«كل المعارك»... هاجس العنف المضمر في الكينونة البشرية

رواية أردنية مكرسة لفن الملاكمة

«كل المعارك»... هاجس العنف المضمر في الكينونة البشرية
TT

«كل المعارك»... هاجس العنف المضمر في الكينونة البشرية

«كل المعارك»... هاجس العنف المضمر في الكينونة البشرية

صدرت عن دار «الكتب خان» في القاهرة رواية «كل المعارك» للقاص والروائي الأردني معن أبو طالب، وهي روايته الأولى التي أُنجزت بدعمٍ أدبي من برنامج آفاق لكتابة الرواية الذي نُظِّم بالشراكة مع مُحترف نجوى بركات في دورته الثالثة. وما أن رأت هذه الرواية النور حتى شرع المترجم البريطاني روبن روغر بترجمتها إلى الإنجليزية.
لم تحظَ الرياضات بأنواعها المختلفة باهتمام القصاصين والروائيين العرب لذلك ظلت الملاكمة، والمصارعة، وكرة القدم وسواها من الرياضات الأخرى بمنأى عن تفكير المبدعين العرب.
وحينما يبحث القارئ العربي عن الروايات الأميركية خاصة، والعالمية بشكل عام عن رياضة الملاكمة فسيجد بسهولة ويُسر عشرات وربما مئات الروايات عن هذه الرياضة الشعبية التي يحضرها جمهور غفير من المحبّين والمشجّعين الذين يجدون أنفسهم فيها، ويتخذون من أبطالها رموزاً وأيقونات رياضية يبجّلونها، ويتابعون كل صغيرة وكبيرة في حيواتهم الخاصة والعامة. أما على الصعيد العربي فربما تكون «كل المعارك» هي الرواية العربية الأولى المكرّسة لرياضة الملاكمة التي عرفناها في الحضارة السومرية في الألف الثالث ق. م والتي أُدرجت في دورة الألعاب الأولمبية عام 1904.
لم يكتب معن أبو طالب هذه الرواية من فراغ، فهو مُحب للملاكمة، وشغوف بها، وقد زاولها على مدى عامين ونصف العام تقريباً لكنه تخلى عنها عملياً بعد أن وجد نفسه في الكتابة القصصية التي أعجبت بعض قرّائه ودفعته لأن يُنجز عمله الروائي الأول الذي حمل عنوان «كل المعارك» الذي استغرقه أكثر من سنتين قبل أن يظهر بحلّته النهائية التي تُذكرنا بروايات كُتاب أميركيين من طراز جيف سلفرمان، جويس كارول أوتس، نورمان مايلر، وإرنست همنغوي وغيرهم من الروائيين العالميين الذين كتبوا عن رياضة الملاكمة أو «الفن النبيل» كما يُطلق عليها البعض.
لم يبنِ أبو طالب روايته على قصة واحدة، وإنما هناك قصة موازية لجده سعد الدين حبجوقة الذي قاتل المستعمرين الروس في أرض القوقاز قبل أن يخرجوا منها إلى روما التي وفرت لهم الحماية ثم نقلتهم مع آخر فوج شركسي إلى الأردن عام 1948.
تتمحور ثيمة الرواية على شاب في أواخر العشرينات يُدعى سائد حبجوقة وهو من أصول شركسية، يعمل في شركة دولية مرموقة للدعاية والإعلان لكنه يجد نفسه متأرجحاً بين عالم المال والأعمال وعالم الملاكمة الذي ينبع من العنف كخصلة أساسية في حياة الكائن البشري بغض النظر عن ثقافته، وانتمائه الطبقي، وقناعاته الفكرية، ولهذا نراه يتخلى عن وظيفته المكتبية لمصلحة الحلبة ويبدأ تدريباته في نادي «سقف الحيط» بعمّان الشرقية التي تقف هي الأخرى في مواجهة عمّان الغربية، ونقيض لها في ثنائية الفقر والثراء، فالأولى شعبية، فظة في اللغة والتعامل اليومي، والثانية «راقية» مغتربة تتحدث بألسنة أوروبية متعددة، فهل يستطيع سائد حبجوقة أن يوازن بين هذين العالمين المتناقضين أم يتماهى في العالم الخشن، ويُتقن لغته «السوقية» كما تُوصف في الأعم الأغلب.
خاض سائد نزالات متعددة فاز فيها على خصمه الأول أمجد عربيات، وانتصر أيضاً على مُنازِعه الثاني رابح نزّال الأمر الذي دفعه إلى إثارة ثلاثة أسئلة في آنٍ معاً: «أهو بهذه القوّة إذن؟ بهذه الموهبة؟ بهذه المهارة؟» (ص28)، لكن الإجابة تأتي سريعاً حينما يشتبك مع «الضبع» الذي يُشبعهُ لكماً ويجعل «دمهُ يتطاير في الحلبة» (ص67).
وحينما يدخل أيضاً في عراك عنيف مع رجل ويخرج منه بكدمات كثيرة في رأسه وذراعية. أما نزاله الثالث فقد كان مع خالد العيساوي الذي أوسعهُ ضرباً حتى لاحظت صديقته دينا توقف بؤبؤي عينيه عن الحركة: «ويديه تنزلان إلى جانبه كأن لا سيطرة له عليهما، وساقيه لا تتحركان لحمله» (ص129).
ومع ذلك يصرّ سائد على مواصلة شغفه بالملاكمة، هذه الموهبة التي انتبه إليها متأخراً جداً وربما يلقى حتفه بسببها قبل أن يحقق طموحاته الفردية التي تتناغم مع طموحات أسلافه المقاتلين الذين أفنوا حياتهم في الدفاع عن أرضهم، وعرضهم، وكرامتهم التي يهون دونها كل شيء.
تتصاعد الأحداث درامياً حتى تبلغ ذروتها في مواجهة الملاكم الجزائري سامر بالحاج أو المقصلة كما يلقِّبونه، ويُعتبر هذا النزال المفصلي مدخلاً يلج من خلاله إلى بوّابة الاحتراف الذي يتحرّق شوقاً إليه. كما سيدّر عليه المال، والشهرة، ويحقق له ذاته في هذه الصنعة القتالية التي يفهمها أسلافه، ويقدّرونها حق قدرها.
على الرغم من حبه لصديقته دينا فإنه كان أنانياً، ولم يفكر بها ألبتة، فقد خانها مع ديمة، ولم ينتبه لمشاريعها وأحلامها المستقبلية التي لم تُثنِه أبدا عن المضي في هذه الطريق الجديدة التي تفتح أمامه فجأة.
كثيرون يخسرون في نزالات الملاكمة وربما يعتزل البعض منهم بسرعة ولكن أين يذهب أولئك الملاكمون الذين لا مهنة لهم سوى الملاكمة تماماً كما هو الحال مع الملاكم البورتوريكي ميجيل كوتو الذي خسر أمام النجم الصاعد أوستن تراوت بعد أن تلقّى كل أشكال الضرب المبرح خلال الاثنتي عشرة جولة ولم يعد قادراً على تحريك أي عضو في بدنه فاقتربت منه زوجته وهي تجهش بالبكاء مخاطبة إياه: «كفى ميجيل لقد تعبت، يؤلمني هذا» فيهمس في أذنها متسائلاً: «وماذا عساني أن أفعل؟ هذا كل ما أعرفه» (ص220) لكن مشكلة سائد حبجوقة تختلف كلياً عن كوتو أو سواه، فهو ناجح في الدعاية والإعلان، ويتقاضى راتباً مجزياً، ولديه صديقه يحبها، ولعله ينجح أيضاً في مهنٍ أخرى لكنه مُصر على مزاولة هذه الرياضة القاسية فهي «اللعبة الوحيدة التي يمكن فيها قتل الخصم والذهاب إلى البيت، وأخذ شاور ساخن بعدها وكأن شيئا لم يكن» (216).
وعلى الرغم من جروحه، وكدماته، ونزفه الداخلي فإنه بدأ بالتدريب من جديد بعد أن أفاق من غيبوبته، وشعر بخسارته الفادحة التي كلفته سمعته الشخصية، ووظيفته، وصحته التي تدهورت إلى أبعد حدّ، ومع ذلك فقد كان في دخيلة نفسه يتمنى أن ينازل بالحاج ولو لمرة واحدة في حياته غير أن هذا الحلم لن يتحقق بعد الآن لذلك يحزم أمتعته القليلة، ويتوجه بسيارته صوب الحدود حيث يُوقفه أحد العساكر سائلاً عن اسمه الكامل ومدققاً في صورته الشخصية التي يتذكرها جيداً وكأنها رمز للخسارة أو الهزيمة الوطنية حتى وإن كانت في الملاكمة التي لم يرتقِ إلى فنّها النبيل.
لا شك في أن ثيمة هذا الرواية مهمة جداً، وأن شخصياتها عميقة ومركبّة، وبالذات شخصية سائد الذي يحمل بعضاً من خصائص المؤلف الشغوف بالملاكمة لكن النهاية ظلت غامضة، ومبهمة إلى حدٍ كبير، ولم نعرف كقرّاء إلى أي نقطة حدودية تتجه هذه الشخصية المهزومة وكأننا في مكان افتراضي غير الأردن بحدوده الجغرافية المتعارف عليها.
ثمة قطع حاد وغير موفّق في نهاية هذه الرواية التي نجحت في كل المعطيات الآخر مثل الثيمة، واللغة، والشخصيات، والبناء الفني وما إلى ذلك. ولعل الملاحظة السلبية الأخرى في هذه الرواية هي الأخطاء اللغوية التي تتعلق بالعدد والمعدود وآمل أن يتجاوزها في روايته المقبلة.


مقالات ذات صلة

دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

كتب دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

اتّسعت خريطة دور النشر الفرنسية المهتمة بالأدب العربي اتّساعاً ملحوظاً في السنوات الأخيرة، حتى باتت تضمّ، إلى جانب الدور التاريخية الكبرى، مبادراتٍ تحريريةً ...

أنيسة مخالدي (باريس)
كتب ثورة مبكرة في صناعة النشر

ثورة مبكرة في صناعة النشر

في القرن التاسع عشر، تدفقت صوب مصر موجات من الهجرة السورية ضمت رواداً أوائل في مجالات المسرح والفنون والطباعة والنشر

رشا أحمد (القاهرة)
كتب تحديات الأدب الصيني المترجَم للعربية

تحديات الأدب الصيني المترجَم للعربية

يستعرض كتاب «الأدب الصيني بالعربية - الترجمة والتلقي والانتشار» للشاعر والكاتب علي عطا، الصادر عن دار «بيت الحكمة» بالقاهرة، أبرز خصائص الأدب الصيني الحديث

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

الخيال العلمي، من بين أمور أخرى، هو أدب الحديث عن أمور لا أحد يتحدث عنها صراحةً.

جيمس إس إيه كوري
ثقافة وفنون بهجة الحظ على الطريقة الصينية

بهجة الحظ على الطريقة الصينية

تحمس النقاد لرواية «نادي بهجة الحظ»، الصادرة عن «دار الكرمة» بالقاهرة، للكاتبة الأميركية من أصل صيني إمي تان بشكل لافت حتى أنهم وصفوها بـ«القوية كالأسطورة»

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
TT

براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس

غالباً ما يفشل المرء في القبض على سحر المشهد وتأثيره العاطفي حين يصوِّره. لا لأنَّ الصورة تخون متعة النظر بل لأنَّها تحتاج إلى عين خبيرة مفعمة بالإلهام تعينها على استخراج مواقع الجمال الخفية التي تمارس تأثيرها. في كل زياراتي لباريس وهي مدينة غرام وجمال وغزل حاولت أن أوثِّق تلك اللحظات الملتهبة عاطفياً بتأثير مباشر مما كنت أشعر به من فتنة، غير أنَّ النتيجة لم تكن سوى عبارة عن صور فاشلة لا ترقى إلى مستوى اللحظة الشعرية التي عشتها. أما حين زرت معرض «براساي وعلامات باريس السرية» الذي يقيمه متحف الفن الحديث في استوكهولم «موديرنا ميوزيت» فإنني شعرت بأني أستعيد باريس التي غرمت بأزقتها، و«سينها»، ومبانيها، ومقاهيها، وحاناتها، وجسورها، وأسواقها، وأرصفتها، ومكتباتها، وأنفاقها، وملاهيها، وبيوتها السرية، وواجهات كنائسها، وناسها، وكل ما يمت بصلة إلى الحياة الغامضة التي تعيشها مدينة، صنعتها الثقافة ولم يتمكَّن سياسيوها من احتوائها نسبياً إلا من خلال انضمامهم إلى ثقافتها واحترام مثقفيها. يرى المرء من خلال صور براساي باريس على حقيقتها، مدينة ملهمة ومتمردة وعصية على الوصف وخيالية في إلهامها، غامضة في جمالها. ولأنَّ براساي كائن ليلي، فقد صوَّر باريس في الليل متلصصاً على أسرارها. تلك مهنة سيرثها مصورو صحافة الفضائح بطريقة سيئة. عرف براساي كيف يقيم عالمه في المنطقة التي تبقي الجمال في عفته، نقياً وخفيفاً ومندفعاً في اتجاه الدفاع عن براءته. لقد أدرك براساي أنَّ باريس، وهو ليس ابنها، مثلها مثل كل المدن المعقدة والمركبة، هي مدينة متاهات تتقاطع فيها القيم الأخلاقية والجمالية غير أنَّ سحرها المدهش هو الغالب. ذلك ما دفعه مبكراً إلى تصويرها ليلاً لكي يتعرَّف أكثر على شيء من لغز سحرها المتجدد.

من صور براساي

القادم من المجر بلغة بصرية جديدة

علينا أولاً أن نتعرَّف على براساي. فمَن هو ذلك المصور الملهم الذي صنعت له عبقريته مكانةً مهمةً بين صناع مجد باريس، وهي مدينة تستولي على الغرباء بسلطتها، غير أنَّها في الوقت نفسه تسمح لذوي المواهب العظيمة بأن يغزوا العالم بلغتها مثلما فعلت مع يوجين يونسكو، وصاموئيل بيكيت، وجورج شحادة، وسيوران، وأمين معلوف؟

براساي (1899 - 1984) هو الاسم المستعار لجيولا هالاس، الذي نشأ في براسو في ترانسيلفانيا التي كانت آنذاك جزءاً من المجر (هي الآن مقاطعة رومانية). بعد دراسته في بودابست وبرلين انتقل إلى باريس في الخامسة والعشرين من عمره عام 1924 وعمل في البداية صحافياً. وجاءت انطلاقته الكبرى مصوراً مع كتابه «باريس ليلاً» (Paris de nuit) الذي نُشر عام 1933 ويمكن العثور في هذا الكتاب على كثير من أشهر موضوعاته؛ مثل كاتدرائية نوتردام، وبرج إيفل، والحانات، وقاعات الرقص، والفنانين، والعمال، ورجال الشرطة، واللصوص الصغار. اختار براساي اسمه المستعار ليذكر دائماً أنه «من براسو».

بعد نجاح كتابه «باريس ليلاً» تلقَّى براساي طلبات لنشر مواده التي تضمَّنت صوره الأكثر حميمية لباريس ليلاً: الحانات، وقاعات الرقص، والنوادي الليلية، وبيوت الدعارة. ولكن بحلول ذلك الوقت، في باريس ما بعد الحرب، أصبحت الرقابة أكثر صرامةً، وكان لا بد من تأجيل النشر. لم يُنشَر كتاب «باريس السرية في الثلاثينات» إلا في عام 1976، أي بعد نحو 40 عاماً؛ استناداً إلى مجموعة براساي الكبيرة من الصور. انخرط براساي في الأوساط الفنية الباريسية وأسهمت علاقته بالسرياليين، بالإضافة إلى صداقته مع بابلو بيكاسو، في صقل موهبته الفنية وقدرته على رصد ما هو غير متوقع وغير مألوف.

وعلى الرغم من أنه لم يكن باريسياً فقد استطاع أن يتسلل خفية إلى ليل باريس بكل أسراره. أما كيف فعل ذلك؟ تقول آنا تيلغرين، وهي أمينة متحف «موديرنا» في نَصِّها الذي تضمَّنه دليل المعرض: «إن الرجل الذي يرتدي ملابس لائقة ويستلقي في السرير ويصادق المرأة التي تمارس مهنتها في بيت سوزي، هو في الواقع مساعد براساي، غابرييل كيس، كما اتضح لاحقاً» وهو ما يعني أن براساي مارس نوعاً من الخديعة. ذلك أنَّ صوره عن الحياة السرية كانت معدة سلفاً، مقتدياً في ذلك بسيرة رسامي الاستشراق الفرنسيين، وفي مقدمتهم ديلاكروا حين رسم رائعته «نساء الجزائر». كان المشهد الذي رسمه ديلاكروا معدّاً بطريقة مسرحية.

من صور براساي

في ليل عاصمة الحداثة الفنية

يضم معرض «براساي - العلامات السرية لباريس» أكثر من 160 صورة فوتوغرافية بالأبيض والأسود. تتوزَّع بين 3 محاور رئيسية هي: مدينة باريس بسكانها ومحيطها، وصور الفنانين والأدباء الذين عاصرهم براساي وأعمالهم، وتوثيقه لفن الغرافيتي الذي ظهر على جدران وجسور المدينة.

كان براساي الذي يُعدّ أحد أشهر المصورين في تاريخ التصوير ينطلق بكاميرته في جولات ليلية طويلة عبر باريس في أوائل ثلاثينات القرن العشرين. تَزامَن ذلك مع تحول مدينة النور إلى عاصمة للحركات الفنية الحديثة، وهو ما جعل الأدباء والفنانين يتوافدون عليها من أنحاء العالم للإقامة؛ سعياً وراء الحياة والثقافة والشهرة. بيكاسو وهمنغواي ومودلياني وفيتز جيرالد ودالي وشاغال وماتا وأنس نن وهنري ميلر. في الوقت نفسه غزت المدينة رسوم لفنانين مجهولين كانوا يتركون رسومهم خفية على حيطان الشوارع الخلفية وهو ما سُمي «فن الغرافيتي».

سوف تكون المقارنة بمان راي (1890 ــ 1976) - الذي وثَّق بصوره الحياة الثقافية في تلك الفترة الذهبية - وبراساي جاهزةً، لولا أنَّ الأول كان ضيفاً أميركياً بينما كان الثاني هو الأشد انشداداً إلى باريسيته على الرغم من أنَّه لم يكن فرنسياً، وهو الأكثر دراية بأسرار المدينة في عالمها السفلي. ولأن مان راي قد انتمى إلى الحركة السريالية بوصفه رساماً ومخترعاً لصور يغلب عليها طابع الخيال فقد سمح ذلك لبراساي بالتفوق عليه بسبب تمسكه بالواقع وإن خالطته نزعة شعرية.

المصور الذي احترم كائناته

في عالم براساي تبدو الحياة على طبيعتها. ما من مبالغة ولا تكلف وما من شيء يحدث خلسة على الرغم من أن جزءاً حيوياً من ذلك العالم يقع في الخفاء، حيث العلاقات غير المُصرَّح بها؛ بسبب انحرافها عمّا هو مسموح به أخلاقياً واجتماعياً. ينصرف الجميع إلى ما هم فيه من غير أن يشعروا بالحرج أمام عدسة الكاميرا وكأنها غير موجودة. وفي ذلك ما يُريب ويدعو إلى الشك. فكيف استطاع براساي اختراق ذلك العالم الليلي السري بكل طمأنينة وهدوء وثقة بحيث تبدو صوره كما لو أنها صُورت في محترفه؟

تقول آنا تيلغرين: «ما زلت أعتقد أن هناك نوعاً من الاحترام، ولم يصوّر براساي سراً قط. لكن من الواضح أنه كان مصوراً وهو صاحب القرار، وبالطبع كانت كثير من هؤلاء النساء في وضع غير مواتٍ. لكن مع ذلك لا يزال هناك نوع من الفخر فيهن».

لا بد أنه كان يتمتع بقدرة نادرة على الاندماج في مختلف البيئات، وكان يحظى بقبول كل من العشاق في الحانات، والأشرار في العصابات الإجرامية. غير أنَّ ذلك لا يمنع من القول إن تلك الصور مُعدَّة مسبقاً وهو ما يضعها في سياق حبكة أخرى ويخفف من الإعجاب بها.

تقول آنا تيلغرين: «كان لديه أصدقاء عرّفوه على عدد من العاملين في ذلك العالم الذي يحرصون على إبقائه في الظل. لم يكن الأمر بريئاً تماماً». الشك هنا لا يشمل مصداقية الصورة، بل يقتصر على إلغاء عفويتها. تفتح تلك الحقيقة الباب على جدل فكري لن يمس عبقرية براساي بضرر، ولن يقلل من قيمة صوره الملهمة.


«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ
TT

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

صدر العدد الخامس عشر من «مجلة الأديب الثقافية»، وهو عدد خاص بالشاعر العراقي عدنان الصائغ، وقد أسهمت فيه مجموعة من النقاد والكتاب العراقيين والعرب والأجانب بجملة من البحوث والدراسات والشهادات المختلفة.

ويأتي هذا العدد الخاص، كما ذكر في الافتتاحية بمثابة امتداد لسياسة «الأديب الثقافية» في النظر إلى الشاعر والكاتب والمفكر على أنه ثروة وطنية أو قيمة عليا في هرم الثقافة العربية. ولكل ذلك سوف تحتفي «الأديب الثقافية» بسعادة أي منجز دالٍّ على أي كاتب أو مفكر عراقي أو عربي أصيل أو مجدّد، «لأننا نرى أن هذا الاحتفاء جزء من رسالتنا الثقافية إلى العالم».

وتضمن العدد الخاص حقلين؛ «حقل البحوث»، وقد أسهم فيه؛ دكتور حاتم الصكر/ دكتور علي عز الدين/ عباس عبد جاسم/ دكتور رشا الفوال/ دكتور وسن عبد المنعم/ دكتور جاسم حسين الخالدي/ دكتور أنصاف سلمان/ دكتور فائز الشرع / دكتور رحمن غركان/ دكتور محمد بوحوش / دكتور جاسم خلف الياس/ أحمد العجمي/ دكتور محمد صابر عبيد/ ناصر أبو عون.

وفي حقل «شهادات» كتب دكتور علي جعفر العلاق/ دكتور جني لويس من جامعة أكسفورد/ ليلى السعيد/ دكتور عبد اللطيف الوراري/ عبد الرزاق الربيعي/ جمعة الفاخري/ منصف المزغني/ دكتور سعد التميمي.

أما الدكتور بشرى موسى صالح، فقد كتبت «نقطة ابتداء» بعنوان «مدائن الغياب»، وقد جاء فيها: «لا يكتب عدنان الصائغ قصيدته كتابة مشتقة من الحضور الشعري فحسب، بل هو كائن يملي عليه الغياب نصه الذي تعيد الذاكرة تشكيله في كل قصيدة على نحو مختلف، فقصيدته ممهورة بالغياب بوصفه بقاء مؤجلاً». ولا يقدم الصائغ نصه بوصفه صانعاً للصور المزهو «بالمجاز وحسن الاستعارة بل بوصفه شاهداً على الخراب وعلى الصراع، فتبدو قصيدته أثراً إنسانياً وجودياً ينجو من المحو بالانكتاب».

و«الأديب الثقافية» مجلة دورية تصدر بطبعتين؛ ورقية وإلكترونية.


بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
TT

بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

قالت «دار سوذبيز» للمزادات يوم الخميس إن لوحة مناظر طبيعية للفنان الفرنسي كلود مونيه، أعيد اكتشافها في الآونة الأخيرة، بيعت مقابل 10.2 مليون يورو (12 مليون دولار) في مزاد بفرنسا.

وكانت اللوحة الزيتية التي تحمل عنوان «فيتوي، إيفيه دو ماتان» أو «فيتوي، تأثير الصباح» وأنجزت عام 1901، قُدرت قيمتها بما يتراوح بين 6 ملايين و8 ملايين يورو، وفقاً لكتالوغ المزاد. وقالت «دار سوذبيز» إن النتيجة سجّلت سعراً قياسياً لعمل لمونيه يُباع في فرنسا، وفق «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت دار المزادات إن العمل يسلط الضوء على التطورات الرئيسية في الحركة الانطباعية، لا سيما تصوير الضوء الطبيعي المنعكس على الماء.

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «جزر بورت فيليز (1883)» للفنان الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 16 أبريل 2026 (رويترز)

وبيعت لوحة أخرى لمونيه بعنوان «ليه زيل دو بور فيليه» أو «جزر بورت فيليز» تعود لعام 1883، مقابل 6.45 مليون يورو. وهو ما يتجاوز تقديراتها التي كانت تتراوح بين 3 ملايين و5 ملايين يورو.

وكانت اللوحتان محفوظتين في مجموعات خاصة لنحو قرن من الزمان وتصوران أجزاء من نهر السين بالقرب من جيفرني، حيث عاش مونيه.

ويبقى الرقم القياسي العالمي لمزاد لعمل من أعمال مونيه هو 110.7 مليون دولار، الذي حققته لوحة «كومة قش»، عندما بيعت في نيويورك عام 2019، وفقاً لتقارير إعلامية.