مايكل مارش لـ {الشرق الأوسط}: العرب يحتفون بالشعر أكثر من الغربيين

الشاعر التشيكي وأستاذ الشعر في جامعة نيويورك في زيارة ثقافية للمغرب

مايكل مارش
مايكل مارش
TT

مايكل مارش لـ {الشرق الأوسط}: العرب يحتفون بالشعر أكثر من الغربيين

مايكل مارش
مايكل مارش

الشاعر التشيكي مايكل مارش، المولود في نيويورك (1946)، له 7 كتب في الشعر، وبعض الكتب التي تحتوي على النصوص النثرية التي يتشعب الحديث فيها. وهو بروفسور الشعر في جامعة نيويورك، ورئيس مهرجان كتّاب براغ. شعره يقبض على الجوهر، ويشيد قصيدته بأقل الكلمات القاموسية وأكثرها تعبيرا وشفافية. هذا النوع من التشذيب عادة ما يكون عند كتّاب القصة القصيرة أو كتاب البرقيات. وبالنسبة له، هناك نوعان من الشعراء: الشعراء الصاخبون، إنهم كالطبول والنفير. وهناك الشعراء الهامسون، وهم الذين يبحثون عن الماء الدفين أو المعنى الدفين، وهم من يُعول عليهم. وهذا ينطبق تماما على مارش نفسه.
يقول في سيرته «ولدت في نيويورك بالقرب من مأوى إسحاق باشيفيز سانغر، بجوار متحف التاريخ الطبيعي الشهير، الذي يؤكد على العالم القديم. حينها كانت الحرب الباردة تبعث بلهيبها بين حدود الشرق والغرب. في تلك الفترة، كانت نيويورك عبارة عن مدينة أوروبية، لا تختلف عنها في تقاليدها الأدبية والثقافية، لكنها انحرفت في ما بعد لتتحول إلى مدينة أخرى كوزموبوليتية صاخبة».
في الدار البيضاء، التقيت بالشاعر مايكل مارش، وتشعبت أحاديثنا بين رحلاته وشعره وإدارته لمهرجان «كتّاب براغ»..
* كيف جئت إلى الشعر حاملا مشعل مدينتين متميزتين: نيويورك وبراغ؟
- جئت إلى الشعر كرحالة، أشعر بأنني أتجوّل بين المدن، باحثا عن روحها التي غابت بين خرائبها. وقد واصلت دراستي في جامعة كولومبيا. لكن ما يؤسف أن جيلي اختفى، ولا أجد نفسي إلا مع كلمات فلاديمير هولن عن الحرية وأنسابها، وكذلك «ملحمة جلجامش» التي يعرفها العرب أكثر مني. كنت هاربا من الحياة، من مدينة مثل نيويورك، فيها حياة مثيرة، وتنطوي على قدر من الرومانسية، وهي عبارة عن مزيج من الحضارات في آن واحد. ومن هنا جاء انغماسي كرد فعل على هذه المدينة. تركت أميركا عندما كنت في الرابعة والعشرين من عمري، لأتجوّل في أرجاء أوروبا. كنت حينها مهووسا بفكرة مغادرة العائلة، والبحث عن تجارب شخصية دونها لا يمكن كتابة الشعر. ومن هنا أحسست بأنني في جولة من أجل أن أتعلم أشياء كثيرة حول الشعر. وكان علي أن أقرأ الشعراء، وأكتب القصيدة إذا ما حالفني الحظ، لأنني أعتبر القصيدة تنتمي إلى المستقبل. في بادئ الأمر استولت علي فكرة مغادرة العائلة ربما من أجل حرية الفكر. تركت نيويورك واللسان الأميركي ليكتب به الروائيون الجميلون، من أجل اكتشاف الشعر.
* ذكرت جلجامش.. ما الذي يثيرك في هذه الشخصية عدا أنها أول ملحمة إنسانية كُتبت في التاريخ؟
- بصراحة، ما أعجبني في هذه الملحمة أن إلهة الحب تواسي جلجامش قائلة له: «إلى أين تسارع الذهاب؟ إنك لن تجد الحياة التي تبحث عنها لأن الآلهة عندما خلقت البشر قررت عليهم الموت، واستأثرت هي بالخلود». وهذه الفكرة غيّرت حياتي ونظرتي إلى الشعر، لذلك تراني أعتبر كتابة قصيدة مثل الصلاة، مثل الحب، مثل الاستماع إلى الكلمات العارية.
* سنعود إلى شعرك، لكن شهرتك متأتية من إدارتك لمهرجان كتّاب براغ لسنوات طويلة..
- نعم.. كان عليّ تنظيم مهرجان كتّاب براغ لسنوات طويلة، واستضفت فيه كبار الكتّاب أمثال: ميشال هولبيك، وإيف بونفوا، وإيد ساندرس، وألن غينسبرغ، وفيكتور إيروفييف، وغيرهم من الكتّاب والشعراء. حاولت أن أجعل من المهرجان احتفالا بالفكر. ومن الطريف أننا كنا نحجز جوازات سفر الكتّاب والشعراء لكي يبقوا أطول مدة ممكنة، ويكتشفوا مدينة براغ، وكل ما فيها من تقاليد ثقافية، وكذلك يلتقوا بالجمهور. وقد أصدرنا أنطولوجيا لتسجيل إبداعات الشعراء والكتّاب الذي حضروا المهرجان طيلة 15 عاما. ويمكنني أن أضيف أسماء أخرى جاءت إلى المهرجان من أمثال: سلمان رشدي، وويليام ستايرون، وندين غوردمير، وهانس - ماغنوس ايزنبرغر، وآرثر ميللر، وروبرت كيلي، وميروسلاف هولوب، وآر إس توماس، وهو المهرجان الذي يتمكن فيه الشعراء والكتّاب من أن يلقوا ما يكتبون بلغات عديدة، منها الفرنسية، والتشيكية، والإسبانية واليونانية، والإنجليزية، وغيرها من اللغات، مما جعله مهرجانا عالميا بامتياز.
* ومن العرب، ألم تستضف شعراء معينين؟
- بالتأكيد. استضفنا عددا من الكتّاب والشعراء العرب أمثال: أدونيس، ومحمود درويش، وسعدي يوسف ومريد البرغوثي وياسمينة خضرة وصنع الله إبراهيم وبهاء طاهر وغيرهم. وقد تحدثت للجمهور عن شعر محمود درويش الذي تعرّف على شعره وأعجب به. ويمكن أن نذكر أن ترجمة الشعر العربي ضعيفة، وتقتصر على بعض الجامعات التي تطبع الشعر العربي المترجم بأعداد نسخ محدودة. هنا في براغ هناك شاعران عربيان شهيران هما: نزار قباني وأدونيس، والأخير شعره مترجم بشكل واسع. أؤمن، بما لا يقبل الشك، بأن الشعر العربي مهم للغاية، وهو ذو تأثير عالمي. الجميل عند العرب أنهم جعلوا منه ديوانهم الكبير.
* لماذا لم تقيموا المهرجان في نيويورك؟
- ما يمكن عمله في براغ لا يمكن عمله في نيويورك، لأنها مدينة تتلاءم مع روح الشعر، وهذا لا يقلل من قيمة نيويورك. ولد مهرجان كتّاب براغ من رحم معرض براغ الدولي للكتاب، وكان جزءا منه، لكن كتّاب المهرجان لم تكن لهم صلة بالمعرض بالضرورة، وتم الافتراق عنه بسبب أن معرض الكتاب أصبح ظاهرة تجارية بحتة، أما مهرجاننا فبقي على صفائه في الابتعاد عن التجارة، واقتصر على المبدعين القلائل في المجتمعات الأوروبية والغربية، خاصة المهمشين منهم والمتمردين.
* هناك نيّة لدعوة بعض الكتّاب والشعراء المغاربة إلى مهرجان الكتّاب في براغ هذا العام.. كيف تم الاختيار؟
- جئت إلى المغرب من أجل دعوة مجموعة من الكتّاب والشعراء. لدي أصدقاء يقومون بنقل برامج المهرجان على الأثير، كما نسعى إلى دعوة الرسامين المغاربة، وفتح المجال واسعا أمام الأجيال الجديدة. هناك دعوة لي من وزارة الخارجية ووزارة الثقافة المغربيتين. اجتمعت برئيس اتحاد كتّاب المغرب، عبد الرحيم العلام. وقد تمحور الحديث حول مهرجان براغ واتحاد كتاب المغرب، وضرورة تطوير العلاقات الثقافية بين المغرب والتشيك. وكان الهدف المرجو من هذا اللقاء هو تقريب الضيفين من المشهد الثقافي والأدبي، ونحن مهتمون بالاطلاع على أهم المحطات التي مرّ بها اتحاد كتّاب المغرب، ومنجزاته الكبرى، على مدى أكثر من خمسين سنة من الحضور المؤثر والمتجدد. وقد اتفقنا على استمرار التواصل فيما بيننا، في سبيل تمتين أواصر التعاون الثقافي بيننا.
* كيف توفق بين إدارة مهرجان شعري وكتابة الشعر؟
- إنني أحاول التوفيق بينهما. لا بد من إقامة نوع من الموازنة بين الذات والمجتمع. أعتقد أن مكاني هو في الكتب. هذا قانون مقدس بالنسبة لي. إنني ربما عاطفي لدرجة أنني أمزج بين الصلاة وكتابة الشعر. لكني في الوقت نفسه أشعر بالرعب عندما أجد اسمي مربوطا بكتاب، لأنه يسبب لي نوعا من الارتباك دون أن أعرف السبب. عندما أرى تكريم شعراء مثل ماندلستام وإزرا باوند، أجد من الصعوبة أن يقترن اسمي باسميهما في كتابة الشعر. وعندما نرى الحلم يتحقق، نشعر بالخوف. وفي الوقت نفسه، يعطيني هذا الإحساس قوة دافعة في الاستمرارية. كتابة الشعر في نظري عبارة عن حوار مستمر عبر الزمن. نحن نصلي من أجل أن يحمل الآخرون راية الشعر إلى الأجيال المقبلة، لأنه على قدر كبير من الأهمية بحيث يمكن تشبيهه بالدم والأرض.
* التعامل مع الآخر عادة ما يتم من خلال اللغة، التي أشبه ما تكون بالسباحة في الخرائب، ما رأيك؟
- المسألة التاريخية تستوجب تعدد اللغات. يمكنني القول إن اللغات ترجعنا إلى شاعر كبير هو بول سيلان الذي كتب الشعر بأكثر من لغة، وهو أمر في غاية الصعوبة، لكنه أبدع في ذلك. وكذلك الشاعر ماندلستام، فعل ذلك، وصامويل بيكيت الذي عبّر بلغتين: الفرنسية والإنجليزية، لكنه في نهاية المطاف اعترف بفشله.
* كيف أمكن تمويل مهرجان كتّاب براغ؟
- التشيك يكرهون الأجانب، ولهذا السبب هم معزولون. وهذا لا يساعد على التمويل. التمويل صغير جدا. هناك بعض الدعم من وزارة الثقافة التشيكية، ولكن ذلك لا يكفي، وقمنا أخيرا بتأجير المسرح الموجود في مبنى المهرجان مما ساعدنا قليلا. نحن نعرف أن المجتمع ينفق أمواله بطريقة غبية، لكن ما العمل؟ لم تعد الثقافة تثير شهيّة الممولين والمستثمرين، لأن الغالبية العظمى، وللأسف الشديد، ومن بينها المؤسسات الرسمية، لا تهتم بالثقافة. لا يوجد دعم للثقافة أو أنها تتناقص يوما بعد آخر.
* تتنقل من مدينة إلى أخرى، من نيويورك إلى لندن إلى براغ.. لماذا هذا التنقل وهل له أهمية في حياتك؟
- انتقلت إلى لندن لكي أكون شاعرا، وليس لأنخرط في الأعمال التجارية، ولو أن تجارة الثقافة أصبح لها رواج كبير في وقتنا الحالي. صحيح أنني أتنقل كثيرا، لكنني أمضيت حياتي مع الشعر. قرأت الشعر في لندن لأول مرة، بعد معاهدات هلسنكي، في بيت الشاعر كيتس، بالتعاون مع المجلس البريطاني. وكذلك زرت بولندا وقرأت فيها. وقد بدأ اهتمامي بالكتّاب والشعراء من بولندا، والتشيك، وهنغاريا لأن أعالمهم تتوافر على روحية معينة، لها علاقة بالحرب العالمية الثانية والقيم الإنسانية التي تم تحطيمها، وكان لا بد لي أن أشهد هذا التحوّل بانبعاث هذه القيم من جديد.
* ألم تكتب النثر؟
- كتابة النثر صعبة للغاية، لأنه إذا أردت أن تكون ناثرا جيدا، فيجب أن تتحلى بخيال واسع. يقول أوكتوفيو باث إنه يخاف العالم من دون الشعر، لأنه يؤمن بالشعر كثيرا، وربما إيمانه الكبير بالشعر جعله لا يكتب سوى نصوص قليلة في النثر.
* الشعر.. إذن في الشعر حياتك، وحياتك في الشعر، هل تشعر بالكآبة من عزف غالبية جمهور القراء عن قراءة الشعر؟
- كيف لا أشعر بالكآبة، بل كيف لا أشعر بالحزن العميق لهذا الأمر. ربما تندهشين لو قلت لك: عندما أسمع الشعر العربي ويتفاعل الجمهور معه، أشعر بسعادة غامرة، وفهمت أن هذا الجمهور لا يطرب للقصائد الحديثة أو ما يطلقون عليه «قصيدة النثر» لأنه ليس هناك حوار بين القصيدة والجمهور، ربما لأن الجمهور ربط في مخيلته بين إيقاع الإلقاء والشعر. وحتى حين تطور الشعر العربي بقيت هذه القاعدة مستمرة، وقصيدة النثر خرجت عن هذا القانون بل خرجت عن كل التقاليد، كما فهمت من بعض الشعراء العرب الذين شرحوا لي هذا الموضوع. وكما هو معروف، لكل جمهور أو لكل أمه ذائقة، فالفرنسيون والانجليز لهم تقاليدهم في الشعر. أحب الشعر العربي لأن الشاعر والجمهور يتحدان مع بعض، وهذا غائب عن الشعر الأوروبي. ولو أن الجمهور الأوروبي والغربي يدفع المال لكي يستمع إلى الشعر.
* تشير كثيرا إلى الفلسفة في أشعارك، ما هو الرابط بينهما؟
- عندما نربط الشعر بالفلسفة، لا بد أن نستذكر اليونان، بشكل خاص. أعتقد أن ترجمتي إلى اللغة العربية أمر مهم للغاية، لأن العرب هم من أكثر الشعوب الذين يريدون التعرف على الآخر، وفي أعماقهم شغف تعلم اللغات. المعروف أن قراءة الشعر في المسارح أو المهرجانات تعود بطبيعته إلى العالم القديم. وفي عملية القراءة يمكن للكلمات أن تدخل في مسامات جلدك، وفي تفاصيل ذهنك وعقلك. وحينها يمكن أن تتذوق القصيدة، وتتمتع بإيقاعاتها وبموسيقاها. وهذه ظاهرة تعود لي لى الماضي، وعلى تضاد مع العالم الجديد، لكن الثقافة من شأنها أو توّحد بين الحضارات.



فكري الجزار يتقصى جذور الصمت في الشعر العربي

فكري الجزار يتقصى جذور الصمت في الشعر العربي
TT

فكري الجزار يتقصى جذور الصمت في الشعر العربي

فكري الجزار يتقصى جذور الصمت في الشعر العربي

ينطلق كتاب «سيمياء الصمت في الشعر العربي: من القصيدة التقليدية إلى التفاعلية»، للناقد المصري الدكتور محمد فكري الجزار، من عدة مرتكزات: أولها أن الصمت ليس فراغاً ولا مجرد مساحات فارغة من الصوت، والثاني أن الشعر وحده من بين الفنون هو الذي لا يفقد نعمة الصمت، بل إنه «يتكلم الصمت؛ إذ يوسع من مساحة الاختلاف بين الوجود الذي يقدمه بصمته، والوجود الذي ابتذله صخب الأصوات الذي لا يكاد يتوقف». أما المرتكز الثالث فهو أن التأليف في الصمت منزع جديد على الثقافة العربية المعاصرة، وإن لم يكن جديداً على تراثنا الذي تناوله - غالباً - من منظور اجتماعي أخلاقي وديني وصوفي.

الكتاب، الصادر في القاهرة عن «دار بيت الحكمة»، يتكون من ثلاثة أبواب رئيسة، أولها: «الصمت سيميائياً». وفي هذا الباب بفصوله الأربعة، يسعى المؤلف إلى التأصيل للصمت، فلسفياً ولغوياً وبلاغياً واجتماعياً وفقهياً، محاولاً تقصّي جذوره في الثقافة العربية، فضلاً عن العودة إلى أطروحات الفرنسي فرديناند دي سوسير في محاضراته الشهيرة حول ثنائية اللغة والكلام، فيتقاطع التأصيل التراثي مع الحداثي، والعربي مع الغربي، والفلسفي مع الصوفي، معتمداً على ذخيرة معرفية وثقافية ممتدة زمانياً ومكانياً، من ابن جني والجاحظ، إلى الفرنسي رولان بارت، والأميركي تشارلز ساندرس بيرس، ومن أبي حامد الغزالي إلى الفيلسوف الفرنسي جاك دريدا والألماني مارتن هايدغر، محاولاً خلق قاعدة تنظيرية جديدة ومبتكرة لقراءة الصمت وسبر أغواره، ثم الانتقال من التنظير إلى الممارسة النقدية تطبيقياً.

ويذهب المؤلف في هذا الباب إلى أن الصمت يعيد الإنسان إلى وجوده الحق، النقي، المتخلص من صخب العالم؛ فيعود الإنسان في حالة صمته إلى ذاته مجرَّدة من كل ما يحيط بها من أصوات صاخبة تفصل بينها وبين وجودها الأول الخالص؛ فالكلام والصوت مرادفان للعالم، بكل اشتراطاته ومواضعاته وطبيعته الاجتماعية المحكومة بقوانين الجماعة، في حين أن الصمت مرادف للذات ووجودها الأولي المحض، المنفلت من كل القيود الاجتماعية المسبقة، مشيراً إلى أننا «حين نصمت، فإننا نعود إلى تجربتنا في الوجود التي قطعنا عنها الكلام، صامتين مثل صمته، منصتين إلى أصوات صمته، لنكتشف، من دون خوف من رقيب أو مراعاة لشرط للوجود»، موضحاً أن «الانسحاب من صخب كلام العالم إلى تجربة الصمت عودة من العالم إلى الوجود؛ حيث مبتدأ كل شيء، وحيث العلامات خالصة، والذات في أصفى حالات ذاتيتها، وظاهرة الوجود تكاد تشف عن ماهيتها».

الباب الثاني: «الصمت وأنماط الخطاب»، ينطلق من أن تجليات ظاهرة مرتهنة إلى نمط خطابه، وأن هناك ثلاثة أنماط لكل خطاب، منها الخطاب الشعري موضع الدراسة، وهذه الأنماط الثلاثة هي: النمط الشفاهي، والنمط الكتابي، والنمط التفاعلي. وعلى هذا ينقسم هذا الباب إلى ثلاثة فصول تحمل عناوين: «الشعرية الشفاهية» و«الشعرية الكتابية» و«الشعرية التفاعلية». ويعالج كل فصل - نظرياً - نمطاً من هذه الأنماط، بما يجعل منها تمهيداً للباب الثالث الخاص بالتطبيقات. هذا الباب محاولة للوقوف على المحطات الثلاث المفصلية في تاريخ الثقافة الإنسانية، بدءاً من الصيغة الشفاهية، مروراً بابتكار الكتابة وتغلغل الصيغة الكتابية في الوعي الإنساني، وصولاً إلى الحقبة الأحدث؛ حقبة عصر الصور وما بعد الحداثة، بصيغتها التفاعلية المعتمدة على التقنية والانتقال إلى شاشات الكومبيوتر بروابطها وتفاعليتها، والمساحات التي يشتغل فيها الصمت داخل صيغة منها، وكيفية اشتغاله داخلها سيمائياً، بوصف الصمت علامة مشحونة بالدلالة، سواء أكان صمتاً صوتياً في الشفاهية، أو كتابياً في مساحات الصفحة المكتوبة، أو في النص الرقمي التفاعلي.

الباب الثالث «تطبيقات»، بمثابة التحقق الواقعي للأفكار النظرية والفلسفية الماثلة في البابين الأولين؛ فهو الممارسة التطبيقية لكل الجدال والتقعيد النظري السابق عليه، وينقسم هذا الباب إلى ثلاثة فصول، يتوقف المؤلف في كل منها عند تحليل نموذج شعري ينتمي إلى نمط من الأنماط الثلاثة، حتى يبدو جامعاً لتحولات الشعر العربي على مدار تاريخه، عبر هذه النماذج الثلاثة؛ فقد جاء الفصل الأول من هذا الباب بعنوان «الصمت في الشعر الشفاهي»، ويتوقف فيه عند نماذج من الشعر الجاهلي، خصوصاً في معلقتي امرئ القيس وطرفة ابن العبد، موضحاً كيفية اشتغال الصمت في المعلقتين من خلال جملة من التقنيات الشعرية، منها: «جماليات الصمت الإنشادي، والصمت التركيبي، والبناء للمجهول بوصفه صمتاً عن الفاعل، وحذف السؤال والبناء عليه، وحذف جواب السؤال، وحذف الفضلة، والحذف الدلالي».

ويركز الفصل التطبيقي الثاني: «الصمت في الشعر الكتابي»، على أعمال الشاعر المصري الراحل رفعت سلام، بوصفها نموذجاً شعرياً على شعرية الصمت في الكتابة الشعرية، متوقفاً عند استثمار الشاعر في دواوينه المختلفة لمساحات البياض، وتقسيم الصفحة إلى نصفين غير متعادلين، وقسمتها إلى متن وحاشية، وتصرفه في حجم الخط ونوعه، ودخول الصورة إلى متن الصفحة، معتبراً أن الصمت يندس بين هذه التفاصيل، خصوصاً في مساحات البياض والفراغ، موضحاً أن كلمات اللغة تتحول إلى «أشياء تأخذ مكانها في الصفحة، كما تتخذ الأشياء موقعها في الوجود، ومن ثم فهي صامتة بحرفها، دالة بهيئتها، كما هي أشياء الوجود»، في إشارة إلى صمت الصورة الحي للنطق، وتحول الكلمة من صوت إلى رسم طباعي في فضاء الصفحة.

أما الفصل الثالث؛ فعنوانه «الصمت في الشعر التفاعلي»، ويذهب إلى أن صفحة الشعر التفاعلي تتكون من مجموعة نصوص متنوعة في أنظمة علاماتها، وتظهر محايثة بوصفها فضاءات متجاورة، ولا يمثل النص اللغوي أكثر من فضاء ضمن هذه الفضاءات. ويتخذ هذا الفصل من شعر الشاعر العراقي مشتاق معن عباس نموذجاً رئيساً له، خصوصاً في ديوانه: «ما نريد وما لا نريد»، موضحاً أن اللغة (الصوت) لا تنفرد بإنتاج دلالة النص؛ حيث ترتهن دلالتها إلى دوال الصمت في النص من خلفية وأيقونة وألوان، وهو ما يؤكد (حسب الجزار) فاعلية «المالتيميديا» في تحرير الشعرية التفاعلية من أَسْر أصوات اللغة، وأن الأيقونية في النص التفاعلي مبدأ بنيوي تندمج فيه مختلف أنظمة العلامات، فحتى الصوت اللغوي قائم في المكان ومتخذاً شكلاً بصرياً، ليس بحكم كتابته، وإنما بحكم المرآة التي يظهر على سطحها. كما يتوقف هذا الفصل عند نموذج شعري آخر في ديوان «شجر البوغاز» للشاعر المغربي منعم الأزرق.

ويختتم الجزار كتابه بفصل عن «الصمت في القرآن الكريم»، تعقبه خاتمة جامعة لما توصل إليه في كتابه، يؤكد فيها أن الصمت حالة أنطولوجية، وأنه كلام غير منطوق، كما أن الكلام صمت منطوق، ويعرج على جدلية العلاقة بين الصوت والصمت، وأن اختراق الأخير للأول يجعل كل ما ينتمي للكلام ممكناً في الصمت، ما دام هذا الأخير له إنتاجيته الدلالية مثل الأول.


«غرق السلمون»... السرد من قلب السلطة

«غرق السلمون»... السرد من قلب السلطة
TT

«غرق السلمون»... السرد من قلب السلطة

«غرق السلمون»... السرد من قلب السلطة

تُمثّل رواية «غرق السلمون» نقطة مفصلية في المسار الروائي لواحة الراهب، التي ارتبط اسمها في المجال العام بوصفها ممثلة ومخرجة وفنانة بصرية، بينما ظل إنتاجها السردي مخفياً خلف حضورها كممثلة وكمخرجة في الوجدان الثقافي العربي. غير أنّ هذا المسار الروائي، الممتد عبر أربع روايات متتابعة صدرت بين مصر ولبنان، دون سوريا بالطبع بسبب موقفها الصارم من النظام الشمولي، يكشف عن مشروع أدبي متماسك لا يمكن فصله عن تصور الكاتبة للكتابة بوصفها ممارسة معرفية ذات رهانات سياسية وأخلاقية. فالرواية هنا ليست انعكاساً فنياً لموقف من السلطة فحسب، بل محاولة لصياغة نموذج سردي قادر على الإمساك بالعلاقة المعقدة بين القمع وتحوّلات الذات، وبين البنية السياسية والعلاقات اليومية في العائلة والمجتمع.

تغطي الرواية زمناً تاريخياً يوازي تحولات السلطة في سوريا منذ مرحلة الأسد الأب، مروراً بانتقال الحكم إلى الأسد الابن، وصولاً إلى انفجار 2011 وما تلاه وما رافقه من عنف سياسي واسع ونتائج إنسانية كارثية شملت الاعتقال والتصفية والتهجير. لكن اللافت أن النص لا يتعامل مع هذه المرحلة كأحداث سياسية خارجية تصلح للتوثيق، بل ينقلها إلى الداخل: إلى لغة النفس، وإلى هندسة البيت، وإلى علاقات القرابة، بوصفها الموضع الحقيقي الذي تُختبر فيه السلطة. بهذا المعنى، فإن الرواية تتخلى عن وهم الفصل بين المجالين العام والخاص، وتعرض كيف يتحول الخاص ذاته إلى ساحة تمارس فيها الدولة منطقها بوسائل مختلفة.

تعتمد الرواية مدخلاً افتتاحياً صادماً يقوم على مأساة رحلة الهجرة البحرية، حيث تُقدَّم البطلة أمل داخل سياق موت جماعي لا ينجو منه إلا هي ورضيعة تنتشلها في لحظة قصوى. هذه البداية لا يمكن فهمها باعتبارها مقدمة درامية فحسب، بل باعتبارها استراتيجية زمنية؛ إذ يعلن النص منذ الأسطر الأولى أنّ الحكاية لن تُروى بمنطق التطور التقليدي، بل بمنطق الانهيار. إن الحاضر هنا ليس نقطة نجاة أو تجلٍّ لكينونة تماهي البطلة مع السلمون المهاجر الذي يسير عكس التيار العام، بل هو لحظة قصوى تفرض على السرد آليته: الاسترجاع بوصفه محاولة لفهم الطريق الذي أوصل إلى الهاوية. وهو بشكل من الأشكال قواعد لفهم النص قبل الغوص فيه.

من خلال هذه العتبة، يُعاد تعريف مفهوم النجاة؛ فالنجاة لا تُقدَّم كتجاوز ناجح للكارثة، بل كحالة معلقة بين الحياة والموت، تفرض على الشخصية أن تعيد تركيب ذاتها من شظايا ذاكرة لا تهدأ.

إذا كانت الرواية تنطلق من مشهد البحر، فإن بنيتها الداخلية تعود لتشتغل على منبع أبكر للعنف: العائلة. فالأب، القادم من مؤسسة أمنية نافذة، لا يُقدَّم كشخصية نفسية منفصلة، بل كجهاز سلطة مكتمل ينتقل بمنطقه إلى داخل الحياة الأسرية. إن هيمنته لا تقتصر على القرار السياسي أو النفوذ الاجتماعي، بل تتسلل إلى تفاصيل تشكيل المصائر: علاقات الحب، خيارات الزواج، صورة الشرف، ونمط العقاب والمكافأة.

تتحول القرية والبيت إلى فضاءين متداخلين: قصر واسع يُبنى كعلامة على النفوذ، وفرع أمني يُبنى كأداة للردع، ثم بيت يصبح امتداداً للفرع. هنا تفكك الرواية فكرة السلطة باعتبارها شيئاً خارجياً بعيداً. إنها تبرهن سردياً على أن الاستبداد يتجسد أولاً في شروط التربية والتطبيع، حيث يصبح العنف حالة طبيعية، لا استثناءً.

في البناء السردي، تتبنى واحة الراهب تعدد الرواة، بحيث يُمنح أكثر من صوت مساحة للقول من موقعه الخاص: البطلة، والأب، والإخوة، والحبيب. وهذه التقنية تمنح الرواية طابعاً شبه حواري؛ إذ لا تُبنى الشخصيات عبر وصف خارجي، بل عبر أنماط من السرد الذاتي تكشف منظوراتها عن نفسها وعن العالم.

تكتسب هذه التقنية أهمية مزدوجة؛ فمن جهة، هي تفكك الهيمنة التقليدية للراوي العليم، وتمنع فرض تفسير واحد للأحداث. ومن جهة أخرى، تتيح الاقتراب من عالم أتباع السلطة من الداخل: كيف يفكرون؟ كيف يخافون؟ كيف يتصرفون حين لا يكونون في المكاتب العسكرية؟

غير أنّ هذا الاقتراب لا يعمل بوصفه مشروع تلطيف أو تعاطف، بل بوصفه أداة تشريح: كشف البنية الإنسانية للجلاد من دون تحويل هذه الإنسانية إلى مبرّر أو عذر. وبذلك تنجح الرواية في بناء مسافة نقدية تسمح للقارئ بأن يصدر حكمه الخاص، لا أن يتلقى حكماً جاهزاً من الكاتبة.

تعرض الرواية ثلاثة إخوة بوصفهم ثلاثة أنماط للذات التي تُنتجها البيئة الأمنية - الأبوية - البطريركية، أخ يرث النموذج الأبوي ويعيد إنتاجه داخل الأجهزة حتى يصير فاعلاً أساسياً في القمع. أخ آخر يذهب باتجاه الاعتراض والتفكير النقدي، ثم يُسحق أو يُدفَع إلى مصير غامض خارج سردية النجاة الواضحة. أخ ثالث يُستبعد ويُخفى ويتحول وجوده إلى عبء على صورة العائلة، ما يكشف نمطاً آخر من الاستبداد: استبداد إدارة الفضيحة، لا استبداد السلاح وحده. ويظهر كيف يرسم الطاغية المستبد صورته بأدق تفاصيلها البعيدة عن إنسانية الحياة، حيث لا ضعف، لا أفراد ضعفاء، لا نساء تتخذ قرارات عاطفية تقرر مصيرها.

تعمل هذه النماذج بوصفها مفاتيح لفهم استمرارية النظام: لا يستمر بالعسكر فقط، بل بتدوير الأبناء داخل ممراته، وتوزيع الأدوار عليهم، بحيث يصبح كل فرد مشروع وظيفة داخل ماكينة أكبر منه.

تُحمّل الرواية مفهوم التحرر أكثر من مستوى؛ إذ لا يتعلق الأمر فقط بالخلاص من السلطة السياسية، بل من سلطات متعددة متراكبة: سلطة الأب، سلطة الأخ، سلطة الزوج، سلطة المجتمع تجاه المرأة، وأخيراً السلطة التي تمارسها الذات على نفسها عبر الخوف والتردد وتطبيع الألم. تتقاطع هذه المستويات لتؤكد أن القمع حين يستقر في الأعصاب، يصبح جزءاً من الشخصية، لا مجرد قوة خارجية.

هنا يكتسب مسار البطلة معنى وجودياً؛ الهرب ليس انتقالاً جغرافياً فحسب، بل صراع مع داخليتها التي تشكلت داخل منظومة القهر. وإعادة اكتشاف لذاتها المتألمة المتأملة.

على الرغم من قوة الموضوع وبراعة البنية العامة، تفتح الرواية على إشكال نقدي يتعلق بالأسلوب؛ إذ في المقاطع ذات الطابع التأملي، حيث تتقاطع الذات مع صورة السمكة بوصفها تمثيلاً للوجود، ينزاح السرد أحياناً نحو كثافة لغوية مشدودة إلى قاموس يضم لغة عليمة لا تتناسب مع مفردات شخصيات العمل، أو لنقل لغة أعلى من وعي هذه الشخصيات، بما يخلق مسافة بين القارئ والنص في لحظات كان يفترض أن تبلغ أعلى درجات القرب. هنا تتداخل الرغبة في رفع اللغة إلى مستوى مجازي رفيع مع خطر إنتاج غموض غير منتج، غموض لا يفتح التأويل بل يعيق ربما الاستقبال.

ومن منظور سرديات الصدمة تحديداً، فإن اللغة حين تصبح أثقل من التجربة نفسها قد تفقد وظيفتها الوسيطة؛ إذ لا تعود جسراً بين النص والقارئ، بل تتحول إلى حجاب. وهذه نقطة بالغة الحساسية؛ لأن الرواية تتعامل مع مادة إنسانية تقتضي أعلى درجات التوازن بين البلاغة والوضوح، وبين الشعرية والشفافية. وهو ما يجعل القارئ ينزاح نحو الواقع الذي يعرفه ويماثله أو يطابقه في ذهنه على حساب اللغة الأدبية الشفيفة الموجودة في النص.

تقدم «غرق السلمون» سرداً شديد الطموح لتجربة سوريا تحت الاستبداد؛ لا بوصفها قصة سياسية فحسب، بل بوصفها نظاماً يعيد تشكيل البشر من داخل بيوتهم. تفكك الرواية العلاقة بين الأب والسلطة، بين الجهاز والعائلة، بين الحب والتعذيب، وتطرح سؤال النجاة باعتباره سؤالاً أخلاقياً ووجودياً لا ينتهي بالوصول إلى مكان آمن. إن النص يظل عملاً ذا قيمة عالية في مقاربته لآليات القمع، وفي جرأته على بناء عالم السلطة من الداخل، لا الاكتفاء بإدانته من الخارج. عدا عن كونها تجربة غاية في الجرأة الذاتية لروائية سورية تقدم حفراً عميقاً في بيئة القمع التي عايشها السوريون جميعاً ولعقود طويلة.

* كاتب سوري


متاهة الاكتئاب الرقمي

متاهة الاكتئاب الرقمي
TT

متاهة الاكتئاب الرقمي

متاهة الاكتئاب الرقمي

ضمن سلسلة «روايات مصرية للجيب» التي تصدرها دار «المؤسسة العربية الحديثة» بالقاهرة، صدرت رواية «الأيام الأخيرة في حياة فرويد» للكاتب السيد شحتة، التي تنطلق من مشهد صادم يحاول فيه الشاب مازن الغمراوي بعد ساعات من تخرجه في قسم علوم الحيوان بكلية العلوم التخلص من حياته عبر إلقاء نفسه في النيل، ومع فشل المحاولة تتوالى مفارقات شتى.

يتحول القط الصغير الذي تقوده المصادفة لمنع الشاب المحبط من الانتحار إلى سبب في إعادة اكتشاف الغمراوي لنفسه، وفي محاولة فهمه للتغيرات الحادة في سلوكيات البشر من حوله، والتي يجد على إثرها نفسه وحيداً في مواجهة عالم لا يرحم بعد رحيل أبيه واستيلاء عمه على ميراثه لا يلتقي مخلصاً أو داعماً سوى هذا المخلوق الصغير.

رغم طابع التشويق والإثارة الذي يميز لغة السرد في الرواية، فإن البعد النفسي حاضر فيها بقوة منذ العنوان الذي يشير إلى عالم النفس الشهير سيغموند فرويد ومروراً بالعديد من الإشارات الدالة إليه وإلى مقولاته، فضلاً عن حاجة شخصيات النص الماسة إلى الخضوع إلى منهجه الشهير في التحليل النفسي بعد كل هذه الاضطرابات التي يعانون منها، فالقلق مهيمن عليها في ظل مستقبل محفوف بالمخاطر وضبابية لا تغيب.

ورغم أن الرواية لا تدور بالأساس حول فرويد، فإنها تحاول استحضار روحه، وكأنها تريد أن توصل رسالة بأن هذا العالم الذي يقف على شفى الجنون في حاجة إلى مخلّص نفسي، وأن مشاكلنا نفسية قبل أي شيء آخر.

تجعل الرواية من ثنائية مازن والقط مدخلاً لإعادة فهم العالم وتفسير الكثير من المعادلات المختلة التي فُرضت بقوة الأمر الواقع، عبر علاقة شديدة الخصوصية بين بشر وحيوان أليف، بينما تبقى الشخصيات الحائرة والمضطربة في الرواية في دائرة المعاناة منذ الصفحات الأولى وحتى النهاية تعاني من الوحدة والقلق والاكتئاب الرقمي والتوحش الإنساني.

والسيد شحتة روائي وناقد مصري صدرت له ثلاث روايات من قبل: «ميتافيرس»، و«شفرة المخ»، و«سرايا عمر أفندي»، ويبدو عالمه الإبداعي مشغولاً بقضايا التحولات الرقمية وأثرها على الإنسان

ومن أجواء الرواية نقرأ:

«عندما خلعت عني رداء الطفولة وأفكارها الحالمة قررت أن استمتع بكسر القيود الشكلية التي وضعها أبي من أجل الحفاظ على صورة ابنة الأكابر البراقة في عيون المجتمع، من خلف ظهر الرقباء الذين يرفعون له تقارير سرية عني مثل أي موظف في شركاته. انتزعت حريتي كاملة.

كرهت كل الرجال لأنهم يشبهون أبي أو يخافون منه وبعضهم طامعون في ثروته، لكن متعتي الخاصة لا تدوم طويلاً، حاولتُ الانتحار أكثر من مرة وللأسف فشلت فشلاً ذريعاً، لم أجد أمامي مفراً من الانتقام من الشخص الوحيد الذي دمر حياتي وهو كامل السبع، أرسلت له العشرات من نداءات الاستغاثة المتوالية، أخبرته بكل اللغات أنني لا أريد شيئاً أكثر من أن يشعرني بأي طريقة أنني أعني له شيئاً ولكن بلا جدوى.

أبي وأمي يطفئان نار حروبهما الباردة في جسدي. الابنة الصغرى، التي وقفت حجر عثرة في طريق تحول الانفصال غير المعلن بينهما إلى طلاق رسمي، يجب أن تتحمل ثمن أخطاء الآخرين. كل منهما يؤذي الآخر ويظن أننا لا نعرف رغم أن أدق التفاصيل تتردد في الفيلا على ألسنة الخادمات والعمال».

والسيد شحتة روائي وناقد مصري صدرت له ثلاث روايات سابقة هي «ميتافيرس» و«شفرة المخ» و«سرايا عمر أفندي»، ويبدو عالمه الإبداعي مشغولاً بقضايا التحولات الرقمية وأثرها على الإنسان.