سوريا 2017: «تجميد» القتال وتلاشي «داعش» بانتظار الحل الروسي

سوريا 2017: «تجميد» القتال وتلاشي «داعش» بانتظار الحل الروسي
TT

سوريا 2017: «تجميد» القتال وتلاشي «داعش» بانتظار الحل الروسي

سوريا 2017: «تجميد» القتال وتلاشي «داعش» بانتظار الحل الروسي

الجنوب السوري
إذا كانت سنة 2016 انتهت بتوقيع أولي لمذكرة «خفض التصعيد» بين الضامنين الثلاثة، روسيا وتركيا وإيران، ومذكرة أخرى روسية - أميركية - أردنية، فإن 2017 تنتهي بترجمة عملية لذلك بحيث جرى «تجميد» الصراع بين قوات النظام السوري والمعارضة، وتركيز القتال ضد «داعش»، ما أدى إلى دحر التنظيم في معقله بالرقة على أيدي «قوات سوريا الديمقراطية» الكردية - العربية المدعومة من التحالف الدولي، وفي دير الزور بأيدي قوات النظام وحلفائها بدعم من روسيا. سوريا تقف حالياً على مفترق طرق بين التعايش مع مرض عضال اسمه اللااستقرار، أو تلمس احتمالات تؤسس أركان حل مستدام.
تعتقد واشنطن أنها حققت اختراقاً بموافقة موسكو خلال اتفاق بين الرئيسين دونالد ترمب وفلاديمير بوتين في هامبورغ في يوليو (تموز) الماضي على «عدم وجود قوات غير سورية» في مناطق «هدنة الجنوب» السوري في درعا والقنيطرة والسويداء، ما يعني إبعاد تنظيمات تدعمها إيران و«حزب الله» عن حدود الأردن وخط فك الاشتباك في الجولان، مقابل قناعة موسكو بأنها جلبت واشنطن إلى التعاون العسكري بين الجيشين، رغم التوتر الكبير بينهما. تضمن اتفاق «هدنة الجنوب» تأسيس مركز رقابة في عمان، واحتفاظ المعارضة بسلاحها الثقيل والخفيف، وتحديد خطوط القتال، وبدء تبادل تجاري مع مناطق النظام، وتشكيل مجلس محلي معارض، واحتمال عودة اللاجئين من الأردن أو نازحين قرب الحدود.
وبعد مرور أشهر، لم تنفذ روسيا بنود الاتفاق. وعلى هامش قمة منتدى التعاون الاقتصادي لآسيا والمحيط الهادئ (أبيك) في دانانغ في فيتنام، توصل وزيرا الخارجية الأميركي ريكس تيلرسون والروسي سيرغي لافروف إلى اتفاق أعلن باسم الرئيسين ترامب وبوتين في 11 نوفمبر (تشرين الثاني) تضمن عناصر، بينها أهمية «خفض التصعيد» في جنوب سوريا قرب حدود الأردن وإسرائيل باعتباره «خطوة مؤقتة» للحفاظ على وقف النار، وإيصال المساعدات الإنسانية. وإذ استعرض الاتفاق «التقدم» في هدنة جنوب غربي سوريا، بموجب اتفاق الرئيسين في هامبورغ في 8 يوليو، رحّبا بمذكرة تفاهم جديدة أميركية - روسية - أردنية وُقِعت في عمان في 8 من الشهر الحالي لتنفيذ اتفاق تموز.
وكان مخططاً أن تعزز هذه المذكرة نجاح مبادرة وقف النار لتشمل «الخفض والقضاء النهائي على وجود القوات الأجنبية والمقاتلين الأجانب من المنطقة لضمان سلام أكثر استدامة»، في إشارة إلى عناصر الميلشيات الإيرانية و«حزب الله» المنتشرين بين دمشق وحدود الأردن والجولان المحتل. ومن المقرر أن يراقب مركز الرصد في عمان تنفيذ ذلك.
لكن احتمال التصعيد هنا يأتي من أن إسرائيل غير راضية عن نتائج الاتفاق، لأنه قيد حركة طائراتها في قصف أهداف لـ«حزب الله» أو تنظيمات إيرانية قرب الجولان أو جنوب البلاد، وقناعتها أن روسيا لن تستطيع تنفيذ إبعاد مجموعات إيران للانسحاب إلى «مسافة كافية»، ما يعني أنها ستلجأ إلى استئناف ضرباتها الجوية قرب دمشق ومناطق أخرى بين العاصمة السورية والجولان المحتل، ما يهدد بمواجهة لها بعد إقليمي ودولي.
الجيش الإسرائيلي أجرى في الفترة الأخيرة مناورات ضخمة قرب حدود سوريا. وأرسلت رسائل سرية وعلنية إلى موسكو بضرورة إبعاد «حزب الله» وإيران عن الحدود. ونشرت وسائل إعلام تقارير عن إقامة إيران قاعدة بين دمشق والجولان. وبعد الاتفاق الأميركي - الروسي، أعلن الإسرائيليون أنهم يريدون أن تبقى أيديهم حرة لضرب «أهداف إيرانية» في سوريا.
وسيكون هذا أحد عوامل التصعيد في سوريا، خصوصاً وسط تعزيز إيران وجودها والحديث عن إقامة قواعد عسكرية دائمة، ورهان أميركا على روسيا لـ«إضعاف» نفوذ إيران في سوريا، مقابل تلويح إسرائيل بالتصعيد والتعامل مع جنوب سوريا وجنوب لبنان على أنهما «جبهة واحدة». وتكرر القصف الإسرائيلي لمناطق قرب دمشق وسط مخاوف من توفر عوامل إقليمية لمواجهة.
هذا ليس التحدي الوحيد في الجنوب السوري، بل هناك أمران: الأول، اقتتال فصائل و«أمراء الحرب»: هناك حوالي 35 ألف مقاتل معارض كانت تدعمهم «غرفة العمليات العسكرية» بقيادة «وكالة الاستخبارات الأميركية» (سي آي إيه) سيكونون في نهاية العام من دون دعم ورواتب. وفي الوقت نفسه، مطلوب منهم أن يحاربوا تنظيمات موالية لـ«داعش» و«جبهة النصرة» في الجنوب. هذا فصل جديد من الصراع. قتال فصائل متشددة بدل قتال قوات النظام.
مطلوب من فصائل «الجيش الحر»، بموجب اتفاقات «خفض التصعيد»، أن تقاتل «داعش» وفكره عسكرياً وسياسياً، وتطرد «هيئة تحرير الشام» التي تضم «جبهة النصرة» بعد مهلة سماح، ما يعني احتمال حصول «اقتتال الإخوة» بين فصائل كانت تقاتل معاً ضد قوات النظام في مرات سابقة. ولا شك أن سيطرة فصائل على معبر الحدود بين سوريا والأردن وتراجع الدعم الخارجي، قد يؤدي إلى بروز دور «أمراء الحرب» جراء الحصول على ضرائب على خدمات وتجارة. وبرز تزامن بين قتال الفصائل لـ«النصرة» من جهة، وانسحاب تنظيمات محسوبة على إيران من جهة أخرى.
وفي غوطة دمشق المحاصرة، حيث تتفاقم المعاناة الإنسانية لمئات آلاف المدنيين، حيث تسود هدنة برعاية روسية - مصرية، يحصل أمر مشابه: اقتتال فصائل و«أمراء حرب». حصل الاقتتال سابقاً في الغوطة الشرقية لدمشق قبل أن ينضم «جيش الإسلام» إلى الهدنة في دوما ثم «فيلق الرحمن» في جوبر والغوطة الشرقية، لكن «هيئة تحرير الشام» لا تزال خارج الاتفاق. ونص اتفاق خفض التصعيد على «التزم الطرف الأول الجيش الحر منع وجود منتسبي هيئة تحرير الشام، في المناطق الخاضعة لسيطرته بمنطقة خفض التصعيد، ويشدد على موقفه الرافض لتنظيم داعش والنصرة، وفكرهما المتطرف في أي من مناطق سيطرته. في حال استعداد منتسبي جبهة النصرة للمغادرة مع أو من دون أسرهم إلى إدلب يتم توفير ضمانات للعبور الآمن من الطرف الثاني لهذا الاتفاق». وينطبق هذا على هدنة ريف حمص التي وقعت أيضاً برعاية روسية - مصرية.
هناك تحدٍ آخر يتمثل بهجوم قوات النظام، وهي مصممة على استعادة مناطق «خفض التصعيد» عندما تحين الفرصة ويأتي وقت ذلك، الأمر الذي عبر عنه وزير الخارجية وليد المعلم قبل أيام لدى تأكيده أن هذه المناطق «مؤقتة»، إذ لم تتغير خطة دمشق لـ«حل عسكري». هي تنتظر الفرصة المناسبة للانقضاض على مناطق المعارضة لـ«عودة الجميع إلى الدولة»، واعتبار «الهدنة فرصة للمصالحة مع الدولة». كما أن دمشق ترفض وجود مجالس محلية للمعارضة على عكس موقف موسكو ونصوص اتفاقات الهدنة. وظهرت أمس حشود في «مثلث الموت» بين أرياف دمشق ودرعا والقنيطرة، إضافة إلى معارك عنيفة في بيت جن غرب دمشق وقصف ومعارك شرق المدينة.
كانت وزارة الدفاع الروسية نشرت نحو ألف عنصر من الشرطة العسكرية الروسية (الشيشان) في مناطق «خفض التصعيد». انتشر بعضهم في القنيطرة ودرعا وغوطة دمشق وريف حمص. هم يشكلون سداً حالياً أمام طموحات دمشق التي تفتقر إلى الموارد البشرية في القوات النظامية، لكن مع مرور الوقت وزيادة الثقة في دمشق، قد تتحدى هذه القوات خطوط التماس وترضخ روسيا لدمشق لجهة بسط سيطرة «سلطة الدولة» و«الحفاظ على وحدة سوريا بموجب نص القرار 2254».

إدلب بين فكين
في إدلب نحو مليوني مدني وأكثر من خمسين ألف مقاتل من فصائل إسلامية ومتشددة ومعتدلة، بينها أكثر من عشرة آلاف في «هيئة تحرير الشام». تعتقد واشنطن بوجود عشرة آلاف من «القاعدة» باعتبار أن «النصرة» جزء من «القاعدة». لكن أنقرة نجحت بالوصول مع موسكو إلى حلول وسط بضم إدلب الواقعة قرب الحدود التركية إلى اتفاق «خفض التصعيد». وقامت الخطة الروسية - التركية على نشر مراقبين عسكريين أتراك في 12 نقطة في ريفي حلب وإدلب لعزل «النصرة»، والسماح للمجالس المحلية والمدنية والفصائل المعارضة المعتدلة بالبقاء في إدلب.
لكن هناك حرباً أخرى ستظهر مع مرور الوقت. بدأ التوتر بين «هيئة تحرير الشام» وفصائل إسلامية أخرى، بل إن قتالاً دموياً قد يحصل في الفترة المقبلة، وكانت بوادره عندما حصل الصدام بين «حركة نور الدين الزنكي» و«هيئة تحرير الشام» في ريف حلب.
هناك أيضاً، حرب أخرى ممكنة. واضح، أن إيران تدفع قوات النظام وميلشيات مؤيدة له كي تحارب في إدلب. وأعلن علي أكبر ولايتي مستشار مرشد الثورة الإسلامية علي خامنئي لدى زيارته حلب أنه يجب الهجوم على إدلب والرقة. وكانت طهران ودمشق و«حزب الله» وضعوا خطة للهجوم على إدلب. موسكو منعت حصول ذلك، لكن إلى متى سيبقى الفيتو الروسي محترماً من دمشق وطهران؟
الجديد هو أنه بعد طرد «داعش» من دير الزور الشهر الماضي، تحولت قوات النظام بقيادة العميد سهيل الحسن الملقب بـ«النمر» إلى ريف حماة الشرقي للتوغل باتجاه إدلب، بالتزامن مع حشود غرب إدلب ما يضعها بين فكي كماشة.
أيضاً، تركيا أعلنت أن لديها أولوية بعدم قيام ممر بين عفرين مناطق «وحدات حماية الشعب» الكردية، التي تصفنها أنقرة على أنها تنظيم إرهابي، والبحر المتوسط، ومنع قيام إقليم كردي شمال سوريا وجنوب تركيا. لذلك، يتوقع أن تقوم بعض الفصائل السورية بقتال «الوحدات» الكردية في المرحلة المقبلة.
إدلب هي المنطقة الثانية، التي تقيمها تركيا بالتفاهم مع روسيا. كانت الأولى شمال حلب بدعم عملية «درع الفرات» حيث سيطرت فصائل المعارضة على حوالي ألفي كيلومتر مربع. وحالت منطقة «درع الفرات» دون ربط إقليمين أقامهما «الاتحاد الديمقراطي الكردي» الذراع السياسية لـ«وحدات حماية الشعب»، هما الجزيرة وعين العرب (كوباني) وإقليم عفرين شمال حلب.

قلق كردي... وتركي
بعد هزيمة «قوات سوريا الديمقراطية» التي تضم في شكل رئيسي «وحدات حماية الشعب» الكردية شمال شرقي سوريا، لتنظيم داعش في الرقة، وسيطرتها على مناطق شرق نهر الفرات ومناطق عفرين بمساحة تشكل ربع سوريا البالغة 185 ألف كيلومتر مربع، يزداد القلق التركي لثلاثة أسباب: أولاً، بقاء السلاح الأميركي وغطاء التحالف الدولي بقيادة أميركا مع الأكراد. الثاني، اعتبار أكراد سوريا امتداداً لأكراد جنوب تركيا. الثالث، وجود كيان كردي سوري.
أنقرة ترى هذا مهدداً للأمن القومي التركي. هذا دفع إلى بدايات تنسيق بين إيران وتركيا ضد إقليم كردستان العراق، ومنع طموح رئيس الإقليم مسعود بارزاني إلى الاستقلال، وسيدفعهما إلى التنسيق ضد «غرب كردستان» (شمال سوريا) بما يشبه التنسيق الثلاثي الذي ضم أنقرة وطهران مع دمشق نهاية التسعينات ضد أكراد شمال العراق الذين حظوا بمنطقة حظر جوي.
أيضاً، رغم تطمينات واشنطن من أنه لا وعود سياسية لأكراد سوريا، وأن السلاح الأميركي والأوروبي سيُسحب من «وحدات الحماية» بعد القضاء على «داعش»، فإن الجيش التركي قد يجد نفسه مضطراً لتوسيع المواجهة ضد الأكراد والتوغل شمال سوريا، كما حصل قبل عقد في العراق. وتوقيع الرئيس ترمب قراراً تنفيذياً لتسليح «قوات سوريا الديمقراطية» بحوالي 400 مليون دولار، ورفع عددها من 25 إلى 30 ألفاً في منتصف ديسمبر (كانون الأول) زاد قلق أنقرة، خصوصاً أن ذلك جاء بعد وعود ترمب لنظيره التركي رجب طيب إردوغان بعدم تسليح الأكراد.
دمشق كانت غضت الطرف عن إنجازات الأكراد منذ منتصف 2012 لأنهم لم يكونوا أولوية. لكن مع مرور الوقت وزيادة الثقة وتراجع «الجيش الحر» يمكن فتح جبهة جديدة بين دمشق والأكراد، أو أن تغض دمشق الطرف عن ضربات يقوم بها الجيش التركي ضد الأكراد. حصل ذلك سابقاً في العراق قبل سنوات.
كما أن دمشق لم تقمْ بالكثير عندما دعم الجيش التركي فصائل «درع الفرات» لإقامة جيب بين حلب والحدود.
وكان مسؤولون في دمشق تحدثوا عن حرب مقبلة ضد الأكراد، بل إن نائب وزير الخارجية فيصل المقداد شبه «قوات سوريا الديمقراطية» بـ«داعش». وكرر مسؤولون إيرانيون هذا التهديد. واضح، أن العلاقة بين دمشق والأكراد تسير إما باتجاه التفاوض أو الحرب وانتهاء «زواج المصلحة» الذي كان قائماً منذ 2011، إذ إن قوات النظام لم تحارب «الاتحاد الديمقراطي» القريب من «حزب العمال الكردستاني» بزعامة عبد الله أوجلان، بحيث بات لديه نحو 70 ألف مقاتل وسلاح متطور من أميركا وأوروبا، بل إن دمشق ركزت على محاربة «الجيش السوري الحر».
كانت أميركا وروسيا تفاهمتا في مايو (أيار) على مناطق نفوذ، وجرى التأكيد على ذلك في اتفاق ترمب - بوتين في 11 نوفمبر. هناك الخط الساخن بين موسكو وواشنطن لمنع الاحتكاك شرق سوريا بين قوات النظام و«حزب الله» المدعومة من الجيش الروسي التي تقدمت نحو دير الزور من جهة، و«قوات سوريا الديمقراطية» التي يدعمها التحالف الدولي بقيادة أميركا لتحرير الرقة وريفها من جهة أخرى. لكن مع تحرير الرقة ودير الزور يزداد الضغط الروسي لإخراج الأميركيين من الشرق. كما أن إيران التي ترى الوجود الأميركي معرقلاً لطموحاتها ستختبر الأميركيين بوسائل عدة.
يدرك «الاتحاد الديمقراطي الكردي» الجناح السياسي لـ«الوحدات» أن واشنطن خانت أكراد العراق في السبعينات وشيعة العراق في التسعينات والعرب السنة في سوريا في السنوات الأخيرة. لذلك، لا يستبعد قياديون أكراد خيانة أميركية لأكراد سوريا بعد سنوات من القضاء على «داعش». بعض المسؤولين الأكراد يرى مصلحة في التروي في المعارك ضد بقايا «داعش» البالغ عددهم ثلاثة آلاف عنصر، لتكريس الوجود العسكري على الأرض في فيدرالية شمال سوريا، في حين يُهيئ مسؤولون أكراد آخرون أنفسهم لـ«معركة كبرى» أو مواجهة ضد قوات النظام السوري أو العشائر العربية التي يمكن أن تقوم بثورة ضد «قوات سوريا الديمقراطية» التي تهيمن عليها «الوحدات» الكردية شرق نهر الفرات. ويراهن مسؤولون أكراد على تعزيز العلاقة مع روسيا. البداية كانت بلقاءات بين قائد «وحدات حماية الشعب» الكردية سبان حمو ووزير الدفاع الروسي سيرغي شويغو، ثم تشكيل غرفة عمليات مشتركة في دير الزور.
هناك أيضاً عامل آخر. المواجهة ممكنة، خصوصاً أن إيران تريد اختبار مدى التصميم الأميركي لإدارة ترمب عسكرياً لتقليص النفوذ الإيراني وقطع طريق طهران - بغداد - دمشق - بيروت، سواء بالتمدد شمال قاعدة التنف الأميركية شرق سوريا باتجاه البوكمال، وتشجيع فصائل في «الحشد الشعبي» العراقي للتوغل شرق سوريا، ما يفسح المجال لاحتمال مواجهة مع «قوات سوريا الديمقراطية»، أو تفككها عرباً وأكراداً بعد فترة على استقرار مؤقت في هذه المنطقة المحررة من «داعش». إلى الآن، استوعب الطرفان الواقع وشكلا تنسيقاً بين «الحشد» و«سوريا الديمقراطية».

«سوريا المفيدة» ميليشيات وجيش
في مناطق قوات النظام التي تفتقر إلى الموارد الطبيعية، باعتبار أن الغاز والنفط شرق البلاد تحت سيطرة «قوات سوريا الديمقراطية» وحلفاء أميركا، بات موضوع إعادة الإعمار بمثابة «معركة» بسبب رفض دول غربية دعم ذلك دون حل سياسي مقبول، وغياب القدرة المالية لحلفاء النظام في روسيا وإيران لتعويض كلفة الدمار التي تتجاوز 220 مليار دولار أميركي. وكان لافتاً أن مبعوث الرئيس الروسي ألكسندر لافرينييف قدر كلفة الدمار بـ400 مليار دولار أميركي.
في المقابل، أعلنت 18 دولة في اجتماع بقيادة أميركية عقد في نيويورك في سبتمبر (أيلول) الماضي أنها لن تشارك في إعمار سوريا، ما لم يحصل حل سياسي ذو صدقية بناء على تنفيذ القرار 2254.
هذا سيؤدي إلى مشاكل كبرى في مناطق النظام. هناك أيضاً، بوادر معارك أخرى بين «أمراء الحرب» ورجال الأعمال الجدد الذي برزوا في اقتصاد الحرب، ويتنافسون على حصة في مستقبل البلاد التي زادت فيها معدلات الجريمة والفساد، وتراجعت الكفاية الإدارية وسلسلة ترابط السلطة.
لكن الحروب الأخرى المحتملة، هي بين ميليشيات تابعة لإيران تضم عناصر سوريين وأجانب يدينون بالولاء لطهران، ويقدر عددهم من السوريين والأجانب بنحو 70 ألف عنصر، وبين قوات النظام التي تضم الجيش وقوات تحاول روسيا الحفاظ عليها، عبر تشكيل ميليشيات تابعة لروسيا والقاعدتين الروسيتين في اللاذقية وطرطوس لموازنة النفوذ الإيراني. وكان قرار موسكو تشكيل «الفيلق الخامس» ضمن هذا السياق، خصوصاً أن قرار الرئيس بوتين عدم إرسال قوات برية والاكتفاء بالقوة الجوية ومراقبين من الشيشان، يعني اعتماد موسكو على الميليشيات التابعة لطهران، وزيادة الاحتقان بين الميليشيات الشيعة والغالبية السنية في سوريا، ما لم تؤسس موسكو ميلشياتها الخاصة في سوريا.
ويجب عدم نسيان التوتر الطائفي الموجود خصوصاً في دمشق، وبين العاصمة السورية وحدود لبنان ومناطق «حزب الله» حليف طهران في لبنان، بسبب زيادة وجود ميلشيات تابعة لإيران تتصرف على أساس طائفي وسط مساع إيرانية لإجراءات تغييرات ديموغرافية غير مقبولة من شريحة واسعة من السنة.

المسار السياسي

الاتفاق بين ترمب وبوتين في نوفمبر (تشرين الثاني)، تضمن التعاون بين جيشي البلدين لـ«محاربة الإرهاب» وهزيمة تنظيم داعش والحفاظ على اتفاق «منع الصدام» بين الطرفين، وسحب الميلشيات الإيرانية من الجنوب. كما أن بيان تيلرسون في يوليو كان بمثابة تسليم غرب سوريا إلى روسيا، لكن هذا ليس كافياً لسوريا والسوريين. لا بد من التركيز على البند الثالث في الاتفاق الأميركي - الروسي المتعلق بتنفيذ القرار 2254، إذ تضمن الاتفاق أن ترمب وبوتين «أخذا علماً بالتزام الرئيس الأسد بعملية جنيف والإصلاح الدستوري والانتخابات على النحو المطلوب بموجب قرار مجلس الأمن 2254».
وتابع البيان أن الرئيسين «يعتبران أن هذه الخطوات يجب أن تشمل التنفيذ الكامل لقرار مجلس الأمن 2254، بما في ذلك الإصلاح الدستوري والانتخابات الحرة والنزيهة تحت إشراف الأمم المتحدة، وفقاً لأعلى معايير الشفافية الدوليــــة، بمشاركة جميع السوريين، بمن فيهم أعضــــــاء الشـتات، المؤهلون للمشاركة».
هذا الاتفاق الجديد يتضمن تراجعاً إضافياً في موقف واشنطن من النظام السوري. التنازل الأول، كان بعد إطلاق عملية فيينا وتأسيس «المجموعة الدولية لدعم سوريا» من أكثر من عشرين دولة إقليمية وغربية برئاسة أميركية - روسية، ذلك بعد أسابيع على التدخل العسكري الروسي المباشر في نهاية سبتمبر (أيلول) 2015. وقتذاك، تراجع الاهتمام بـ«بيان جنيف» للعام 2012، ونص على تشكيل «هيئة حكم انتقالية بصلاحيات تنفيذية كاملة» إلى إقرار القرار 2254، ونص على ثلاثة بنود: تشكيل «حكم تمثيلي وغير طائفي»، وإقرار دستور جديد، وإجراء انتخابات.
الاتفاق الأميركي الجديد يتحدث عن «إصلاح دستوري» أي الإبقاء على الدستور الحالي للعام 2012، وجرى الاستفتاء عليه في ظل الحرب، وبغياب نحو ستة ملايين لاجئ سوري وسبعة ملايين نازح داخل البلاد. كما لم يشر الاتفاق إلى إجراء انتخابات رئاسية، بل كان فيه إقرار لموقف الرئيس الأسد عندما قال بعد لقائه لافرينييف في أكتوبر (تشرين الأول) بالموافقة على «تعديل الدستور وإجراء انتخابات برلمانية».
لكن الأمر المهم في الاتفاق، موافقة واشنطن على دعم عملية جنيف برعاية الأمم المتحدة. إدارة ترمب كانت خارج مسار عملية آستانة لاعتراضها على حضور إيران كـ«ضامن». وشاركت بصفة مراقب، لكن واضحاً أن الإدارة الأميركية باتت أكثر اهتماماً بإطلاق عملية جنيف، خصوصاً مع اقتراب انتهاء «داعش» شرق سوريا. لكن هذا يتطلب سلسلة من الخطوات. لا بد من رعاية أميركية - روسية، وعزم سياسي وراء المفاوضات السياسية، ولا بد من مشاركة الدول الإقليمية الرئيسية بحيث يجري الضغط على النظام والمعارضة للوصول إلى تفاهمات واتفاقات سياسية تتضمن «المشاركة السياسية» ووحدة سوريا.
لا شك أن إطلاق عملية سياسية تجمع بين مقاربتين «من تحت إلى فوق» ومن «فوق إلى تحت» سيكون أمراً مهماً. بمعنى، أن المجالس المحلية التي ظهرت في مناطق «خفض التصعيد» الأربع، وفي المناطق التي حررت من «داعش» يجب أن تكون مشاركة في العملية السياسية. أيضاً، لا بد من مشاركة القوى السياسية المعارضة في مفاوضات مع النظام، للبحث عن حل سياسي وعسكري في دمشق. هنا يبدو نموذج اللامركزية مفيداً لسوريا المستقبل: أقصى حد من السلطات للمجالس المحلية لكن من دون الوصول إلى التقسيم. والمهم، أن تكون المجالس المحلية قائمة على مناطق جغرافية، وليس ديموغرافية، ذلك التزاماً ببنود القرار 2254 الذي يؤكد على وحدة سوريا.
وهنا، باعتبار أن هناك عشرات آلاف المقاتلين في صفوف المعارضة والنظام، لا بد من البحث عن تشكيل مجلس عسكري مشترك يؤدي تدريجياً إلى التنسيق بين المقاتلين، وإصلاح أجهزة الأمن والجيش على أمر بدء برنامج زمني لنزع سلاح الميلشيات وخروج المقاتلين الأجانب من سوريا.
إن إطلاق عملية مضبوطة ومتدرجة تتضمن بعدين سياسي وعسكري، سيؤدي إلى إعادة تجميع مناطق «خفض التصعيد» كي لا تكون «مناطق نفوذ» لدول الخارج، بل أن تكون جزءاً من سوريا. أيضا، هذا يؤدي إلى توفير شروط العمل السياسي والبيئة الحيادية، كي يقرر السوريون مصيرهم، وأن تكون العملية السياسية «بقيادة سوريا وملكية سوريا»، كما نص القرار 2254. لاشك أن حلاً كهذا سيؤدي إلى إقدام دول أوروبية وأميركا ودول الخليج وحلفاء النظام على المشاركة في إعمار سوريا وتوفير الـ220 مليار دولار المطلوبة لإعمار البلاد.
تبدأ سنة 2018، باجتماعين. الأول، مفاوضات جنيف في 21 يناير (كانون الثاني). الثاني، مؤتمر الحوار الوطني السوري في سوتشي يومي 29 و30 يناير. موسكو تضغط على المعارضة كي تحضر سوتشي بشروط موسكو وقبول الرئيس الأسد واقتصار الحديث عن تشكيل لجنة دستورية كي يشكل هذا نصراً كبيراً لبوتين قبل انتخاباته في 28 مارس (آذار) للبناء على لقـــــاءيه الأسد في سوتشي وحميميم الأسابيع الماضية، ولقــــــائه (بوتين) مع نظيريه التركي والإيراني في نوفمبر. في المقابل، تضــــغط الأمــــم المتحدة لتكامل بين جنيف وسوتشي لإطلاق عملية سياسية بموجب 2254.
ستكون السنة المقبلة مفصلية لتحديد ما إذا كانت سوريا ستمضي باتجاه «الحل الروسي» أو «الحل السوري» لتحديد مستقبل البلاد في العقود المقبلة.



وزراء الخارجية العرب يدينون الاعتداءات الإيرانية ويلوحون بـ«الدفاع المشترك»

اجتماع مجلس جامعة الدول العربية على المستوى الوزاري في دورة غير عادية عبر تقنية الاتصال المرئي (الخارجية المصرية)
اجتماع مجلس جامعة الدول العربية على المستوى الوزاري في دورة غير عادية عبر تقنية الاتصال المرئي (الخارجية المصرية)
TT

وزراء الخارجية العرب يدينون الاعتداءات الإيرانية ويلوحون بـ«الدفاع المشترك»

اجتماع مجلس جامعة الدول العربية على المستوى الوزاري في دورة غير عادية عبر تقنية الاتصال المرئي (الخارجية المصرية)
اجتماع مجلس جامعة الدول العربية على المستوى الوزاري في دورة غير عادية عبر تقنية الاتصال المرئي (الخارجية المصرية)

أدان وزراء الخارجية العرب «بشدة» الاعتداءات الإيرانية على دول عربية، وعدُّوها «تهديداً خطيراً للسلم والأمن الدوليين»، وطالبوا مجلس الأمن الدولي في ختام اجتماع طارئ عقدوه، الأحد، عبر تقنية الاتصال المرئي بإجبار طهران على الوقف الفوري للاعتداءات، مؤكدين حق الدول المستهدفة في الدفاع عن النفس «منفرداً أو جماعياً».

وعقد مجلس جامعة الدول العربية على مستوى وزراء الخارجية الاجتماع الطارئ عبر تقنية «الفيديو كونفرانس» لبحث الاعتداءات الإيرانية على الدول العربية، وخلص إلى إصدار قرار من 16 بنداً أدان «الاعتداءات الإيرانية غير القانونية»، ودعا طهران إلى «الوقف الفوري للهجمات العسكرية العدوانية، والكف الفوري عن جميع الأعمال الاستفزازية أو التهديدات للدول المجاورة، بما في ذلك استخدام أذرعها وميليشياتها المسلحة في المنطقة».

وجدد الوزراء العرب التأكيد على «الدعم الثابت لسلامة أراضي الدول العربية المستهدَفة وسيادتها واستقلالها، وتأييد جميع الخطوات والإجراءات اللازمة التي تتخذها للذود عن أمنها واستقرارها وحماية أراضيها ومواطنيها والمقيمين فيها، بما في ذلك خيار الرد على هذه الاعتداءات».

وليد الخريجي نائب وزير الخارجية السعودي يشارك في اجتماع مجلس الجامعة على المستوى الوزاري عبر تقنية الاتصال المرئي (الخارجية السعودية)

وشدد الوزراء على «الرفض القاطع» لهذه الاعتداءات وتضامن جميع الدول العربية الكامل معها، مذكّرين بـ«مقتضيات ميثاق جامعة الدول العربية ومعاهدة الدفاع العربي المشترك والتعاون الاقتصادي في مثل هذه الحالة، وتشديده على أن أمن الدول الأعضاء كل لا يتجزأ، وأن أي اعتداء تتعرض له أي دولة عضو هو اعتداء مباشر على جميع الدول الأعضاء».

كما أكدوا «حق الدول العربية المستهدفة بالاعتداءات الإيرانية في الدفاع الشرعي عن النفس، منفرداً أو جماعياً، وفقاً لما تقضي به المادة (51) من ميثاق الأمم المتحدة»، مجددين الدعم المطلق لحق الدول العربية في اللجوء إلى المؤسسات الدولية، بما في ذلك مجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة، لاستصدار قرارات دولية تدين «هذه الاعتداءات السافرة، وتُحمل إيران المسؤولية الكاملة عن الآثار المترتبة عليها».

ودعا وزراء الخارجية العرب مجلس الأمن الدولي إلى «تحمل مسؤولياته في حفظ السلم والأمن الإقليمي والدولي وإصدار قرار ملزم يدين الهجمات الإيرانية على الدول العربية، ويجبر إيران على وقف اعتداءاتها فوراً دون شروط».

وأكدوا «وجوب احترام حقوق وحرية الملاحة للسفن التجارية والنقل البحري التجاري وفقاً للقانون الدولي، وعلى حق الدول في الدفاع عن سفنها ووسائل نقلها وفقاً للقانون الدولي».

تنديد ورسالة دعم

وأدان الوزراء العرب «جميع الأعمال والإجراءات الإيرانية الاستفزازية وتدابيرها الهادفة إلى إغلاق مضيق هرمز أو تعطيل الملاحة الدولية، أو تهديد حرية الملاحة في باب المندب والمياه الدولية»، مؤكدين أن أي محاولة من جانب إيران لإعاقة المرور المشروع وحرية الملاحة في مضيق هرمز تُعرض استقرار منطقة الخليج العربي، ودورها الحيوي في الاقتصاد العالمي، وإمدادات الطاقة، فضلاً عن السلم والأمن الدوليين، للخطر.

وفيما يتعلق بلبنان، شدد وزراء الخارجية العرب على «دعم وحدته وسيادته واستقلاله وسلامة أراضيه، وعلى ضرورة بسط سلطة الدولة للبنانية الكاملة على جميع أراضيها»، مرحبين بقرار مجلس الوزراء اللبناني بشأن «الحظر الفوري لجميع النشاطات الأمنية والعسكرية لـ(حزب الله)، وعدّها خارجة عن القانون، وحَصر عمله في المجال السياسي ضمن الأطر الدستورية والقانونية؛ والتشديد على حصرية السلاح بيد الدولة اللبنانية ومؤسساتها الشرعية، لا سيما الجيش اللبناني والقوى الأمنية الرسمية».

وفيما يخص الأراضي الفلسطينية، دعا الوزراء «الأطراف الفاعلة في المجتمع الدولي للضغط على إسرائيل، القوة القائمة بالاحتلال، لإنهاء احتلالها غير القانوني للأراضي الفلسطينية والعربية المحتلة 1967».

وعُقد الاجتماع بناءً على طلب عدد من الدول العربية من بينها السعودية ومصر وقطر والكويت وعُمان والأردن والبحرين.

«مبادئ حسن الجوار»

وعدَّ الأمين العام لجامعة الدول العربية، أحمد أبو الغيط، الاجتماع بمثابة رسالة واضحة للجميع في المنطقة والعالم، مفادها أن «العرب يتحدثون بصوتٍ واحد، ويقفون صفاً واحداً في إدانة ورفض أي اعتداء على أي دولة عربية، أو انتهاكٍ لسيادتها أو تهديد لسلامة أراضيها وأجوائها».

وأكد أبو الغيط في كلمته أن تلك الاعتداءات «لا تأخذ في حسبانها مبادئ حسن الجوار، وتنتهك القوانين والمواثيق الدولية على نحو سافر وخطير، وتُمثل تهديداً للأمن القومي العربي كله».

وشدد على أنه «لا يُمكن تبرير هذه الهجمات بأية حجة، أو تمريرها تحت أي ذريعة»، مضيفاً أنها «تعكس سياسة متهورة... تضرب حسن الجوار في الصميم».

وقال إن الدول العربية «لم تكن تتوقع أبداً أن يكون الرد على التمسك بمبادئ حسن الجوار والمساعي الدبلوماسية الصادقة هو الصواريخ والمُسيرات الغادرة التي تستهدف العُمران والإنسان»، مضيفاً أن «هذه العدوانية الإيرانية غير المبررة تعكس تخبطاً في الإدراك، وتُزيد من عزلة إيران في هذا الظرف الصعب والدقيق»، محذراً من آثارها السلبية التي قال إنها «قد تمتد إلى العلاقة بين إيران وجوارها العربي».

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يشارك في اجتماع مجلس جامعة الدول العربية (الخارجية المصرية)

وكان أبو الغيط قد أدان قبل الاجتماع «بأشد العبارات، التصعيد الإيراني الخطير ضد أهداف مدنية ومنشآت حيوية في منطقة الخليج». وقال المتحدث باسم الأمين العام للجامعة العربية، جمال رشدي، في إفادة رسمية بأن «أبو الغيط يُتابع من كثب تطورات التصعيد الإيراني، ويعده استراتيجية يائسة ضد دول لم تُشارك في الحرب ولم تسعَ إليها، ولن يكون من شأن هذه الاستراتيجية سوى تعميق الكراهية والعداء في المنطقة».

كما تلقى أبو الغيط، الأحد، اتصالاً هاتفياً من الممثلة العليا للسياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي، كايا كالاس، نقلت خلاله رسالة إلى وزراء الخارجية العرب المجتمعين عبر «الفيديو كونفرانس» تضمنت إعراباً عن «الإدانة الشديدة، ومن دون مواربة، للهجمات الإيرانية على عدد من الدول العربية».

«التعاون العربي المشترك»

وأعرب وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي، في كلمته خلال الاجتماع عن «التضامن الكامل مع الدول الخليجية والأردن والعراق في مواجهة الاعتداءات الإيرانية»، مشدداً على «الإدانة القاطعة والرفض الكامل لهذه الاعتداءات وأي ذرائع لتبريرها».

ونوَّه الوزير المصري بـ«أهمية تفعيل مفهوم الأمن القومي العربي للحفاظ على أمن الدول العربية، وصون سيادتها»، مشيراً إلى «ضرورة تفعيل أطر التعاون العربي المشترك للتعامل الفعال مع التهديدات القائمة، بما في ذلك تشكيل قوة عربية مشتركة».


قانون جديد للأحزاب في الجزائر يثير تجاذباً بين الإسلاميين والعلمانيين

رفع الراية الأمازيغية في مظاهرة بمنطقة القبائل (حسابات ناشطين)
رفع الراية الأمازيغية في مظاهرة بمنطقة القبائل (حسابات ناشطين)
TT

قانون جديد للأحزاب في الجزائر يثير تجاذباً بين الإسلاميين والعلمانيين

رفع الراية الأمازيغية في مظاهرة بمنطقة القبائل (حسابات ناشطين)
رفع الراية الأمازيغية في مظاهرة بمنطقة القبائل (حسابات ناشطين)

أعلن حزب «التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية» في الجزائر، رفضه القاطع للتعديلات التي أدخلتها الحكومة على القانون العضوي للأحزاب السياسية، عادّاً نفسه «المستهدَف الأول» من وراء هذه الإجراءات.

تأتي هذه المعارضة في وقت أثارت فيه نسخة القانون الجديدة جدلاً واسعاً في الأوساط السياسية الجزائرية، خصوصاً فيما يتعلق ببنود حظر استخدام أي راية غير العلَم الوطني في الأنشطة الحزبية.

ويرى مراقبون أن هذه المادة تستهدف بشكل مباشر الأحزاب التي ترفع العلم الأمازيغي في اجتماعاتها.

وقدَّم هذه المبادرة (التعديلات) نواب من التيار الإسلامي - القومي، وتحظى بدعم «حركة مجتمع السلم» الإسلامي؛ ما أثار انتقادات، إذ يرى أصحابها أن ذلك يشكل مساساً بالتعبير عن التعددية الهوياتية التي يعترف بها الدستور، ويُنظر إليه عملياً على أنه يستهدف العلم الأمازيغي.

عثمان معزوز رئيس «التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية» ويظهر في مكتبه العلم الوطني مع راية الأمازيغ (إعلام الحزب)

وبحسب آراء نقلتها منصة الأخبار «ألترا الجزائر»، فإن «لجنة الشؤون القانونية» في «المجلس الشعبي الوطني» (الغرفة البرلمانية السفلى) تدرس حالياً سلسلة من التعديلات على النص الحكومي، من بينها مقترح تعديل للمادة السادسة قدمه النائب عبد الرحمن صالحي عن حزب «جبهة المستقبل» الموالي للسلطة.

دعم إسلامي

ويقترح هذا التعديل منع الأحزاب السياسية من «استخدام أي علم غير العلم الوطني»، بذريعة «الحفاظ على الوحدة الوطنية ومنع خطابات الكراهية أو الرموز التي قد تغذي الانقسامات الهوياتية».

حظيت المبادرة بدعم نواب من التيار الإسلامي، خصوصاً داخل حزب «حركة مجتمع السلم»، حيث يرى البرلماني التابع له، عز الدين زحوف، أن الالتزام الحصري بالعلم الوطني يُعدّ «أمراً بديهياً يهدف إلى تعزيز التماسك الوطني». وأضاف أن استخدام أعلام ذات طابع هوياتي أو جهوي قد يُحدِث «لَبْساً أو يغذي الانقسامات في الفضاء العام». كما استحضر الحراك الشعبي سنة 2019، حيث دعت بعض الشعارات إلى التمسُّك الحصري بالعَلَم الوطني، بعد أن تمّ رفع العلم الأمازيغي من طرف قطاع من نشطاء الحراك.

ويستند طرح البرلماني إلى قراءة رمزية للعلم الجزائري؛ إذ يرى أن ألوانه ورموزه، لا سيما الهلال والنجمة، «تحمل دلالة تاريخية وحضارية موحَّدة».

والجدل حول «راية الأمازيغ» قديم، يعود إلى 7 سنوات، وكان قد برز بقوة في عهد الراحل قائد الجيش الفريق أحمد قايد صالح، الذي شنَّ حملة اعتقالات ضد رافعي هذه الراية في الحراك الشعبي الذي أجبر الرئيس الراحل عبد العزيز بوتفليقة على التنحي في 2 أبريل (نيسان) 2019.

برلماني «حركة مجتمع السلم» الإسلامية عز الدين زحوف (حسابه الخاص بالاعلام الاجتماعي)

ويذهب معارضو هذا التوجُّه إلى أنه يعكس «رؤية آيديولوجية ذات صبغة عربية إسلامية للهوية الوطنية، وهي الهوية التي تتشكل»، حسب تقديرهم، «من روافد متنوعة تمثل الشعب الجزائري، وفي مقدمتها الأمازيغية التي يتبناها الملايين، لا سيما في مناطق الشرق والجنوب».

كما يرى منتقدو المقترح أن حظر أي علم غير العلم الوطني في النشاط الحزبي، «قد يكرّس تصوراً موحّداً للأمة، يتعارض مع الاعتراف الدستوري بالبعد الأمازيغي للهوية الجزائرية».

ويرى مراقبون أن هذا النقاش يتخطى أبعاده الرمزية، ليضع الإصبع على جرح التجاذب السياسي المزمن بين تيار يتمسك برؤية مركزية أحادية للهوية، وتيار آخر ينادي بضرورة الإقرار بالتعددية التاريخية والثقافية كركيزة أساسية للدولة.

وفي تقدير بعض المسؤولين السياسيين، قد يفتح هذا التعديل الباب أمام تقييد التعبير الثقافي والسياسي، في بلد يتميز بتعددية هوياتية يعترف بها الدستور.

وفي هذا السياق، أكد رئيس حزب «التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية»، عثمان معزوز، أن القضية تتجاوز مجرد تنظيم الرموز؛ فالوحدة الوطنية، بحسبه، «لا تتحقق بمنع الرموز الثقافية، بل ببنائها على أساس الاعتراف بالتنوع الذي يشكّل المجتمع الجزائري».

ومن هذا المنظور، فإن حظر الرموز الثقافية، ومنها العلم الأمازيغي، يطرح مسألة حدود حرية التعبير السياسي، إذ إن الأحزاب «ليست مجرد آلات انتخابية، بل فضاءات للتعبير الآيديولوجي والاجتماعي والثقافي»، وفق معزوز.

اجتماع للجنة القانونية البرلمانية حول تعديل مشروع قانون الأحزاب (إعلام البرلمان)

ويبدو، لأول وهلة، أن مبادرة النائب صالحي تعني بالدرجة الأولى «التجمُّع من أجل الثقافة» العلماني المعارض، الذي يبدي حرصاً على وضع راية الأمازيغ إلى جانب العلم الوطني في اجتماعاته، علماً بأن أهم قواعد هذا الحزب موجودة في منطقة القبائل الناطقة بالأمازيغية، وأغلب قيادييه ومناضليه يتحدرون منها.

وعلَّق سعيد صالحي، قيادي «الرابطة الجزائرية للدفاع عن حقوق الإنسان»، التي حلَّتها السلطة في 2023، على هذا الجدل، في منشور له بالإعلام الاجتماعي: «لا جزائر بلا الأمازيغية: على هذا الشعار فتحت عيني في أول مدرسة لي للنضال الديمقراطي، ضمن الحركة الثقافية البربرية».

من جهتها، نشرت المنصة الإخبارية «ماغراب إيمرجنت»، أن «اللجنة القانونية» بـ«المجلس الشعبي الوطني» رفضت التعديل الذي اقترحه النائب عبد الرحمن صالحي.

وبعد رفض هذا الاقتراح، يبقى النص على النحو التالي: «لا يمكن للحزب السياسي اعتماد تسمية أو رمز أو علم مميز مطابق أو مشابه لتلك التي يملكها حزب أو جمعية أو نقابة أو أي تنظيم آخر سابق مهما تكن طبيعته»، كما يمنع النص أي حزب من «تبني مواقف أو أعمال مخالفة لمصالح الأمة ومبادئ ثورة التحرير».


تداعيات الحرب على إيران تلقي بظلالها على اليمن

ملايين اليمنيين يعيشون أوضاعاً صعبة ويعتمدون على المساعدات الإنسانية (إ.ب.أ)
ملايين اليمنيين يعيشون أوضاعاً صعبة ويعتمدون على المساعدات الإنسانية (إ.ب.أ)
TT

تداعيات الحرب على إيران تلقي بظلالها على اليمن

ملايين اليمنيين يعيشون أوضاعاً صعبة ويعتمدون على المساعدات الإنسانية (إ.ب.أ)
ملايين اليمنيين يعيشون أوضاعاً صعبة ويعتمدون على المساعدات الإنسانية (إ.ب.أ)

ألقت الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى بظلالها على الوضع الاقتصادي في اليمن، مع شروع بعض شركات الشحن في فرض رسوم إضافية على البضائع المتجهة إلى المواني اليمنية، تحت مسمى «رسوم مخاطر الحرب».

ويأتي ذلك في وقت يعتمد فيه اليمن على الاستيراد لتغطية نحو 90 في المائة من احتياجاته الغذائية والسلعية، ما يثير مخاوف من انعكاس أي زيادات في تكاليف النقل على أسعار السلع الأساسية في الأسواق المحلية.

وتزامن هذا التطور مع حالة ترقب تسود الأوساط السياسية والشعبية لاحتمالات انخراط جماعة الحوثيين في الصراع الإقليمي، وهو ما قد يضاعف من الضغوط الاقتصادية والإنسانية على بلد يعاني بالفعل من أزمة معيشية حادة منذ سنوات الحرب.

الحكومة اليمنية أكدت أن موانيها لا تزال بعيدة عن مناطق التوتر (إعلام محلي)

وفي محاولة لطمأنة الأسواق، أكدت الحكومة اليمنية أن المخزون الاحتياطي من القمح يغطي احتياجات البلاد لمدة 3 أشهر، في حين أنَّ تعاقدات التجار التي يُنتظر وصولها خلال الفترة المقبلة ستكفي لتغطية الطلب لـ3 أشهر إضافية، ما يمنح السلطات هامشاً زمنياً للتعامل مع أي تطورات محتملة في حركة التجارة الدولية.

اعتراض حكومي

بعد أيام من تأكيد وزارة الصناعة والتجارة اليمنية استقرار مخزون القمح في البلاد، كشفت وزارة النقل عن قيام بعض الخطوط الملاحية الصينية بفرض رسوم إضافية كبيرة على البضائع المتجهة إلى المواني اليمنية، بلغت نحو 3 آلاف دولار عن كل حاوية، تحت ذريعة المخاطر المرتبطة بالحرب الدائرة في المنطقة.

ووجَّهت وزارة النقل خطاباً رسمياً إلى رئيس الغرفة الملاحية في العاصمة المؤقتة عدن، أعربت فيه عن اعتراضها على فرض هذه الرسوم، خصوصاً أنها شملت أيضاً شحنات وصلت بالفعل إلى المواني اليمنية قبل الثاني من مارس (آذار) الحالي.

صورة لخطاب احتجاج وزارة النقل اليمنية على زيادة رسوم الشحن (إكس)

وأكد الخطاب، الذي وقَّعه وكيل وزارة النقل، القبطان علي الصبحي، أن الوزارة تلقت شكاوى من عدد من التجار والموردين اليمنيين بشأن هذه الزيادة المفاجئة في تكاليف الشحن، والتي وصفها بأنها خطوة غير مُبرَّرة، نظراً لعدم وقوع المواني اليمنية ضمن مناطق النزاع المباشر.

وطلبت الوزارة من الغرفة الملاحية إبلاغ شركات الشحن باعتراض الحكومة على فرض أي رسوم إضافية على الواردات المتجهة إلى المواني اليمنية، مع دعوتها إلى موافاتها بأي مستجدات في هذا الشأن، وإبداء استعدادها لمناقشة أي صعوبات قد تواجه حركة السفن والعمل على تذليلها.

إجراء غير منطقي

في سياق هذه التداعيات، أكد وزير النقل، محسن حيدرة، أن الحكومة تتابع من كثب التحديات التي تواجه القطاع التجاري والملاحي في البلاد، مشدداً على أن المواني اليمنية لا تزال بعيدةً عن مناطق التوتر الجيوسياسي في الخليج العربي ومضيق هرمز.

وقال الوزير في تصريحات رسمية، إن فرض رسوم إضافية تحت مسمى «مخاطر الحرب» على الشحنات المتجهة إلى اليمن «إجراء يفتقر إلى المبررات المنطقية والواقعية»، لافتاً إلى أن تلك المواني تعمل بصورة طبيعية ولا تقع ضمن مناطق عمليات عسكرية أو تهديدات مباشرة للملاحة.

وأكد حيدرة أن الوزارة ترفض بشكل قاطع أي مبالغ إضافية على البضائع المتجهة إلى البلاد، خصوصاً عندما تصل هذه الرسوم إلى نحو 3000 دولار للحاوية الواحدة، محذراً من أن مثل هذه الإجراءات من شأنها زيادة الأعباء على الموردين والتجار، وهو ما سينعكس بدوره على أسعار السلع التي يتحمَّل المواطن البسيط تكلفتها في النهاية.

وأضاف الوزير أنه وجه الجهات المعنية بمنع تحصيل هذه الرسوم فوراً، خصوصاً بالنسبة للشحنات التي وصلت بالفعل إلى المواني قبل التاريخ الذي حددته شركات الشحن، مؤكداً أنه يتابع تنفيذ هذا التوجيه بشكل مباشر.

كما شدَّد على أن الحكومة لن تسمح بأن تتحول المواني اليمنية إلى ساحة لفرض أعباء مالية غير قانونية تزيد من معاناة السكان، في بلد يعاني ملايين من مواطنيه من تدهور الأوضاع الاقتصادية والإنسانية.

ورغم نبرة الرفض الحازمة، أكد الوزير أن أبواب الوزارة ستظل مفتوحةً أمام شركات الملاحة الدولية لمناقشة أي تحديات تواجهها، مع التأكيد على التزام الحكومة بتوفير بيئة تجارية شفافة وجاذبة للاستثمار.

وأوضح وزير النقل اليمني أن حماية الاقتصاد الوطني تبدأ بحماية حقوق الموردين والتجار، مع التزام السلطات باتخاذ الإجراءات القانونية والإدارية اللازمة لضمان استقرار قطاع النقل البحري، بوصفه شرياناً حيوياً لتدفق السلع إلى السوق اليمنية.

مخاوف إنسانية

في موازاة المخاوف الاقتصادية، حذَّرت الأمم المتحدة من التداعيات الإنسانية المحتملة لتصاعد التوترات العسكرية في المنطقة على اليمن، الذي يُعدُّ من أكثر الدول هشاشة في العالم من حيث الأمن الغذائي.

وقال وكيل الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون الإنسانية ومنسق الإغاثة في حالات الطوارئ، توم فليتشر، إن أي تصعيد إضافي في النزاع بالمنطقة، سواء في اليمن أو في البحر الأحمر، قد يؤدي إلى ارتفاع حاد في أسعار السلع الأساسية أو نقص في الإمدادات الغذائية.

وأوضح المسؤول الأممي أن مثل هذه التطورات قد تزيد من تفاقم الوضع الغذائي المتردي بالفعل، خصوصاً في المناطق الخاضعة لسيطرة جماعة الحوثيين، حيث يعتمد ملايين السكان على المساعدات الإنسانية للبقاء.

الأمم المتحدة خزَّنت كميات تموينية في اليمن (الأمم المتحدة)

وأشار فليتشر إلى أن المنظمة الدولية قامت بتفعيل خطط الطوارئ في مختلف دول المنطقة، بما في ذلك اليمن، تحسباً لأي آثار غير مباشرة للنزاع المتصاعد.

وكشف عن أن الأمم المتحدة تعمل على تخزين كميات احتياطية من المساعدات الإنسانية، إضافة إلى إعداد خيارات تمويل سريعة، من بينها تخصيصات محتملة من الصندوق المركزي للاستجابة للطوارئ؛ بهدف ضمان استمرار عمليات الإغاثة في حال تعطل سلاسل الإمداد.

كما حذَّر المسؤول الأممي من أن إغلاق المجال الجوي في بعض مناطق المنطقة قد يعرقل عمليات نقل المساعدات الإنسانية إلى اليمن، في ظلِّ توقف بعض رحلات الأمم المتحدة التي تُستخدَم لنقل العاملين في المجال الإنساني والإمدادات الضرورية.