لبنان: دراسات فكرية ولغوية ونقدية وروايات... وغياب الشعر

لبنان: دراسات فكرية ولغوية ونقدية وروايات... وغياب الشعر
TT

لبنان: دراسات فكرية ولغوية ونقدية وروايات... وغياب الشعر

لبنان: دراسات فكرية ولغوية ونقدية وروايات... وغياب الشعر

«السياسة اللغوية في البلاد العربية»
أحمد فرحات
عديدة هي الكتب المؤلّفة والمترجمة التي قرأتها على مدى العام 2017. طبعاً أغلبها الأعمّ كان أدبياً، نقدياً، فكرياً، شعرياً ولغوياً.... إلخ. وليس شرطاً أن تكون هذه الكتب صادرة في العام المذكور عينه، بل بعضها صدر في عامنا الحالي، وغيرها صدر في أعوام متفرّقة شتى. وما علق في ذهني من تلكم الكتب التي قرأت، كتاب «السياسة اللغوية في البلاد العربية» للعالم اللغوي المغربي د. عبد القادر الفاسي الفهري، وهو في المناسبة خبير لساني دولي، ولا سيما باللغتين الفرنسية والإنجليزية، عدا لغته العربية الأم طبعاً. كما يحاضر الرجل في شؤون لغة الضاد وغيرها من لغات في كبرى المنابر الجامعية الدولية، منها مثالاً لا حصراً، جامعات «هارفرد» و«ستانفرد» و«باريس الثالثة والسابعة» و«ليدن» و«شتوتغارت»... إلخ.
يتطرّق المؤلف في كتابه المذكور إلى أوضاع اللغة العربية وتحدياتها، بخاصة مسألة الربط بين قوة اللغة أو ضعفها، وقوة الأمة، أو الجماعة التي يوحّدها اللسان. كما يبحث في العولمة اللغوية، وسائطها، وموقع اللغة العربية منها. كما يبحث في النظام اللغوي العالمي و«موقع الكوكبة اللغوية العربية الجيو - استراتيجي»... كما يتطرق إلى عولمة اللغة وعولمة السوق وأمور مهمة أخرى لا يتسع المجال لذكرها في هذا الحيز من الكلام.
واللغة في رأي د. الفاسي الفهري ثقافة، لا لأن الهوية لغة، أو «أنا لغتي» كما يقول الشاعر محمود درويش، أو لأنّ الثقافة خصوصية إثنية، بل لأن الثقافة أساساً سيمياء، في المأكل والمشرب، والرقص والموسيقى... إلخ، سواء كانت محلية أم جهوية أم كونية، ولأن المعتقدات والسلوكيات والقيم والمعارف ثقافية أيضاً، ولأن هناك تفاعل ثقافات ومعارف وتداخلها عبر اللغات.
أما الكتاب الثاني الأبرز الذي قرأت، فيحمل عنوان: «العجائبي والسرد العربي... النظرية بين التلقي والنصّ» للمؤلف د. لؤي علي خليل. والكتاب عبارة عن دراسة نظرية - تطبيقية، انطلقت من الجهود التي بذلها نقاد غربيون في سبيل التقعيد لمفهوم تجنيسي هو «العجائبي»، ذلك أن مساحة هذا المفهوم، وكما يرى المؤلف جعلته يعتقد، وبما بشبه اليقين بحضوره في بنية الفكر العربي - الإسلامي، وفي نصوصه السردية التي أنتجها. وكلما أوغل المؤلف في قراءة حدود «العجائبي»، ازداد يقيناً بالحاجة إلى دراسة تنقّل ذلك الحضور من الوجود بالقوة إلى الوجود بالفعل. وعزّز لديه هذا الاعتقاد، أن معظم النصوص التي اعتمدها النقاد تمثيلاً للمفهوم، هي نصوص مشرقية، مثل «ألف ليلة وليلة» أو ذات طابع مشرقي مثل «المخطوط» الحكائي الذي عثر عليه في سرقسطة، وقد كتبه، أو بالأحرى، سرده بالفرنسية الكاتب والرحالة والدبلوماسي يان بوتوسكي، وتدور أحداثه، التي هي على غرار «ألف ليلة وليلة»، في إسبانيا في القرن الثامن عشر. وجعل محور عمله الساحر العجيب، الشقيقتين المسلمتين أمينة وزبيدة، حيث يلتقي بهما بطله منذ الرحلة الأولى ويغرم بهما، ويظل يعاود سيرة اللقاء بهما والحكي معهما حتى آخر الرحلة الفانتازية الشيّقة.
الكتاب الثالث الذي لفتني، ويجدر التنويه به، فهو من تأليف الباحث الفرنسي المعروف ميشال فراجونار، ويحمل عنوان «التيارات الثقافية الكبرى في القرن العشرين»؛ والكتاب الذي نقله إلى العربيّة عن الفرنسيّة د. محمد كامل ضاهر، عبارة عن مجلّد يتألف من 672 صفحة، يحوي 170 موضوعاً تغطّي الأحداث العلمية والأدبية والفنية لأخصب القرون التي عرفها البشر حتى الآن.
ولمزيد من تيسير الأمور وتسهيلها على القارئ، يستعرض المؤلف في «مجلده» المذكور، المعالم الثقافية الرئيسية للقرن العشرين، أحداثاً وتيارات وأشخاصاً، على شكل مقالات ميسرة، تحوي الأفكار الرئيسية دونما إطناب، وبأسلوب سلس يجذب مختلف الشرائح القرائية، ولا سيما غير المختصة منها.
والكتاب الرابع الذي قرأته هو للمؤلفة المصرية الشابة دعاء الشريف، ويحمل عنوان «التوراة تثبت أن فلسطين أرض عربية». والكتاب عبارة عن دراسة بحثية قامت المؤلفة بالعمل عليها على مدار سنوات طويلة. والمنهج الذي اتبعته فيه ليس سرداً تاريخياً للأحداث، بل أخذت جانب التحقيق والتحليل ومناقشة المرتكزات التي ساقتها الحركة الصهيونية لنفسها، وبنت عليها، وكلها مرتكزات ملفقة ومزورة، هدفها حرف الحقائق التاريخية عن جادتها، بحيث يصبح الكذب أو التدليس مثلاً هو الحقيقة، وما خلا ذلك، فهو الباطل والمزوّر.
ولما كانت المؤلفة كاتبة ومختصة في الدراسات الإسرائيلية ومترجمة عن اللغة العبرية، المتضلعة منها أيّما تضلع، ولها العديد من الدراسات والأبحاث العلمية في قضايا تتعلق بالصراع العربي - الإسرائيلي، فقد ساعدها ذلك كله على الغوص في المصادر العبرية، التاريخية منها والفكرو - سياسية، وتوصلت إلى ما توصلت إليه في خلاصة مضمون كتابها المثير للجدل والجدير بالقراءة والتقييم، بخاصة أنه كتاب علمي بعيد عن الخطاب السياسي والغنائيات السياسية إياها، يقارب الأمور من منطق المغتصب للأرض نفسه، داحضة مزاعمه من قلب هذي المزاعم نفسها، وما يتصل بها، ويعود إليها. وعبر النقاط الثلاث الرئيسية: الأرض، الشعب، الوعد.
أما الكتاب الخامس الذي قرأته بشغف كبير، فهو كتاب «قوة الشعر» للشاعر والناقد البريطاني جايمس فنتن. والكتاب يمثل خلاصة المنطلقات الشعرية والنقدية لهذا الشاعر، الذي انتخب انتخاباً حراً وتلقائياً كي يتبوّأ منصب أستاذ الشعر في جامعة أوكسفورد في مايو (أيار) من العام 1994. يلخص شاعرنا منطلقاته الشعرية والنقدية بالإجابة عن أبرز الأسئلة التي طرحها على نفسه كشاعر وناقد في آن واحد، وهي: لماذا ينبغي للشاعر أن يكون شاعراً أصيلاً؟ ما العلاقة بين العبقرية الشعرية والتدرّب على صنعة الشعر؟ لماذا يتعيّن على الشاعر أن يشعر بضرورة أن يكون موضع إعجاب، وأن يوجِد حوله وهماً مفاده أنه شاعر متميّز وفريد، لا يضاهيه شاعر آخر؟ لماذا يتحتم على صفة التفرّد أن تكون وثيقة الصلة بمفهومنا عن العمل الأدبي، بحيث يتوقع أن يكون كل صوت شعري صوتاً مميزاً؟
أما الكتاب السادس الراسخ في ذاكرتي، وعلى نحو غائر جداً، فهو كتاب: «وحوش جنة عدن... خواطر حول تطور الذكاء البشري» لكارل ساغان، الذي أقدم على ترجمته المفكر الفلسفي اللبناني والمترجم الفذ الراحل د. حسن قبيسي. وعندما نتكلم على فذاذة المترجم هنا، فلأنه يكتب العمل بلغة أخرى، يمكن أن تكون أبلغ تعبيراً وأقوى إيحاء من لغة الأصل نفسها أو اللغة الوسيطة بين لغتين التي ينقل عنها، بحسب المستعرب الفرنسي جان بيار ديدييه، الذي قرأ الكتاب نفسه باللغتين العربية والفرنسية، وقارنهما بالنص الأصلي الإنجليزي المكتوب به الكتاب. وانحاز إلى النسخة العربية كأفضل تخريج لغوي للمعاني المطروحة كما أرادها المؤلف ساغان. وفي كل الأحوال هذا ليس موضوعنا الآن، بل الموضوع هو الإشارة إلى أهمية هذا الكتاب الذي يبحث، من ضمن ما يبحث، فيما نملكه كبشر من شكلين من التفكير، أحدهما تحليلي ومنطقي، والثاني غريزي ومركّب، وهل بإمكاننا أن نُحسّن من وضعية الدماغ البشري؟ وهل تعتبر الحواسيب ذكية أم أنها في طريقها لتصبح كذلك؟ وهل هناك كائنات ذكية في الكون الخارجي؟ وهل يمكننا التواصل معها؟
طبعاً يجيب كارل ساغان الفيلسوف والعالم الفلكي الأميركي عن كل هذه الأسئلة في كتابه، مستعيناً بمختلف العلوم الحديثة، ومحاولاً التوفيق بين المعلومات التي يوفرها العلم الحديث والأساطير الموروثة.
ونعرف من الكتاب المذكور، أنه على الرغم من قِدم العالم ووجودنا كبشر بامتداد زمني لا قبل لإدراكنا باستيعابه، فنحن قادرون بذكائنا العلمي على تعيين أحداث ذلك الماضي البعيد، إذ إن علم الطبقات الأرضية وتعيين التاريخ بواسطة الأشعة، يمكننا من الحصول على معلومات حول الأحداث الأثرية والإحاثية والإراضيّة.
أما النظرية الفلكية الفيزيائية، فتزودنا بمعطيات حول عمر سطوح الكواكب والنجوم ومجرة باب التبانة، فضلاً عن تقدير معين للمدة الزمنية التي انقضت على حصول ذلك الحدث الخارق الذي يسمى الانفجار الكبير (بيغ بانغ).
- شاعر وإعلامي

«الفلسفة في زمن الإرهاب»
رفيف صيداوي
قراءاتي التي انتهيتُ منها مؤخّراً مُتقاربة ومُتباعدة في آن معاً، إنْ لجهة موضوعاتها أو لجهة قِدمها أو جِدّتها. حيث أعدتُ قراءة «تخليص الإبريز في تلخيص باريز أو الديوان النفيس بإيوان باريس» (1834) لرفاعة رافع الطهطاوي، و«رحلة إلى أوروبا 1912» لجرجي زيدان؛ إذ تَجمعُ بين الكتابَيْن رؤية مؤلّفَيهما للغرب في مَراحل زمنيّة شكّل فيها هذا الغرب مصدر إعجابٍ يصل أحياناً إلى حدود الانبهار به، على الرغم من الانتقادات التي وجِّهت إلى بعض مَعالمه أو مظاهره، إنْ بالنسبة إلى بعض العادات والتقاليد، أو إلى غيرها من القضايا التي فاخرَ الكاتبان أو اعتدّا بها لكونها تُميِز التراث العربي الإسلامي أو الشرقي عموماً. وهو الأمر الذي يشير إلى استمرارية جدلية «الأنا والآخر»، و«التراث والحداثة»، و«الشرق والغرب»....إلخ، وغيرها من الجدليّات التي لم ننتهِ منها بعد.
أمّا كِتاب فردريك معتوق «صدام العصبيّات العربيّة» الصادر حديثاً، فيستند إلى التراث، وإلى مُعالجة ابن خلدون لمفهوم العصبية، بهدف التأسيس لتحليل سوسيولوجي يكشف أبعاد العصبيّة في الثقافة العربية الماضية والحاضرة، فضلاً عن أسباب ديمومتها في الواقع الاجتماعي اللّبناني والعربي العام.
وبعيداً عن الواقع العربي، إلى حدٍّ ما، فإنّ كِتاب «الفلسفة في زمن الإرهاب: حوارات مع يورغن هابرماس وجاك دريدا» (2013) للباحثة الأميركيّة من أصل إيطالي جيوفانا بورادوري، يُعيد تصويب الفكرة الخاطئة أو الأصحّ القراءة الخاطئة لكلا الفيلسوفَين، وذلك من خلال حوارها معهما وتقصّي رأيهما بعد عمليّة الحادي عشر من أيلول. إذ يتبين من خلال التحليل الشيق للمؤلفة اتفاق الفيلسوفَيْن على أنّ للإرهاب المحلّي أو الدولي وجهاً سياسياً واحداً، وهو ما ربطته بالتصنيف الميكانيكي الذي يجري من خلاله اعتبار هابرماس وجاك دريدا على طرفَي نقيض من مسألة الحداثة.
يبقى أنّ الخيط الجامِع في هذه الكُتب بالنسبة إلّي، هو أنّني أقوم بقراءتها في ضوء ظروف الواقع الحالي وإشكاليّاته، وأنّني مثل كثيرين غيري، تدفعني إليها فضلاً عن الحاجات الفكريّة، ضرورات اجتماعية وسياسية راهنة. وبالتالي ليست هذه الكُتب إلّا مرايا نتأمّل فيها ذواتنا باستمرار.
- كاتبة وباحثة

«الدبلوماسية في العصر الرقمي»
يقظان التقي
من الكتب الجميلة التي قرأتها «الدبلوماسية العالية» لتوم فليتشر، السفير البريطاني السابق في لبنان، صادر عام 2016 أي بعد سنة من إنهاء مهامه في لبنان. وهو عرض لما تعنيه السلطة الدبلوماسية في العصر الرقمي الحديث، المرئية منها وغير المرئية. الكتاب رائع، إن في أسلوبه أو مضمونه، وهو يتحدث عن تجربة فليتشر في لبنان، وتجربته الدبلوماسية التي كانت مختلفة عن التجارب التقليدية التي نعرفها حيث كتب عن التنصت والنوايا التي لم تعد تخفيها الدول.
الكتاب الثاني هو للراحل سمير فرنجية، وصدر في إطار تكريمه مؤخراً أثناء معرض الكتاب الفرنكوفوني في بيروت، وهو بالفرنسية ويحمل عنواناً يمكن ترجمته باسم «الثورة الهادئة»، من خلاله نستعيد شخصية سمير الحوارية، إذ لم يكن بريئاً وإنما عنيفاً بالمعنى المعنوي طبعاً، وذا طبيعة ثائرة.
ومن الكتب الجميلة أيضاً مؤلف الزميل هاشم قاسم حول «الظاهرة الرحبانية مسيرة ونهضة» وهو صادر عن «دار بيسان للنشر»، وفيه تحليل للظاهرة الرحبانية وفيروز وعناصر السلطة.
كتاب آخر هو لرئيس قسم علوم الآداب في الجامعة الأميركية في بيروت، عبد الرحيم حسين، المؤرخ المعني بالقديم والفترة الحديثة. وهو موضوعي يدقق فيما سبق له وأن نشره، ويرى أن ما نشر عن فخر الدين أسطورة صنعها الموارنة، وينقض ما قال به في هذا الموضوع كمال صليبي. الكتاب بالإنجليزية وعنوانه بالعربية «بيت للفهم». شارك عبد الرحيم حسين في تحرير الكتاب مع مجموعة من خريجي قسم التاريخ. وهو يتحدث عن التاريخ اللبناني بشكل أساسي، ويتوسع في ملاحظات مهمة.
وثمة رواية جميلة لطالبة شابة وواعدة هي ناهد فران. روايتها «زوايا النسيان» الصادرة عن «الدار العربية للعلوم»، هي الثانية بعد «حنة». وبالإمكان القول: إن فران تتناول الجيل الذي تلا جيل الروائية علوية صبح، وتروي كيف دخل الإسرائيليون إلى صور وما التغيرات التي طرأت بعد هذا الحدث، لا سيما بين الطبقات رقيقة الحال. وحتى وإن تلبدت الرواية بازدحام الأفكار، فهي تبقى تبشّر بمستقبل واعد لصاحبتها. ولا بد أن أذكر أيضاً كتاب خالد زيادة «المسلمون والحداثة الأوروبية»، وهو إعادة توثيق لمجموعة أفكار حول العرب والمسلمين ونهضة أوروبا، وحوار ضفتي المتوسط.
- كاتب وباحث

«الجاسوسة» و«منتجع الساحرات»
أسماء وهبة
توقفت هذا العام عند ثلاثة كتب أعتبرها هي الأفضل والأكثر إمتاعاً بالنسبة لي، أولاً رواية «الجاسوسة» للكاتب البرازيلي باولو كويلو التي يمكن اعتبار أنها تغرد خارج السياق العام للخط الروائي الذي يعتمد عليه كويلو في معظم أعماله الأدبية. «الجاسوسة» كتبها كويلو بنبض بوليسي ممتع للغاية حيث اعتمد على الإثارة ومبدأ تصاعد الأحداث والتخمين، والأهم عنصر المفاجأة الحاضر في كل الفصول منذ الصفحة الأولى حتى النهاية. «الجاسوسة» هي سيرة حياة امرأة بدأها كويلو بأنها ماتت وتم إعدامها بسبب الخيانة وعملها كجاسوسة. يعد هذا الأمر مجازفة كبيرة من الكاتب، حيث يصطدم القارئ بنهاية العمل قبل الشروع في قراءته، إلا أن هذا الأسلوب الذي اعتمده كويلو في «الجاسوسة» الأكثر جاذبية وتحفيزاً على قراءة سيرة امرأة مغرية جميلة قررت العمل جاسوسة من أجل المال.
أثارت إعجابي رواية «منتجع الساحرات» للروائي السوداني أمير تاج السر. توقفت عند هوية الكاتب السودانية فقلما قرأنا نتاجاً أدبياً من السودان أو الصومال أو موريتانيا. فنحن لا نعرف شيئاً عن العوالم الاجتماعية لهذه الدول القريبة منا. بطلة الرواية هي لاجئة من إريتريا قدمت إلى السودان هرباً من نيران الحرب. هي ابنة العائلة متوسطة الحال تعمل بائعة شاي في موقف للباصات ويعجب بها «عبد القيوم» صاحب السوابق العتيق. إنها قصة حب نابضة بالاهتمام والتحول في شخصية ذلك الرجل العتيق في الإجرام ليتحول في أسابيع قليلة إلى «جدع» و«شهم» يذود عن لاجئة وحيدة يطمع فيها الرجال دون أن نعرف إلى ما قبل نهاية الرواية هل وقعت اللاجئة «ببا» في حبه أم لا.
من الكتب المتميزة رواية «جودت بيك وأولاده» للكاتب التركي أورهان باموق. هذه الرواية الملحمية التي ترصد التغيرات السياسية والاجتماعية في تركيا في القرن العشرين من خلال عائلة التاجر جودت بيك وتوالي حياة أبنائه وأحفاده بدءاً من انهيار السلطنة العثمانية، مروراً بوفاة كمال أتاتورك، وصولاً إلى الانقلاب العسكري في السبعينات.
- كاتبة وروائية


مقالات ذات صلة

أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة

ثقافة وفنون أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة

أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة

يستشهد الباحث سليم كتشنر في كتابه «صفحات منسية في الثقافة المصرية»، الصادر عن الهيئة العامة لقصور الثقافة

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
كتب زبيغنيو بريجينسكي... عرّاف الحرب الباردة

زبيغنيو بريجينسكي... عرّاف الحرب الباردة

إذا كان ثمة اسمٌ واحد يختصر زمن الحرب الباردة، فهو زبيغنيو بريجينسكي الرجل الذي لم يكتفِ بحضورها، بل سعى إلى هندستها.

ندى حطيط
كتب حي بن يقظان... جدل الحواس والمعرفة فلسفياً

حي بن يقظان... جدل الحواس والمعرفة فلسفياً

عن دار «أقلام عربية» بالقاهرة، صدرت طبعة جديدة من كتاب «حي بن يقظان» للكاتب والمؤرخ المصري البارز أحمد أمين «1886- 1954»

رشا أحمد (القاهرة)
كتب صراع على وشك الانفجار

صراع على وشك الانفجار

يصدّر الكاتب المصري محمد جاد أحدث أعماله الروائية، الذي يحمل عنواناً لافتاً هو «صمت صاخب»، بعبارة ذات دلالة مهمة في الكشف عن رؤية العمل

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية

رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية

صدرت عن دار «أكت سود - ACTES SUD» الفرنسية، المعروفة باهتمامها بنشر الأدب العربي الحديث، ترجمة لرواية «الثوب» للأديب الكويتي طالب الرفاعي

«الشرق الأوسط» (الكويت)

حين تفكّر الخوارزميات داخل فم المريض

حين تفكّر الخوارزميات داخل فم المريض
TT

حين تفكّر الخوارزميات داخل فم المريض

حين تفكّر الخوارزميات داخل فم المريض

لم يعد دخول الذكاء الاصطناعي إلى عيادة الأسنان سؤالاً نظرياً يُطرح في المؤتمرات، بل أصبح واقعاً سريرياً يتشكّل بهدوء داخل تفاصيل الممارسة اليومية، حيث تبدأ الخوارزميات بقراءة الصور الشعاعية وتحليل البيانات قبل أن يلتقي الطبيب بالمريض.

في هذا السياق، صدر حديثاً كتاب للدكتور عميد خالد عبد الحميد، بعنوان «Dental Intelligence: Artificial Intelligence, Ethics, and the Future of Dentistry» (ذكاء الأسنان: الذكاء الاصطناعي والأخلاقيات ومستقبل طب الأسنان)، وهو عمل علمي وفكري لا يكتفي بوصف هذه الثورة، بل يسعى إلى تفكيكها وفهم آثارها العميقة على طبيعة القرار الطبي، وعلى العلاقة الدقيقة بين خبرة الطبيب وحدود الحكم الخوارزمي داخل العيادة الحديثة.

ينطلق الكتاب من سؤال محوري لم يعد نظرياً، بل أصبح جزءاً من الممارسة اليومية للأطباء حول العالم: كيف يمكن للذكاء الاصطناعي أن يطوّر الطب دون أن ينتزع منه روحه الإنسانية؟ فالتكنولوجيا، مهما بلغت قدرتها على تحليل البيانات أو قراءة الصور الطبية بدقة قد تتجاوز العين البشرية، تبقى في جوهرها أداة تُحسّن القرار ولا تصنعه، وتدعم الطبيب دون أن تختزل خبرته أو تحلّ محل حكمه السريري، ذلك الحكم الذي لا يتكوّن في المعالجات الرقمية وحدها، بل يتشكّل عبر سنوات من التفاعل الإنساني المباشر مع المرضى.

غير أن الكتاب لا يكتفي بعرض الجانب التقني لهذه الثورة الطبية، بل يتجاوز ذلك إلى تفكيك أبعادها الأخلاقية بعمق. فمع تزايد اعتماد الأطباء على الأنظمة الذكية، تبرز أسئلة لم تعد قابلة للتأجيل: من يتحمّل مسؤولية القرار الطبي عندما تشارك الخوارزميات في التشخيص؟ وكيف يمكن ضمان شفافية هذه الأنظمة وعدالتها؟ وأين ينبغي أن تقف حدود الاعتماد على الآلة في الرعاية الصحية؟ وفي هذا السياق، يطرح الكتاب مفهوماً محورياً يمكن تسميته بـ«الشراكة الذكية» بين الطبيب والآلة؛ حيث لا تُستخدم تقنيات الذكاء الاصطناعي بديلاً عن الطبيب، بل أداة تُوسّع قدرته على الفهم والتحليل واتخاذ القرار. فالطب، كما يؤكد المؤلف، لن يفقد طبيعته الإنسانية؛ لأنه يقوم في جوهره على الخبرة والتجربة والقدرة على فهم الإنسان... قبل فهم المرض.

صدر الكتاب في نسختين؛ الأولى باللغة الإنجليزية بعنوان «Dental Intelligence» موجّهة إلى القارئ الدولي، والأخرى باللغة العربية بعنوان «الذكاء الاصطناعي في طب الأسنان: الثورة السريرية الرابعة»، في خطوة تهدف إلى نقل النقاش العلمي حول الذكاء الاصطناعي من نطاقه العالمي إلى الفضاء العربي، وفتح حوار معرفي أوسع حول مستقبل هذه التقنيات في الطب والرعاية الصحية في المنطقة. ويُعدّ الكتاب ثمرةً فكرية لتراكم بحثي وكتابي امتدّ لسنوات، حيث يجمع بين دفتيه عدداً من المقالات والدراسات التي نشرها المؤلف في الصحافة العلمية، ولا سيما صفحة «علوم» في صحيفة «الشرق الأوسط»، التي يكتب فيها بانتظام حول تطبيقات الذكاء الاصطناعي في الطب وأبعاده الأخلاقية.

وقد حظي الكتاب باهتمام الأوساط العلمية الدولية، حيث تناولت «British Dental Journal» خبر صدوره، مشيرة إلى أنه يقدّم رؤية متوازنة لدور الذكاء الاصطناعي في تطوير التشخيص والعلاج في طب الأسنان، مع تأكيد واضح على أن القرار الطبي النهائي يجب أن يبقى بيد الطبيب، بوصفه المسؤول الأول عن التقدير السريري والحكم المهني.

والمؤلف، الدكتور عميد خالد عبد الحميد، طبيب أسنان وباحث في مجال الذكاء الاصطناعي الطبي، يشغل منصب أستاذ زائر في أخلاقيات الذكاء الاصطناعي الطبي بجامعة شرق لندن في المملكة المتحدة، ويكتب بانتظام في صفحة «علوم» في صحيفة «الشرق الأوسط» حول تطبيقات الذكاء الاصطناعي في الطب وأبعاده الأخلاقية.

وفي وقت تتسارع فيه قدرة الخوارزميات على تحليل البيانات الطبية والتنبؤ بالأمراض بدقة غير مسبوقة، يذكّر هذا الكتاب بأن مستقبل الطب لن يُبنى على الذكاء الاصطناعي وحده، بل على توازن دقيق بين قوة التقنية وحكمة الطبيب، وبين دقة الخوارزمية ومسؤولية القرار الإنساني. فالطب، في نهاية المطاف، ليس علماً بالبيانات فحسب، بل هو فنّ فهم الإنسان... قبل أن يكون تشخيصاً للمرض.

والكتاب متوفر حالياً عبر منصة «أمازون» بنسختيه الورقية والرقمية.


زبيغنيو بريجينسكي... عرّاف الحرب الباردة

بربجنيسكي
بربجنيسكي
TT

زبيغنيو بريجينسكي... عرّاف الحرب الباردة

بربجنيسكي
بربجنيسكي

إذا كان ثمة اسمٌ واحد يختصر زمن الحرب الباردة، فهو زبيغنيو بريجينسكي الرجل الذي لم يكتفِ بحضورها، بل سعى إلى هندستها. مستشار الأمن القومي الأسبق للرئيس جيمي كارتر، وأحد أبرز صانعي السياسة الخارجية الأميركية في القرن العشرين، يعود اليوم في سيرة جديدة للكاتب والصحافي إدوارد لوس، الصادرة عن «بلومسبري» بعنوان «زبيغ: سيرة زبيغنيو بريجينسكي، نبي الحرب الباردة الأميركي»*، وهي ترسم صورة دقيقة لأكاديمي لامع، وسياسي شديد المراس، ومفرط الثقة بالنفس، ترك بصمة عميقة ومثيرة للجدل على مسار الحرب الباردة وتوازنات القوى العالمية.

تبدأ السيرة المستندة لأرشيف ضخم من المذكرات الشخصية والمراسلات والوثائق والمقابلات الحصرية من الجذور البولندية لبريجينسكي. ولد زبيغنيو عام 1928 في وارسو لعائلة أرستقراطية دبلوماسية يهودية، ودفع صعود النازية في ألمانيا والتهديد السوفياتي عائلته إلى الهجرة بداية إلى كندا عام 1938، ومنها راقب شاباً تدمير وطنه وتقسيمه بين هتلر وستالين. غرس فيه والده، تاديوش، نزعة قومية بولندية عميقة، ورؤية تعتبر بولندا ممثلة للحضارة الغربية في مواجهة جيرانها بالشرق، فكان أن شكلت هذه النشأة وعيه السياسي المبكر، وولّدت لديه عداءً جذرياً ومستمراً تجاه الاتحاد السوفياتي وروسيا، معتبراً التنازلات الأميركية والبريطانية لستالين في مؤتمر يالطا خيانة أخلاقية وسياسية، ليتعهد على أثرها بتكريس حياته لتفكيك الإمبراطورية السوفياتية.

بعد جامعة ماكغيل الكندية انتقل بريجينسكي إلى الولايات المتحدة حاملاً طموحاً سياسياً كبيراً. برز نجمه الأكاديمي في جامعة هارفارد حيث ركزت أطروحته الجامعية على دراسة نقاط الضعف في النظام السوفياتي، وحدد التنوع العرقي والقومي داخل الاتحاد السوفياتي ككعب أخيل هيكلي سيؤدي حتماً إلى انهيار تلك الإمبراطورية، منظراً بأن القوميات المتعددة سترفض هيمنة الثقافة الروسية. وطور لاحقاً في جامعة كولومبيا استراتيجية «الاشتباك السلمي» للتعامل مع دول أوروبا الشرقية مقترحاً استخدام الأدوات الاقتصادية والتبادل الثقافي لاختراق الستار الحديدي، وتجنب المواجهة العسكرية المباشرة، بغرض فصل الدول التابعة ببطء عن مدار موسكو.

بلغ ذروة نفوذه السياسي بتعيينه مستشاراً للأمن القومي في إدارة الرئيس جيمي كارتر عام 1977، ويستعرض الكتاب تفاصيل صراعه المرير داخلها مع وزير الخارجية وقتها، سايروس فانس. جسد فانس مدرسة المؤسسة الدبلوماسية التقليدية، وفضّل نهج التسويات، وركز جهوده على إنجاز معاهدة الحد من الأسلحة الاستراتيجية (سالت 2) مع السوفيات. بالمقابل، تبنى بريجينسكي نهجاً هجومياً، وفضّل استعراض القوة، واعتبر ملف حقوق الإنسان أداة استراتيجية لضرب الشرعية السوفياتية، وشجع كارتر على تبادل الرسائل مع المعارضين السوفيات مثل أندريه ساخاروف، وهي خطوة أثارت غضب القيادة السوفياتية وعقدت مهمة فانس الدبلوماسية.

تعرض السيرة أيضاً لمنافسته الشرسة والمستمرة مع هنري كيسنجر. تواجه الرجلان في الساحة الأكاديمية والسياسية لعقود، وبينما مال كيسنجر إلى الواقعية السياسية وتقاسم مناطق النفوذ مع السوفيات، أصر بريجينسكي على ضرورة هزيمة الاتحاد السوفياتي أيديولوجياً وجيوسياسياً، ونجح لاحقاً في تحقيق إنجاز دبلوماسي كبير بتطبيع العلاقات رسمياً مع الصين الشعبية عام 1979، وقاد المفاوضات مع الزعيم الصيني دينغ شياو بينغ بمهارة، ليستخدم هذا التحالف الجديد كورقة ضغط قوية لمحاصرة الاتحاد السوفياتي.

يخصص لوس مساحة واسعة لتحليل دور بريجينسكي في التدخل السوفياتي بأفغانستان حيث رأى أن الغزو السوفياتي فرصة تاريخية لاستنزاف موسكو. ودفع بقوة نحو دعم المجاهدين الإسلاميين، بغرض تحويل أفغانستان إلى «فيتنام سوفياتية». ويؤكد الكتاب نجاح هذه الاستراتيجية في استنزاف الموارد السوفياتية، ويشير أيضاً إلى التداعيات المستقبلية الكارثية المتمثلة في صعود الجماعات المتطرفة كتنظيم «القاعدة»، وهو مسار يعتبره منتقدوه نتيجة مباشرة لسياساته المتشددة.

شكلت أزمة الرهائن الإيرانيين التحدي الأصعب في مسيرته السياسية. فبعدما اندلعت الثورة الإيرانية على حكم الشاه محمد رضا بهلوي، حث وقتها الرئيس كارتر على دعم تحرك عسكري يقوده جنرالات الجيش الإيراني لقمع الثورة، وتوقع تحول النظام الجديد بقيادة آية الله الخميني إلى حكم دموي، لكن كارتر رفض خيار القوة المفرطة. وتفاقمت الأزمة حين استقبلت واشنطن الشاه للعلاج، في خطوة أيدها بريجينسكي وكيسنجر لكنها أدت إلى اقتحام السفارة الأميركية في طهران واحتجاز الرهائن. ألح بريجينسكي لتدخل عسكري ينقذ الرهائن، إلى أن وافق كارتر أخيراً على تنفيذ عملية «مخلب النسر» التي انتهت بفشل كارثي في الصحراء الإيرانية، واستقال على أثرها فانس احتجاجاً على القرار، فيما ساهمت هذه الأزمة في خسارة كارتر للانتخابات الرئاسية أمام رونالد ريغان.

في ملف الشرق الأوسط، كان براغماتياً حاداً، ولعب دوراً محورياً في هندسة اتفاقات كامب ديفيد بين مصر وإسرائيل. جمعته علاقة معقدة ومحكومة بالندية مع رئيس الوزراء الإسرائيلي مناحيم بيغن، وتشاركا الأصول اليهودية البولندية. أصر بريجينسكي على ضرورة إيجاد حل شامل يضمن حكماً ذاتياً للفلسطينيين، وحذر باستمرار من خطورة سياسة بناء المستوطنات الإسرائيلية، واصطدم مراراً بجماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل في واشنطن، فتعرض لحملات إعلامية قاسية شككت في نواياه، لكنه واجهها بصلابة وثبات على مواقفه، واستمر على هذا التوجه في سنواته اللاحقة، وأعلن تأييده للمقال الأكاديمي الشهير الذي كتبه جون ميرشايمر وستيفن والت حول تأثير «اللوبي الإسرائيلي» على السياسة الخارجية الأميركية.

مع انهيار جدار برلين وسقوط الاتحاد السوفياتي، حصد ثمار تنبؤاته المبكرة. وساهم تعاونه الوثيق وتواصله المستمر مع البابا يوحنا بولس الثاني (البولندي الأصل) في دعم حركة «تضامن» البولندية، ومنع الغزو السوفياتي المحتمل لبولندا في بداية الثمانينات. وفي حقبة ما بعد الحرب الباردة، دعم توسيع حلف شمال الأطلسي (الناتو) ليضم دول أوروبا الشرقية، واعتبر أوكرانيا حجر الزاوية لمنع انبعاث الإمبراطورية الروسية، وكان حذر مبكراً من صعود نزعة قومية انتقامية في روسيا، وتوقع مسار المواجهة الذي سلكه فلاديمير بوتين لاحقاً.

عكس بريجينسكي في سنواته الأخيرة تحولاً ملحوظاً في رؤيته للمشهد العالمي. فعارض بشدة الغزو الأميركي للعراق عام 2003، وانتقد علناً إدارة جورج دبليو بوش والمحافظين الجدد، واصفاً مبررات الحرب بالمضللة والكارثية، كما دعم باراك أوباما في حملته الرئاسية عام 2008، ورأى فيه فرصة لتجديد القيادة الأميركية بأدوات سلمية. خصص خطابه العلني الأخير في جامعة كولومبيا للدعوة إلى التعاون المشترك بين الولايات المتحدة والصين وروسيا، محذراً من استمرار عقلية المواجهة الصفرية في عالم يواجه تحديات وجودية مشتركة.

نجح إدوارد لوس في تقديم وثيقة تاريخية تتسم بالرصانة والعمق التحليلي لشخصية بريجينسكي بكل تناقضاتها: الباحث الأكاديمي المنظّر، والسياسي البراغماتي قوي الشكيمة القادر على اتخاذ قرارات قاسية. وبغير أنه أوسع سيرة عن عراف الحرب الباردة، يشكل هذا العمل إضافة مرجعية قيّمة لفهم آليات صنع القرار داخل أروقة البيت الأبيض، وتتبع جذور السياسات التي صاغت خريطة العالم المعاصر، وتأثير النخب اليهودية المهاجرة من وسط أوروبا في توجيه دفة القيادة في أقوى دول العالم.

Zbig: The Life of Zbigniew Brzezinski America's Cold War Prophet” Edward Luce “* Bloomsbury Publishing 2025


حي بن يقظان... جدل الحواس والمعرفة فلسفياً

حي بن يقظان... جدل الحواس والمعرفة فلسفياً
TT

حي بن يقظان... جدل الحواس والمعرفة فلسفياً

حي بن يقظان... جدل الحواس والمعرفة فلسفياً

عن دار «أقلام عربية» بالقاهرة، صدرت طبعة جديدة من كتاب «حي بن يقظان» للكاتب والمؤرخ المصري البارز أحمد أمين «1886- 1954» الذي يقدم فيها مقارنة بديعة لتجليات واحدة من أشهر قصص التراث العربي وكيف اختلف تناولها وتعددت رؤاها، سردياً وفلسفياً، لدى ثلاثة من رموز هذا التراث وهم ابن سينا وابن طفيل والسهروردي.

ويشير إلى أن خلاصة القصة الذائعة الصيت لدى ابن سينا، هي أن جماعة خرجوا يتنزهون إذ عنّ لهم شيخ جميل الطلعة حسن الهيئة مهيب قد أكسبته السنون والرحلات تجارب عظيمة، وهذا الشيخ المهيب الوقور اسمه حي بن يقظان وهو يرمز بهذا الشيخ إلى العقل.

وهذه الرفقة التي تصاحبه من هؤلاء ليست أشخاصاً وإنما هي الشهوات والغرائز وسائر الملكات الإنسانية، كما أن المجادلة بين الرفقة وحي بن يقظان عبارة عن مجادلات تحدث عادة بين غرائز الإنسان وشهواته من ناحية، وبين ضميره وعقله من ناحية أخرى.

هذه المناظرات بين قوى الإنسان وعقله أدت إلى سؤال العقل عن علم الفراسة ويقصد ابن سينا به علم المنطق وسماه علم الفراسة؛ لأنه بواسطته يُعرف الأمر المجهول الخفي من أحواله الظاهرة وتُعرف النتائج العويصة من مقدمات بدهية، فهو استدلال على الخفايا من السمات والمظاهر.

ويقول العقل إن هذه الرفقة التي تصحب الإنسان والتي هي ملكاته وشهواته رفقة سوء ومن ذلك أيضاً قوة التخيل ورمز إليها بـ«شاهد الزور»، وذلك لأنها قادرة على تشبيه الشيء بالشيء زوراً وبهتاناً لإيقاع الإنسان في الشر وهذا التشبيه زور وباطل لأنه لا ينشأ عن عقل وحكمة.

أما حي بن يقظان عند ابن طفيل فشيء آخر، هو أيضاً يتصل بالعقل ولكن على نمط مختلف فهو رسالة بناها وفق نظرية له، وهي أن في وسع الإنسان أن يرتقي بنفسه من المحسوس إلى المعقول إلى الله، فهو يستطيع بعقله أن يصل إلى معرفة العالم ومعرفة الله.

وعنده أن المعرفة تنقسم إلى قسمين: معرفة حدسية ومعرفة نظرية، أو بعبارة أخرى معرفة مبنية على الكشف والإلهام كالتي عند الصوفية، ومعرفة مبنية على المنطق كالتي عند العلماء. أما الأولى فيمكن الوصول إليها بترويض النفس فتنكشف لها الحقائق كأنها نور واضح لذيذ يومض له حيناً ثم يخبو حيناً.

وكلما أمعن الإنسان في ترويض نفسه، تجلت له المعارف، وأما النوع الثاني من المعرفة فهو مؤسس على الحواس، والمعرفة بالحواس تتألف وتتركب وتُستنتج منها نتائج علمية هي أيضاً نوع من المعرفة التي يسميها المعرفة النظرية. وقد جعل ابن طفيل بطله بن يقظان يسلك هذين الطريقين، فتارة يصل لمعرفة الأشياء بحواسه ومركباتها وتارة يصل إليها بطريق الكشف الروحاني.

أما قصة حي بن يقظان عند السهروردي فبدأها بقوله «إني لما رأيت قصة حي بن يقظان وصادفتها مع ما فيها من عجائب الكلمات الروحانية والإشارات العميقة عارية من تلويحات تشير إلى الطور الأعظم المخزون الذي يترتب عليه مقامات الصوفية وأصحاب المكاشفات، أردت أن أذكر طوراً في القصة سميتها أنا قصة الغريبة».

ويضيف: «بدأت قصتي هكذا... سافرت مع أخي عاصم من ديار ما وراء النهر إلى ساحل اللجة الخضراء إلى مدينة القيروان بالمغرب، فلما أحس قومها بقدومنا عليهم وأننا من أصحاب عدوهم أخذونا وقيدونا بسلاسل من حديد وحبسونا في قاع بئر عميقة وكان فوق البئر قصر مشيد عليه أبراج عالية وقالوا لنا لا جناح عليكم إذا صعدتم القصر مجردين إذا أمسيتم، أما عند الصباح فلا بد من الهوى في غيابة الجب».

ويشير أحمد أمين إلى أن السهروردي رأى الشمس هنا رمزاً لسطوع العقل وتحكمه، لذا جعلهم يطلعون في المساء إلى القصر ويغيبون في قاع البئر في الصباح، لأن الإنسان يكون في ترف ونعيم إذا اتبع شهواته وغاب عنه العقل، أما إذا طلع عليه العقل وتحكم في شهواته عاش عيشة سعيدة كالتي يعيشها العاقل الحكيم.

ويرمز السهروردي بحياة البئر إلى الحياة المظلمة التي تتحكم فيها الشهوات، ثم قال: «فبينما نحن في الصعود ليلاً والهبوط نهاراً إذ رأينا الهدهد في ليلة قمراء في منقاره كتاب صدر من شاطئ الوادي الأيمن وقال إني أحطت بوجه خلاصكما وجئتكما بنبأ يقين مشروح في رقعة أبيكما».

ويرمز الهدهد هنا إلى قوة العقل وتأثير إلهامه وقدرته على إظهار الأشياء على حقيقتها، وقد أتى برسالة من عند أبيهم فيها الحكمة وفيها النور الذي يكشف ظلام الشهوات.