «لن يسمح بضم الضفة الغربية».

كما أدانت وزارة الخارجية الأردنية، السبت، تصريحات هاكابي. ورفض الناطق الرسمي باسم الوزارة السفير فؤاد المجالي، في إفادة نشرتها «وكالة الأنباء الأردنية»، ما وصفه بـ«التصريحات العبثية والاستفزازية»، وعدّها «تمثّل انتهاكاً للأعراف الدبلوماسية، ومساساً بسيادة دول المنطقة، ومخالفةً صريحةً للقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، وتتناقض مع موقف الرئيس الأميركي المعلن في رفض ضم الضفة الغربية المحتلة».

وأكّد المجالي أن «الضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية وقطاع غزة أرض فلسطينية محتلة، حسب القانون الدولي»، وأن «إنهاء الاحتلال وتجسيد الدولة الفلسطينية المستقلة على كامل الأرض الفلسطينية المحتلة على أساس حل الدولتين وفق القانون الدولي هو السبيل الوحيد لتحقيق السلام العادل والشامل».

وشدد على «أهمية تضافر كل الجهود لتثبيت الاستقرار في غزة وتنفيذ خطة الرئيس الأميركي وقرار مجلس الأمن (2803) بدلاً من إصدار تصريحات عبثية تصعيدية غير مسؤولة ولا قيمة قانونية لها ولا أثر».

وأدانت وزارة الخارجية الفلسطينية تصريحات هاكابي. وأكدت أنها «تناقض الحقائق الدينية والتاريخية، والقانون الدولي، فضلاً عن تناقضها مع ما أعلنه الرئيس الأميركي برفض ضم الضفة الغربية».

وعدّت «الخارجية الفلسطينية»، التصريحات «دعوة صريحة إلى الاعتداء على سيادة الدول، ودعماً للاحتلال للاستمرار في حرب الإبادة والتهجير وتنفيذ مخططات الضم والتوسع العنصري بحق الشعب الفلسطيني، وهو ما رفضه المجتمع الدولي بأكمله».

وأثارت تصريحات هاكابي استياء وردود فعل عربية غاضبة على منصات التواصل الاجتماعي، وسط مطالبات بإدانتها ومواجهة المخططات الإسرائيلية.

ووصف الإعلامي المصري أحمد موسى تصريحات هاكابي بـ«الخطيرة والمستفزة». وقال في منشور عبر حسابه على منصة «إكس»، إن «تلك التصريحات هي المخطط الحقيقي لإسرائيل على المدى البعيد، ما يتطلّب اليقظة والحذر من طموحاتهم التوسعية وغطرستهم». وحذر من «انتهاك سيادة الدول القوية، لأن الرد سيكون مزلزلاً».

بدوره، أشار مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي إلى أن تصريحات هاكابي «ليست مفاجئة». وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «هاكابي من أكبر أنصار الاستيطان وسبق أن عبّر عن موقفه ودعمه لإسرائيل مراراً، ما يجعل تعيينه سفيراً لبلاده في الولاية الثانية لترمب مقصوداً وتأكيداً على دعم واشنطن لإسرائيل». وأكد «ضرورة وجود موقف عربي قوي وشجاع وواضح لمواجهة مخططات إسرائيل الاستيطانية».

وكان هاكابي قد أعلن تأييده لضم إسرائيل كامل الضفة الغربية. كما اقترح خلال مقابلة مع هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) في يونيو (حزيران) الماضي أن تتخلى «دول إسلامية» عن بعض أراضيها لإقامة دولة فلسطينية مستقبلية.

وتعرض هاكابي لانتقادات داخل بلاده العام الماضي عقب استقباله جوناثان بولارد، اليهودي الأميركي الذي سُجن 30 عاماً بتهمة التجسس لصالح إسرائيل، وخيانة الولايات المتحدة.


«المرحلة الثانية» من «اتفاق غزة» تنشد «انتقالاً منضبطاً» لتجاوز التعثر

فلسطينيون يسيرون بجوار الملاجئ وسط أنقاض المباني المدمرة في مدينة غزة (أ.ف.ب)
فلسطينيون يسيرون بجوار الملاجئ وسط أنقاض المباني المدمرة في مدينة غزة (أ.ف.ب)
TT

«المرحلة الثانية» من «اتفاق غزة» تنشد «انتقالاً منضبطاً» لتجاوز التعثر

فلسطينيون يسيرون بجوار الملاجئ وسط أنقاض المباني المدمرة في مدينة غزة (أ.ف.ب)
فلسطينيون يسيرون بجوار الملاجئ وسط أنقاض المباني المدمرة في مدينة غزة (أ.ف.ب)

تراوح المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة مكانها منذ نحو شهر من إطلاقها نظرياً وفق تصريحات أميركية، وسط دعوات لانتقال منضبط نحوها لتحقيق الاستقرار، وعدم تجدد القتال.

ويرى خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط» أن الانتقال يجب أن يكون متوازياً وسلسلاً بحيث ينفذ طرفا الحرب «حماس» وإسرائيل التزاماتهما بالتوازي، مما يجنب المرحلة الثانية حالة التعثر الحالية، وسط مخاوف من احتمال تجدد الحرب، وتأخر تنفيذ الاتفاق، مقابل تعويل على أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب سيضغط من أجل تحقيق انتصار شخصي يقربه من حلم جائزة نوبل للسلام.

وأفادت «وكالة أنباء الشرق الأوسط» الرسمية في مصر، السبت، بأن «الهلال الأحمر المصري يواصل جهوده الإنسانية في استقبال وتوديع الدفعة 15 من الجرحى والمرضى والمصابين الفلسطينيين الوافدين، والمغادرين، ومرافقتهم في إنهاء إجراءات العبور».

وينتظر هؤلاء المغادرون إلى غزة آمالاً بشأن اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، الذي يشهد تعثراً في مرحلته الثانية منذ إعلان واشنطن بدءها في 15 يناير (كانون الثاني) الماضي، وسط استشعار المجتمع الدولي مخاطر تهدد الاتفاق.

وأكدت وزيرة الخارجية البريطانية، إيفيت كوبر، وجود فرصة سانحة لكسر دوامة العنف، والمعاناة، وصولاً إلى سلام، وأمن دائمين في الشرق الأوسط، محذرة من أن وقف إطلاق النار في قطاع غزة لا يزال هشاً في ظل رصد انتهاكات من الطرفين قد تقوض مسار الخطة الأميركية للسلام.

ودعت في تصريحات مساء الجمعة إلى انتقال منضبط في «المرحلة الثانية»، بما يشمل نشر قوة الاستقرار الدولية بالتوازي مع انسحاب الجيش الإسرائيلي، ومعالجة الأزمة الإنسانية، مع التشديد على شرط نزع سلاح حركة «حماس»، وضمان عدم توليها أي دور في إدارة القطاع مستقبلاً.

منازل مدمرة في مخيم النصيرات وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)

الخبير بـ«مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية»، الدكتور عمرو الشوبكي، يرى أن «المرحلة الثانية تحتاج بالأساس إلى انتقال بالتوازي، خاصة أن خطة ترمب تنص على نزع سلاح (حماس)، لكنها أيضاً تنص على انسحاب إسرائيل بالكامل من القطاع، وبالتالي يجب النظر إلى غزة بعين واحدة، ويجب أن يخاطب الجميع بالتزاماتهم دون تركيز على طرف دون الآخر».

وأشار إلى أن «المرحلة الثانية تتمثل في إنهاء الوجود العسكري لـ(حماس)، وهذا لن يتحقق إلا إذا التزمت إسرائيل بالالتزامات التي يجب أن تنفذها، ومنها الانسحاب من غزة، وعدم استهداف الفلسطينيين، والذهاب لأفق سياسي، والسماح بوجود شرطة فلسطينية، وعمل لجنة التكنوقراط من القطاع».

وقال المحلل السياسي الفلسطيني، أيمن الرقب، إن «المرحلة الثانية تحتاج ليس فقط لانتقال منضبط، بل لانتقال سلس»، مستدركاً: «لكن هذه أمور شكلية للغاية، لأن الاتفاق أمامه كثير من العثرات على مستوى التنفيذ، سواء في نزع السلاح، أو انسحاب إسرائيل، أو نشر قوات الاستقرار الدولية، أو غيرها من البنود، بسبب غياب التفاهمات بشأنها».

ووسط ذلك، أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية»، الجمعة، بأن «حركة (حماس) استعادت السيطرة على جزء انسحب منه الجيش الإسرائيلي في قطاع غزة، ونشرت قوة شرطة محلية، وتعمل على إعادة تفعيل الإدارات العامة».

وذكر نيكولاي ملادينوف المبعوث الذي عينه ترمب للإشراف على التنسيق بعد الحرب في غزة خلال اجتماع «مجلس السلام» أن نحو ألفي فلسطيني سجلوا أسماءهم في جهاز الشرطة خلال الساعات الأولى من فتح باب التقديم.

فيما قال جاسبر جيفرز اللواء في الجيش الأميركي الذي عُيّن قائداً لقوة حفظ السلام متعددة الجنسيات في غزة في الاجتماع إن الخطة طويلة الأمد للقوة هي تدريب نحو 12 ألف شرطي للعمل في القطاع.

خيام وملاجئ في مخيم للنازحين قرب ساحة الجندي المجهول في مدينة غزة (أ.ف.ب)

ويرى الرقب أن الحديث عن 12 ألف شرطي سيدربون لا يكفي لتغطية غزة، موضحاً أن خروج شرطة «حماس» دون وجود بديل سيحدث فراغاً أمنياً، ولن تقبل به «حماس»، وستطرح الإحلال الجزئي عبر مرحلة انتقالية قد تمتد لأشهر، وبالتالي لا بد من الإسراع في هذا الانتقال المنظم وبشكل سلس عبر تفاهمات، محذراً من أن واشنطن قد تعمل في ظل هذا الجمود لبدء إعمار المناطق التي تحت سيطرة إسرائيل، وتسمح لتل أبيب بشن معارك ضد الحركة.

ويشير إلى أن المسار الأفضل لهذا الانتقال يكون عبر تفاهمات مع «حماس» تقوم على التدرج، لا سيما في تسليم وتسلم المهام الأمنية، موضحاً: «لكن كل ما نراه على أرض الواقع ليس حلاً لإنهاء الصراع، ولكن مسكنات مؤقتة لا تفضي إلا إلى إطالة أمد الأزمة».

قيما يعتقد الشوبكي أن إسرائيل مصرة على أن تدفع «حماس» فقط ثمن الاستحقاقات، لكن لا تزال هناك فرص لنجاح الخطة وعدم تعثرها حرصاً من ترمب، لأنه ينظر له كرجل سلام، ويبحث عن فرصة للحصول على جائزة نوبل وغيرها، مما يجعله يضغط أكثر رغم التفاصيل المعقدة، والتحديات الكثيرة لنجاح الاتفاق.


لماذا تغيب مصر عن المشاركة في «قوة الاستقرار» بغزة؟

صورة تذكارية للمشاركين في الاجتماع الأول لمجلس السلام (مجلس الوزراء المصري)
صورة تذكارية للمشاركين في الاجتماع الأول لمجلس السلام (مجلس الوزراء المصري)
TT

لماذا تغيب مصر عن المشاركة في «قوة الاستقرار» بغزة؟

صورة تذكارية للمشاركين في الاجتماع الأول لمجلس السلام (مجلس الوزراء المصري)
صورة تذكارية للمشاركين في الاجتماع الأول لمجلس السلام (مجلس الوزراء المصري)

جاء الإعلان عن الدول المشاركة في «قوة الاستقرار الدولية» بقطاع غزة، خلال الاجتماع الأول «لمجلس السلام» في واشنطن، دون أن يتضمن مصر التي اقتصر دورها على تدريب القوات الشرطية، ليطرح تساؤلات حول أسباب هذا الغياب.

وتعد «قوات استقرار غزة» أحد أبرز البنود للمرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، التي بدأت منذ منتصف الشهر الماضي، لكنها لم تر النور بعد رغم تشكل أجهزة تنفيذية عديدة، مثل «مجلس السلام» الذي يشرف على القطاع برئاسة ترمب، و«لجنة إدارة قطاع غزة» الفلسطينية.

وخلال الاجتماع الأول لـ«مجلس السلام العالمي» في واشنطن، الخميس، قال قائد قوة الأمن الدولية في قطاع غزة جاسبر جيفرز إن «5 دول تعهدت بإرسال قوات للمشاركة في قوة أمنية دولية لقطاع غزة»، وأشار إلى أن تلك الدول تضم «إندونيسيا، والمغرب، وكازاخستان، وكوسوفو، وألبانيا»، كما تعهدت دولتان بتدريب الشرطة، وهما مصر، والأردن.

الغياب المصري عن «قوة الاستقرار» أرجعه عسكريون ودبلوماسيون مصريون تحدثوا لـ«الشرق الأوسط» لعدم وجود ضمانات يرونها ضرورية لقبول القاهرة المشاركة بالقوات، مشيرين إلى أن مصر لديها رغبة في أن يتم تحديد مهام عملها وآليات وجودها داخل القطاع وكيفية تعاملها مع الفلسطينيين لكي لا تفاجأ بأنها في مواجهة «فصائل المقاومة»، إلى جانب تحديد دورها في التعامل مع الاعتداءات الإسرائيلية المستمرة، والممنهجة.

وأكدت الحكومة المصرية «استمرار دورها في تدريب عناصر الشرطة الفلسطينية»، وقال رئيس الوزراء المصري، مصطفى مدبولي، خلال الاجتماع الأول لـ«مجلس السلام» إن «بلاده ستواصل تدريب عناصر الشرطة الفلسطينية لحفظ الأمن داخل القطاع»، وأكد على «أهمية مهام محددة للمجلس التنفيذي لغزة، لدعم عمل اللجنة الوطنية لإدارة القطاع».

رئيس الوزراء المصري خلال مشاركته في الاجتماع الأول لمجلس السلام العالمي بواشنطن الخميس (مجلس الوزراء المصري)

ويرى الخبير العسكري اللواء سمير فرج أن «من المهم تحديد طبيعة مهمة (قوة الاستقرار) الدولية في قطاع غزة، قبل الحديث عن مشاركة مصر بقوات فيها»، وأشار إلى أن «هناك فارقاً بين ما إذا كانت المهمة لحفظ السلام أو لفرض السلام»، منوهاً إلى أنه «إذا كان الهدف فرض السلام فقد يعني ذلك اللجوء لتدخل عسكري في مواجهة عناصر (المقاومة الفلسطينية)، وهو ما لا تريده القاهرة».

ويقول فرج، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إن «مهمة قوة الاستقرار الدولية غير معروفة حتى الآن، وتحرص القاهرة على التريث لحين تحديد أدوار وآليات عمل هذه القوة»، وأشار إلى أن «مصر لم تتخلَّ عن دعم الفلسطينيين في غزة، حيث تتنوع تحركاتها ما بين دعم سياسي عبر استضافة (اللجنة التكنوقراط)، ودعم أمني من خلال تدريب أفراد الشرطة الفلسطينية، بالإضافة إلى الدور الإنساني والإغاثي من خلال المساعدات التي تقدم يومياً إلى سكان القطاع».

وشدد وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مراراً على أهمية «سرعة تشكيل ونشر قوة الاستقرار الدولية لمراقبة وقف إطلاق النار، وضمان تدفق المساعدات الإنسانية»، إلى جانب «دعم نشر عناصر الشرطة الفلسطينية للاضطلاع بدورها في حفظ الأمن».

فيما أرجع عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية، السفير يوسف الشرقاوي، عدم الإعلان عن مشاركة مصر بالقوة إلى عدم وجود ضمانات لا بد أن تتوفر أولاً، في مقدمتها «تحديد آليات عملها وكيف ستمارس أدوارها ومهمتها ونوع تسليحها وكيف ستتعامل مع الشعب الفلسطيني».

وأوضح في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن «هذه الضمانات ضرورية لحماية حقوق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره، مع أهمية ضمان عدم تجدد الاعتداءات الإسرائيلية الممنهجة بحق الفلسطينيين». ويعتقد أنه يجب «التفرقة بين أن يكون نشر (قوة الاستقرار) ضمن مسار مشروع حل الدولتين، أو أن وجودها في غزة يأتي كنوع من الوصاية الجديدة على الفلسطينيين ودعم الأمن الإسرائيلي».

ويوضح الشرقاوي أن «القاهرة لم تترك مساراً لدعم غزة إلا وسارت فيه، وأن السلام العادل والشامل لن يبدأ إلا بمسار سياسي شامل، يتضمن إجراءات لاستعادة الأمن، وإعادة الإعمار في قطاع غزة»، مشيراً إلى أن «(مجلس السلام العالمي) في اجتماعه الأول قدم تعهدات لدعم الفلسطينيين ومن المهم العمل على تنفيذها».