مايكل مارش لـ {الشرق الأوسط}: العرب يحتفون بالشعر أكثر من الغربيين

الشاعر التشيكي وأستاذ الشعر في جامعة نيويورك في زيارة ثقافية للمغرب

مايكل مارش
مايكل مارش
TT

مايكل مارش لـ {الشرق الأوسط}: العرب يحتفون بالشعر أكثر من الغربيين

مايكل مارش
مايكل مارش

الشاعر التشيكي مايكل مارش، المولود في نيويورك (1946)، له 7 كتب في الشعر، وبعض الكتب التي تحتوي على النصوص النثرية التي يتشعب الحديث فيها. وهو بروفسور الشعر في جامعة نيويورك، ورئيس مهرجان كتّاب براغ. شعره يقبض على الجوهر، ويشيد قصيدته بأقل الكلمات القاموسية وأكثرها تعبيرا وشفافية. هذا النوع من التشذيب عادة ما يكون عند كتّاب القصة القصيرة أو كتاب البرقيات. وبالنسبة له، هناك نوعان من الشعراء: الشعراء الصاخبون، إنهم كالطبول والنفير. وهناك الشعراء الهامسون، وهم الذين يبحثون عن الماء الدفين أو المعنى الدفين، وهم من يُعول عليهم. وهذا ينطبق تماما على مارش نفسه.
يقول في سيرته «ولدت في نيويورك بالقرب من مأوى إسحاق باشيفيز سانغر، بجوار متحف التاريخ الطبيعي الشهير، الذي يؤكد على العالم القديم. حينها كانت الحرب الباردة تبعث بلهيبها بين حدود الشرق والغرب. في تلك الفترة، كانت نيويورك عبارة عن مدينة أوروبية، لا تختلف عنها في تقاليدها الأدبية والثقافية، لكنها انحرفت في ما بعد لتتحول إلى مدينة أخرى كوزموبوليتية صاخبة».
في الدار البيضاء، التقيت بالشاعر مايكل مارش، وتشعبت أحاديثنا بين رحلاته وشعره وإدارته لمهرجان «كتّاب براغ»..
* كيف جئت إلى الشعر حاملا مشعل مدينتين متميزتين: نيويورك وبراغ؟
- جئت إلى الشعر كرحالة، أشعر بأنني أتجوّل بين المدن، باحثا عن روحها التي غابت بين خرائبها. وقد واصلت دراستي في جامعة كولومبيا. لكن ما يؤسف أن جيلي اختفى، ولا أجد نفسي إلا مع كلمات فلاديمير هولن عن الحرية وأنسابها، وكذلك «ملحمة جلجامش» التي يعرفها العرب أكثر مني. كنت هاربا من الحياة، من مدينة مثل نيويورك، فيها حياة مثيرة، وتنطوي على قدر من الرومانسية، وهي عبارة عن مزيج من الحضارات في آن واحد. ومن هنا جاء انغماسي كرد فعل على هذه المدينة. تركت أميركا عندما كنت في الرابعة والعشرين من عمري، لأتجوّل في أرجاء أوروبا. كنت حينها مهووسا بفكرة مغادرة العائلة، والبحث عن تجارب شخصية دونها لا يمكن كتابة الشعر. ومن هنا أحسست بأنني في جولة من أجل أن أتعلم أشياء كثيرة حول الشعر. وكان علي أن أقرأ الشعراء، وأكتب القصيدة إذا ما حالفني الحظ، لأنني أعتبر القصيدة تنتمي إلى المستقبل. في بادئ الأمر استولت علي فكرة مغادرة العائلة ربما من أجل حرية الفكر. تركت نيويورك واللسان الأميركي ليكتب به الروائيون الجميلون، من أجل اكتشاف الشعر.
* ذكرت جلجامش.. ما الذي يثيرك في هذه الشخصية عدا أنها أول ملحمة إنسانية كُتبت في التاريخ؟
- بصراحة، ما أعجبني في هذه الملحمة أن إلهة الحب تواسي جلجامش قائلة له: «إلى أين تسارع الذهاب؟ إنك لن تجد الحياة التي تبحث عنها لأن الآلهة عندما خلقت البشر قررت عليهم الموت، واستأثرت هي بالخلود». وهذه الفكرة غيّرت حياتي ونظرتي إلى الشعر، لذلك تراني أعتبر كتابة قصيدة مثل الصلاة، مثل الحب، مثل الاستماع إلى الكلمات العارية.
* سنعود إلى شعرك، لكن شهرتك متأتية من إدارتك لمهرجان كتّاب براغ لسنوات طويلة..
- نعم.. كان عليّ تنظيم مهرجان كتّاب براغ لسنوات طويلة، واستضفت فيه كبار الكتّاب أمثال: ميشال هولبيك، وإيف بونفوا، وإيد ساندرس، وألن غينسبرغ، وفيكتور إيروفييف، وغيرهم من الكتّاب والشعراء. حاولت أن أجعل من المهرجان احتفالا بالفكر. ومن الطريف أننا كنا نحجز جوازات سفر الكتّاب والشعراء لكي يبقوا أطول مدة ممكنة، ويكتشفوا مدينة براغ، وكل ما فيها من تقاليد ثقافية، وكذلك يلتقوا بالجمهور. وقد أصدرنا أنطولوجيا لتسجيل إبداعات الشعراء والكتّاب الذي حضروا المهرجان طيلة 15 عاما. ويمكنني أن أضيف أسماء أخرى جاءت إلى المهرجان من أمثال: سلمان رشدي، وويليام ستايرون، وندين غوردمير، وهانس - ماغنوس ايزنبرغر، وآرثر ميللر، وروبرت كيلي، وميروسلاف هولوب، وآر إس توماس، وهو المهرجان الذي يتمكن فيه الشعراء والكتّاب من أن يلقوا ما يكتبون بلغات عديدة، منها الفرنسية، والتشيكية، والإسبانية واليونانية، والإنجليزية، وغيرها من اللغات، مما جعله مهرجانا عالميا بامتياز.
* ومن العرب، ألم تستضف شعراء معينين؟
- بالتأكيد. استضفنا عددا من الكتّاب والشعراء العرب أمثال: أدونيس، ومحمود درويش، وسعدي يوسف ومريد البرغوثي وياسمينة خضرة وصنع الله إبراهيم وبهاء طاهر وغيرهم. وقد تحدثت للجمهور عن شعر محمود درويش الذي تعرّف على شعره وأعجب به. ويمكن أن نذكر أن ترجمة الشعر العربي ضعيفة، وتقتصر على بعض الجامعات التي تطبع الشعر العربي المترجم بأعداد نسخ محدودة. هنا في براغ هناك شاعران عربيان شهيران هما: نزار قباني وأدونيس، والأخير شعره مترجم بشكل واسع. أؤمن، بما لا يقبل الشك، بأن الشعر العربي مهم للغاية، وهو ذو تأثير عالمي. الجميل عند العرب أنهم جعلوا منه ديوانهم الكبير.
* لماذا لم تقيموا المهرجان في نيويورك؟
- ما يمكن عمله في براغ لا يمكن عمله في نيويورك، لأنها مدينة تتلاءم مع روح الشعر، وهذا لا يقلل من قيمة نيويورك. ولد مهرجان كتّاب براغ من رحم معرض براغ الدولي للكتاب، وكان جزءا منه، لكن كتّاب المهرجان لم تكن لهم صلة بالمعرض بالضرورة، وتم الافتراق عنه بسبب أن معرض الكتاب أصبح ظاهرة تجارية بحتة، أما مهرجاننا فبقي على صفائه في الابتعاد عن التجارة، واقتصر على المبدعين القلائل في المجتمعات الأوروبية والغربية، خاصة المهمشين منهم والمتمردين.
* هناك نيّة لدعوة بعض الكتّاب والشعراء المغاربة إلى مهرجان الكتّاب في براغ هذا العام.. كيف تم الاختيار؟
- جئت إلى المغرب من أجل دعوة مجموعة من الكتّاب والشعراء. لدي أصدقاء يقومون بنقل برامج المهرجان على الأثير، كما نسعى إلى دعوة الرسامين المغاربة، وفتح المجال واسعا أمام الأجيال الجديدة. هناك دعوة لي من وزارة الخارجية ووزارة الثقافة المغربيتين. اجتمعت برئيس اتحاد كتّاب المغرب، عبد الرحيم العلام. وقد تمحور الحديث حول مهرجان براغ واتحاد كتاب المغرب، وضرورة تطوير العلاقات الثقافية بين المغرب والتشيك. وكان الهدف المرجو من هذا اللقاء هو تقريب الضيفين من المشهد الثقافي والأدبي، ونحن مهتمون بالاطلاع على أهم المحطات التي مرّ بها اتحاد كتّاب المغرب، ومنجزاته الكبرى، على مدى أكثر من خمسين سنة من الحضور المؤثر والمتجدد. وقد اتفقنا على استمرار التواصل فيما بيننا، في سبيل تمتين أواصر التعاون الثقافي بيننا.
* كيف توفق بين إدارة مهرجان شعري وكتابة الشعر؟
- إنني أحاول التوفيق بينهما. لا بد من إقامة نوع من الموازنة بين الذات والمجتمع. أعتقد أن مكاني هو في الكتب. هذا قانون مقدس بالنسبة لي. إنني ربما عاطفي لدرجة أنني أمزج بين الصلاة وكتابة الشعر. لكني في الوقت نفسه أشعر بالرعب عندما أجد اسمي مربوطا بكتاب، لأنه يسبب لي نوعا من الارتباك دون أن أعرف السبب. عندما أرى تكريم شعراء مثل ماندلستام وإزرا باوند، أجد من الصعوبة أن يقترن اسمي باسميهما في كتابة الشعر. وعندما نرى الحلم يتحقق، نشعر بالخوف. وفي الوقت نفسه، يعطيني هذا الإحساس قوة دافعة في الاستمرارية. كتابة الشعر في نظري عبارة عن حوار مستمر عبر الزمن. نحن نصلي من أجل أن يحمل الآخرون راية الشعر إلى الأجيال المقبلة، لأنه على قدر كبير من الأهمية بحيث يمكن تشبيهه بالدم والأرض.
* التعامل مع الآخر عادة ما يتم من خلال اللغة، التي أشبه ما تكون بالسباحة في الخرائب، ما رأيك؟
- المسألة التاريخية تستوجب تعدد اللغات. يمكنني القول إن اللغات ترجعنا إلى شاعر كبير هو بول سيلان الذي كتب الشعر بأكثر من لغة، وهو أمر في غاية الصعوبة، لكنه أبدع في ذلك. وكذلك الشاعر ماندلستام، فعل ذلك، وصامويل بيكيت الذي عبّر بلغتين: الفرنسية والإنجليزية، لكنه في نهاية المطاف اعترف بفشله.
* كيف أمكن تمويل مهرجان كتّاب براغ؟
- التشيك يكرهون الأجانب، ولهذا السبب هم معزولون. وهذا لا يساعد على التمويل. التمويل صغير جدا. هناك بعض الدعم من وزارة الثقافة التشيكية، ولكن ذلك لا يكفي، وقمنا أخيرا بتأجير المسرح الموجود في مبنى المهرجان مما ساعدنا قليلا. نحن نعرف أن المجتمع ينفق أمواله بطريقة غبية، لكن ما العمل؟ لم تعد الثقافة تثير شهيّة الممولين والمستثمرين، لأن الغالبية العظمى، وللأسف الشديد، ومن بينها المؤسسات الرسمية، لا تهتم بالثقافة. لا يوجد دعم للثقافة أو أنها تتناقص يوما بعد آخر.
* تتنقل من مدينة إلى أخرى، من نيويورك إلى لندن إلى براغ.. لماذا هذا التنقل وهل له أهمية في حياتك؟
- انتقلت إلى لندن لكي أكون شاعرا، وليس لأنخرط في الأعمال التجارية، ولو أن تجارة الثقافة أصبح لها رواج كبير في وقتنا الحالي. صحيح أنني أتنقل كثيرا، لكنني أمضيت حياتي مع الشعر. قرأت الشعر في لندن لأول مرة، بعد معاهدات هلسنكي، في بيت الشاعر كيتس، بالتعاون مع المجلس البريطاني. وكذلك زرت بولندا وقرأت فيها. وقد بدأ اهتمامي بالكتّاب والشعراء من بولندا، والتشيك، وهنغاريا لأن أعالمهم تتوافر على روحية معينة، لها علاقة بالحرب العالمية الثانية والقيم الإنسانية التي تم تحطيمها، وكان لا بد لي أن أشهد هذا التحوّل بانبعاث هذه القيم من جديد.
* ألم تكتب النثر؟
- كتابة النثر صعبة للغاية، لأنه إذا أردت أن تكون ناثرا جيدا، فيجب أن تتحلى بخيال واسع. يقول أوكتوفيو باث إنه يخاف العالم من دون الشعر، لأنه يؤمن بالشعر كثيرا، وربما إيمانه الكبير بالشعر جعله لا يكتب سوى نصوص قليلة في النثر.
* الشعر.. إذن في الشعر حياتك، وحياتك في الشعر، هل تشعر بالكآبة من عزف غالبية جمهور القراء عن قراءة الشعر؟
- كيف لا أشعر بالكآبة، بل كيف لا أشعر بالحزن العميق لهذا الأمر. ربما تندهشين لو قلت لك: عندما أسمع الشعر العربي ويتفاعل الجمهور معه، أشعر بسعادة غامرة، وفهمت أن هذا الجمهور لا يطرب للقصائد الحديثة أو ما يطلقون عليه «قصيدة النثر» لأنه ليس هناك حوار بين القصيدة والجمهور، ربما لأن الجمهور ربط في مخيلته بين إيقاع الإلقاء والشعر. وحتى حين تطور الشعر العربي بقيت هذه القاعدة مستمرة، وقصيدة النثر خرجت عن هذا القانون بل خرجت عن كل التقاليد، كما فهمت من بعض الشعراء العرب الذين شرحوا لي هذا الموضوع. وكما هو معروف، لكل جمهور أو لكل أمه ذائقة، فالفرنسيون والانجليز لهم تقاليدهم في الشعر. أحب الشعر العربي لأن الشاعر والجمهور يتحدان مع بعض، وهذا غائب عن الشعر الأوروبي. ولو أن الجمهور الأوروبي والغربي يدفع المال لكي يستمع إلى الشعر.
* تشير كثيرا إلى الفلسفة في أشعارك، ما هو الرابط بينهما؟
- عندما نربط الشعر بالفلسفة، لا بد أن نستذكر اليونان، بشكل خاص. أعتقد أن ترجمتي إلى اللغة العربية أمر مهم للغاية، لأن العرب هم من أكثر الشعوب الذين يريدون التعرف على الآخر، وفي أعماقهم شغف تعلم اللغات. المعروف أن قراءة الشعر في المسارح أو المهرجانات تعود بطبيعته إلى العالم القديم. وفي عملية القراءة يمكن للكلمات أن تدخل في مسامات جلدك، وفي تفاصيل ذهنك وعقلك. وحينها يمكن أن تتذوق القصيدة، وتتمتع بإيقاعاتها وبموسيقاها. وهذه ظاهرة تعود لي لى الماضي، وعلى تضاد مع العالم الجديد، لكن الثقافة من شأنها أو توّحد بين الحضارات.



هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط
TT

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط

هناك سلوكٌ ثقافي نسقي يشير إلى أن عقول البشر تسكن، وتطمئن حين تجهل، وتتوتر حين تعرف. وأكرر هنا تعبير «ألاّ تعرف فأنت آمن»، وقد استخدمته من قبل في توريقةٍ سابقة مع نظرة مختلفة. وهذه حالٌ تتكشف مع ردود الفعل على ما يستجد من نظريات ومن مخترعات.

وفي سيرة المعرفة يقع أي جديد معرفي في ردود فعلٍ تدخله في مواجهات حية. ومن أهم وأقوى أسباب حياة النظرية هي في المواقف ضدها، بينما تموت أي نظرية إن هي مرت بسلامٍ وقبول، وبقدر ما يكون الرفض تكون النظرية أصلب، وهذا يعني أول ما يعني أنها جديدةٌ ومختلفةٌ. ومن شرط أي نظرية جديدة أن تعطي تفسيراً مختلفاً لظاهرة ما أو لنصوص ما، سواء كانت نظرية علمية أو فلسفية أو نقدية. وأبرز علامات الاختلاف عما استقرّ هو ظهور الخلاف على ما استجد. وكلما زادت درجات الخلاف تقوت درجات الاختلاف أكثر وأكثر. وعادة يتناسل الخلاف في تداعي أصحاب المهنة ضد المستجد وكأنهم يتآمرون عليه، والحقيقة المخفية هي أنهم يشعرون بأن الجديد هو المتآمر عليهم وعلى مقامهم. ذلك لأنهم يخافون من فقدان ما استقرت عليه معارفهم، وكل تغير معرفي هو تحول من الراحة إلى الشك، ولا يقف التغيّر عند تحول النظر والمفاهيم فحسب بل هو أيضاً تغيرٌ في السلوك الذهني وفي نظام الخطاب.

وهنا تتكشف حالات الاستجابة من صاحب النظرية، وكيف يتعامل مع ردود الفعل هذه. وهي لحظة ميلاد المعارك الكبرى في تواريخ الثقافات، وأولها وأقساها تاريخياً رد الفعل على مقولات سقراط الذي انتهى بالحكم عليه بالإعدام حين صدقت الجماهير تهم الخصوم وبلغت بهم حد السخط المطلق وانتهت بعقد محكمة خضعت لضغط الشارع. ثم توالت سير ردود الفعل ولم تسلم منه أي نظرية قوية في تحولها وطرحها، وفي ثقافتنا القريبة من ذاكرتنا حدثت المعارك الأدبية الكبرى، وهي التي اختصت بوصفها بالأدبية لأنها وقعت بين أدباء ولم يسلم أديب في عقود منتصف القرن العشرين من معارك وقعت ما بين هجومٍ ومنافحة، ونتج عن ذلك أدبيات كثيرة بمثل ما نتج عنها من عدوات واستقطابات، وتطورت هذه الظاهرة مع انفتاح وسائل التواصل، حيث أصبح التعارك ملمحاً ثقافياً بارزاً في كل أمر العلاقات الثقافية بكافة صيغها السياسية والشعبوية والشخصية، فتغريدة واحدة قد تفجر براكين الغضب الذي يخرج كل مخازن الذواكر في امتحان جماهيري بين أخلاقيات اللغة وأخلاقيات السلوك اللساني، وإذا سكنت الحروب دخلت في النسيان لتخلي الفضاء لمعارك تنتظر دورها للانبثاق ثم لتحفيز الذواكر للانفجار.

وكل هذا شرط معرفي بمثل ما هو من صفات السلوك الثقافي، وهي مزودة أصلاً برصيد وافر من العتاد اللفظي والصيغ الماكرة ومن الاستعداد البشري للصراع اللغوي كما الصراعات الحربية، ولن يكون الإنسان كائناً حياً ما لم يدخل في تصارع مع غيره كما هي صفة كل كائن حي حيواناً كان أو إنساناً.

على أن المعرفة والرأي والفتوى كلها صيغٌ لغوية، ودوماً ما يكون سبب المعارك نابعاً من حالات الأسلوب ذاته، والطريقة التي قيل فيها الرأي أو بنيت عليه المقولة، وهنا ندرك أن اللغة سلاحٌ ليس ذا وجهين فحسب، بل ذو وجوه لا تقف عند حصر. ولا تتكشف وجوه اللغة بكاملها إلا للمشاهد المحايد الذي يقرأ دون حس بالتوتر أو الشخصانية. وقد يجد المحايد أن الأمر لا يستحق ذلك الضجيج، لكن الحقيقة هي أن كل شأن لغوي هو حالة رد فعل ابتداءً واستمراراً. فالطفل الوليد يصرخ لحظة خروجه من الرحم الذي كان يحميه ويطعمه ويعتني به، وإذا خرج أحس أنه تعرض لعنفٍ خارجي أخرجه من مأمنه إلى عالم يجهله ويجهل شروط العيش فيه. ويظل عمره كله يتعلم كيف يعيش خارج رحمه الأول الذي فقده فيصرخ محتجاً على إخراجه منه لكنه لن يعود ولذا يظل في توجس مستمر لن يلين إلا حين يدخل في رحم ختامي ويغادر الحياة لحياة لن يعرفها إلا إذا دخل فيها. وهنا تحضر كلمة حمزة شحاتة «لا يعطي تفسيراً تاماً للحياة إلا الموت»، وأول أسرار الموت أن الثقافة علمتنا أن نتذكر محاسن موتانا، لأننا في حياتهم نمعن فقط في تذكر سيئاتهم، وهذا سر المعرفة التي تتأبى التحقق دون ولادات قيصرية وصرخات احتجاجية.

أخيراً فإن البشر يجمعون بين رغبتين متناقضتين، فالجهل راحةٌ واطمئنان، وأن تكشف غطاء المحجوب عنك شقاءٌ وصرخة ميلاد، ولكننا لسنا بخيارٍ بينهما. ونحن نتطلب الكشوفات المعرفية ولكن راحتنا في البقاء على ما عهدنا، غير أنها راحةٌ مشاغبة، إذ ما يلبث الفضول أن يتحرك لكشف المخفي ليظل على قلق كأن الريح تحته (حسب كلمة المتنبي).

* كاتب وناقد سعودي


«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة
TT

«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة

أعلنت الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر العربية)، عن قائمتها القصيرة للدورة التاسعة عشرة، وتضم 6 روايات. وجاء الإعلان في مؤتمر صحافي عُقد بهيئة البحرين للثقافة والآثار، في المنامة.

وضمّت القائمة القصيرة ست روايات هي: «غيبة مَي» للبنانية نجوى بركات، و«أصل الأنواع» للمصري أحمد عبد اللطيف، و«منام القيلولة» للجزائري أمين الزاوي، و«فوق رأسي سحابة» للمصرية دعاء إبراهيم، و«أغالب مجرى النهر» للجزائري سعيد خطيبي، و«الرائي» للعراقي ضياء جبيلي.

ترأس لجنة تحكيم دورة هذا العام الناقد والباحث التونسي محمد القاضي، وضمّت في عضويتها الكاتب والمترجم العراقي شاكر نوري، والأكاديمية والناقدة البحرينية ضياء الكعبي، والكاتبة والمترجمة الفلسطينية مايا أبو الحيات، إضافة إلى ليلى هي وون بيك، وهي أكاديمية من كوريا الجنوبية.

وجاء في بيان اللجنة: «تتوفر القائمة القصيرة على نصوص روائية متنوّعة تجمع بين الحفر العميق في أعماق النفس البشرية، وسبر الواقع العربي الراهن بمختلف التيارات الفكرية التي تعصف به، والسفر عبر الزمن إلى العصور الماضية التي يُعاد استحضارها وقراءتها، لتكشف للقارئ عن جوانب خفية من هويتنا المتحوّلة».

وأضاف البيان: «تمثل هذه الروايات المستوى الرفيع الذي بلغته الرواية العربية، ومدى نزوعها إلى الانفتاح على قضايا العصر وإلى تنويع الأساليب التي تنأى بها عن المباشرة والتعليم، وتجعلها خطاباً يتوجه إلى ذائقة متحولة لقارئ يطمح إلى أن يكون شريكاً في عملية الإبداع لا مجرد مستهلك للنصوص».

من جانبه، قال ياسر سليمان، رئيس مجلس الأمناء: «تطوّرت الرواية العربية تطوّراً لافتاً خلال العقود القليلة الماضية، متقدّمة بخطى واثقة اعتماداً على ديناميتها الذاتية، من دون أن تغفل ارتباطها بالأدب العالمي من حيث الشكل والقضايا التي تنشغل بها. وتلتقط الروايات المرشّحة في هذه الدورة عالماً من التقاطعات المتعدّدة، فتربط أحياناً بين الحاضر والعالم القديم، أو بين المألوف ثقافياً وعوالم غير مألوفة، بما يكشف في الحالتين عن الاستمرارية أكثر مما يكشف عن القطيعة.

وتستدعي الأصوات الداخلية القارئ بوصفه شريكاً فاعلاً في إنتاج المعنى، من دون أن تُثقله بسرد كابح. كما أنّ تنوّع الموضوعات واتّساعها، واختلاف الرؤى السردية في هذه الروايات، من شأنه أن يلقى صدى لدى طيف واسع من القرّاء، سواء قُرئت الأعمال بلغتها العربية الأصلية أم في ترجماتها إلى لغات أخرى».


«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة
TT

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

في روايته «ربيع الصحارى الكبرى»، دار «بتانة» للنشر (القاهرة)، يمزج الروائي الليبي أحمد الفيتوري، المتخيل بالواقعي، والسرد الروائي بسرد السيرة الذاتية، ففي بنية النص تمتزج حكاية البطلة المروي عنها، وهي صحافية فرنسية تزور ليبيا أثناء الثورة على الزعيم الليبي السابق معمر القذافي، بحكاية الراوي والسارد، وهو المؤلف نفسه، إذ يحضر الفيتوري بتاريخه وسيرته ومحطات حياته منذ كان طفلاً. وفي الرواية أيضاً مراوحة واضحة بين الماضي البعيد في بدايات القرن العشرين، حيث الاحتلال الإيطالي والفرنسي، ومعاناة الليبيين مع الاستعمار والحروب العالمية، والماضي القريب في مطلع القرن الحالي، ومعاناتهم في الثورة من اللجان الثورية، والقتال الذي انتشر في طول البلاد وعرضها بين الثوار وأعوان النظام السابق، وصولاً إلى الضربات التي وجهتها قوى دولية لمعسكرات النظام، مستهدفة أسلحته لتقليم أظافره، ومنعه من العسف بشعبه.

يرسم الكاتب خريطة ليبيا، عبر رحلة الفتاة الفرنسية، التي قيل إنها اختطفت. يرتحل السرد معها، متجولاً في صحارى ليبيا ومدنها، من شرقها لغربها، من مخابئ الثوار إلى سجون النظام، وبين الطبيعة الغناء الفسيحة الغنية، وغرف الفنادق التي تتحول إلى سجن، تقبع فيه الفتاة قسرياً، بأوامر من رجال أمن النظام، بعد أن أطلقوا سراحها من سجن «بوسليم»، ليفرضوا عليها إقامة جبرية في غرفة الفندق، لتغرق في كوابيسها، من فرط رعبها كلما سمعت صوت انفجار القنابل، فتستدعي تحولات مسخ «كافكا»، وتخشى أن تتحول إلى «صرصار» كما حدث مع بطل رواية «المسخ». وطوال الوقت، وفي المقابل، تستدعي الفتاة حكايات جدها، الذي سبق ووقع في غرام ليبيا، وفتنته صحاريها، لتكون هذه الحكايات زاداً لها ودافعاً للبقاء واستكشاف هذه الصحارى، والوصول إلى مكمن السحر المختبئ تحت طبقات الكثبان الرملية.

تبدأ الرواية بخبر صحافي عن اختطاف فتاة فرنسية في ليبيا، وتتعدد الروايات حول ملابسات اختطافها أو اختفائها، واجتهادات الصحف والمواقع الإلكترونية والقنوات التلفزيونية في تفسير الخبر وما آل إليه مصير الفتاة، وتتبع خط سيرها، بما يمنح الرواية فاتحة شبه بوليسية، تجعل هذه الفتاة بؤرة مركزية للحدث. وبعيداً عن اجتهادات الصحافة، يروي السارد مسيرة الفتاة قبل هذا الاختفاء، وخلاله، وبعده، بدءاً من مرافقتها للثوار، ثم وقوعها في يد قوات أمن القذافي ولجانه الثورية، مروراً بسجنها، ورؤيتها لما يعانيه الليبيون من عذاب وعسف على يد رجال القذافي. فهذا المفتتح البوليسي يعطي السرد قدراً من التشويق في تتبع مصير الفتاة الغامض، الذي يظل غامضاً مع نهاية الرواية أيضاً، في حالة من اللا حسم، فسرديتها تنتهي بسرد الكوابيس التي تراها في منامها داخل غرفة الفندق.

في مقابل حكاية الفتاة وسرديتها، تبرز سردية الراوي، أو للدقة سردية المؤلف أحمد الفيتوري نفسه، الذي ينتقل من سرد حكاية الفتاة إلى سرد جوانب من سيرته، منذ أن كان طفلاً، لنرى الواقع والتاريخ والجغرافية الليبية بعيون محلية، عيون ابن المكان والمنتمي له، والمنغمس في تاريخه ووقائعه منذ مطلع السبعينات، حتى لا تكون الحكاية بعيون الفتاة وحدها؛ عيون السائحة المنبهرة أو المصدومة فقط. هكذا يضع الروائي سرديتها في ضفيرة مع سرديته لا لتنقضها أو تفككها، وإنما لتكملها، وتتضافر معها، لتكون السرديتان معاً بنهاية المطاف رؤيةً بانوراميةً تجمع بين العين الغربية والعين الليبية، وبين الخيالي والسيري، بين حكايات جدها الفرنسي وحكايات جدته التي «ولدت وعاشت في العهد الإيطالي، ثم واكبت مرحلة الإدارة الإنجليزية، فالعهد الملكي، فالانقلاب العسكري»، بما يجعل من هذه الجدة تجسيداً حياً للتاريخ الليبي في العصر الحديث.

يعمد الفيتوري في كثير من مواضع الرواية، سواء في الجزء المتخيل أو في الجزء الذي يمتح من السيرة الذاتية، إلى توثيق تواريخ وأحداث شتى، متكئاً على كثير من الاقتباسات، سواء من خطابات رسمية أو من كتب، فيقول مثلاً: «في يناير من سنة 1707م، كتب شارل لامار، القنصل الفرنسي، إلى وزيره، حول هذه المدينة الحجرية...»، ثم يورد جزءاً من نص الخطاب. كما يورد في مقطع آخر جانباً توثيقياً مختلفاً، يقول فيه: «قام القذافي خلال الخطاب الذي ألقاه في 23 سبتمبر (أيلول) 2009، في مقر الأمم المتحدة، بتمزيق ميثاق الأم المتحدة، ورماه وراء ظهره، متعللاً بعدم احترام المجتمع الدولي للميثاق، وعدم صلاحيته، لأن عهده ولى مع نهاية الحرب العالمية الثانية، على حد تعبيره». هذه الاقتباسات تجعل من النص الروائي، فضلاً عن طابعه الجمالي، مدخلاً للولوج إلى التاريخ بشكل موثق، أقرب إلى تيار الواقعية التوثيقية، وهو ما يتكرر كثيراً في ذكر تفاصيل صراع الثوار مع قوات النظام، بما يجعل أحد أهداف النص الروائي التوثيق لأحداث الثورة الليبية، جنباً إلى جنب مع توثيق السيرة الذاتية للفيتوري، لتندغم سيرة الوطن وثورته بسيرة الإنسان الفرد في لحمة واحدة، لا يمكن فيها فصل إحدى السيرتين عن الأخرى.

يقسم الكاتب الجزء السيري إلى مقاطع سردية، يحمل كل منها عنواناً دالاً على الأحداث التي سيحكيها فيها، ليكون العنوان هو مركز التبئر داخل المقطع، مثلما يعنون أحد هذه المقاطع بعنوان «أبي»، وآخر بعنوان «جدتي»، وثالث «مدرسة الصابري»، ورابع «الصحافة»، وخامس «السجن»، وهكذا... ليكون كل مقطع مخصصاً للحكي حول ما جاء في العنوان، دون أن يكون هذا حداً فاصلاً، فحكايات الأب مثلاً تنسرب في غيره من الفصول والمقاطع كثيراً، وكذا حكاية الجدة، أما حكاية الصحافة فتكاد تكون ممتدة على مدار الرواية كلها، وكذا حكايات السجون التي تفرض حضورها في كل صفحات الرواية، إذ تبدو ليبيا في عهد الاستبداد بمثابة سجن كبير للجميع، مواطنين وأجانب.

وفي أحد هذه المقاطع يروي علاقته بمصر، وهروبه إليها منذ كان مراهقاً، حين سافر دون علم والده.

كما يحكي كثيراً من كواليس العمل الصحافي في ليبيا، وكواليس سجنه طوال عشر سنوات، أثناء حقبة السبعينات، والحياة داخل سجن «بوسليم»، السجن نفسه الذي قبعت فيه الفتاة الفرنسية المروي عنها بعد ذلك، لنرى معاناة الراوي والمروي عنها في السجن نفسه، وعلى يد القذافي نفسه، الذي التقى الكاتب واستقبله مع مجموعة من المفكرين عقب الإفراج عنهم وقتها، فتقترب العدسة الروائية من هذا الشبح الذي سجن كل أبطال الرواية وعسف بهم، فتقدمه كشخصية آدمية من لحم ودم، وليس مجرد طيف مخيف، كاشفة عن جوانب من طبيعة شخصيته.

جانب آخر تعتمد عليه الرواية جمالياً، وهو تضمين السرد جوانب من فنون أخرى، خصوصاً الشعر، إذ يورد الكاتب قصائد كاملة لأبي نواس والمتنبي، كما نرى حضوراً لرواية فرانز كافكا «المسخ»، كما يقتبس مقاطع مطولة من «صلاة تشيرنوبل» للكاتبة الحاصلة على نوبل، سفيتلانا أليكساندروفنا أليكسيفيتش، لتكون الرواية خريطة لتاريخ من الجمال الأدبي، تماماً كما هي خريطة للحياة في ليبيا، ولصحاريها، وللتاريخ المضني الذي عاشه الليبيون، وخريطة لتاريخ الجنون والعسف والقتل، سواء على يد زعيم وطني، أو على يد الاستعمار.