نقلة عسكرية نوعية في العراق تتطلب حذراً

العبادي أعاد التوازن إلى العلاقات الخارجية... وتعزيز الانتصار على «داعش» يكون بمعالجة أسباب ظهوره

نقلة عسكرية نوعية في العراق تتطلب حذراً
TT

نقلة عسكرية نوعية في العراق تتطلب حذراً

نقلة عسكرية نوعية في العراق تتطلب حذراً

أعظم ما ظفر به العراق من معارك التحرير ضد «داعش» خلال 2017 هو تعاظم قدرات القوات العراقية والتفاف الشعب حولها. وأكبر نكسة ستكون عند زجها في حروب داخلية سببها سيئات الساسة، حروب لا توحّد الشعب، ولا تنصر القضية والوحدة الوطنية، حروب خاسرة مهما كانت نتائجها.
سقوط الموصل في 10 يونيو (حزيران) 2014، كان مرعباً، وصادمًا، فأرتال القوات المسلحة العراقية التي انسحبت كانت تعادل 50 ضعفاً من حيث العدة والعدد مقابل القوة الإرهابية المهاجمة، «داعش» وحده أسقط المدن واحتل 32% من مساحة العراق، وتباهى بذلك، رغم محاولات بعثيين ومجاميع تسمي نفسها «ثوار العشائر» تبنّي المشاركة، لكن الوقت كان كفيلاً بفضح كذبهم.
الدّماء التي أُريقت من أجل التحرير كانت عزيزة وكبيرة، فحسب إحصائيات غير رسمية فإن عدد القتلى في صفوف القوات المسلحة في 1280 يوماً من المعارك تجاوز الـ14 ألف قتيل و53 ألف جريح، ونفقات مالية عسكرية ولوجيستية تجاوزت 7 مليارات دولار، وبلغت خسائر القوات الساندة من الحشد الشعبي والعشائري والمناطقي والأقليات أكثر من 8 آلاف قتيل و12 ألف جريح، بينما بلغ عدد النازحين والمهجّرين 3.4 مليون. وفي صفوف الأهالي والمواطنين اقترب عدد القتلى من 6 آلاف، فيما بلغ عدد الجرحى 20 ألفاً. أما خسائر البنية التحتية فتقدَّر بـ100 مليار دولار.
وطوال فترة احتلاله مناطق واسعة من العراق، كشف «داعش» عن طبيعته الدنيئة باستخدام الأطفال والمدنيين الآخرين دروعاً بشرية وتحويل المستشفيات والمساجد والجامعات والمدارس إلى منشآت لصنع الأسلحة وتخزينها، وقواعد لعملياته الإرهابية. وحسب تقديري فإن فشل الحكومات العراقية السابقة في إدارة ملف العدالة الانتقالية، والمصالحة المجتمعية، وإدارة التنوع، والتناحر السياسي، وسوء إدارة الأزمات، أوصل العراق إلى احتلال «داعش».

السيستاني في الواجهة بفتواه
في 13 يونيو 2014 زجّت المؤسسة الدينية الشيعية بنفسها في المواجهة مع «داعش» بفتوى «الجهاد الكفائي» التي حمت بغداد من احتلال «داعش»، بعد أن عجز الجيش عن أن يقوم بدوره، وكانت الفتوى حذرة لأنها كانت تخشى وتراقب احتمالية اشتعال فتيل حربٍ طائفية. توسع عدد المتطوعين وبدأ بـ6500 متطوع وانتهى اليوم بـ110 آلاف متطوع شيعي، و30 ألف متطوع سُني عشائري ومناطقي، و12 ألف متطوع من الأقليات الدينية والعرقية في شمال العراق، وأخذ البرلمان العراقي على عاتقه تشريع قانون لـ«هيئة الحشد الشعبي»، ولا تزال الرغبات الدولية بين حلها وأخرى بين دمجها في المؤسسات النظامية، لكن حكومة رئيس الوزراء العبادي ترى تحجيمهم بإصدار تعليمات عسكرية صارمة وتشريع قانونها، وهذا التوجه تؤيده مرجعية علي السيستاني ومقتدى الصدر وعمار الحكيم.
ومنذ إصرار رئيس الوزراء السابق نوري المالكي على انسحاب القوات الأميركية من العراق عام 2011، أرادت الإدارة الأميركية معاقبته بالإهمال، ونُقل عن مقربين بمكتب القائد العام القوات المسلحة أن المالكي كان يتصل بالبيت الأبيض مرتين كل شهر في عام 2013، يذكر فيهما خطر الجماعات الإرهابية، ويطلب طائرات لقصفها، وإن هذه الجماعات احتمت بالمتظاهرين، لكن أوباما كان يرى أن المالكي يريد أن ينتقم من خصومه السُّنة، ولذلك أبدت الإدارة الأميركية موقفاً بارداً من استغاثات المالكي، مشيرةً إلى أنّ عليه أن يصلح العلاقة مع القيادات السّياسيّة إلى توافق سياسي أولاً، وألمحت إلى ضرورة كسب «ثقة السنّة والكرد». وبدأت انتخابات 2014 قبل سقوط الموصل بشهرين وأُزيح المالكي، عقوبةً على سقوط الموصل رغم استحقاقه الديمقراطية بأحقية ولاية ثالثة لرئاسة الوزراء، وبدأ عهد الدكتور العبادي، نصفه إسلامي ونصفه الآخر ليبرالي، ويعمل على منهج الصبر الاستراتيجي وترتيب المعالجات والأولويات والتعامل بالاحتواء والمسايرة مع الخصوم الأقوياء.

العبادي وتصفية تركة المالكي
في الأعوام الثلاثة الأخيرة، بدأ الكثير من الأحزاب العراقية مراجعة سياساتها تجاه حكومة بغداد. بدأ هذا التوجه في سبتمبر (أيلول) 2014، عندما كُلف العبادي بتشكيل الحكومة، وكان في أوليات برنامجه تحرير المدن من «داعش»، وإصلاح العلاقات السياسية الداخلية والخارجية، وأعطى أوامره بإعادة النظر في شأن المكاتب العسكرية التي أسسها المالكي لإدارة الجيش والشرطة ووجودها في هيكلية الدولة العراقية، وكيف يجب أن تتعامل معها الحكومة الرسمية. تطور البرنامج الحكومي، وأصبحت المنظومة العسكرية العراقية تلملم جراحاتها وتتعاظم قدراتها، وأخذت الثقة في المحافظات السُّنية والكردية ومدن الأقليات تعود بالقوات المسلحة العراقية، وأصبح الناس يقولون عنهم جيش العراق لا جيش المالكي.
وأصبحت مخازن القوات المسلحة العراقية تمتلئ بالكثير من الأسلحة الخاصة بمكافحة الإرهاب عسكرياً، وتزاحمت الدول المصنعة على العراق لعقد صفقات تسليح خاصة ومتطورة، ونجح العراق في إصدار 4 قرارات أممية لدعم حربه على الإرهاب، كما نجح العراق في توفير كل الشروط اللازمة لإخراجه من وصاية البند السابع، وهذا يعد انتصاراً دبلوماسياً كبيراً، فمجلس الأمن يخلص إلى أنه تم تنفيذ جميع التدابير المفروضة بموجب برنامج النفط مقابل الغذاء في العراق بالكامل ويتبنى القرار 1958 (2017) بالإجماع، وأيضاً أصبح العراق جزءاً رئيسياً ومحورياً من منظومة التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة لمكافحة الإرهاب وفي 4 ملفات: الملف العسكري، وملف تجفيف منابع تمويل الإرهاب، وملف منع تدفق المهاجرين، وملف مكافحة إعلام وغواية «داعش» وإخوته.
ونجح العبادي في إعادة التوازن إلى العلاقات مع دول الجوار العراقي، وأصلح علاقات العراق مع الملكة العربية السعودية التي أصبحت عرّابة عودة العراق لعمقه العربي، وأيضاً جدد العلاقة مع تركيا ومصر والإمارات العربيّة، وعاد إلى اجتماعات الجامعة العربية، وأسهم في التعاون معها.

التحديات المقبلة
بعد حملة شجاعة دامت 3 سنوات من القتال المركّز، أعلن العبادي، التحرير الكامل لجميع الأراضي العراقية من سيطرة «داعش» في 10 ديسمبر (كانون الأول) 2017.‏
إن مقياس تحسن الوضع الأمني لا يعود إلى تفسير الإعلام الرسمي، لأنه متحيز ومتفائل بفعل الضوابط القانونية، ولكن المقياس هو ما نلمسه في الواقع الموصلي بعد التحرير من تحسن أمني نسبي، فهو نتيجة لتعاون الأهالي مع الأجهزة الأمنية وبقناعات ذاتية للأهالي.
وعمليات «داعش» الإرهابية في المدن المحررة التي يشنها بين فترة وأخرى انخفضت في نينوى وصلاح الدين والأنبار إلى 95‎%‎ قياساً بشهر أغسطس (آب) وما بعده، وهذا أكبر دليل على التحسن الأمني، وأيضاً تحسن ثقافة تعايش المجتمعات بعد عمليات التحرير ورغبتها الملحة في فرض نموذج المصالحة المجتمعية ولو بالقوة العسكرية.
النقلة العسكرية النوعية التي حققتها القوات المشتركة العراقية جعلت التنظيمات الإرهابية تفكر ألف مرة قبل ارتكاب أي حماقة في احتلال أي شبر من أرض العراق، وأفقدت «داعش» في العراق وسوريا خلال 3 أعوام 42 قائداً مؤسساً من أصل 43، و75 قائداً من الصف الأول من أصل 79، وتم تدمير القيادة الوسطى أكثر من مرة وعددهم 125 قائداً، وأيضاً هلاك 307 قادة ميدانيين، وتدمير 3 جيوش للتنظيم (جيش دابق، وجيش العسرة، وجيش الخلافة)، حيث هلك منهم قرابة 33 ألفاً من أصل 36 ألفاً، وحتى جيش فلول «داعش» الهاربة من معارك العراق وسوريا المسمى «جيش خالد بن الوليد» تم تدميره في المنطقة الشرقية في الجانب السوري.
بالتأكيد، إن تحرير العراق لا يعني نهاية القتال ضد الإرهاب وحتى ضد «داعش» في العراق، وعلى الأمن العراقي أن يستعد لمعركة الاستخبارات والمعلومات، وعلى الإعلام الاستعداد لهزيمة «داعش» في «خلافته الرقمية»، وعلى الجميع أن يكونوا يقظين في مواجهة جميع الآيديولوجيات المتطرفة لمنع عودة «داعش» أو ظهور تهديدات من جماعات إرهابية أخرى.



العليمي: السلام المستدام يبدأ بإنهاء المشروع الحوثي الإيراني

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي استقبل وفداً من المعهد الملكي البريطاني (سبأ)
رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي استقبل وفداً من المعهد الملكي البريطاني (سبأ)
TT

العليمي: السلام المستدام يبدأ بإنهاء المشروع الحوثي الإيراني

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي استقبل وفداً من المعهد الملكي البريطاني (سبأ)
رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي استقبل وفداً من المعهد الملكي البريطاني (سبأ)

شدد رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي على أن أي مقاربة دولية لإنهاء الحرب في اليمن لن تنجح ما لم تتعامل مع الجماعة الحوثية بوصفها جزءاً من مشروع إيراني عابر للحدود، وليس مجرد طرف سياسي محلي، محذراً من أن التركيز على الهدن المؤقتة وترتيبات وقف إطلاق النار لن يؤدي إلا إلى إدارة المخاطر وتأجيل أسباب الصراع، بدلاً من بناء سلام دائم ومستقر.

وقال العليمي، خلال لقائه وفداً من المعهد الملكي البريطاني (تشاتام هاوس)، إن الجماعة الحوثية لم تكن يوماً طرفاً مُقصًى من العملية السياسية كما تدّعي، مذكّراً بمشاركتها في مؤتمر الحوار الوطني، غير أنها ـ بحسب تعبيره ـ رفضت الانخراط كقوة سياسية داخل مؤسسات الدولة، وسعت إلى فرض واقع قائم على احتكار السلاح والسلطة خارج الدستور والشراكة الوطنية.

واتهم الرئيس اليمني بعض الدوائر الغربية والبحثية بسوء فهم طبيعة الوضع في مناطق سيطرة الحوثيين، موضحاً أن فرض القبضة الأمنية المشددة لا يعني وجود حالة استقرار سياسي أو اجتماعي طبيعي. وقال إن الخلط بين المدن الخاضعة بالقوة والمجتمعات التعددية أدى إلى مقاربات قاصرة في التعامل مع الأزمة اليمنية، خصوصاً فيما يتعلق بتوصيف الجماعة الحوثية كسلطة أمر واقع قابلة للاحتواء السياسي.

جانب من لقاء العليمي مع وفد من المعهد الملكي البريطاني (سبأ)

وأكد العليمي أن «السلام الحقيقي» لا يقتصر على تثبيت وقف إطلاق النار، بل يرتبط ببناء دولة تضمن الحقوق والحريات والمواطنة المتساوية لجميع اليمنيين، معتبراً أن التعامل مع الحوثيين بوصفهم سلطة طبيعية يمنح شرعية لفكرة «الحق الإلهي»، ويكرّس بقاء السلاح خارج مؤسسات الدولة.

وفي سياق حديثه عن المخاطر الأمنية، قال رئيس مجلس الحكم اليمني إن الجماعة الحوثية تجاوزت في ممارساتها كثيراً من التنظيمات الإرهابية، مشيراً إلى استخدامها الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة والألغام البحرية والسيارات المفخخة، إلى جانب استهداف الملاحة الدولية في البحر الأحمر، وتجريف الحياة العامة وتقييد الحريات في مناطق سيطرتها.

أمن البحر الأحمر

ربط العليمي بين استقرار اليمن وأمن الملاحة الدولية في البحر الأحمر، مؤكداً أن حماية الممرات البحرية لا تبدأ من البحر فقط، وإنما من معالجة مصادر التهديد على اليابسة وإنهاء الانقلاب الحوثي. وأضاف أن التطورات الإقليمية الأخيرة أثبتت ترابط الأمن اليمني والخليجي والدولي، خصوصاً مع تصاعد الهجمات على السفن التجارية وخطوط الملاحة الدولية.

وأشار رئيس مجلس القيادة الرئاسي إلى أن الشراكة مع المملكة العربية السعودية تمثل ضرورة جغرافية وأمنية واستراتيجية، فرضتها المصالح المشتركة وطبيعة التحديات القائمة، مثمّناً الدعم السعودي لليمن على المستويات العسكرية والأمنية والاقتصادية والإنسانية.

وقال إن الدعم السعودي لم يقتصر على مساندة الحكومة الشرعية في مواجهة الحوثيين، بل شمل أيضاً دعم الاقتصاد والخدمات العامة وإعادة بناء مؤسسات الدولة، وإنقاذ الأرواح عبر التدخلات الإنسانية والتنموية المختلفة.

كما تطرق اللقاء إلى الإصلاحات التي يقودها مجلس القيادة الرئاسي والحكومة، بما في ذلك توسيع مشاركة الشباب والنساء في مؤسسات الدولة، وإعادة هيكلة الأجهزة الأمنية، واستيعاب الكفاءات اليمنية في الداخل والخارج ضمن جهود تعزيز فاعلية مؤسسات الدولة وتحسين أدائها.

مباركة رئاسية

في سياق متصل، بارك رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني الاتفاق الذي تم التوصل إليه، الخميس، للإفراج عن نحو 1750 محتجزاً من مختلف الأطراف، في أكبر عملية تبادل منذ بدء الحرب، معتبراً الاتفاق «لحظة فرح وأمل»، وفرصة جديدة لتغليب الاعتبارات الإنسانية، ولمّ شمل العائلات قبل عيد الأضحى.

وأعرب العليمي، في تدوينة على منصة «إكس»، عن تقديره للدور الذي لعبته السعودية في إنجاز الاتفاق، مثمّناً كذلك جهود مكتب المبعوث الأممي، ووساطة كل من سلطنة عمان والأردن، إضافة إلى دور اللجنة الدولية للصليب الأحمر والفريق الحكومي المفاوض.

وكان الوفد الحكومي المعني بملف الأسرى والمحتجزين أعلن التوصل إلى الاتفاق بعد جولة مفاوضات انطلقت من العاصمة العُمانية مسقط في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، وفق قاعدة «الكل مقابل الكل»، موضحاً أن الاتفاق شمل التوقيع على الكشوفات وآلية التنفيذ، بما يمهد لانفراج إنساني واسع في واحد من أكثر الملفات تعقيداً منذ اندلاع الحرب اليمنية.


ألغام وجوع وحرمان... اليمنيون يدفعون ثمن الانقلاب الحوثي

الحوثيون زرعوا الألغام في الطرقات والمزارع ووسط التجمعات السكانية (إعلام محلي)
الحوثيون زرعوا الألغام في الطرقات والمزارع ووسط التجمعات السكانية (إعلام محلي)
TT

ألغام وجوع وحرمان... اليمنيون يدفعون ثمن الانقلاب الحوثي

الحوثيون زرعوا الألغام في الطرقات والمزارع ووسط التجمعات السكانية (إعلام محلي)
الحوثيون زرعوا الألغام في الطرقات والمزارع ووسط التجمعات السكانية (إعلام محلي)

كشف أحدث التقارير الأممية عن اتساع الكارثة الإنسانية في اليمن بصورة غير مسبوقة، بعد أكثر من عقد على انقلاب الجماعة الحوثية وإشعال الحرب، حيث باتت البلاد واحدة من أكثر دول العالم تلوثاً بالألغام التي زرعتها الجماعة، بالتزامن مع انهيار واسع في قطاعات التعليم والصحة والخدمات الأساسية، ودفع ملايين الأطفال إلى دائرة الفقر وسوء التغذية والحرمان من التعليم.

ووفق أحدث البيانات الصادرة عن منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف)، فإن أكثر من 4.5 مليون طفل يمني أصبحوا خارج مقاعد الدراسة، في وقت يواجه فيه ملايين الأطفال مخاطر الجوع والأمراض والعنف، بينما تتفاقم معاناة السكان نتيجة استمرار الحرب والانهيار الاقتصادي وتراجع المساعدات الإنسانية.

وأفاد التقرير الأممي بأن اليمن أصبح بعد سنوات من أكثر البلدان تلوثاً بالألغام التي زرعها الحوثيون في الطرقات والمزارع ومحيط التجمعات السكانية، وهو ما تسبب في سقوط آلاف الضحايا بين قتيل وجريح، بينهم أعداد كبيرة من الأطفال.

41 في المائة من أطفال اليمن يعانون من نقص الوزن نتيجة سوء التغذية (الأمم المتحدة)

وأكد التقرير أن خطر الألغام لا يزال يهدد حياة المدنيين بصورة يومية، خصوصاً في المناطق الريفية وخطوط التماس بين المواقع الحكومية والحوثية، حيث تتسبب هذه المتفجرات في إعاقات دائمة وتشويه حياة كثير من الأطفال والأسر، فضلاً عن عرقلة عودة النازحين واستئناف الأنشطة الزراعية والتنموية.

وفي الوقت ذاته، يواجه قطاع التعليم انهياراً واسعاً؛ إذ لا يزال أكثر من 4.5 مليون طفل خارج المدارس، نتيجة النزوح والفقر وتدمير البنية التعليمية، واستخدام كثير من المدارس لأغراض غير تعليمية خلال سنوات الحرب.

وتقول المنظمة الأممية إن استمرار حرمان الأطفال من التعليم يهدد بظهور جيل كامل فاقد لفرص التعلم والعمل، ويزيد من مخاطر الاستغلال والتجنيد والانخراط في دوائر العنف، خصوصاً مع اتساع رقعة الفقر والانهيار الاقتصادي.

كما أشار التقرير إلى أن ملايين الأطفال باتوا معرضين لمخاطر متزايدة تشمل العنف والاستغلال والعمالة القسرية والزواج المبكر، إلى جانب الأخطار المباشرة الناتجة عن الذخائر المتفجرة والألغام المزروعة في مناطق واسعة من البلاد.

سوء تغذية وأمراض

بحسب التقرير الأممي، بلغت مؤشرات سوء التغذية في اليمن مستويات وصفت بأنها من الأعلى في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، حيث يعاني 17 في المائة من الأطفال من الهزال، و49 في المائة من التقزم، فيما يعاني 41 في المائة من نقص الوزن نتيجة نقص الغذاء والرعاية الصحية.

وتتوقع الأمم المتحدة أن يعاني نحو نصف مليون طفل يمني من الهزال الشديد خلال العام الحالي، وهي حالات تهدد حياة الأطفال بصورة مباشرة وتتطلب تدخلات علاجية عاجلة، في وقت يعاني فيه القطاع الصحي من انهيار واسع ونقص حاد في التمويل والأدوية والمستلزمات الطبية.

وذكر التقرير أن طفلاً واحداً من بين كل 25 طفلاً في اليمن يموت قبل بلوغه سن الخامسة، نتيجة سوء التغذية والأمراض وضعف خدمات الرعاية الصحية، بينما يفتقر أكثر من 17.8 مليون شخص إلى خدمات الصحة والمياه والصرف الصحي والنظافة.

الحوثيون حولوا المدارس إلى مراكز لتغذية الأطفال بالأفكار المتطرفة وحمل السلاح (إعلام محلي)

كما يعاني ملايين اليمنيين من تدهور الأوضاع الاقتصادية بصورة حادة؛ إذ تشير تقديرات المنظمة الأممية إلى أن ما لا يقل عن 74 في المائة من السكان يعيشون حالياً تحت خط الفقر، في ظل ارتفاع معدلات التضخم وتراجع التحويلات المالية وتعطل الأنشطة التجارية ونقص الوقود.

وأكدت «يونيسف» أن التدهور الاقتصادي خلال العامين الماضيين، أدى إلى زيادة هشاشة الأسر اليمنية، وعجز كثير منها عن توفير الغذاء أو الرعاية الصحية أو التعليم لأطفالها، وهو ما انعكس بصورة مباشرة على ارتفاع معدلات سوء التغذية والتسرب المدرسي وعمالة الأطفال.

وفي جانب آخر من الأزمة، أشار التقرير إلى أن 43 في المائة من الأطفال النازحين يفتقرون إلى شهادات الميلاد، الأمر الذي يحرمهم من كثير من الخدمات الأساسية، ويجعلهم أكثر عرضة للاستغلال والانتهاكات.

كما يوجد في اليمن أكثر من 5 ملايين شخص من ذوي الإعاقة، يشكل الأطفال نحو 21 في المائة منهم، وسط نقص حاد في خدمات الرعاية والتأهيل والدعم النفسي والاجتماعي.

الكوليرا والسيول

لم تتوقف معاناة اليمنيين عند الحرب والفقر والألغام؛ بل تفاقمت أيضاً بسبب انتشار الأوبئة والكوارث المناخية، حيث كشف التقرير عن استمرار تفشي الكوليرا في معظم مناطق البلاد.

وأوضح التقرير الأممي أن وباء الكوليرا كان قد أثر بحلول أواخر العام الماضي على نحو 98 في المائة من المناطق اليمنية، مع تسجيل أكثر من 93 ألف حالة اشتباه و248 وفاة، رغم أن الأرقام المسجلة تقل مقارنة بالعام السابق الذي شهد أكثر من 253 ألف حالة اشتباه و670 وفاة مرتبطة بالمرض.

وترجع المنظمات الإنسانية استمرار انتشار الكوليرا إلى انهيار شبكات المياه والصرف الصحي وضعف الخدمات الصحية وتلوث مصادر المياه، خصوصاً في المناطق المكتظة بالنازحين والفئات الأشد فقراً.

وفي موازاة ذلك، تسببت الأمطار الغزيرة والسيول المفاجئة في تدمير واسع للمنازل والبنية التحتية والأراضي الزراعية، وإغراق شبكات التصريف وقطع طرق الإمداد، ما أدى إلى زيادة معاناة مئات الآلاف من السكان.

وبحسب التقرير الأممي، فإن نحو 474 ألف شخص ظلوا معرضين لمخاطر سوء التغذية والأمراض والعوامل الجوية نتيجة الأضرار التي خلفتها السيول حتى نهاية العام الماضي، في وقت تواجه فيه المنظمات الإنسانية صعوبات متزايدة في الوصول إلى المحتاجين بسبب تدهور الأوضاع الأمنية.

وأشار التقرير إلى أن تصاعد الصراع في بعض المناطق، خصوصاً شمال غربي اليمن الخاضع للحوثيين، أثر بشكل مباشر على العمليات الإنسانية، كما أن تراجع تمويل المانحين يضع ضغوطاً كبيرة على خطط الاستجابة الإنسانية، ويهدد بتقليص الخدمات المقدمة للفئات الأكثر ضعفاً.

خطط أممية

في مواجهة هذه الكارثة المتفاقمة، أكدت منظمة «يونيسف» أنها تعمل ضمن برنامج إنساني متعدد القطاعات يستهدف الفئات الأكثر ضعفاً، خصوصاً الأطفال والنساء والنازحين وذوي الإعاقة.

وقالت المنظمة إنها ستركز على تقديم تدخلات صحية وتغذوية عاجلة للأطفال الأكثر ضعفاً، وفي مقدمتهم المصابون بالهزال الشديد، إلى جانب تعزيز خدمات الرعاية الصحية الأولية والمياه والصرف الصحي والنظافة.

وتهدف التدخلات الإنسانية، وفق التقرير، إلى الوصول إلى أكثر من 1.4 مليون امرأة وطفل بخدمات الرعاية الصحية، وعلاج أكثر من 311 ألف طفل يعانون من سوء التغذية الحاد، فضلاً عن تقديم خدمات المياه والصرف الصحي والمساعدات الطارئة لمئات آلاف النازحين.

كما تعمل المنظمة الأممية على تنفيذ برامج للدعم النفسي والاجتماعي، وتعزيز مهارات الحياة للأطفال، والحد من الإصابات الناتجة عن الألغام ومخلفات الحرب، إلى جانب بناء قدرات المجتمعات المحلية وتحسين قدرتها على مواجهة الأزمات المتكررة.


غوتيريش يدفع نحو تسريع تنفيذ صفقة الأسرى اليمنية

جانب من الاجتماع الختامي لاتفاق تبادل الأسرى والمحتجزين في اليمن (رويترز)
جانب من الاجتماع الختامي لاتفاق تبادل الأسرى والمحتجزين في اليمن (رويترز)
TT

غوتيريش يدفع نحو تسريع تنفيذ صفقة الأسرى اليمنية

جانب من الاجتماع الختامي لاتفاق تبادل الأسرى والمحتجزين في اليمن (رويترز)
جانب من الاجتماع الختامي لاتفاق تبادل الأسرى والمحتجزين في اليمن (رويترز)

حظي الاتفاق الأخير الخاص بتبادل الأسرى والمحتجزين في اليمن بترحيب أممي، وسط آمال بأن يُشكّل أكبر اختراق إنساني في هذا الملف منذ سنوات مدخلاً لتحريك العملية السياسية المتعثرة، بعد إعلان التوصل إلى صفقة تشمل الإفراج عن أكثر من 1600 محتجز على خلفية النزاع.

وكانت الحكومة اليمنية والجماعة الحوثية قد توصلتا، الخميس، إلى اتفاق بعد مفاوضات استمرت نحو 14 أسبوعاً في العاصمة الأردنية عمّان برعاية الأمم المتحدة، واستندت إلى تفاهمات بدأت من مسقط أواخر العام الماضي، مروراً بجولات غير مباشرة في الرياض، قبل استكمال الاتفاق على الكشوفات وآليات التنفيذ.

ورحب الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، بالاتفاق، واصفاً إياه بأنه أكبر اتفاق من نوعه منذ اندلاع النزاع اليمني، داعياً الأطراف إلى الإسراع في تنفيذه بالتعاون مع اللجنة الدولية للصليب الأحمر بما يضمن لمّ شمل العائلات في أقرب وقت.

وأكد بيان منسوب إلى المتحدث باسم الأمين العام أن الاتفاق يمثل ثمرة أسابيع من المفاوضات المباشرة التي احتضنتها الأردن برعاية الأمم المتحدة، مشدداً على ضرورة البناء على هذه الخطوة لتحقيق مزيد من الإفراجات وفق مبدأ «الكل مقابل الكل» المنصوص عليه في اتفاق ستوكهولم.

وجدد الأمين العام دعوته إلى الحوثيين للإفراج الفوري وغير المشروط عن موظفي الأمم المتحدة والمنظمات غير الحكومية والمجتمع المدني والبعثات الدبلوماسية المحتجزين تعسفياً، مؤكداً أن الأمم المتحدة ستواصل العمل عبر جميع القنوات المتاحة لضمان إطلاق سراحهم بصورة آمنة.

كما شدد البيان الأممي على ضرورة تمكين موظفي المنظمة الدولية، بمن فيهم اليمنيون، من أداء مهامهم بصورة مستقلة ومن دون عراقيل، وفقاً لميثاق الأمم المتحدة واتفاقية الامتيازات والحصانات الخاصة بها.

وأعرب الأمين العام عن امتنانه للأردن لاستضافته جولة المفاوضات الأخيرة، كما شكر سلطنة عمان وسويسرا على استضافتهما جولات سابقة من المحادثات، إلى جانب تقديره للدور الذي اضطلعت به اللجنة الدولية للصليب الأحمر بصفتها شريكاً في رئاسة اللجنة الإشرافية لتنفيذ اتفاق إطلاق سراح الأسرى.

خطوة لتخفيف المعاناة

في الرياض، أشاد سفير السعودية لدى اليمن والمشرف على البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن، محمد آل جابر، بالاتفاق، مؤكداً أنه جاء بتوجيهات ومتابعة من القيادة السعودية، وبتعاون مع الحكومة اليمنية، إلى جانب جهود ومساعٍ وصفها بالصادقة من سلطنة عمان.

وقال آل جابر إن الاتفاق الذي تم تحت إشراف مكتب المبعوث الأممي واللجنة الدولية للصليب الأحمر سيمكن المحتجزين من العودة إلى أسرهم، مثنياً على جهود فريقي التفاوض من الطرفين في التوصل إلى تفاهم يعالج قضية ذات طابع إنساني.

وكان «تحالف دعم الشرعية في اليمن» قد أعلن توقيع اتفاق إطلاق سراح 1750 أسيراً ومحتجزاً من جميع الأطراف اليمنية وقواته، يشمل 27 من «التحالف»، بينهم 7 سعوديين.

اتفاق تبادل الأسرى والمحتجزين الأخير في اليمن هو الأوسع من نوعه (رويترز)

من جهته، قال رئيس الوفد الحكومي اليمني المفاوض، هادي هيج، إن ملف المختطفين والمخفيين قسراً ظل طوال السنوات الماضية أحد أكثر الملفات الإنسانية إيلاماً، نتيجة ما وصفه بالعراقيل والتعثرات التي واجهت جهود التفاوض.

وأوضح هيج أن الجولات السابقة كانت تقترب أحياناً من تحقيق تقدم، قبل أن تتراجع بسبب التعقيدات والخلافات، الأمر الذي جعل الوصول إلى الاتفاق الحالي عملية «شاقة ومعقدة».

واعتبر المسؤول الحكومي أن الاتفاق الأخير يمثل خطوة إنسانية مهمة من شأنها تخفيف جزء من المعاناة الممتدة منذ سنوات، خصوصاً في ظل ما يتعرض له المحتجزون داخل سجون الحوثيين، وفق تعبيره.

وأكد هيج أهمية البند المتعلق بالسياسي اليمني محمد قحطان، المغيب منذ أكثر من عقد، والذي نص على تشكيل لجنة مشتركة من الطرفين، بمشاركة أسرته و«الصليب الأحمر»، للكشف عن مصيره قبل تنفيذ الصفقة، مشدداً على أن قضيته تُعد من أبرز القضايا الإنسانية والوطنية التي لا يمكن تجاوزها.