المغرب: سنة تكريس صورة تنوع الممارسة الثقافية

جوائز ورحيل... و«أصيلة» على مشارف الأربعين

من فعاليات منتدى «أصيلة»
من فعاليات منتدى «أصيلة»
TT

المغرب: سنة تكريس صورة تنوع الممارسة الثقافية

من فعاليات منتدى «أصيلة»
من فعاليات منتدى «أصيلة»

بقدر ما واصلت سنة 2017 تكريس صورة التنوع الذي يسم الممارسة الثقافية في المغرب، من خلال المهرجانات الدولية والتظاهرات الكبرى ذات التوجهين الأدبي والفني، مع ما يرافقها من دينامية فنية وأدبية وتكريم لرموز الفعل الثقافي وحصول على الجوائز، داخل البلد وخارجه، بشكل ينقل صورة إيجابية عن الحركية التي تتوج للمنجز الثقافي وتعطيه حضوراً إقليمياً ودولياً، فتحت عناوين أخرى، من قبيل ذهاب وزير الثقافة محمد الأمين الصبيحي وحلول محمد الأعرج مكانه، وتأجيل تنظيم دورة 2017 من المهرجان الدولي للفيلم بمراكش إلى 2018، وإرجاء عقد المؤتمر الوطني التاسع عشر لاتحاد كتاب المغرب إلى وقت لاحق، فضلاً عن رحيل عدد من رموز الفن والثقافة في المغرب، باباً لمساءلة واقع الممارسة الثقافية في البلد.
خلال 2017، نظمت في عدد من المدن المغربية مهرجانات ذات صيت عالمي. وفي حين حافظت أهم المواعيد الفنية والثقافية على مواعيدها وتميز برامجها، شكّل المهرجان الدولي للفيلم بمراكش، الاستثناء، بعد أن قررت المؤسسة المنظمة عدم تنظيم دورة 2017، وتأجيلها إلى 2018، موضحة أنه «سيتم خلال هذه الفترة الانكباب على تحديد وإعطاء دينامية للتغيير الذي يتوخى إرساء تنظيم جديد وآليات جديدة تأخذ بعين الاعتبار التطور الذي يعرفه العالم الرقمي، من أجل خدمة، بشكل أفضل، رؤية وأهداف المهرجان».
غير بعيد عن مراكش التي شهدت تنظيم الدورة السابعة من مهرجان «مراكش للضحك»، ما بين 28 يونيو (حزيران) و2 يوليو (تموز) الماضي، واصلت الصويرة احتضانها مهرجاناتها الثلاثة. وفي حين احتفى مهرجان «ربيع الموسيقى الكلاسيكية»، في دورته الـ17، التي نظمت ما بين 27 و30 مايو (أيار)، بـ«الكوني» و«الآخر»، مقترحة جولة موسيقية عبر العالم؛ احتفت الدورة الـ14 من مهرجان «الأندلسيات الأطلسية»، التي نظمت ما بين 26 و29 أكتوبر (تشرين الأول)، بـ«سعادة العيش المشترك» في المغرب.
من جهتها، اقترحت فعاليات «مهرجان كناوة وموسيقى العالم»، في دورته الـ20، التي نظمت ما بين 29 يونيو وأول يوليو، احتفالية جمعت متعة الموسيقى بفضيلة الحوار الثقافي، حيث شهدت التظاهرة، في شقها الموسيقي، مشاركة عدد من نجوم موسيقى البلوز وكناوة، حيث المزج الموسيقي والتبادل في صلب الإبداع، في حين تطرق منتدى حقوق الإنسان، في دورته السادسة، الذي تنظمه إدارة المهرجان بشراكة مع المجلس الوطني لحقوق الإنسان، إلى موضوع «الإبداع والسياسات الثقافية في العصر الرقمي».
وفي أصيلة، نظم «موسم أصيلة الثقافي الدولي» فعاليات دورته الـ39، ما بين 1 و25 يوليو، مقترحة برنامجاً غنياً، توزعته الدورة الـ32 لجامعة المعتمد ابن عباد الصيفية، ومشاغل الفنون التشكيلية، ومرسم الطفل، ومشغل كتابة وإبداع الطفل، ومعارض الفنون التشكيلية، وباقة من العروض الغنائية والموسيقية الراقية.
وعلى غرار المواسم الماضية، حرص القائمون على هذا الحدث المتميز، الذي يحتفل في دورته المقبلة بوصوله إلى محطته الـ40، على التجديد النوعي والكمي، ضمن خيار الاستمرارية والمحافظة على الهوية الفكرية، التي طبعت الموسم منذ انطلاقه، في 1978، كتظاهرة هادفة غير مسبوقة في المجال الثقافي غير الحكومي في المغرب؛ ما أكسب الموسم مصداقية متجددة، فصار موعداً ثقافياً دولياً بامتياز، تقصده النخب السياسية والثقافية المغربية والأجنبية، خصوصاً من دول الجنوب والمنطقة العربية، على أساس أنه من الواحات الفكرية القليلة في العالم وعالم الجنوب، التي يجري فيها نقاش خصب بين الفاعلين ومنتجي الأفكار بخصوص قضايا وإشكاليات لها اتصال بصميم الراهن الثقافي والمعيشي العام.
وتضمن البرنامج المسطر، في إطار جامعة المعتمد بن عباد، ندوات تؤكد احتفاء أصيلة بفضيلة النقاش والحوار والانخراط بفعالية في كل ما يتعلق بالأسئلة التي تؤرق الشعوب والنخب وصناع القرار عبر العالم. في هذا السياق، كان جمهور الموسم ومتابعوه مع ندوات «أفريقيا والعالم: أي عالم لأفريقيا؟»، و«الشعبوية والخطاب الغربي حول الحكامة الديمقراطية»، و«المسلمون في الغرب: الواقع والمأمول»، و«الفكر العربي المعاصر والمسألة الدينية». كما تميز الموسم بتكريم المفكر المغربي محمد سبيلاً، ضمن فقرة «خيمة الإبداع»، مع الاحتفاء بالذكرى الـ20 لصدور مجلة الأدب العربي الحديث (بانيبال)، التي تلعب «دوراً هائلاً في ترجمة الأدب العربي».
وعلى مستوى الفنون التشكيلية والكتابة، اقترح الموسم معارض فنية، جماعية وفردية، وجدارية لـ«حكاية منضالا» ومرسماً لأطفال الموسم ومشاغل لصباغة الجداريات والحفر والصباغة وكتابة وإبداع الطفل.
أما على مستوى العروض الموسيقية والغنائية، فقد كان الجمهور مع سهرات ممتعة زادت ليالي أصيلة أنساً وبهجة، بينها سهرات مجموعة «الحضرة الشفشاونية» من المغرب؛ و«فلامنكو» مع ماكارينا راميريث من إسبانيا؛ وطرب أندلسي مع فرقة محمد العربي التمسماني للمعهد الموسيقي بتطوان برئاسة الأستاذ محمد الأمين الأكرامي من المغرب.
- فاس... الماء والمقدس
وفي فاس، واصل مهرجان الموسيقى العالمية العريقة مسيرته، فنظم دورته الـ23، ما بين 12 و20 مايو، تحت شعار «الماء والمقدس»، محتفياً بالصين «ضيف شرف». في حين تضمن البرنامج لقاءات وتجارب متعددة الثقافات وحفلات موسيقية، نشّطها عدد من الفنانين والمجموعات الموسيقية، قبل أن تتوج بحفل اختتام أحيته الفنانة اللبنانية ماجدة الرومي؛ في حين خصص «منتدى فاس» لمناقشة تيمة الماء من زوايا العلاقة بالأبعاد الروحية ومتطلبات التنمية المستديمة والنظم البيئية الهشة.
وفي الرباط، واصل مهرجان «موازين... إيقاعات العالم» استقطاب أبرز نجوم الغناء في العالم، حيث تابع مئات الآلاف، ما بين 12 و20 مايو، حفلات فنانين مغاربة، عرب وغربيين، بينهم شارل أزنافور، الأسطورة الحية للأغنية الفرنسية، والنجمة البريطانية إيلي غولدينغ، في الافتتاح، مروراً بالفنان المتميز سامي يوسف، والنجم العراقي ماجد المهندس، والنجمة اللبنانية نوال الزغبي، والنجم الأميركي نيل رودجرز، ونجمة البوب الأميركية لورين هيل، والفنانة الهندية أنوشكا شانكار، والفنانة اللبنانية نجوى كرم، انتهاء بالفنان الإيفواري ألفا بلوندي، والفنان الإنجليزي رود ستيوارت، والفنان السوري جورج وسوف.
- النشر والكتاب
احتضنت الدار البيضاء، ما بين 11 و21 فبراير (شباط)، الدورة الـ23 للمعرض الدولي للنشر والكتاب، التي استضافت 10 دول من المجموعة الاقتصادية لدول وسط أفريقيا، «ضيف شرف».
وتميز برنامج هذه الدورة، التي اقترحت فضاءاتها نحو 100 ألف عنوان في ثلاثة ملايين نسخة لنحو 702 عارض، توزعوا بين 353 عارضاً مباشراً و349 عارضاً غير مباشر، من 54 بلداً مشاركاً، بندوات موضوعاتية حول قضايا ثقافية راهنة، وإضاءات لتجارب في الكتابة، وليالٍ شعرية، واستضافات لمبدعين في فقرة «ساعة مع كاتب»، واستعادات ثقافية في فقرة «الكتابة والذاكرة»، واحتفاءات بـ«أسماء فوق البوديوم»، وتنويهات بأسماء جديدة ضمن فقرة «أدباء قادمون»، وفقرة «طريق الحرير: تجارب في الترجمة بين العربية والصينية»، مع تسليم «جائزة ابن بطوطة لأدب الرحلة»، والاحتفاء بمئوية الكاتب المغربي الراحل إدمون عمرن المليح.
- المغرب كتاب مفتوح
وجد المسؤولون المغاربة في مشاركة المغرب في فعاليات معرض باريس، «ضيف شرف» فرصة «استثنائية»، تتيح «التعريف بغنى وتنوع الثقافة المغربية بشتى تعابيرها الأدبية والفنية، سواء لدى الجمهور الواسع، أو بالنسبة لمهنيي الكِتاب بفرنسا والدول المشارِكة في هذا المعرض، الذي نظم ما بين 24 و27 مارس (آذار).
وضم الرواق المغربي، المنسجم مع تِيمة «المغرب كتاب مفتوح»، مكتبة كبرى عرضت رصيداً وثائقياً ناهز 3 آلاف عنوان في 17 ألف نسخة، تم نشرها من 60 ناشراً ومؤسسة مغربية، إلى جانب 30 مؤسسة فرنسية أصدرت لكتاب مغاربة. كما شمَل فضاءات مخصَّصة للقاءات، مكّنت من تنظيم نحو 45 ندوة ولقاء، تم تنشطيها من طرف 90 كاتباً ومحاضراً، في حين مكّن فضاءُ التوقيعات من اللقاء المباشر بين الكُتاب المغاربة والجمهور.
- جوائز تميز
شهدت 2017 حصول عدد من الأدباء المغاربة على جوائز مهمة، داخل وخارج المغرب. فضمن جائزة «كتارا»، في دورتها الثالثة، توّج محمد برادة بجائزة «فئة الرواية المنشورة» عن روايته «موت مختلف»، في حين فاز مصطفى النحال بجائزة «فئة الدراسات التي تعنى بالبحث والنقد الروائي» عن دراسته «الخطاب الروائي وآليات التخييل: دراسات في الرواية العربية»، بينما فاز طه محمد الحيرش بجائزة فئة «الروايات غير المنشورة» عن روايته «شجرة التفاح».
وفاز سبعة كتاب مغاربة، هم عبد الرحيم حزل، والمهدي الغالي، وأحمد بوغلا، وعز المغرب معنينو، ورشيد اركيلة، وسليمان القرشي وعبد النبي ذاكر، بجوائز ابن بطوطة لأدب الرحلة، في دورتها المزدوجة الـ13 والـ14 لسنتي 2017 و2018، التي أعلن مشروع «ارتياد الآفاق» عن نتائجها، التي يمنحها «المركز العربي للأدب الجغرافي» سنوياً، كما حصل عبد الرفيع جواهري، الشاعر والرئيس الأسبق لاتحاد كتاب المغرب، على «جائزة الحريات»، التي يمنحها الاتحاد العام للأدباء والكتاب العرب، وذلك لـ«دفاعه المتواصل، سواء في أشعاره أو في مقالاته، وأيضاً في مواقفه الكثيرة، عن الحريات في وطننا العربي».
وخارج جغرافية الاحتفاء والجوائز العربية، وشحت ليلى السليماني، الروائية ذات الأصول المغربية، ضمن فعاليات معرض باريس، بالوسام الفرنسي للفنون والآداب، من درجة ضابط، على يد أودري أزولاي، وزيرة الثقافة والاتصال في فرنسا، ذات الأصول المغربية وابنة أندري أزولاي، مستشار العاهل المغربي الملك محمد السادس، التي انتخبت، في 13 أكتوبر، مديرة عامة لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم الثقافة (يونيسكو).
وأسفرت نتائج جائزة المغرب للكتاب، بِرسم 2017، عن فوز عبد الكريم جويطي بجائزة السرديات والمحكيات عن روايته «المغاربة»؛ فيما ذهبت جائزة الشعر لنبيل منصر عن ديوانه «أغنية طائر التم»؛ بينما فاز بجائزة العلوم الإنسانية (مناصفة) عبد العزيز الطاهري عن كتابه «الذاكرة والتاريخ» ويحيى بولحية عن كتابه «البعثات التعليمية في اليابان والمغرب». وفاز محمد خطابي بجائزة الدراسات الأدبية والفنية واللغوية عن كتابه «المصطلح والمفهوم والمعجم المختص»؛ في حين عادت جائزة العلوم الاجتماعية لعبد الرحيم العطري عن كتابه «سوسيولوجيا السلطة السياسية»؛ بينما فاز محمد حاتمي ومحمد جادور بجائزة الترجمة عن ترجمتهما لكتاب «الأصول الاجتماعية والثقافية للوطنية المغربية» لعبد الله العروي.
وبعد محمد السرغيني في 2005، والطاهر بن جلون في 2010، كان محمد بنطلحة ثالث شاعر مغربي يتسلم «جائزة الأركانة العالمية للشعر»، في دورتها الحادية عشرة، من «بيت الشعر في المغرب»، وذلك خلال حفل ثقافي وفني، نظم يوم 2 فبراير، وسط حضور نوعي من مختلف المشارب.


مقالات ذات صلة

مجموعة السبع تعقد الأربعاء اجتماعاً بشأن الحرب في الشرق الأوسط

أوروبا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يتحدث خلال اجتماع مجلس الدفاع الوطني في قصر الإليزيه في باريس في 10 مارس 2026 (أ.ف.ب)

مجموعة السبع تعقد الأربعاء اجتماعاً بشأن الحرب في الشرق الأوسط

يعقد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الأربعاء، عند الساعة 15.00 (14.00 ت غ) اجتماعاً لرؤساء دول وحكومات مجموعة السبع بشأن «التداعيات الاقتصادية» للحرب في إيران.

«الشرق الأوسط» (باريس)
تكنولوجيا مدير مكتب سياسات العلوم والتكنولوجيا بالبيت الأبيض مايكل كراتسيوس يحضر جلسة خلال قمة «تأثير الذكاء الاصطناعي» في نيودلهي يوم 20 فبراير 2026 (إ.ب.أ)

البيت الأبيض: أميركا ترفض «بشكل قاطع» حوكمة الذكاء الاصطناعي

صرَّح مستشار البيت الأبيض لشؤون التكنولوجيا مايكل كراتسيوس، الجمعة، بأن الولايات المتحدة ترفض «رفضاً قاطعاً» الحوكمة العالمية للذكاء الاصطناعي.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
تكنولوجيا الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش يلقي خطاباً خلال قمة تأثير الذكاء الاصطناعي في نيودلهي بالهند يوم 19 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

غوتيريش: لجنة أممية تسعى لضمان «تحكم بشري» في الذكاء الاصطناعي

دعا الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، الجمعة، إلى «تقليل التهويل والخوف» بشأن الذكاء الاصطناعي خلال قمة في الهند.

«الشرق الأوسط» (نيودلهي)
أفريقيا صورة جماعية لقادة وممثلي الدول المشاركة في مؤتمر القمة للاتحاد الأفريقي بأديس أبابا أمس (إ.ب.أ)

القمة الأفريقية تبحث عن حلول لمشكلات القارة

شهدت أعمال الدورة العادية الـ(39) لرؤساء دول وحكومات الاتحاد الأفريقي، أمس، في أديس أبابا، تركيزاً على إيجاد حلول أفريقية لمشكلات القارة، وتوحيد الصف في مواجهة

«الشرق الأوسط» (أديس أبابا)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب يلقي كلمة في القاعة الشرقية بالبيت الأبيض في العاصمة واشنطن بالولايات المتحدة 11 فبراير 2026 (رويترز)

ترمب يجتمع بقادة أميركا اللاتينية في مارس قبيل رحلته إلى الصين

دعا الرئيس الأميركي دونالد ترمب قادة أميركا اللاتينية للمشاركة في قمة في ولاية فلوريدا الشهر المقبل.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

أي دور للكتّاب والمبدعين في زمن الحرب؟

بابلو نيرودا
بابلو نيرودا
TT

أي دور للكتّاب والمبدعين في زمن الحرب؟

بابلو نيرودا
بابلو نيرودا

ليس ثمة ما هو أقسى على الشعراء والكتاب، من أن يجدوا أنفسهم «مضطرين» للكتابة عن الحرب، في لحظة الحرب نفسها، وفي خضم أتونها المشتعل وكوابيسها الخانقة. وسواء كانت أسباب هذا الاضطرار متصلةً بالضغوط النفسية والاجتماعية التي يواجهها هؤلاء، من قبَل المنادين بفكرة الالتزام، بمعناها الضيق والسطحي، أو بالأعراف الموروثة التي تجعل من الشاعر لسان الجماعة في انتصاراتها وانكساراتها، فإنها في الحالين تفرض على المشتغلين بالأدب والفن شروطاً غير عادلة، لا تمت إلى جوهر الكتابة بصلة.

وقد تكون هذه الأعراف بالذات، هي التي لا تزال تملي على الشعراء الوقوف في الصفوف الأمامية للمواجهة مع أعداء الداخل والخارج، وتحويل النص إلى بيان سياسي تتم كتابته غبّ الطلب، مع الفارق المتمثل باستبدال الحزب بالقبيلة، والآيديولوجيا برابطة الدم، وفي الحالين معاً يتم النفخ المتواصل في أبواق الترويج الدعائي والأفكار الجاهزة. كما أن أكثر الذين يبالغون في حث الشعراء والمبدعين على جعل قصائدهم وأعمالهم أدوات للنزال والتعبئة العاطفية، هم من الذين لا تعني لهم الكتابة بمعناها العميق شيئاً يُذكر، ولم يضعوا القراءة والتحصيل المعرفي في طليعة أولوياتهم.

نجلاء أبو جهجه

اللافت في هذا السياق أن إشكالية العلاقة بين الكتابة والواقع، تكاد تضمر إلى حد التلاشي في أزمنة السلم ورغد العيش والتعاقب الرتيب للأيام، حتى إذا اشتعلت حربٌ ما، أو استُبدلت سلطة بأخرى، أو تعرض نظام سياسي للتصدع، عادت الإشكالية إلى الظهور بكامل احتدامها، وانبرى الكثيرون لمطالبة الشعراء والكتاب بمواكبة اللحظات التغييرية «المفصلية» عبر سيل من الأهازيج والخطب الحماسية، كما لو أن الشعر العربي، أو بعضه على الأقل، مصاب بنوع من «داء المفاصل» الذي لا يكف عن الفتك به عند منعطفات الأزمنة، أو اندلاع الحروب، أو انقلاب الأحوال.

صحيح أن البعض ممن يمتلكون قدراً عالياً من المناعة الإبداعية والفهم العميق لمعنى الكتابة، يظلون بمأمن من هذا الداء، ويرفضون الإملاءات المفروضة عليهم من خارج النص، ولكن البعض الآخر يخضعون لهذه الإملاءات، أو يتبنونها بشكل طوعي، مقتنعين بلا تردد بأن لا فارق يذكر بين منصات الكتابة ومنصات إطلاق النار، أو بين صرير الأقلام وأزيز الطلقات، وأن «الكلْمة اللي ما تبْقى رصاصة ملعونة وخاينة»، كما جاء في إحدى أغاني الحماس الثوري.

ولعل مشكلة هؤلاء تكمن في كونهم يضعون الندى في موضع السيف، على ما يقوله المتنبي، ويستخدمون للكتابة أدوات القتال، مستعيدين معجم الحرب ومتعلقاته، من مفردات الصخب المسلح والعنف الدموي والتهديد والوعيد، ومتناسين أن للإبداع شروطه وأدواته الخاصة به، وأن الشعر الحقيقي لا يتكئ على موضوعه، مهما كان سامياً ونبيلاً، بل تنهض به موهبة الشاعر ولغته وكشوفه.

وكيف لهؤلاء وغيرهم أن ينسوا أن العمل الإبداعي لا يولد في كنف الإرادة القصدية والوعي المباشر، بل هو يخرج من أحشاء المنطقة الملتبسة لاختلاط الوعي بنقيضه، إضافة إلى أن الشاعر لا يخلق لحظة الإلهام ولا يتحكم بها، بل هو في الأعم الأغلب يتلقاها في حالات الغفلة، واللحظات غير المنتظرة. واستناداً إلى ما تقدم، فإن الكتابة لا يتم إنجازها بناء على طلب هذا أو ذاك من الراغبين في استيلادها لأسباب لا علاقة لها بالإبداع، بل هي ابنة الحرية غير المشروطة، والانبثاق الداخلي للكلمات.

وإذا كنا نجد على الدوام من ينبرون للقول بأن الشعر والفن هما الابنان الشرعيان للألم والمعاناة، فليس بالضرورة أن تتمظهر على نحو مادي محسوس، بل تتخذ في بعض الأحيان أشكالاً وجودية متصلة بالحب والحرية والعدالة والحياة والموت والغربة عن العالم. كما أن المعاناة حين تتجاوز في جانبها المباشر حدود المعقول، تعطل آليات التعبير، وتشل قدرة المرء على الإفصاح، وتتركه في حالة من الخرس التام والتشوش الهذياني. كأن الحياة وهي تتحول إلى أشلاء، أو تنحدر باتجاه حضيضها الأسفل، تصبح تحت اللغة تماماً، وخارج نطاقها الحيوي. كما أن هجاء الجوع ليس أول عمل يقوم به الجائع، بل هو يجدّ في البحث عن أول رغيف يصادفه. ومن هدمت بيته الحرب، لا يبحث عن بيت شعر يأنس في كنفه، بل عن مسكن يؤويه، والعريان لا يبحث عن لوحة يطرب لجمالها ناظراه، بل عن ثوب يستر عريه.

الشعر الحقيقي لا يتكئ على موضوعه مهما كان سامياً ونبيلاً بل تنهض به موهبة الشاعر ولغته وكشوفه

ولعل أكثر ما يعانيه الكتّاب في أزمنة الحروب هو انشطارهم المأزقي بين ما يرتبه عليهم دورهم كمبدعين، وما يرتبه دورهم المقابل كمواطنين عاديين. فأن يكون المرء شاعراً أو فناناً، لا يعني تحوله إلى كائن فوق أرضي، أو استقالته التامة من شؤون الحياة وشجونها وأكلافها. ولأن الشياطين الملهمة للشعراء والفنانين لا تعمل على نحو دائم، فهم يملكون الكثير من الوقت لسد الفجوات الفاصلة بين «انخطافين»، والقيام بكل ما ترتبه عليهم التزاماتهم الاجتماعية والوطنية والإنسانية.

وكثيراً ما عبّر هذا الانشطار عن نفسه على أرض الواقع، من خلال تجارب بالغة القسوة اختبرها كتّاب وفنانون عديدون، حين كان عليهم أن يختاروا بين الاكتفاء بأدوارهم كأفراد متميزين، ومعنيين بتحويل الحروب الدامية إلى أعمال فنية، وبين الانخراط في تلك الحروب، انتصاراً للقضايا العادلة التي تجسدها. وإذا كان بين هؤلاء من ضحى بموهبته على مذبح الواجب الوطني والإنساني، فإن ثمة من زاوج بين الدورين معاً، حيث ربح في آن واحد فرصة الانخراط في الحياة، وفرصة الكتابة عنها. وهو ما نجد أفضل شواهده في حالة الكاتب الأميركي أرنست همنغواي، الذي مكنه انخراطه إلى جانب الجمهوريين في الحرب الأهلية الإسبانية من استلهام عمله الروائي الشهير «لمن تقرع الأجراس؟».

كما حذا الشاعر التشيلي بابلو نيرودا حذو همنغواي في التوفيق بين الدورين، فلم يرتض الوقوف على الحياد بين الضحايا والجلادين، بل عمل على استثمار منصبه سفيراً لبلاده في إسبانيا، في مؤازرة المدافعين عن الجمهورية، وعلى استثمار موهبته مبدعاً في كتابة ديوانه الشعري «إسبانيا في القلب»، من جهة أخرى. وكذلك كان الأمر مع الكاتب الفرنسي أنطوان دو سانت إكزوبيري، الذي لم يحل التزامه بخدمة بلاده، كطيار عسكري محترف، دون استثمار موهبته العالية في الكتابة، فقدم إلى العالم أعمالاً أدبية متفردة، مثل «الأمير الصغير» و«أرض البشر»، قبل أن يقضي نحبه في حادثة طيران مأساوية، وهو لا يزال في ذروة شبابه.

وما يصح على الشعراء والكتاب والفنانين، أخيراً، يصح على الإعلاميين والمراسلين الحربيين والمصورين، حيث كثيراً ما وجد هؤلاء أنفسهم في حالات انشطار قصوى بين الاكتفاء بدورهم الوظيفي في نقل التقارير الوافية عن مجريات الحرب، وبين مساعدة الضحايا الذين يحتاجون، في ما يتعدى نقل معاناتهم إلى العالم، إلى من يرد عنهم وطأة الألم، ومحنة التشرد، وقتامة المصير.

لعل أبلغ دليل على ذلك هو ما روته الإعلامية اللبنانية الراحلة نجلاء أبو جهجة، عن وقوفها الحائر أمام مشهد الأطفال المحترقين في سيارة إسعاف بلدة المنصوري اللبنانية عام 1996، وعن تمزقها الصعب بين أداء واجبها المهني، كمراسلة لإحدى المحطات، وبين الالتزام بواجبها الأخلاقي، الذي يفرض عليها مساعدة الضحايا، وإنقاذ من تستطيع إنقاذهم من المصابين. وقد اختارت نجلاء، وفق ما بات معروفاً لدى الجميع، أن تفي بالالتزامين معاً في الآن ذاته.

 


ذبح الطرائد في لوحتين استثنائيتين من العهد الأموي

صيد الفرائس وذبحها في لوحتين من جداريات قصير عمرة الأموية في بادية الأردن
صيد الفرائس وذبحها في لوحتين من جداريات قصير عمرة الأموية في بادية الأردن
TT

ذبح الطرائد في لوحتين استثنائيتين من العهد الأموي

صيد الفرائس وذبحها في لوحتين من جداريات قصير عمرة الأموية في بادية الأردن
صيد الفرائس وذبحها في لوحتين من جداريات قصير عمرة الأموية في بادية الأردن

برزت فنون الصيد في زمن خلافة بني أمية، وشكّلت أساساً لتقليد أدبي خاص بها يتغنّى بمآثرها، كما يشهد نص نثري يعود إلى تلك الحقبة، يُعرف بـ«رسالة في وصف الصيد»، صاغها عبد الحميد بن يحيى الذي شغل منصب كاتب الحاكم الأموي والخليفة اللاحق مروان بن محمد. يتحدّث صاحب هذا النص عن خروجه مع طائفة من المقتنصين «إلى الصيد بأعدى الجوارح، وأثقف الضّواري، أكرمها أجناساً، وأعظمها أجساماً، وأحسنها ألواناً، وأحدّها أطرافاً، وأطولها أعضاءً»، وينقل صورة أدبيّة حيّة عن هذه الرحلة بمحطّاتها المتعدّدة، وفيها يمعن في وصف انقضاض الصقور على فرائسها، وإمعانها في ذبحها. على مثال هذه الطيور الجارحة، تفنّن الصيادون في ذبح طرائدهم، وشكّلت هذه الممارسة طقساً من طقوس هذه الرياضة، كما تشهد لوحتان أمويّتان استثنائيتان، تشكّلان جزءاً من جداريات قصير عمرة في بادية الأردن.

يحوي قصير عمرة قاعة مكونة من 3 إيوانات، وتقع هاتان الجداريتان في الإيوان الشرقي، حيث تحتلّ إحداهما صدر الجدار الشمالي، وتحتلّ الأخرى صدر الجدار الجنوبي. تجمع اللوحة الأولى بين الصيد والذبح في تأليف متقن يتميّز بالحركة التي تلفّ مختلف عناصره، وقوامه 6 رجال في مواجهة 6 بهائم من فصيلة الحمير الوحشية. يحل هؤلاء الرجال وسط حلقة تحدّها شبكة عريضة منصوبة على سلسلة من الأعمدة. يظهر في النصف الأعلى صياد يغرز رمحه في صدر حمار يقفز من أمامه، في حضور حمار آخر يعدو في حركة معاكسة، ملامساً بقائمتيه الأماميتين الشبكة المنصوبة. في الطرف المقابل، يظهر صياد آخر يرفع سلاحه في اتجاه حمار ينقض من فوقه، كأنه يحاول الإفلات منه. يكتمل مشهد هذا الصيد في حضور حمار رابع يعدو بين الطريدتين. ملامح هذين الصيّادين واضحة وجلية، وهما في وضعيّة نصف جانبية، ولباسهما واحد، ويتمثّل بجلباب أبيض وفضفاض وُشحت ثناياه بدقّة، وفقاً للطراز الكلاسيكي القائم على مبدأ التجسيم والتظليل.

في المقابل، يظهر في النصف الأسفل من هذه اللوحة 3 رجال ينقضون على جثتَي فريستين ممددتين أرضاً. امحت بعض مكوّنات هذه الصورة، لكن تأليفها ظلّ جلياً. يغرز أحد هؤلاء رمحه في ظهر الفريسة الملقاة أرضاً من أمامه، محنية برأسها في اتجاه قائمتيها الأماميتين، بينما يشرع رفيقاه بسلخ الفريسة الأخرى، ويصعب تحديد وضعيّة هذه البهيمة بدقّة بسبب امحاء جزء كبير من بدنها. يرافق هذا الجمع رجل رابع يظهر واقفاً في طرف الصورة، رافعاً ساقه اليمنى نحو الأمام، كأنه يهمّ بالخروج من هذه الحلقة.

تمثّل اللوحة التي تحتل الحائط الجنوبي مشهد ذبح فصيلة أخرى من الطرائد، وهي هنا من الأيل كما يبدو من قرونها المستقيمة الطويلة. يحلّ هذا المشهد فوق تل صخري ترتفع قممه وسط سماء زرقاء. يحضر في النصف الأعلى من الصورة رجلان يذبحان أيلاً معاً. يمسك أحدهما برأس البهيمة الممددة أفقياً على ظهرها، بينما يبقر الآخر بطنها. الملامح واحدة، واللباس واحد، كما في اللوحة المقابلة التي تحتل الحائط الشمالي. يظهر أيل ثانٍ ملقى أفقياً عند قدمي الرجل الذي يقف في وسط الصورة. ويظهر أيل ثالث ملقى عمودياً من خلف هذا الرجل. في الجزء الأسفل من اللوحة، تتمدّد جثّتا أيلين أرضاً في وضعية المواجهة، الرأس مقابل الرأس، ويظهر من خلف إحداها طيف صياد ثالث امحت ملامحه بشكل كبير، فبدا أشبه بطيف.

راجت حملات الصيد في العالم القديم، وانتشرت في العالم اليوناني كما في العالم الإيراني بأقاليمهما الواسعة، وتردّد صدى هذا الانتشار في عالم الفنون بصنوفه المتعدّدة. سار الأمويون على هذا الدرب، واقتبسوا من الروم والفرس كثيراً من طرق الصيد والقنص، فاتخذوا الجوارح، وعلّموها صيد الطير، واقتنوا كلاب السلوقي المختصة بصيد الظبيان والغزلان والحمير والثيران الوحشية، واستكثروا الخيول «الموصوفة بالنّجابة والجري والصّلابة»، كما نقل عبد الحميد بن يحيى الكاتب، وتفننوا في تضميرها، وأنشأوا في الواحات المحيطة بقصورهم حلبات يخرجون إليها لممارسة أنواع شتّى من الصيد، كما تناقل الرواة، وظهر أثر هذه الحلبات في العديد من المواقع الأموية الأثرية التي كشفت عنها حملات المسح والتنقيب في الأزمنة المعاصرة.

تجلّى الوله بهذه الرياضة في ميراث الأمويين الأدبي كما في ميراثهم الفني. في هذا السياق، تبدو صور مشاهد الصيد مألوفة، وتكشف في قصير عمرة عن بروز الطراز الروماني الكلاسيكي بشكل أساسي، كما يتجلّى في الحركة الواقعية الحية التي تطبع هذه المشاهد، وفي الأسلوب المعتمد في إبراز عناصره التصويرية بشكل يحاكي المثال الواقعي.

من جهة أخرى، تحتل لوحتا ذبح الفرائس مكانة استثنائية؛ إذ لا نجد ما يماثلهما في ما وصلنا من هذا الميراث. صحيح أننا نقع على صور مشابهة في الظاهر في العالمين الروماني والفارسي، غير أن هذه الصور تظهر ضمن مشاهد مغايرة تتصل اتصالاً وثيقاً بتقديم الأضاحي في الممارسات الدينية، ولا تدخل أبداً في ميدان الصيد. من هنا، تبدو جدارّيتا قصير عمرة فريدتين من نوعهما، وتعكسان تقاليد شكّلت كما يبدو فرعاً من فروع الفنون الخاصة بممارسة رياضة الصيد.

تتميّز هاتان الجداريّتان بموضوعهما الاستثنائي، كما تتميّزان بأسلوبهما الفني الرفيع، وتشكّلان وثيقة فريدة، تحتلّ مكانة عالية في الفنون المتوسّطية التي تجمع وتمزج بين الطرز المتعدّدة.


الغموض والتشويق في رواية إنجليزية

الغموض والتشويق في رواية إنجليزية
TT

الغموض والتشويق في رواية إنجليزية

الغموض والتشويق في رواية إنجليزية

في روايتها «كل هذا غير صحيح»، الصادرة عن دار «الكرمة» بالقاهرة، ترجمة إيناس التركي، تقدم الكاتبة الإنجليزية ليسا جويل مزيجاً من الغموض والتشويق بين شخصيات نسائية، على نحو يجعل القارئ يلهث سريعاً وراء حبكة ألغاز تقود إلى سلسلة من المفاجآت.

وتدور الأحداث حول «أليكس سمر»، صاحبة بودكاست شهير، التي في أثناء احتفالها بعيد ميلادها الخامس والأربعين تصادف امرأة تُدعى «جوزي» تحتفل أيضاً بعيد ميلادها الخامس والأربعين في اليوم نفسه. بعد بضعة أيام تلتقيان مجدداً، وقد استمعت «جوزي» إلى بودكاست «أليكس»، ما جعلها تظن أنها تصلح أن تكون موضوعاً شائقاً لهذا الحوار الإعلامي، خصوصاً أنها على وشك إجراء تغييرات كبيرة في حياتها.

تبدو حياة «جوزي» غريبة ومعقدة، وعلى الرغم من أن «أليكس» تجدها شخصية مربكة، فإنها لا تستطيع مقاومة إغراء الاستمرار في تقديم حلقات حوارية معها، وتدرك تدريجياً أن ضيفتها في البرنامج تخفي أسراراً مظلمة للغاية، ولكن بعد أن تكون «جوزي» قد تسللت إلى حياتها وإلى منزلها.

وكما ظهرت الشخصية الغامضة المريبة فجأة، فإنها تختفي فجأة، وحينها فقط تكتشف «أليكس» أنها خلفت وراءها إرثاً رهيباً ومرعباً، ما جعلها أصبحت موضوعاً للبودكاست، كما باتت يهددها الموت، فمن تكون «جوزي» تلك؟ وماذا فعلت؟

وُلدت ليسا جويل في لندن عام 1968، وهي أكثر مؤلفة مبيعاً لأكثر من 20 رواية، وقد بيعَ من رواياتها أكثر من 10 ملايين نسخة حول العالم، وتُرجمت إلى أكثر من 30 لغة.

ومن أجواء الرواية نقرأ:

«سارت جوزي عائدة وهي تفكر في منزل أليكس، من الواجهة منزل أنيق وسط صف من البيوت له نافذة كبيرة لا يختلف عن أي مبنى آخر على الطراز الفيكتوري في لندن، لكن من الداخل كان الأمر مختلفاً. جدران زرقاء بلون الحبر وأضواء ذهبية ومطبخ بدا كأنه أكبر من المنزل بأكمله على نحو غريب، به خزائن ذات لون رمادي حجري وطاولات من الرخام كريمي اللون وصنبور ينضح ماء مغلياً بلمسة زر واحدة، وفي طرفه جدار مخصص لرسومات الطفلين فقط. تذكرت أنها كانت تعلق رسومات الفتاتين على الثلاجة بالمغناطيس. وكان والتر يعترض ويزيلها لأنها تبدو فوضوية، ثم الحديقة بأضواء الزينة المعلقة بها، والطريق المتعرج والسقيفة الساحرة عند طرفها التي تحوي عالماً آخر من العجائب، وحتى القطة لا تشبه أي أخرى رأتها من قبل، سيبيرية على ما يبدو وصغيرة ومنفوشة ولها عينان خضراوان كبيرتان كعينَي أميرة في كارتون ديزني.

امتدت يدها إلى الجيب الداخلي لحقيبة يدها، حيث لمست الغلاف الناعم لكبسولة القهوة التي أخذتها من دون أن تنتبه أليكس، كانت هناك جرة ضخمة ممتلئة بالكبسولات على الرف خلف مكتب التسجيل كلها بألوان مختلفة مثل الأحجار الكريمة كبيرة الحجم. لم تكن تمتلك ماكينة لصنع القهوة في المنزل، لكنها أرادت فقط أن تمتلك القليل من بريق أليكس وتضعه في درج بشقتها المتهالكة وتعرف أنه موجود هناك.

كان والتر أمام حاسوبه المحمول عند النافذة، عندما وصلت إلى المنزل نظر إليها بفضول وبدت عيناه كبيرتين من خلال العدستين القويتين لنظارة القراءة الخاصة به، كانت قد أخبرته بأنها ستقابل تلك الأم من المدرسة مرة أخرى. رفع حاجبه ولم يقل شيئاً، لكنه قال الآن:

- ما الذي يدور حقاً؟

تدفقت خلال جسدهما دفعة من الأدرينالين:

- ماذا تعني؟

قال: أعني أنك تغيبت فترة طويلة ولا يمكن أن تكوني قضيت كل هذا الوقت في تناول القهوة.

قالت: لا، ذهبت لزيارة جدتي بعد ذلك في المقبرة.

كانت هذه كذبة خططت لها سابقاً».