عام هزيمة «داعش» يمهد للمعركة ضد الفساد

حل «الحشد الشعبي» تحدٍ آخر يواجهه العبادي... وانتخابات مايو محل شك

عام هزيمة «داعش» يمهد للمعركة ضد الفساد
TT

عام هزيمة «داعش» يمهد للمعركة ضد الفساد

عام هزيمة «داعش» يمهد للمعركة ضد الفساد

تتجه بوصلة الاهتمام الحكومي للمرحلة المقبلة نحو محاربة الفساد والدخول في صفحة جديدة لا تختلف كثيراً عن معركة استئصال تنظيم داعش من المدن والأراضي العراقية التي أعلن عن الانتهاء منها رئيس الحكومة حيدر العبادي مطلع ديسمبر (كانون الأول) 2017.
وستكون معركة مواجهة الفساد هي الفصل المقبل لمشوار الحكومة، بعد أن أخذ العبادي يلوح مراراً منذ أكتوبر (تشرين الأول) 2017 بأنه سيقضي على الفساد والفاسدين باعتباره صفحة من صفحات الجريمة والإرهاب عبر رسائل يتبادل بها مع خصوم له من كبار المسؤولين السابقين الذين احتلوا مواقع متقدمة وكان لهم تأثير فاعل في مسيرة العملية السياسية سواء في البرلمان أو الكابينة الحكومية، حتى أن بعض خصوم رئيس الوزراء اعتبروا تصريحاته الأخيرة بأنها تندرج ضمن سباق ماراثون التنافس الدعائي استعداداً للانتخابات البرلمانية المقبلة التي حدد موعدها في 12 من مايو (أيار) 2018، لما لها من أهمية كبيرة باعتبار أن الحكومة التي سيتم تشكيلها مبنية على نتائج تلك الانتخابات، وستكون مخولة بمهام غاية في الصعوبة لرسم مستقبل العراق على صعيد علاقاته داخلياً وخارجياً في مرحلة ما بعد تحرير جميع المدن العراقية من سيطرة تنظيم داعش الإرهابي.
غير أن الحكومة لم تكشف بعد الملفات المتعلقة بصفقات الفساد واستغلال السلطة للمصالح الشخصية وهدر أموال الدولة، لكن ذلك لا يمنع من أن تقدم الحكومة على اتخاذ هذه الخطوة في وقت قريب آخر قريب من موعد الانتخابات أو تكون فيه الانتخابات أجلت لموعد آخر بسبب ظروف ومعوقات دستورية أو مالية أو حالة فوضى لا تسمح بإجرائها.
ارتباك في التحالفات الانتخابية... ومعوقات
رغم الانشغال الذي تبديه الكتل والأحزاب السياسية بموضوع الدعاية الانتخابية وتفعيل برامجها التي تتفنن بطرحها على المجتمع العراقي وإقناع الناخب على مدى الشهرين الماضيين، فإن هناك انهماكاً وإرباكاً واضحين في طبيعة التحالفات بين الكتل التي ازدادت أعدادها كثيراً هذه المرة عما كانت عليه في الانتخابات الماضية التي أجريت في 2014، ولكن مع هذا يبقى هاجس تأجيل الانتخابات وارداً بحكم المعوقات الواردة في جوانب دستورية تتعلق بعدم إقرار قانون الانتخابات، وتخصيص الميزانية المالية لاستكمال عمل المفوضية العليا المستقلة للانتخابات، فضلاً عن الخلل الوارد في التوقيتات، لأنه حتى لو أقر قانونها كما هو متوقع في الدورة التشريعية المقبلة التي ستبدأ في 7 يناير (كانون الثاني)، فإن ذلك سيتقاطع تماماً مع التوقيتات الدستورية المحددة للدعاية الانتخابية للناخبين التي تتطلب أن تكون ستة أشهر، في حين أن ما تبقى لا يتجاوز ثلاثة أشهر تقريباً.
ومن المعوقات الأخرى التي جرى تداولها في المنابر الإعلامية والسياسية بشأن تأجيل الانتخابات صعوبة إجرائها في المناطق المتضررة التي كانت خاضعة لسيطرة تنظيم داعش منذ مطلع 2014 ولمدة زمنية تجاوزت الثلاث سنوات، ويتعذر عودة سكانها لها أو بسبب عزوفهم عن المشاركة بالانتخابات، لا سيما الذين تعرضت منازلهم للتدمير من جراء عملية استئصال تنظيم داعش ودون أن يكون للحكومة والبرلمان أي جهود لمساعدتهم سواء في سنوات النزوح، أو بعد عودتهم لبيوتهم المدمرة.
لقد شهد النصف الثاني من عام 2017 التئام العراقيين وتآزرهم نحو تحرير مدن الأنبار غرب العراق والموصل والحويجة بكركوك الغنية بالنفط، من سيطرة تنظيم داعش، والخلاص من جرائمه، وتقديم الدعم والمساندة للقوات العراقية التي ظهرت منذ نهاية 2015 بأداء مهني مقتدر أعاد لها أمجادها وبدل الصورة الانطباعية التي رسمت عنها منذ مطلع 2014 بعد سيطرة تنظيم داعش على الموصل ومن ثم تكريت وبعض المدن الأخرى، وانسحاب القوات العراقية بطريقة غير متوقعة، حيث تشكلت قوات أمنية بأصناف وتسميات عدة بحسب طبيعة عملها، ومنها جهاز مكافحة الإرهاب الذي نجح في أن يكون قوة أمنية يفتخر بها جميع العراقيين في معارك التحرير ضد الإرهاب، وكذلك قوات الجيش العراقي والشرطة الاتحادية إلى جانب الشرطة المحلية. ورغم أن الفصائل التابعة لـ«الحشد الشعبي» قدمت تضحيات كثيرة، فإن ملفه كان مثار خلاف وجدل بين السنة والشيعة، وأصبح بنظر البعض من الأطراف السياسية عقبة يصعب تجاوزها بسهولة، سواء من قبل الحكومة والبرلمان أو بعض المؤسسات المعنية، وبدأ «الحشد» يضغط باتجاه أن يكون له حضور في المشهد العراقي بجميع ملفاته كونه شارك في محاربة تنظيم داعش، لا سيما أن قادة الحشد الشعبي يطالبون بأن تخصص له ميزانية خاصة به والسماح بدخول قادته الانتخابات البرلمانية، الأمر الذي دفع العبادي إلى الرد بأنه لن يسمح، وذلك لكون الحشد مؤسسة تتبع القوات الأمنية وتخضع لقرارات الحكومة، وأن هذه العقبة قد تكون حاضرة في أذهان الأميركيين بالتدخل وصياغة أسلوب مماطلة يفضي إلى تأجيل الانتخابات التشريعية لوقت آخر، على أن ترافق ذلك عملية تذويب لعناصر الحشد الشعبي بين المؤسسات المدنية أو تسليم السلاح للدولة بعد إعلان نهاية «داعش» وانتهاء مبررات عسكرة البلد.
ويتحرك العبادي حالياً للخلاص من الحشد الشعبي والعودة بالبلد إلى مرحلة البناء، وهو توجه تحدث به المرجع السيستاني أخيراً عندما دعا عناصر الحشد إلى الانخراط في صفوف أجهزة الدولة وتسليم سلاحهم بيد الدولة.
وبالعودة إلى الانتخابات المقبلة، هناك احتمالات عدة. فثمة رأي يدفع باتجاه إجرائها في موعدها الثابت في 12 مايو، وأبرز الجهات التي تطالب بذلك رئيس الحكومة السابق نوري المالكي ويعتبر تأجيلها مخالفة دستورية. أما الرأي الثاني فهو من حصة اتحاد القوى العراقية الذي طالب بالتأجيل بسبب وجود أعداد كبيرة من النازحين خارج مناطق سكناهم وهم يمثلون جمهورهم في الانتخابات، وكذلك الحزب الديمقراطي الكردستاني بعد أن خسر رهان الاستفتاء الذي أجري في 26 سبتمبر (أيلول) الماضي، وتمكنت القوات العراقية على أثره من استعادة المناطق المختلطة سواء في كركوك أو أجزاء من مناطق الموصل وصلاح الدين. ويواجه رئيس الإقليم السابق مسعود بارزاني حالياً انتقادات واسعة، الأمر الذي قد يدفعه بحسب التحليل إلى الموافقة على تأجيل الانتخابات. الرأي الثالث، وهو الذي يمثل الموقف المحايد كونه لا يبدي تخوفاً من إجراء الانتخابات في موعدها ولا يتخوف إذا جرى تأجيلها لوقت آخر، منطلقاً من أنه إما يمتلك رصيداً جماهيرياً ولا يخشى الفشل من نتيجة الانتخابات، وإما لا يمتلك رصيداً ضامناً يؤهله للفوز بالنتيجة، ولا يتخوف من تغيير قناعات الجمهور بحكم تبدل التوقيتات الزمنية من جراء التأجيل. ويمثل هذا الطرف بعض الكتل السياسية الصغيرة، وكذلك حركة التغيير الكردية والاتحاد الوطني الكردستاني بسبب ثبات مواقفهم السياسية أمام جمهورهم، بخلاف الحزب الديمقراطي الذي يتحمل خسارة الإقليم كثيراً من المكاسب التي تحققت له في السنوات السابقة منذ 2003 جراء الاستفتاء.
ولو نظرنا للمزاج الانتخابي ولتوجهات الكتل النيابية، نجدها مشغولة بالتوجه والتنسيق لخوض عملية تحالفات مقبلة فيما لو حصلت بالفعل، إنما الذي يجب التركيز عليه أن انعدام الثقة بين الكتل النيابية رغم التحالفات التي تسمى الأولية سيدفعها لتحالفات أخرى ما بعد إجراء الانتخابات.
وتتسم المرحلة الحالية من مسيرة العملية السياسية في العراق بسياسة المد والجزر، إذ إنه رغم نجاح البلد في تحقيق الانتصار على تنظيم داعش، وإعلان تأمين الحدود العراقية مع سوريا ومنع تدفق الإرهابيين منها لمسافة تزيد على 600 كلم، وعودة بحدود 60 في المائة من النازحين إلى مدنهم ومنازلهم في محافظات الأنبار ونينوى وصلاح الدين وديالى وكركوك وأطراف العاصمة بغداد، فإن معاناة المواطنين فيما يتعلق بالملف الإنساني جراء تردي الواقع الاقتصادي والخدماتي يلاقي تحديات كبيرة وشاقة، بسبب ضعف إمكانات الدولة في تدعيم هذه الأمور وتحسين أوضاع المواطنين في المحافظات المتضررة، تعد وضعاً يشكل ضغطاً كبيراً على الدولة بسبب إفلاسها وانشغالها بتدعيم الملف الأمني وتخصيص الميزانية السنوية التي أصبحت تشغيلية فقط للمجهود الحربي في محاربة الإرهاب وتأمين رواتب الموظفين بعد الاستعانة بصندوق النقد الدولي الذي فرض ضوابط صارمة، إذ بلغت مديونية العراق في عام 2017 نحو 122.9 مليار دولار، بعد أن كانت في العام الماضي 114.6 مليار دولار. ويتوقع صندوق النقد في تقرير عبر موقعه ارتفاع ديون العراق إلى 132 مليار دولار العام المقبل.
وفي جانب آخر هناك تحديات تواجه الحكومة العراقية على صعيد سياسي تتمثل في ازدياد شراسة الصراع والمناكفات العميقة بين قيادات سياسية وكتل بارزة، ومن ذلك رئيس كتلة دولة القانون نوري المالكي في خلاف مع رئيس الحكومة العبادي الذي ينتمي للكتلة البرلمانية نفسها وحتى لحزب الدعوة الإسلامية بزعامة المالكي أيضاً، وتزداد حدة الصراع كلما اقتربنا من موعد الانتخابات التي كما أسلفنا قد تؤجل لسنة أو سنتين لأسباب تتعلق بوضع النازحين وعدم استقرارهم، وأيضاً بتحديات أخرى.
إن المعطيات الحالية تشير إلى أن العراق مقبل على مرحلة تبدو ملامحها غير مريحة، ومن المتوقع أن الوضع الأمني قد يهتز نوعاً ما جراء حدوث صراعات ذات طابع عشائري في جنوب العراق، لكنه في الجوهر يمثل نزاعاً سياسياً بين أحزاب وكتل تبحث عن فرص النفوذ للوصول إلى مواقع سلطوية أو تشريعية متقدمة بهدف الحصول على مكاسب مادية تؤمن لها حضوراً في المشهد العراقي لكن على حساب مصلحة البلد، لذلك فإن المؤشرات تكشف عن توجه لتأجيل الانتخابات وفتح ملف الفساد وملاحقة سراق المال العام من كبار السياسيين، وهذا الأمر لن يقدم عليه رئيس الحكومة العراقية العبادي ما لم يلقَ دعماً ومساندة من الولايات المتحدة.



«المرحلة الثانية» من «اتفاق غزة» تنشد «انتقالاً منضبطاً» لتجاوز التعثر

فلسطينيون يسيرون بجوار الملاجئ وسط أنقاض المباني المدمرة في مدينة غزة (أ.ف.ب)
فلسطينيون يسيرون بجوار الملاجئ وسط أنقاض المباني المدمرة في مدينة غزة (أ.ف.ب)
TT

«المرحلة الثانية» من «اتفاق غزة» تنشد «انتقالاً منضبطاً» لتجاوز التعثر

فلسطينيون يسيرون بجوار الملاجئ وسط أنقاض المباني المدمرة في مدينة غزة (أ.ف.ب)
فلسطينيون يسيرون بجوار الملاجئ وسط أنقاض المباني المدمرة في مدينة غزة (أ.ف.ب)

تراوح المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة مكانها منذ نحو شهر من إطلاقها نظرياً وفق تصريحات أميركية، وسط دعوات لانتقال منضبط نحوها لتحقيق الاستقرار، وعدم تجدد القتال.

ويرى خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط» أن الانتقال يجب أن يكون متوازياً وسلسلاً بحيث ينفذ طرفا الحرب «حماس» وإسرائيل التزاماتهما بالتوازي، مما يجنب المرحلة الثانية حالة التعثر الحالية، وسط مخاوف من احتمال تجدد الحرب، وتأخر تنفيذ الاتفاق، مقابل تعويل على أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب سيضغط من أجل تحقيق انتصار شخصي يقربه من حلم جائزة نوبل للسلام.

وأفادت «وكالة أنباء الشرق الأوسط» الرسمية في مصر، السبت، بأن «الهلال الأحمر المصري يواصل جهوده الإنسانية في استقبال وتوديع الدفعة 15 من الجرحى والمرضى والمصابين الفلسطينيين الوافدين، والمغادرين، ومرافقتهم في إنهاء إجراءات العبور».

وينتظر هؤلاء المغادرون إلى غزة آمالاً بشأن اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، الذي يشهد تعثراً في مرحلته الثانية منذ إعلان واشنطن بدءها في 15 يناير (كانون الثاني) الماضي، وسط استشعار المجتمع الدولي مخاطر تهدد الاتفاق.

وأكدت وزيرة الخارجية البريطانية، إيفيت كوبر، وجود فرصة سانحة لكسر دوامة العنف، والمعاناة، وصولاً إلى سلام، وأمن دائمين في الشرق الأوسط، محذرة من أن وقف إطلاق النار في قطاع غزة لا يزال هشاً في ظل رصد انتهاكات من الطرفين قد تقوض مسار الخطة الأميركية للسلام.

ودعت في تصريحات مساء الجمعة إلى انتقال منضبط في «المرحلة الثانية»، بما يشمل نشر قوة الاستقرار الدولية بالتوازي مع انسحاب الجيش الإسرائيلي، ومعالجة الأزمة الإنسانية، مع التشديد على شرط نزع سلاح حركة «حماس»، وضمان عدم توليها أي دور في إدارة القطاع مستقبلاً.

منازل مدمرة في مخيم النصيرات وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)

الخبير بـ«مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية»، الدكتور عمرو الشوبكي، يرى أن «المرحلة الثانية تحتاج بالأساس إلى انتقال بالتوازي، خاصة أن خطة ترمب تنص على نزع سلاح (حماس)، لكنها أيضاً تنص على انسحاب إسرائيل بالكامل من القطاع، وبالتالي يجب النظر إلى غزة بعين واحدة، ويجب أن يخاطب الجميع بالتزاماتهم دون تركيز على طرف دون الآخر».

وأشار إلى أن «المرحلة الثانية تتمثل في إنهاء الوجود العسكري لـ(حماس)، وهذا لن يتحقق إلا إذا التزمت إسرائيل بالالتزامات التي يجب أن تنفذها، ومنها الانسحاب من غزة، وعدم استهداف الفلسطينيين، والذهاب لأفق سياسي، والسماح بوجود شرطة فلسطينية، وعمل لجنة التكنوقراط من القطاع».

وقال المحلل السياسي الفلسطيني، أيمن الرقب، إن «المرحلة الثانية تحتاج ليس فقط لانتقال منضبط، بل لانتقال سلس»، مستدركاً: «لكن هذه أمور شكلية للغاية، لأن الاتفاق أمامه كثير من العثرات على مستوى التنفيذ، سواء في نزع السلاح، أو انسحاب إسرائيل، أو نشر قوات الاستقرار الدولية، أو غيرها من البنود، بسبب غياب التفاهمات بشأنها».

ووسط ذلك، أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية»، الجمعة، بأن «حركة (حماس) استعادت السيطرة على جزء انسحب منه الجيش الإسرائيلي في قطاع غزة، ونشرت قوة شرطة محلية، وتعمل على إعادة تفعيل الإدارات العامة».

وذكر نيكولاي ملادينوف المبعوث الذي عينه ترمب للإشراف على التنسيق بعد الحرب في غزة خلال اجتماع «مجلس السلام» أن نحو ألفي فلسطيني سجلوا أسماءهم في جهاز الشرطة خلال الساعات الأولى من فتح باب التقديم.

فيما قال جاسبر جيفرز اللواء في الجيش الأميركي الذي عُيّن قائداً لقوة حفظ السلام متعددة الجنسيات في غزة في الاجتماع إن الخطة طويلة الأمد للقوة هي تدريب نحو 12 ألف شرطي للعمل في القطاع.

خيام وملاجئ في مخيم للنازحين قرب ساحة الجندي المجهول في مدينة غزة (أ.ف.ب)

ويرى الرقب أن الحديث عن 12 ألف شرطي سيدربون لا يكفي لتغطية غزة، موضحاً أن خروج شرطة «حماس» دون وجود بديل سيحدث فراغاً أمنياً، ولن تقبل به «حماس»، وستطرح الإحلال الجزئي عبر مرحلة انتقالية قد تمتد لأشهر، وبالتالي لا بد من الإسراع في هذا الانتقال المنظم وبشكل سلس عبر تفاهمات، محذراً من أن واشنطن قد تعمل في ظل هذا الجمود لبدء إعمار المناطق التي تحت سيطرة إسرائيل، وتسمح لتل أبيب بشن معارك ضد الحركة.

ويشير إلى أن المسار الأفضل لهذا الانتقال يكون عبر تفاهمات مع «حماس» تقوم على التدرج، لا سيما في تسليم وتسلم المهام الأمنية، موضحاً: «لكن كل ما نراه على أرض الواقع ليس حلاً لإنهاء الصراع، ولكن مسكنات مؤقتة لا تفضي إلا إلى إطالة أمد الأزمة».

قيما يعتقد الشوبكي أن إسرائيل مصرة على أن تدفع «حماس» فقط ثمن الاستحقاقات، لكن لا تزال هناك فرص لنجاح الخطة وعدم تعثرها حرصاً من ترمب، لأنه ينظر له كرجل سلام، ويبحث عن فرصة للحصول على جائزة نوبل وغيرها، مما يجعله يضغط أكثر رغم التفاصيل المعقدة، والتحديات الكثيرة لنجاح الاتفاق.


لماذا تغيب مصر عن المشاركة في «قوة الاستقرار» بغزة؟

صورة تذكارية للمشاركين في الاجتماع الأول لمجلس السلام (مجلس الوزراء المصري)
صورة تذكارية للمشاركين في الاجتماع الأول لمجلس السلام (مجلس الوزراء المصري)
TT

لماذا تغيب مصر عن المشاركة في «قوة الاستقرار» بغزة؟

صورة تذكارية للمشاركين في الاجتماع الأول لمجلس السلام (مجلس الوزراء المصري)
صورة تذكارية للمشاركين في الاجتماع الأول لمجلس السلام (مجلس الوزراء المصري)

جاء الإعلان عن الدول المشاركة في «قوة الاستقرار الدولية» بقطاع غزة، خلال الاجتماع الأول «لمجلس السلام» في واشنطن، دون أن يتضمن مصر التي اقتصر دورها على تدريب القوات الشرطية، ليطرح تساؤلات حول أسباب هذا الغياب.

وتعد «قوات استقرار غزة» أحد أبرز البنود للمرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، التي بدأت منذ منتصف الشهر الماضي، لكنها لم تر النور بعد رغم تشكل أجهزة تنفيذية عديدة، مثل «مجلس السلام» الذي يشرف على القطاع برئاسة ترمب، و«لجنة إدارة قطاع غزة» الفلسطينية.

وخلال الاجتماع الأول لـ«مجلس السلام العالمي» في واشنطن، الخميس، قال قائد قوة الأمن الدولية في قطاع غزة جاسبر جيفرز إن «5 دول تعهدت بإرسال قوات للمشاركة في قوة أمنية دولية لقطاع غزة»، وأشار إلى أن تلك الدول تضم «إندونيسيا، والمغرب، وكازاخستان، وكوسوفو، وألبانيا»، كما تعهدت دولتان بتدريب الشرطة، وهما مصر، والأردن.

الغياب المصري عن «قوة الاستقرار» أرجعه عسكريون ودبلوماسيون مصريون تحدثوا لـ«الشرق الأوسط» لعدم وجود ضمانات يرونها ضرورية لقبول القاهرة المشاركة بالقوات، مشيرين إلى أن مصر لديها رغبة في أن يتم تحديد مهام عملها وآليات وجودها داخل القطاع وكيفية تعاملها مع الفلسطينيين لكي لا تفاجأ بأنها في مواجهة «فصائل المقاومة»، إلى جانب تحديد دورها في التعامل مع الاعتداءات الإسرائيلية المستمرة، والممنهجة.

وأكدت الحكومة المصرية «استمرار دورها في تدريب عناصر الشرطة الفلسطينية»، وقال رئيس الوزراء المصري، مصطفى مدبولي، خلال الاجتماع الأول لـ«مجلس السلام» إن «بلاده ستواصل تدريب عناصر الشرطة الفلسطينية لحفظ الأمن داخل القطاع»، وأكد على «أهمية مهام محددة للمجلس التنفيذي لغزة، لدعم عمل اللجنة الوطنية لإدارة القطاع».

رئيس الوزراء المصري خلال مشاركته في الاجتماع الأول لمجلس السلام العالمي بواشنطن الخميس (مجلس الوزراء المصري)

ويرى الخبير العسكري اللواء سمير فرج أن «من المهم تحديد طبيعة مهمة (قوة الاستقرار) الدولية في قطاع غزة، قبل الحديث عن مشاركة مصر بقوات فيها»، وأشار إلى أن «هناك فارقاً بين ما إذا كانت المهمة لحفظ السلام أو لفرض السلام»، منوهاً إلى أنه «إذا كان الهدف فرض السلام فقد يعني ذلك اللجوء لتدخل عسكري في مواجهة عناصر (المقاومة الفلسطينية)، وهو ما لا تريده القاهرة».

ويقول فرج، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إن «مهمة قوة الاستقرار الدولية غير معروفة حتى الآن، وتحرص القاهرة على التريث لحين تحديد أدوار وآليات عمل هذه القوة»، وأشار إلى أن «مصر لم تتخلَّ عن دعم الفلسطينيين في غزة، حيث تتنوع تحركاتها ما بين دعم سياسي عبر استضافة (اللجنة التكنوقراط)، ودعم أمني من خلال تدريب أفراد الشرطة الفلسطينية، بالإضافة إلى الدور الإنساني والإغاثي من خلال المساعدات التي تقدم يومياً إلى سكان القطاع».

وشدد وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مراراً على أهمية «سرعة تشكيل ونشر قوة الاستقرار الدولية لمراقبة وقف إطلاق النار، وضمان تدفق المساعدات الإنسانية»، إلى جانب «دعم نشر عناصر الشرطة الفلسطينية للاضطلاع بدورها في حفظ الأمن».

فيما أرجع عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية، السفير يوسف الشرقاوي، عدم الإعلان عن مشاركة مصر بالقوة إلى عدم وجود ضمانات لا بد أن تتوفر أولاً، في مقدمتها «تحديد آليات عملها وكيف ستمارس أدوارها ومهمتها ونوع تسليحها وكيف ستتعامل مع الشعب الفلسطيني».

وأوضح في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن «هذه الضمانات ضرورية لحماية حقوق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره، مع أهمية ضمان عدم تجدد الاعتداءات الإسرائيلية الممنهجة بحق الفلسطينيين». ويعتقد أنه يجب «التفرقة بين أن يكون نشر (قوة الاستقرار) ضمن مسار مشروع حل الدولتين، أو أن وجودها في غزة يأتي كنوع من الوصاية الجديدة على الفلسطينيين ودعم الأمن الإسرائيلي».

ويوضح الشرقاوي أن «القاهرة لم تترك مساراً لدعم غزة إلا وسارت فيه، وأن السلام العادل والشامل لن يبدأ إلا بمسار سياسي شامل، يتضمن إجراءات لاستعادة الأمن، وإعادة الإعمار في قطاع غزة»، مشيراً إلى أن «(مجلس السلام العالمي) في اجتماعه الأول قدم تعهدات لدعم الفلسطينيين ومن المهم العمل على تنفيذها».


تطور وسائل القمع يكشف عن هشاشة علاقة الحوثيين بالمجتمع

مسلح حوثي يراقب تجمعاً لرجال القبائل في صنعاء (إ.ب.أ)
مسلح حوثي يراقب تجمعاً لرجال القبائل في صنعاء (إ.ب.أ)
TT

تطور وسائل القمع يكشف عن هشاشة علاقة الحوثيين بالمجتمع

مسلح حوثي يراقب تجمعاً لرجال القبائل في صنعاء (إ.ب.أ)
مسلح حوثي يراقب تجمعاً لرجال القبائل في صنعاء (إ.ب.أ)

في حين تكشف التقارير الحقوقية عن جملة واسعة من الانتهاكات التي ارتكبتها الجماعة الحوثية ضد سكان مناطق سيطرتها خلال العام الماضي، يتسع مشهد الانفلات الأمني على نحو لافت، في تزامن مثير مع تدهور الأوضاع وتفاقم الاحتقان الاجتماعي، بما يعكس اتساع الشرخ بين علاقة الحوثيين بالمجتمع والقبائل.

وتُظهر التقارير الحقوقية ووقائع الانفلات الأمني تطوُّرَ الممارسات الحوثية في التعاطي مع مختلف القضايا من السياسة الأمنية التي تعتمد على الاعتقالات والاختطافات واستخدام القضاء، إلى حملات عسكرية تستهدف المدنيين مباشرةً، بالاعتقالات الجماعية والقتل خارج القانون وتجنيد الأطفال واستهداف الأعيان المدنية.

في هذا السياق، نددت الحكومة اليمنية بالحملة العسكرية الحوثية على منطقة عزلة بيت الجلبي في مديرية الرجم التابعة لمحافظة المحويت (شمال غرب) والاعتداء على أهاليها، باستخدام مختلف أنواع الأسلحة، طبقاً لما أورده الإعلام الرسمي.

ودفعت الجماعة الحوثية بتعزيزات عسكرية ضخمة إلى المنطقة، وفرضت حصاراً مشدداً على إحدى القرى عقب مقتل القيادي مجلي عسكر فخر الدين، الذي ينتمي إلى قوات الأمن المركزي التابعة للجماعة، برصاص مسلح قبلي خلال حملة أمنية على القرية أدت إلى مقتل أحد أهلها.

وتسبب مقتل القيادي الحوثي في تسيير الجماعة حملة عسكرية واسعة لتعزيز الحملة الأمنية، مما زاد من منسوب التوتر، حسب مصادر محلية، خصوصاً أن الحملة الأمنية الأولى جرت ضمن مساعي الجماعة لإطلاق حفّار آبار احتجزه الأهالي بسبب خلافات محلية.

وأدى تدخل القائمين على الحملة، وبينهم القيادي الذي لقي مصرعه، إلى مفاقمة الخلافات التي كانت في طريقها للحل بوساطات قبلية تقليدية، وبسبب انحياز القادة الحوثيين لأحد أطراف الخلاف، وقعت الاشتباكات.

ودعت الحكومة اليمنية مبعوث الأمين العام للأمم المتحدة إلى اليمن إلى سرعة التحرك لوقف هذه الانتهاكات، مطالبةً جميع المكونات السياسية والاجتماعية والمنظمات الحقوقية بالوقوف في وجه هذه الانتهاكات.

نفوذ بنهب الأراضي

في سياق هذا التغول الحوثي شهدت منطقة المحجر في مديرية همدان، الواقعة على الأطراف الشمالية الغربية من صنعاء، حملة عسكرية يتولى مسؤوليتها القيادي مهدي اللكمي المكنّى «أبو شامخ»، لمصادرة أراضٍ يؤكد مُلَّاكها صدور حكم قضائي لصالحهم.

عنصر حوثي ضمن استعراض مسلح نظمته الجماعة في محافظة عمران (أ.ف.ب)

ونشرت الحملة عدداً كبيراً من مسلحيها في المنطقة التي اشتكى أهاليها من وقوع انتهاكات متعددة بحقهم؛ بينها الاعتداءات الجسدية والاعتقال، وتشديد القيود على الحركة، والمنع من مغادرة المنازل.

وخلال الأعوام الماضية وسّعت الجماعة الحوثية أنشطتها في مديرية همدان للاستيلاء على الأراضي بغرض استحداث تجمعات سكنية لأنصارها وعائلات قتلاها المقربين من القيادة العليا، إلى جانب منشآت أخرى بينها سجون ومقرات للأجهزة الأمنية.

وبينما قُتل سبعة أشخاص وأُصيب خمسة آخرون في مديرية برط التابعة لمحافظة الجوف (شمال شرقي صنعاء)، في أول أيام شهر رمضان، إثر تجدد ثأر قديم بين قبيلتي المكاسير وآل أبو عثوة بني هلال، كانت مدينة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، مسرحاً لاعتداء عناصر أمنية حوثية على أحد السكان بإطلاق النار عليه وإصابته بجراح خطيرة، واقتحام منزله ونهب محتوياته بسبب خلافات مالية بينه وبين أحد هذه العناصر.

تطور منهجي للقمع

حسب تقارير مؤسسات حقوقية محلية، فإن الجماعة الحوثية كثفت انتهاكاتها خلال العام الماضي، وطوَّرت من نهجها في استهداف المدنيين، ضمن مخاوفها من ازدياد الغضب الشعبي بسبب ممارساتها والأوضاع المعيشية المتدهورة التي أوصلت السكان إليها.

الحوثيون فرضوا حصاراً على الشخصيات الاجتماعية وقادة أمنيين وعسكريين سابقين (إ.ب.أ)

ووثّق «مركز رصد للحقوق والتنمية» 868 انتهاكاً خلال العام، في محافظة البيضاء (241 كيلومتراً جنوب شرقي صنعاء) مثّل الاعتقال التعسفي والاختطاف 79 في المائة منها، لتتحول المحافظة إلى «سجن مفتوح».

وتصدرت مديرية القريشية قائمة المناطق التي طالتها الانتهاكات بـ592 حالة، حيث تعرضت على مدار العام للحصار والقصف بمختلف الأسلحة، وسقط من أهاليها 40 قتيلاً و32 جريحاً، واحتجزت الجماعة 16 جثماناً ورفضت تسليمها إلا بشروط عدَّها التقرير مُهينة لذوي القتلى، إضافةً إلى اعتداءات على مساجد ومنشآت تعليمية وتدمير منازل.

ويَبرز انفجار محطة غاز في مديرية الزاهر، الذي أودى بحياة أكثر من 35 شخصاً، مؤشراً إضافياً على هشاشة البيئة الاقتصادية وغياب الرقابة والاستهتار بحياة وسلامة السكان.

مسلحون حوثيون يحاصرون قريةً شمال غربي صنعاء ضمن مساعي السيطرة على الأراضي (إكس)

وفي الجوف، سجلت «منظمة عدالة» 8860 انتهاكاً خلال العام الماضي، بينها 24 حالة قتل خارج القانون، و24 حالة اختطاف وتعذيب، فضلاً عن مقتل أكثر من 12 مدنياً عند إحدى النقاط.

وتضمنت الانتهاكات 1509 وقائع كان ضحاياها من الأطفال، وشملت تجنيد 300 طفل واستخدام 709 في أعمال عسكرية، إضافةً إلى اقتحام ونهب منشآت وفعاليات ذات طابع طائفي، مما أدى إلى نزوح 6589 مدنياً.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended