«خاتون بغداد»... تطويع السيرة الذاتية إلى عمل روائي

نص مفتوح تخلص من سطوة التقارير والوثائق والمخططات السرية

مس بيل
مس بيل
TT

«خاتون بغداد»... تطويع السيرة الذاتية إلى عمل روائي

مس بيل
مس بيل

صدرت عن دار كُتّاب الإماراتية رواية «خاتون بغداد» لشاكر نوري، وهي الرواية التاسعة في رصيده الإبداعي، وقد فازت مؤخراً بجائزة «كتارا» إلى جانب أربع روايات أخرى من الأردن وسوريا والجزائر والمغرب، وسوف تُترجم الروايات الفائزة إلى اللغتين الإنجليزية والفرنسية.
لنعترف سلفاً أن معظم الثيمات التي عالجها شاكر نوري في رواياته هي ثيمات جريئة وإشكالية بامتياز كما هو الحال في «نزوة الموتى» و«شامان» و«جحيم الراهب» وربما تكون «خاتون بغداد» هي الأكثر إثارة للجدل لأنها تستنطق السيرة الذاتية للمِس بيل التي حظيت بألقاب عدة من بينها «الخاتون» و«صانعة الملوك» و«ملكة العراق غير المُتوَّجة». لعل السؤال الأبرز الذي يمكن أن يخطر في ذهن أي قارئ لهذا النص الروائي هو: كيف استطاع الكاتب شاكر نوري أن يحوِّل السيرة الذاتية للمس غيرترود بيل إلى عمل روائي نابض بالحياة؟ وكيف تمكن من تطويع الأحداث والوقائع التاريخية إلى ثيمات سردية سلسة خرجت إلى حدٍ ما من إطار التوثيق البيوغرافي لتشتبك بآراء ووجهات نظر ست شخصيات آخر اُفتتِنت بالمس بيل وبحثت عنها على مدار النص الروائي، تماماً كما بحثت شخصيات بيرانديللو الست عن مؤلف يمنحها الحياة من خلال تجسيدها في عمل فني خلاق.
لا يخفى على القارئ تعاطف الكاتب مع الشخصية المُهيمنة في هذه الرواية مع أنها تمثل الاحتلال البريطاني الذي لا يختلف كثيراً عن الاحتلال الأميركي للعراق، فكلاهما دمّر العراق، وقتل مواطنيه، ونهب ثرواته مع فارق ضئيل في النسبة والتناسب.
لا أحد يشكِّك في صلاحية المس بيل كشخصية روائية نموذجية فهي كاتبة، ورحّالة، وعالمة آثار، ومستشارة المندوب السامي بيرسي كوكْس في العراق، وقد أحبّت مرتين وكانت على وشك أن تخوض قصة حب ثالثة مع كنيهان كُرنواليس، مستشار الملك فيصل، لكن جميع هذه القصص العاطفية لم تُفضِ إلى الزواج ولم تحقق لها هاجس الأمومة الذي كان يراودها كما يراود أي امرأة أخرى في هذا العالم.
وبما أنّ هاتين القصتين العاطفيتين محوريتان في حياة المس بيل فقد ركّز عليهما شاكر نوري في نصه الروائي ومنحهما مساحة كبيرة أكثر مما تستحقان مُشتغلاً على أبعادهما الرومانسية بلغة رشيقة، متوهجة لا تخلو من بعض الأخطاء العابرة. لا تقتصر الهفوات على الوعي اللغوي وإنما تمتد إلى الالتباس في الحقائق التاريخية فمقتل الإمام الحسين قد وقع قبل 1337 سنة وليس «قبل ألف ومائتي عام» (ص205) كما يذكر المؤلف. وقد يكون السير بيرسي كوكْس الطفل المدلل لكن ليس «لملكة بريطانيا العُظمى» (ص36) التي لا تزال موجودة في سُدة الحكم حتى يومنا هذا، وإنما إلى الملك جورج الخامس الذي خرجت إمبراطوريته منتصرة في الحرب العالمية الأولى.
وحتى على صعيد الشخصيات الرئيسية ثمة أخطاء لا تُغتفر لأنها تشي بتشوّش ذهنية الكاتب، فالكولونيل ريتشاد داوتي ويلي الذي فارق الحياة بعد أن «أصابتْهُ رصاصة في رأسه أثناء لحظة الانتصار» (ص140) لكن الراوي العليم سوف يخبرنا بعد صفحتين لا غير بأن ريتشارد قد مات لأنه «أُصيب برصاصة في قلبه في معركة غاليبولي» (ص142). فأي الواقعتين نُصدِّق مع أن الموت واحد!
مثلما اجتهد نوري وتعاطف مع شخصية مس بيل، وبالغَ في وصف معالمها الخارجية رغم أنها ليست جميلة ولا تمتلك قسطاً ملحوظاً من الجاذبية إلاّ أن الكاتب أوصلها إلى مستوى الأسطورة في الرِقة والأنوثة والجمال، ومع ذلك فإنها تمتلك خصالاً أخرى كثيرة كان بإمكان الكاتب أن يراهن عليها مثل الذكاء الشديد، وقوة الملاحظة، والقدرة على الكتابة اليومية التي سوف تتطور لاحقاً إلى «تقارير استخباراتية» تفيد منها القطعات العسكرية والدوائر الأمنية البريطانية التي وافقت على أن تكون مستشارة للمندوب السامي بيرسي كوكس قبل أن تنتقل للعمل تحت إمرة هنري دوبس الذي كان فظاً، متعالياً، ولا يحبذ الاستماع إلى نصائح امرأة حتى وإن كانت خبيرة أو مستشارة في الإمبراطورية المترامية الأطراف.
نجح شاكر نوري في بناء ثيمة روائية توازن بين الجانبين الذاتي والموضوعي، فالمس بيل لم تكن شراً كلها، إذ يكفي أنها كتبت 16 كتاباً عن العراق والشرق الأوسط، وأنها أسست المُتحف العراقي، ووضعت فيه قرابة 3000 تحفة أثرية، وساهمت في بناء المكتبة الوطنية، ناهيك عن دورها البارز في تشكيل الدولة العراقية الحديثة، ورهانها على تنصيب الأمير فيصل بين الحسين ملكاً على عرش العراق بالضد من رغبة المستر جون فيليبي ومؤازريه الذين كانوا يحلمون بالحكم الجمهوري وما إلى ذلك، لكن الأهم من ذلك كله أن الروائي شاكر نوري قد نجح في الإفلات من أُسار النص البيوغرافي والنزعة التوثيقية إلى فضاء الرواية بأنساقها السردية المحلية منها والعالمية فأردفها بست شخصيات أخرى منحت النص نكهة مغايرة تداخلت فيها السيرة الذاتية للخاتون، مع السينما، والرواية، والنص المفتوح الذي تخلّص من سطوة التقارير والوثائق والمخططات السرية إلى البوح العلني الذي أجّجهُ الكاتب بفحص خصال الشخصية العراقية المزدوجة ودراسة طبيعة المجتمع العراقي الذي يشبه كثيراً جغرافية البلد وطبيعة نهريه اللذين يجمعان بين ثنائية الهدوء والهيجان في آنٍ معاً. وعلى الرغم من أن هذه الثنائية ليست جديدة وقد تناولها عالم الاجتماع علي الوردي غير مرة إلا أن توسيع هذه الفكرة وتعميق دلالتها تُحسب لمصلحة الروائي الذي تَمثّل هذه الأفكار الاجتماعية، وطوّع الخصائص النفسية التي تميّز سلوكية الشخصية العراقية عن سواها من الشخصيات العربية أو العالمية.
لا بد من الإشارة إلى أن الشخصيات الست قد غيّرت إيقاع الرواية رغم أنها تدور في فلك الشخصية المحورية التي تُعزز موقعها بهذه الشخصيات التي انبثقت من قلب المجتمع العراقي الذي كان يعاني حتى وقت قريب من وحشية الاحتلال الأميركي. فيونس هو كاتب سيناريو، ونعمان مخرج سينمائي، وهاشم مشغِّل لآلة العرض في سينما غرناطة، ومنصور حارس لقبر المس بيل، وأبو سقراط الملقب بـ«فيلسوف بغداد»، وفرناندو، خبير المكتبات الفنزويلي الذي جاء إلى بغداد لتقييم المكتبة الوطنية التي أحرقتها أيادٍ ليست مجهولة تماماً. ولعل فصل الشخصيات الست التي تبحث عن امرأة هو من أجمل الفصول الهذيانية التي تنتاب الكائن العراقي الذي يلوذ بالحانات الليلية والنهارية ليبوح بكل ما في جعبته من أسرار حتى وإن كانت خطيرة تضع حبل المشنقة حول رقبته. ولعل السيناريو الذي كتبه يونس ونسيه مرات عديدة في «حانة الرافدين» يكشف الجانب السريالي الذين تعيشه هذه الشخصيات في ظل دوامة الحياة المنفتحة على الخواء، واليأس، والموت المجاني الذي قد يفاجئ هذه المجموعة أو غيرها في أي لحظة.
يتألق شاكر نوري كعادته في انتقاء الثيمات لمجمل رواياته ولعل نجاح هذه الرواية يعود في جانب كبير منه إلى سلسلة من الثيمات المتتالية التي رصدت شخصية المس بيل حيث تقول بمرارة رداً على الذين يتهمونها بالعمل كجاسوسة: «إنني أعمل لحسابي وليس لحساب أحد. قليلون يعرفون ذلك» (ص374). وحينما تنكسر كلياً ويهملها الجميع، تصور ضعفها البشري حينما تخاطب ماريا، مدبرة منزلها قائلة: «إنني قصبة مكسورة لا أصلح لشيء حتى لنفخ الريح، فكيف أعزف الألحان؟» (ص310).



97 مليون قاصد لـ«الحرمين» خلال 20 يوماً من رمضان

المسجد الحرام استقبل نحو 58 مليون مصلٍّ و16 مليون معتمر (واس)
المسجد الحرام استقبل نحو 58 مليون مصلٍّ و16 مليون معتمر (واس)
TT

97 مليون قاصد لـ«الحرمين» خلال 20 يوماً من رمضان

المسجد الحرام استقبل نحو 58 مليون مصلٍّ و16 مليون معتمر (واس)
المسجد الحرام استقبل نحو 58 مليون مصلٍّ و16 مليون معتمر (واس)

بلغ إجمالي أعداد قاصدي وزوار الحرمين الشريفين 96 مليوناً و638 ألفاً و865 شخصاً خلال الفترة من 1 حتى 20 رمضان الحالي، الموافق من 18 فبراير (شباط) إلى 9 مارس (آذار) 2026.

وأوضحت «هيئة العناية بشؤون الحرمين الشريفين» أن هذه الإحصائية جاءت وفق مؤشرات تشغيلية تقيس إجمالي مرات الدخول للمصليات والعمرة، في مشهد يعكس المكانة الروحية والإيمانية للحرمين الشريفين، والإقبال الكبير من المسلمين لأداء العبادات في الشهر الفضيل.

وأفادت الهيئة بأن المسجد الحرام في مكة المكرمة استقبل 57 مليوناً و595 ألفاً و401 مصلٍّ أدّوا الصلوات الخمس وصلاة القيام، إضافةً إلى 15 مليوناً و605 آلاف و86 معتمراً.

وبيّنت أن المسجد النبوي في المدينة المنورة استقبل 21 مليوناً و143 ألفاً و259 مصلّياً أدّوا الصلوات الخمس وصلاة القيام، و579 ألفاً و191 في الروضة الشريفة، مضيفة أن عدد من قام بالسلام على النبي - صلى الله عليه وسلم- وصاحبيه - رضي الله عنهما - بلغ مليوناً و715 ألفاً و928 زائراً.

وأكدت الهيئة أن هذه الأرقام تعكس الجاهزية التشغيلية العالية وتكامل منظومة الخدمات المقدمة لقاصدي الحرمين الشريفين خلال شهر رمضان، بما يضمن انسيابية الحركة وتهيئة بيئة تعبّدية آمنة.


حضور سعودي لافت في «مالمو للسينما العربية» بالسويد

الممثلة لامار فدان في فيلم «هجرة» (الشركة المنتجة)
الممثلة لامار فدان في فيلم «هجرة» (الشركة المنتجة)
TT

حضور سعودي لافت في «مالمو للسينما العربية» بالسويد

الممثلة لامار فدان في فيلم «هجرة» (الشركة المنتجة)
الممثلة لامار فدان في فيلم «هجرة» (الشركة المنتجة)

تشهد الدورة السادسة عشرة من مهرجان «مالمو للسينما العربية» بالسويد حضوراً لافتاً للسينما السعودية بوجود أفلام سعودية في مختلف مسابقات المهرجان الأبرز للسينما العربية بالدول الإسكندنافية، المقرر انطلاق فعالياته خلال الفترة من 10 إلى 16 أبريل (نيسان) المقبل.

وتشارك المخرجة السعودية شهد أمين بفيلمها «هجرة» في المسابقة الرسمية للمهرجان، وهو الفيلم الذي عرض للمرة الأولى ضمن فعاليات النسخة الماضية من مهرجان «البندقية»، ونال لدى عرضه عربياً في مهرجان «البحر الأحمر» جائزة «فيلم العلا» لأفضل فيلم سعودي بتصويت الجمهور، بالإضافة إلى جائزة «لجنة التحكيم».

وتدور أحداثه حول حكاية جدة تسافر مع حفيدتَيها إلى مكة المكرمة عام 2001، في رحلة تتخلّلها مواقف إنسانية مؤثرة. وعندما تختفي الحفيدة الكبرى في ظروف غامضة، تبدأ رحلة البحث عنها برفقة الحفيدة الصغرى، وسط مزيج الألم والأمل.

أما مسابقة «الأفلام الوثائقية» فتشهد حضور المخرج علي سعيد بفيلمه «ضد السينما» الذي عرض للمرة الأولى في النسخة الماضية من مهرجان «القاهرة السينمائي»، وهو العمل الذي يروي حكاية انطلاق السينما السعودية متتبعاً جيل أطفال الثمانينات الذين أحبوا السينما وتعلقوا بها.

الملصق الترويجي لفيلم «ضد السينما» (الشركة المنتجة)

ويرصد الفيلم المحاولات الأولى لصناعة الأفلام والتحديات التي واجهتهم، مستعيناً بالأرشيف الصحافي ومانشيتات الصحف السعودية، ومن بينها مانشيتات صحيفة «الشرق الأوسط» موثقاً لمائة عام من رحلة السينما السعودية، منذ انطلق أول شريط تصوير للفرنسي «جو براش» في جدة.

بينما تحضر المخرجة السعودية سارة بالغنيم بفيلمها القصير «ارتزاز» الذي عرض في الدورة الماضية لمهرجان «البحر الأحمر»، وتدور أحداثه في الرياض من خلال أم تعاني إحباطاً من ابنتها، وتمارس الضغوط عليها حتى تخطط للزواج، وهو من بطولة ريم الحبيب ورند القصيبي.

ويشهد برنامج «ليالي عربية» عرض الفيلم السعودي «إسعاف» الذي يقوم ببطولته إبراهيم الحجاج مع بسمة داود ومحمد القحطاني، ومن إخراج كولين توج، وتتناول قصته شابين يعملان مسعفَين، الأول مستهتر والثاني جاد، وكلاهما يتورط مع مجرم يلاحق كلاً منهما بشكل مريب، فيحاولان الهرب منه، ولكن يقعان في ورطة طريفة عبر مواقف كوميدية متتالية.

فريق فيلم «إسعاف» مع المخرج كولين توج (الشركة المنتجة)

وتشهد المسابقة الرسمية للمهرجان في الأفلام الروائية الطويلة عرض أفلام شاركت غالبيتها في مهرجانات سينمائية عالمية، منها الفيلمان المصريان «كولونيا» للمخرج محمد صيام، و«القصص» للمخرج أبو بكر شوقي، بالإضافة إلى الفيلم المغربي «زنقة ملقا» الذي مثّل السينما المغربية في ترشيحات الأوسكار، بالإضافة إلى الفيلم الأردني «غرق» للمخرجة زين دريعي.

كما حضر في المسابقة الفيلم العراقي «إركالا: حلم كلكامش»، وفيلم «يونان» للمخرج أمير فخر الذي عرض العام الماضي في مهرجان «برلين السينمائي»، بالإضافة إلى الفيلم التونسي «وين ياخدنا الريح» للمخرجة آمال قلاتي، والفيلم الإماراتي «باب» للمخرجة نايلة الخاجة، بالإضافة إلى الفيلم الفلسطيني «اللي باقي منك» للمخرجة شيرين دعبيس.

وكان المهرجان قد أعلن الشهر الماضي عن تكريم «رائد السينما السعودية» المخرج عبد الله المحيسن ليكون الشخصية المكرمة في النسخة الجديدة، مع عرض فيلمه «اغتيال مدينة» وتنظيم «ماستر كلاس» يناقش فيه تجربته السينمائية ورؤيته الفنية.

وأرجع الناقد السعودي أحمد العياد وجود أفلام سعودية في مختلف مسابقات المهرجان خلال النسخة المقبلة إلى الحضور المتزايد للسينما السعودية عالمياً، بما يعكس حالة التنوع التي باتت تتسم بها داخل المملكة، ما بين الأفلام الروائية الطويلة والقصيرة إلى جانب الأفلام الوثائقية.

وأضاف العياد لـ«الشرق الأوسط» أن «الحراك السينمائي الذي تشهده السعودية في السنوات الأخيرة أسهم في لفت أنظار المهرجانات المعنية بالسينما العربية إلى التجارب السعودية الجديدة، وهو نشاط جعل كثيراً من تلك المهرجانات يحرص على إدراج أعمال سعودية ضمن برامجه المختلفة، لما وصلت إليه من مستوى فني ملحوظ وتنوع في الموضوعات والأساليب».

ولفت إلى أن مهرجان «مالمو للسينما العربية» يعدّ من أبرز المنصات التي تتابع هذا التطور عن قرب، مؤكداً أن حضور الأفلام السعودية في أكثر من مسابقة وبرنامج يعكس الاهتمام المتزايد بهذه التجربة السينمائية، ويمنح صناعها فرصة أوسع للتعريف بأعمالهم أمام جمهور أوروبي ومهنيين في صناعة السينما، مشيداً بإتاحة المهرجان عرض الأفلام السعودية في مدن إسكندنافية مختلفة على غرار ما حدث العام الماضي مع أفلام «فخر السويدي» و«نورة».


حين يتحوَّل الفن في لبنان وسيلة للتغلب على القصف

نازحون إلى المسرح الوطني في صور (المسرح الوطني اللبناني)
نازحون إلى المسرح الوطني في صور (المسرح الوطني اللبناني)
TT

حين يتحوَّل الفن في لبنان وسيلة للتغلب على القصف

نازحون إلى المسرح الوطني في صور (المسرح الوطني اللبناني)
نازحون إلى المسرح الوطني في صور (المسرح الوطني اللبناني)

يتنقل الممثل والمخرج قاسم إسطنبولي بين المسارح الثلاثة التي يديرها في طرابلس وصور وبيروت، مطمئناً على حال رواده الذين أتوا هذه المرة لا لمشاهدة مسرحية ولا لمتابعة مهرجان، بل أتوا هاربين من القصف الإسرائيلي. عشرات النازحين وجدوا في هذه المسارح المكان الوحيد الذي استطاعوا الالتجاء إلى سقفه.

«المسرح الوطني اللبناني» بفروعه في المدن الثلاث تحوَّل إلى مأوى لنازحين من مختلف الجنسيات. في مدينة صور التي تلفّها النيران، تجد لبنانيين وسوريين وفلسطينيين، وعاملات منزليات من إثيوبيا وبنغلاديش، إضافة إلى أطفال ومسنين. كلٌّ يمضي وقته بالطريقة التي تروق له. ومع النازحين في المسرح حيواناتهم الأليفة التي اصطحبوها معهم؛ فهناك من أتى بعصفور، وآخر يعتني بكلبه الذي رفض أن يتركه خلفه. 50 شخصاً في صور يعيشون معاً في هذا المسرح، ويحاولون إضفاء المرح على جلساتهم رغم الخطر المحدق بهم.

ورشة رسم في المسرح (المسرح الوطني اللبناني)

يخبرنا إسطنبولي أن الأمر ليس بالسوء الذي نتصوره. يقول: «ننظم أنشطة باستمرار، وثمة أطفال بالعشرات يأتوننا من خارج المسرح خصيصاً ليشاركوا في برامجنا خلال النهار رغم أجواء الحرب». وينوِّع القيّمون على المسرح وسائل التسلية المفيدة لتزجية الوقت. ويضيف: «ننتقل بين الرسم والقراءة والأشغال اليدوية، ونركز على السيكودراما كي نساعد الأولاد على التغلب على مخاوفهم التي لا يعبرون عنها. التمثيل كفيل بذلك، والحكواتي مفيد أيضاً في مثل هذه الظروف».

وحين نسأل إن لم يكن الخوف أقوى من الفن في مثل هذه اللحظات، يجيبنا إسطنبولي متفائلاً: «الله هو المسلِّم». ويستطرد ضاحكاً: «الغريب أنه بدلاً من الخوف نجد الناس في المسرح يتواطؤون ضمناً على خلق أجواء من البهجة والراحة مع بعضهم بعضاً. هناك ألفة وتعاطف. ثمة من يأتون لليلة واحدة ثم يغادرون لأنهم وجدوا مكاناً آخر، أو ارتأوا العودة إلى منازلهم».

ميزة أن تكون هارباً من الحرب إلى مسرح أنك تخرج من أجواء الحرب قسراً. ثمة نازح يجيد العزف على البيانو يرفّه عن الموجودين كل يوم بقدر استطاعته، كما تُعرض أفلام بشكل مستمر لتمضية الوقت، وتُنظَّم ورشات رسم وتمثيل. إنها طريقة للترفيه عن أناس تركوا بيوتهم ولا يعرفون إن كانوا سيجدونها عند عودتهم إليها، خصوصاً أن غالبية الموجودين في المسرح الوطني في صور هم من القرى الحدودية التي تتعرض لأشد أنواع القصف والتدمير.

النوم في المسرح شأن آخر (المسرح الوطني اللبناني)

الألم كبير والقلق دائم. الأطفال يجدون ضالتهم في المسرح، تحديداً في هذه المدينة المرهقة بالقصف، حيث يحرص إسطنبولي على البقاء مع النازحين. يقول: «ثمة من قال إنه ينسى أحياناً الحرب وهو يتابع فيلماً أو يسمع معزوفة. تلك طريقتنا في المقاومة».

ولا يكتفي إسطنبولي بالترفيه عن رواد مسرحه، بل يجول أيضاً في مراكز إيواء مختلفة مع أعضاء من «جمعية تيرو للفنون»، وينشّط ورشات عمل للأطفال في مراكز متعددة موزعة في هذه المدينة الجنوبية.

بين النازحين في المسارح الثلاثة من كانوا قد لجأوا إلى المكان نفسه في الحرب العام الماضي؛ فقد باتوا يعرفون العنوان ويأنسون له.

في «المسرح الوطني» في طرابلس تقيم عائلة من جنوب أفريقيا وأخرى فرنسية، إلى جانب 7 عائلات تضم 27 شخصاً. يقول إسطنبولي: «معنا شعروا بالأمان العام الماضي، وهم يقيمون اليوم معزَّزين مكرَّمين».

وتشرح سيدة سورية في المسرح أنها لم تتمكن من العودة إلى بلادها مع أولادها اللبنانيين، ففضَّلت البقاء هنا إلى أن تنجلي الغمة.

تمضي الأيام بطيئة على النازحين، لكنهم يتعاونون في تحضير الوجبات في مطبخ المسرح. فقد أمّنت هذه المراكز الثلاثة كل ما يلزم من ضروريات أولية: كهرباء، وماء ساخن، وإنترنت على مدار اليوم، إضافة إلى الكتب والألعاب. ويقول إسطنبولي: «من حسن حظنا أننا احتفظنا بالفرش والأغطية من حرب العام الماضي. بمجرد أن وصل الملتجئون إلينا، كنا في جاهزية».

بعض المساعدات تصل إلى النازحين؛ إذ بدأت جمعيات تعرف بالحاجة في طرابلس وتحاول تقديم العون، لكنها غير كافية. لذلك أطلق المسرح دعوة للتبرع، ووزّع أرقام هواتف لمن يريد تقديم المعونة، ومن يرد أن يتوجه إلى المسرح شخصياً ويتبرع لعائلة بعينها، فالأمر مفتوح ومتاح.

المسرح يتَّسع لرواده في كل الأوقات (المسرح الوطني اللبناني)

لكن هذا ليس ما يشغل المنظمين أساساً؛ فالمهم هو الإحساس بالراحة والتعاون بين المقيمين في المسرح الواحد، وروح الأخوّة بينهم.

الصعوبات مقدور عليها، والحرب كانت متوقعة؛ لذلك منذ اللحظات الأولى لاندلاعها بدأت الاجتماعات.

ويقول إسطنبولي: «كانت لدينا كميات من الماء، والعصير، والكيك، وبعض الأشياء الأخرى، وما يقارب من 50 فرشة جاهزة، لذلك جاءت الاستجابة سريعة».

يرى إسطنبولي أن «المسرح الوطني» و«جمعية تيرو للفنون» يعملان أقل من الواجب في ظروف تستدعي نخوة الجميع. ويوضح: «المسرح هو نبض الناس وصوتهم، وقد وُجِد في الأصل لخدمتهم. وهذه علاقة لا تتوقف على تقديم المسرحيات وتنظيم المهرجانات». ويضيف: «ما قيمة المسرح إن أغلق أبوابه في وجه رواده في الأوقات العسيرة التي يكونون فيها بأشد الحاجة إلى الدعم؟».

وحين سأل إسطنبولي امرأة نازحة إلى المسرح، في اليوم العالمي للمرأة، عمَّا تتمناه في عيدها، قالت: «أن يبقى لكل امرأة بيتها».