«خاتون بغداد»... تطويع السيرة الذاتية إلى عمل روائي

نص مفتوح تخلص من سطوة التقارير والوثائق والمخططات السرية

مس بيل
مس بيل
TT

«خاتون بغداد»... تطويع السيرة الذاتية إلى عمل روائي

مس بيل
مس بيل

صدرت عن دار كُتّاب الإماراتية رواية «خاتون بغداد» لشاكر نوري، وهي الرواية التاسعة في رصيده الإبداعي، وقد فازت مؤخراً بجائزة «كتارا» إلى جانب أربع روايات أخرى من الأردن وسوريا والجزائر والمغرب، وسوف تُترجم الروايات الفائزة إلى اللغتين الإنجليزية والفرنسية.
لنعترف سلفاً أن معظم الثيمات التي عالجها شاكر نوري في رواياته هي ثيمات جريئة وإشكالية بامتياز كما هو الحال في «نزوة الموتى» و«شامان» و«جحيم الراهب» وربما تكون «خاتون بغداد» هي الأكثر إثارة للجدل لأنها تستنطق السيرة الذاتية للمِس بيل التي حظيت بألقاب عدة من بينها «الخاتون» و«صانعة الملوك» و«ملكة العراق غير المُتوَّجة». لعل السؤال الأبرز الذي يمكن أن يخطر في ذهن أي قارئ لهذا النص الروائي هو: كيف استطاع الكاتب شاكر نوري أن يحوِّل السيرة الذاتية للمس غيرترود بيل إلى عمل روائي نابض بالحياة؟ وكيف تمكن من تطويع الأحداث والوقائع التاريخية إلى ثيمات سردية سلسة خرجت إلى حدٍ ما من إطار التوثيق البيوغرافي لتشتبك بآراء ووجهات نظر ست شخصيات آخر اُفتتِنت بالمس بيل وبحثت عنها على مدار النص الروائي، تماماً كما بحثت شخصيات بيرانديللو الست عن مؤلف يمنحها الحياة من خلال تجسيدها في عمل فني خلاق.
لا يخفى على القارئ تعاطف الكاتب مع الشخصية المُهيمنة في هذه الرواية مع أنها تمثل الاحتلال البريطاني الذي لا يختلف كثيراً عن الاحتلال الأميركي للعراق، فكلاهما دمّر العراق، وقتل مواطنيه، ونهب ثرواته مع فارق ضئيل في النسبة والتناسب.
لا أحد يشكِّك في صلاحية المس بيل كشخصية روائية نموذجية فهي كاتبة، ورحّالة، وعالمة آثار، ومستشارة المندوب السامي بيرسي كوكْس في العراق، وقد أحبّت مرتين وكانت على وشك أن تخوض قصة حب ثالثة مع كنيهان كُرنواليس، مستشار الملك فيصل، لكن جميع هذه القصص العاطفية لم تُفضِ إلى الزواج ولم تحقق لها هاجس الأمومة الذي كان يراودها كما يراود أي امرأة أخرى في هذا العالم.
وبما أنّ هاتين القصتين العاطفيتين محوريتان في حياة المس بيل فقد ركّز عليهما شاكر نوري في نصه الروائي ومنحهما مساحة كبيرة أكثر مما تستحقان مُشتغلاً على أبعادهما الرومانسية بلغة رشيقة، متوهجة لا تخلو من بعض الأخطاء العابرة. لا تقتصر الهفوات على الوعي اللغوي وإنما تمتد إلى الالتباس في الحقائق التاريخية فمقتل الإمام الحسين قد وقع قبل 1337 سنة وليس «قبل ألف ومائتي عام» (ص205) كما يذكر المؤلف. وقد يكون السير بيرسي كوكْس الطفل المدلل لكن ليس «لملكة بريطانيا العُظمى» (ص36) التي لا تزال موجودة في سُدة الحكم حتى يومنا هذا، وإنما إلى الملك جورج الخامس الذي خرجت إمبراطوريته منتصرة في الحرب العالمية الأولى.
وحتى على صعيد الشخصيات الرئيسية ثمة أخطاء لا تُغتفر لأنها تشي بتشوّش ذهنية الكاتب، فالكولونيل ريتشاد داوتي ويلي الذي فارق الحياة بعد أن «أصابتْهُ رصاصة في رأسه أثناء لحظة الانتصار» (ص140) لكن الراوي العليم سوف يخبرنا بعد صفحتين لا غير بأن ريتشارد قد مات لأنه «أُصيب برصاصة في قلبه في معركة غاليبولي» (ص142). فأي الواقعتين نُصدِّق مع أن الموت واحد!
مثلما اجتهد نوري وتعاطف مع شخصية مس بيل، وبالغَ في وصف معالمها الخارجية رغم أنها ليست جميلة ولا تمتلك قسطاً ملحوظاً من الجاذبية إلاّ أن الكاتب أوصلها إلى مستوى الأسطورة في الرِقة والأنوثة والجمال، ومع ذلك فإنها تمتلك خصالاً أخرى كثيرة كان بإمكان الكاتب أن يراهن عليها مثل الذكاء الشديد، وقوة الملاحظة، والقدرة على الكتابة اليومية التي سوف تتطور لاحقاً إلى «تقارير استخباراتية» تفيد منها القطعات العسكرية والدوائر الأمنية البريطانية التي وافقت على أن تكون مستشارة للمندوب السامي بيرسي كوكس قبل أن تنتقل للعمل تحت إمرة هنري دوبس الذي كان فظاً، متعالياً، ولا يحبذ الاستماع إلى نصائح امرأة حتى وإن كانت خبيرة أو مستشارة في الإمبراطورية المترامية الأطراف.
نجح شاكر نوري في بناء ثيمة روائية توازن بين الجانبين الذاتي والموضوعي، فالمس بيل لم تكن شراً كلها، إذ يكفي أنها كتبت 16 كتاباً عن العراق والشرق الأوسط، وأنها أسست المُتحف العراقي، ووضعت فيه قرابة 3000 تحفة أثرية، وساهمت في بناء المكتبة الوطنية، ناهيك عن دورها البارز في تشكيل الدولة العراقية الحديثة، ورهانها على تنصيب الأمير فيصل بين الحسين ملكاً على عرش العراق بالضد من رغبة المستر جون فيليبي ومؤازريه الذين كانوا يحلمون بالحكم الجمهوري وما إلى ذلك، لكن الأهم من ذلك كله أن الروائي شاكر نوري قد نجح في الإفلات من أُسار النص البيوغرافي والنزعة التوثيقية إلى فضاء الرواية بأنساقها السردية المحلية منها والعالمية فأردفها بست شخصيات أخرى منحت النص نكهة مغايرة تداخلت فيها السيرة الذاتية للخاتون، مع السينما، والرواية، والنص المفتوح الذي تخلّص من سطوة التقارير والوثائق والمخططات السرية إلى البوح العلني الذي أجّجهُ الكاتب بفحص خصال الشخصية العراقية المزدوجة ودراسة طبيعة المجتمع العراقي الذي يشبه كثيراً جغرافية البلد وطبيعة نهريه اللذين يجمعان بين ثنائية الهدوء والهيجان في آنٍ معاً. وعلى الرغم من أن هذه الثنائية ليست جديدة وقد تناولها عالم الاجتماع علي الوردي غير مرة إلا أن توسيع هذه الفكرة وتعميق دلالتها تُحسب لمصلحة الروائي الذي تَمثّل هذه الأفكار الاجتماعية، وطوّع الخصائص النفسية التي تميّز سلوكية الشخصية العراقية عن سواها من الشخصيات العربية أو العالمية.
لا بد من الإشارة إلى أن الشخصيات الست قد غيّرت إيقاع الرواية رغم أنها تدور في فلك الشخصية المحورية التي تُعزز موقعها بهذه الشخصيات التي انبثقت من قلب المجتمع العراقي الذي كان يعاني حتى وقت قريب من وحشية الاحتلال الأميركي. فيونس هو كاتب سيناريو، ونعمان مخرج سينمائي، وهاشم مشغِّل لآلة العرض في سينما غرناطة، ومنصور حارس لقبر المس بيل، وأبو سقراط الملقب بـ«فيلسوف بغداد»، وفرناندو، خبير المكتبات الفنزويلي الذي جاء إلى بغداد لتقييم المكتبة الوطنية التي أحرقتها أيادٍ ليست مجهولة تماماً. ولعل فصل الشخصيات الست التي تبحث عن امرأة هو من أجمل الفصول الهذيانية التي تنتاب الكائن العراقي الذي يلوذ بالحانات الليلية والنهارية ليبوح بكل ما في جعبته من أسرار حتى وإن كانت خطيرة تضع حبل المشنقة حول رقبته. ولعل السيناريو الذي كتبه يونس ونسيه مرات عديدة في «حانة الرافدين» يكشف الجانب السريالي الذين تعيشه هذه الشخصيات في ظل دوامة الحياة المنفتحة على الخواء، واليأس، والموت المجاني الذي قد يفاجئ هذه المجموعة أو غيرها في أي لحظة.
يتألق شاكر نوري كعادته في انتقاء الثيمات لمجمل رواياته ولعل نجاح هذه الرواية يعود في جانب كبير منه إلى سلسلة من الثيمات المتتالية التي رصدت شخصية المس بيل حيث تقول بمرارة رداً على الذين يتهمونها بالعمل كجاسوسة: «إنني أعمل لحسابي وليس لحساب أحد. قليلون يعرفون ذلك» (ص374). وحينما تنكسر كلياً ويهملها الجميع، تصور ضعفها البشري حينما تخاطب ماريا، مدبرة منزلها قائلة: «إنني قصبة مكسورة لا أصلح لشيء حتى لنفخ الريح، فكيف أعزف الألحان؟» (ص310).



«مولد الحسين» يجتذب الآلاف لمزارات «آل البيت» بمصر

احتفالات سنوية بمولد الإمام الحسين (فيسبوك)
احتفالات سنوية بمولد الإمام الحسين (فيسبوك)
TT

«مولد الحسين» يجتذب الآلاف لمزارات «آل البيت» بمصر

احتفالات سنوية بمولد الإمام الحسين (فيسبوك)
احتفالات سنوية بمولد الإمام الحسين (فيسبوك)

مع الإعلان عن الليلة الختامية أو «الليلة الكبيرة» لمولد الإمام الحسين في القاهرة، الذي يعد من الاحتفالات الدينية التراثية التي تجتذب آلاف الزوار، الذين توافدوا على المكان، جرى الإعلان عن إجراءات تنظيمية استثنائية بمنطقة شارع الأزهر وخان الخليلي وفق ما أوردته وسائل إعلام محلية، لتفادي الزحام.

وكانت المشيخة العامة للطرق الصوفية بمصر قد أعلنت البرنامج الزمنى لإقامة عدد من أكبر الموالد الصوفية في مصر، والتي بدأت بمولد سيدنا الإمام الحسين «رضي الله عنه»، الذي انطلقت فعالياته بالفعل، يوم الثلاثاء الموافق 29 سبتمبر (أيلول) الماضي، وتستمر حتى الليلة الختامية، الثلاثاء، 6 أكتوبر (تشرين الأول) الحالي.

وأكد أحمد قنديل، المتحدث الرسمي باسم المشيخة العامة للطرق الصوفية، أن الدكتور عبد الهادي القصبي، شيخ مشايخ الطرق الصوفية ورئيس المجلس الأعلى للطرق الصوفية، أعلن مواعيد هذه الاحتفالات، في إطار حرص المشيخة على تنظيم الفعاليات الصوفية، وإحياء المناسبات الدينية والتراثية، حسب بيان للمشيخة على «فيسبوك».

وأكد قنديل أن هذه المناسبات تمثل محطات دينية وروحية مهمة، وتشهد مشاركة واسعة من أبناء الطرق الصوفية ومحبي آل البيت والصالحين من مختلف محافظات الجمهورية، مع التأكيد على التنسيق مع الجهات المعنية لخروج الفعاليات بالصورة التي تليق بهذه المناسبات.

من جانبها، نظمت وزارة الأوقاف المصرية فعالية بمسجد الإمام الحسين في قلب القاهرة الإسلامية احتفالاً بمولد الإمام الحسين تضمنت قراءة القرآن، وندوة حول الاحتفال بالمولد وابتهالات.

ويتوافد الآلاف سنوياً على مسجد الإمام الحسين في ذكرى مولده، وهو المولد الذي جرت العادة على إقامته مرتين في العام، «مرة في مناسبة قدوم الرأس الشريف إلى مصر ومرة أخرى بمناسبة مولده في الثالث من شعبان وفق ما تذكره المصدر التاريخية»، بحسب كلام شهاب الدين الأزهري، الباحث المتخصص في الشأن الصوفي، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «الاحتفال والزيارة تأتي للمكانة الكبيرة التي يمثلها الإمام الحسين (سيد شباب أهل الجنة) سبط النبي الكريم، بالنسبة للمريدين والمحبين. وزيارة أهل البيت منصوص عليها في الشرع كنوع من الوفاء والمودة لأهل البيت، كما أن الزيارة في الموالد الدافع لكل هذه الناس هو المحبة، ونجد آلافاً مؤلفة من الناس في الفعاليات المختلفة، خصوصاً من أهل الصعيد الذين يأتون من مكان بعيد محبة في آل البيت».

ويلفت الدكتور عبد الرحيم ريحان المتخصص في الآثار الإسلامية ومدير المكتب الإعلامي لمجلس الآثاريين العرب، إلى أن «إحياء مسار آل البيت بدأ بتوجيه الرئيس السيسي منذ عام 2021 بضرورة تطوير وإحياء مسار آل البيت في مصر، بما يتوافق مع الطابع التاريخي والروحاني للأضرحة والمقامات». مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «هذه الموالد تدخل في إطار إحياء مسار آل البيت، وتطوير القاهرة التاريخية سيسهم في تعزيز السياحة الداخلية والإقليمية من الدول العربية والإسلامية علاوة على السياحة العالمية».

وأكد ريحان أن إحياء السياحة الروحية في مصر سيكون له مردود كبير على تنشيط وتنمية السياحة الداخلية، وتشجيع الشباب على زيارة هذه المواقع والكتابة عنها عبر وسائل التواصل الاجتماعي؛ ما يعزز قيمة الانتماء والاعتزاز بالحضارة المصرية عبر عصورها التاريخية، كما يسهم في تشجيع السياحة من الدول العربية والإسلامية، ويخلق نوعاً جديداً من السياحة الإقليمية لزيارة المسارات الدينية المتفردة في مصر.


لخدمة مشروع القاعدة الدائمة على القمر... «ناسا» تعتزم شراء كمية من الصواريخ

مبنى تجميع المركبات في مركز كينيدي للفضاء بولاية فلوريدا حيث يجري تجميع مكونات صاروخ «نظام الإطلاق الفضائي» التابع لوكالة «ناسا» والمخصص لمهمة «أرتيمس 3» (إ.ب.أ)
مبنى تجميع المركبات في مركز كينيدي للفضاء بولاية فلوريدا حيث يجري تجميع مكونات صاروخ «نظام الإطلاق الفضائي» التابع لوكالة «ناسا» والمخصص لمهمة «أرتيمس 3» (إ.ب.أ)
TT

لخدمة مشروع القاعدة الدائمة على القمر... «ناسا» تعتزم شراء كمية من الصواريخ

مبنى تجميع المركبات في مركز كينيدي للفضاء بولاية فلوريدا حيث يجري تجميع مكونات صاروخ «نظام الإطلاق الفضائي» التابع لوكالة «ناسا» والمخصص لمهمة «أرتيمس 3» (إ.ب.أ)
مبنى تجميع المركبات في مركز كينيدي للفضاء بولاية فلوريدا حيث يجري تجميع مكونات صاروخ «نظام الإطلاق الفضائي» التابع لوكالة «ناسا» والمخصص لمهمة «أرتيمس 3» (إ.ب.أ)

تستعد وكالة الفضاء والطيران (ناسا) الأميركية للإعلان عن صفقة ضخمة لشراء صواريخ فضاء لصالح مشروع بناء قاعدة دائمة على سطح القمر بتكلفة تبلغ 30 مليار دولار، وفقاً لـ«وكالة الأنباء الألمانية».

وذكرت وكالة «بلومبرغ» للأنباء أن الاستراتيجية الجديدة لوكالة «ناسا» تأتي في الوقت الذي تعاني فيه صناعة الفضاء من نقص في الصواريخ، في ظل زيادة الطلب عليها. لكن الوكالة تأمل في تجاوز عنق الزجاجة بالنسبة للصواريخ، من خلال شراء مجموعة متنوعة منها، بما يتيح خيارات مختلفة لتوصيل شحناتها إلى سطح القمر.

ونقلت «بلومبرغ» عن كارلوس جارسيا جالان، مدير برنامج قاعدة القمر في وكالة «ناسا»، قوله في مقابلة: «نقيم الأمور مثل قيام (ناسا) بشراء كمية من الصواريخ التي يمكن أن تخدم كل احتياجات قاعدتنا القمرية... قد نعلن في المستقبل القريب عن المجموعة الأول من حزمة المشتريات» المستهدفة.

ويذكر أن المرحلة الأولى من مشروع إقامة قاعدة دائمة لاستضافة مجموعة من البشر للعمل والحياة على سطح القمر بدأت بالفعل، حيث تخطط وكالة «ناسا» لإرسال مركبات هبوط وروبوتات جوالة لاستكشاف مواقع وموارد القمر خلال 2028. لكن الوكالة ستحتاج إلى صواريخ فضاء أكبر في 2029 لإرسال معدة تزن 60 طناً إلى سطح القمر لإقامة أنظمة الطاقة، والمساكن وغيرها من البنية التحتية اللازمة لإقامة البشر على سطح القمر بصورة دائمة.

لكن الوكالة تواجه في هذه المرحلة الثانية الأكثر طموحاً مشكلة، حيث تتابع تباطؤ نشاط صاروخ الفضاء «فالكون 9» التابع لشركة الفضاء وتكنولوجيا الذكاء الاصطناعي الأميركية «سبيس إكس»، وهو الصاروخ الأكثر استخداماً في الولايات المتحدة والعالم.

وفي وقت سابق، ذكرت «سبيس إكس» أنها بدأت رفض طلبات مشغلي الأقمار الاصطناعية الراغبين في حجز رحلات على متن هذا الصاروخ الأساسي لما بعد عام 2028. ومن شأن غياب هذا الصاروخ ونظيره الأكبر حجماً «فالكون الثقيل» عن السوق أن يسبب مشاكل لخطط «ناسا» الرامية إلى إنشاء قاعدة على سطح القمر.

وفي هذا الصدد، قال غارسيا - غالان: «ندرك المشكلة المقبلة مبكراً، فنحن ندركها الآن. لقد تحلت (سبيس إكس) بالشفافية بشأن خططها، ما أتاح لنا خيار البحث عن بدائل، وهو ما قمنا به بالفعل».


اكتشاف أول صورة لفنار الإسكندرية يُبرز آثار مصر الغارقة

الخاتم المكتشف وعليه نقش للفنار القديم (وزارة السياحة والآثار)
الخاتم المكتشف وعليه نقش للفنار القديم (وزارة السياحة والآثار)
TT

اكتشاف أول صورة لفنار الإسكندرية يُبرز آثار مصر الغارقة

الخاتم المكتشف وعليه نقش للفنار القديم (وزارة السياحة والآثار)
الخاتم المكتشف وعليه نقش للفنار القديم (وزارة السياحة والآثار)

سلَّط اكتشاف خاتم برونزي منقوش عليه صورة لفنار الإسكندرية، يُعدّ الأول من نوعه، الضوء على الآثار الغارقة في مصر، وما قد تضمه من اكتشافات تضيف جوانب وأبعاداً جديدة إلى فهم التاريخ المصري القديم.

وأسفرت أعمال حفائر البعثة الأثرية المشتركة بين المعهد الأوروبي للآثار البحرية والإدارة العامة للآثار الغارقة بالمجلس الأعلى للآثار، في منطقة الميناء الشرقي بمحافظة الإسكندرية، عن اكتشاف الخاتم، إلى جانب عدد من اللقى الأثرية الفخارية والزجاجية.

وأعرب وزير السياحة والآثار المصري، شريف فتحي، عن تقديره للجهود المبذولة في أعمال الحفائر بالمواقع الأثرية المغمورة بمياه البحر المتوسط، وما يصاحبها من أعمال التسجيل والتوثيق الأثري، التي تتطلب خبرات فنية وميدانية متخصصة.

وأشار، في بيان للوزارة، إلى «أهمية ما يتم الكشف عنه من آثار بهذه المواقع، لما تسهم به في إثراء المعرفة بتاريخ الإسكندرية وإلقاء مزيد من الضوء على جوانب مختلفة من تاريخها وحضارتها عبر العصور».

إحدى القطع الأثرية المكتشفة في الإسكندرية (وزارة السياحة والآثار)

وأوضح الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار، الدكتور هشام الليثي، أن البعثة نجحت، منذ أيام، في الكشف عن خاتم ختم برونزي يحمل نقشاً يصوّر فنار الإسكندرية القديم، في هيئة تشبه صوره المعروفة على بعض العملات المؤرَّخة بالقرن الثاني الميلادي. وعُثر على الخاتم في موقع جزيرة أنتيرودس الملكية، أحد أحياء الإسكندرية الملكية القديمة ضمن منطقة «بورتوس ماجنوس».

وأكد أن هذه هي المرة الأولى التي يُعثر فيها على صورة للفنار منقوشة على خاتم ختم، مما قد يشير إلى أن قصر أنتيرودس، الذي شاهده ووصفه المؤرخ والجغرافي سترابو خلال زيارته لمصر بين عامَي 29 و25 قبل الميلاد، ربما استمر استخدامه حتى القرن الثاني الميلادي لأغراض إدارية، قد يكون من بينها ما يرتبط بإدارة الفنار.

ولفت مدير المعهد الأوروبي للآثار البحرية ورئيس بعثة الحفائر، فرانك جوديو، إلى أن الدراسات والأعمال التي نفّذتها البعثة أسفرت عن العديد من النتائج العلمية والأثرية المهمة.

وأضاف، حسب البيان، أن «اللقى الأثرية المكتشفة خلال الموسم الحالي تضمنت مجموعة من البقايا الفخارية التي تؤرَّخ لفترات زمنية مختلفة، تمتد من القرن الرابع قبل الميلاد حتى القرن الرابع الميلادي، من بينها أدوات للاستخدام اليومي، وأوانٍ للمائدة، وعدد من الأمفورات والأواني والقنينات والمسارج، إلى جانب بقايا أوانٍ زجاجية».

اكتشاف قطع جديدة من الآثار الغارقة في الإسكندرية (وزارة السياحة والآثار)

ومن المقرر أن تعقب انتهاء أعمال الموسم الحالي بالميناء الشرقي أعمالُ حفائر جديدة للبعثة في موقع خليج أبو قير.

ويرى عالم الآثار المصرية ومدير متحف الآثار في مكتبة الإسكندرية، الدكتور حسين عبد البصير، أن العثور على «خاتم برونزي يحمل تمثيلاً نادراً لفنار الإسكندرية مسألة مهمة علمياً، خصوصاً أن الفنار معروف من تمثيلات أثرية أقدم، أهمها صورته على العملات السكندرية في العصر الروماني، كما توجد له تمثيلات أخرى على أحجار منقوشة وأختام ومواد أثرية مختلفة».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «القيمة العلمية لخاتم الختم البرونزي المكتشف تتحدد بأربعة عناصر أساسية: أولاً، إثبات أن النقش يمثّل الفنار بالفعل وليس مبنى آخر؛ ثانياً، تحديد تاريخ الخاتم بدقة؛ ثالثاً، توثيق السياق الأثري الذي عُثر فيه عليه؛ ورابعاً، مقارنة عناصر النقش بالتمثيلات المعروفة للفنار».

اكتشافات جديدة ضمن الآثار الغارقة (وزارة السياحة والآثار)

وتابع أنه «إذا أكدت الدراسة الأثرية هذه العناصر، يصبح الاكتشاف مهماً للغاية، خصوصاً إذا كان النقش يقدّم تفصيلاً معمارياً جديداً أو يمثّل الفنار في سياق مختلف عن العملات».

وتزخر مدينة الإسكندرية بالآثار الغارقة في مواقع عدة، من بينها الميناء الشرقي وخليج أبو قير وخليج المعمورة والشاطبي وقلعة قايتباي. وتُعدّ منطقة الميناء الشرقي من أهم مناطق الآثار الغارقة؛ إذ كان الميناء الملكي للعاصمة القديمة التي أسّسها الإسكندر الأكبر، وحملت اسمه، وأصبحت من أعظم مدن العالم القديم. وقد أُقيمت معارض عديدة للآثار الغارقة داخل مصر وخارجها.