سقوط «وهم» الوجود الفلسطيني... 174 ألف لاجئ فقط في لبنان

النازحون باتوا أقليات في مخيماتهم... والحكومة تتبنى تحسين أوضاعهم

مخيم برج البراجنة الفلسطيني جنوب بيروت كما بدا أمس (إ  ف ب)
مخيم برج البراجنة الفلسطيني جنوب بيروت كما بدا أمس (إ ف ب)
TT

سقوط «وهم» الوجود الفلسطيني... 174 ألف لاجئ فقط في لبنان

مخيم برج البراجنة الفلسطيني جنوب بيروت كما بدا أمس (إ  ف ب)
مخيم برج البراجنة الفلسطيني جنوب بيروت كما بدا أمس (إ ف ب)

كشفت الحكومة اللبنانية، أمس، عن نتائج صادمة تتعلق بالوجود الفلسطيني في لبنان، حيث تبين أن عدد المقيمين في لبنان منهم بلغ نحو 174 ألف لاجئ فقط، خلافاً لأرقام كثيرة وصل بعضها إلى القول بوجود أكثر من نصف مليون لاجئ فلسطيني في لبنان. وبيَّنَت الأرقام أن الفلسطينيين أصبحوا أقليات في معظم المخيمات المنتشرة على الأراضي اللبناني، حيث تحولت هذه المخيمات إلى مربعات بؤس يعيش فيها خليط من العمالة الأجنبية واللاجئين السوريين الذين فاق عددهم في بعض المخيمات الفلسطينيين.
لكن رئيس لجنة الحوار اللبناني الفلسطيني الوزير السابق حسن منيمنة يؤكد أن النتائج لم تكن مفاجئة للمعنيين بالشأن الفلسطيني الذين كانوا يتوقعون أرقاماً تصل إلى نحو 200 ألف لاجئ. وقال منيمنة لـ«الشرق الأوسط» إن هذه الأرقام من شأنها أن تسقط «الوهم» فيما يخص أعداد الفلسطينيين في لبنان، وتسهل عملية تحسين ظروف حياتهم، في إشارة إلى القوانين اللبنانية التي تمنح اللاجئ الفلسطيني من العمل في كثير من المهن. وكشف منيمنة أن رئيس الحكومة سعد الحريري يدرس إمكانية طرح خطوات إجرائية تسهل حياة اللاجئين الفلسطينيين، معتبراً أن البؤس الذي يعيشه هؤلاء في لبنان يسهِّل من عملية استغلالهم من قبل الجماعات الإرهابية، مشيراً في المقابل إلى أن تواضع الأرقام من شأنه أن يسقط الأوهام حول تأثيرهم على اليد العاملة اللبنانية، إذ تبين أن حجم اليد العاملة الفلسطينية هو نحو 52 ألفاً فقط، نصفهم يعمل حالياً لدى رب عمل فلسطيني، كما أنه يسقط المخاوف الديموغرافية، في إشارة إلى المخاوف من تأثير الفلسطينيين على التوازن الطائفي بين المسلمين والمسيحيين، إذ يكشف منيمنة مثلاً أن عدد اللبنانيات المتزوجين من فلسطينيين لا يتعدى 4 آلاف حالة فقط، ملمحاً في هذا المجال إلى أن إعطاء الأم الجنسية لولدها قد يصبح أمراً أسهل في هذه الحال.
وشدد منيمنة على أن هذه النتائج يجب أن تدفع إلى إيجاد حلول تؤمن الحد الأدنى من العيش الكريم للفلسطينيين في لبنان.
وأعلنت، أمس، في السراي الحكومي ببيروت، نتائج التعداد العام للسكان والمساكن في المخيمات والتجمعات الفلسطينية في لبنان، برعاية رئيس مجلس الوزراء سعد الحريري، بدعوة من لجنة الحوار اللبناني - الفلسطيني بالشراكة مع إدارة الإحصاء المركزي اللبناني والجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني.
وبينت الأرقام الرسمية التي تم عرضها أن عدد اللاجئين الفلسطينيين في المخيمات والتجمعات بلغ 174.422 فرداً خلال عام 2017 يعيشون في 12 مخيماً و156 تجمعاً فلسطينياً في المحافظات الخمس في لبنان. كما أظهرت نتائج التعداد أن نحو 45 في المائة من اللاجئين الفلسطينيين يقيمون في المخيمات مقارنة مع 55 في المائة منهم يعيشون في التجمعات الفلسطينية والمناطق المحاذية، مع تركز في منطقة صيدا بواقع 35.8 في المائة، تليها منطقة الشمال بواقع 25.1 في المائة بينما بلغت نسبتهم في منطقة صور 14.7 في المائة ثم في بيروت بواقع 13.4 في المائة، كما بلغت النسبة في الشوف 7.1 في المائة ثم منطقة البقاع بواقع 4 في المائة.
كما أظهرت النتائج أن هناك تغيراً في التركيبة الديموغرافية للسكان في المخيمات، حيث يزيد عدد غير الفلسطينيين على عدد اللاجئين الفلسطينيين في بعض المخيمات؛ ففي مخيم شاتيلا هناك نسبة 7.57 في المائة من النازحين السوريين مقارنة مع 7.29 في المائة من اللاجئين الفلسطينيين. كما بلغت نسبة النازحين في مخيم برج البراجنة 9.47 في المائة مقارنة مع 8.44 في المائة من اللاجئين الفلسطينيين. وفي مخيم مار إلياس تبين أنه يوجد 39 في المائة نازحين سوريين وفي البداوي 4.34 في المائة.
وبينت النتائج أن الفلسطينيين في المخيمات يشكلون نسبة نحو 72.8 في المائة منهم 65.4 في المائة من اللاجئين الفلسطينيين المقيمين في لبنان و7.4 في المائة من النازحين الفلسطينيين من سوريا، وأن نحو 4.9 في المائة من اللاجئين الفلسطينيين يملكون جنسية غير الجنسية الفلسطينية.
وأشارت النتائج إلى أن نسبة الأمية بين اللاجئين الفلسطينيين بلغت 7.2 في المائة، وبلغ حجم القوة العاملة بين اللاجئين الفلسطينيين 51393 فرداً، ووصلت نسبة البطالة بينهم إلى 18.4 في المائة، كما أشارت النتائج إلى ارتفاع نسبة البطالة بين الأفراد في الفئة العمرية 15 - 19 سنة بواقع 43.7 في المائة، وبين الفئة 20 - 29 سنة 28.5 في المائة. وأشارت البيانات إلى أن عدد الأسر الفلسطينية في المخيمات والتجمعات قد بلغ 52.147 أسرة منهم 7.2 في المائة لفلسطينيين متزوجين من لبنانيات و2.4 في المائة للبنانيين متزوجين من فلسطينيات.
ورأى الرئيس الحريري في كلمة ألقاها في الاحتفال أن من واجبات الدولة اللبنانية أن تنظر إلى المشكلات التي يعانيها اللاجئون الفلسطينيون في بلدنا. إن التضامن مع الشعب الفلسطيني واجب أخلاقي وإنساني، قبل أن يكون واجباً قومياً ووطنياً.
وقال: «لبنان لن يتخلى عن التزامه القومي والإنساني بحق عودة الشعب الفلسطيني إلى دولة فلسطينية مستقلة، عاصمتها القدس. وواجباتنا تجاه إخواننا الفلسطينيين المقيمين على أراضينا مسألة يجب أن تتحرر من التجاذبات، ولا تتحول إلى نقطة خلاف، لا بين اللبنانيين ولا بيننا وبين الفلسطينيين».
وأكد أن «لبنان لم ولن يتهرب من واجباته التي يجب أن تكون واضحة وضوح الشمس. ليس هناك أي التباس أو أي نافذة يمكن أن تفتح، لا على التوطين ولا على أي إجراء يناقض حق العودة أو ينزع عن اللاجئين هويتهم، هوية فلسطين». وقال: «لقد راكمت العقود الماضية المشكلات الاجتماعية والإنسانية للاجئين الفلسطينيين، وبات الواقع في المخيمات واقعاً مأساوياً بكل المقاييس. والدولة لا تستطيع أن تتفرج على هذا الواقع وهو يتفاقم من سنة لأخرى، ويتحول إلى مسألة لا تُحلّ. لقد أظهرت وثيقة مجموعة العمل حول قضايا اللاجئين أن اللبنانيين بمختلف اتجاهاتهم السياسية لا يشكلون عائقاً أمام أي مشروع يسمح للبنان بأن يتحمل مسؤولياته تجاه الإخوة اللاجئين. ونوه باللجنة التي بدأت عملها وسط الانقسامات التي كان يعيشها لبنان، وأكد أن الحكومة ستتبنى كل المقترحات التي قدمتها اللجنة».
وأضاف: «كان هناك كلام عن عدد اللاجئين الفلسطينيين في البلد وتهويل على بعضنا البعض، وكنا نسمع أرقاماً قياسية تُستعمَل في السياسة والتجاذبات، ولكن هذه اللجنة وضعت الأمور في نصابها، والحكومة أطلقت الإحصاء، والحمد الله أصبح اليوم لدينا نتائج موفقة. كان البعض يتحدث عن رقم 500 ألف أو 600 ألف أو 400 ألف، ولكن اليوم أصبح العدد واضحاً، وهو 174.422 فرداً، هذا هو الرقم الحقيقي وعلينا واجبات يجب القيام بها كدولة ضمن إطار المؤسسات وتحت سقف الحوار والتفاهم، وأهم شيء أن نستمر بالحديث مع بعضنا البعض».
ثم تحدث رئيس لجنة الحوار اللبناني الفلسطيني الوزير السابق منيمنة، فأكد أن التعداد «عملية بحثية لا بد منها لتطوير السياسات العامة بناء على المعطى العلمي والرقم الصحيح. ومن المهم هنا أن نفصل بين نتائج هذا التعداد والتسجيل لدى وكالة (أونروا) أو في تسجيلات وزارة الداخلية، التي يترتب عليها حق العودة والتعويض، وهو حق ثابت يحميه القانون الدولي وغير قابل للتصرف».
كما تحدثت رئيسة جهاز الإحصاء المركزي الفلسطيني الدكتورة علا عوض، فرأت أن بيانات هذا التعداد تشكل حجر الأساس في التخطيط والتطوير لأي برامج أو تدخلات تستهدف اللاجئين الفلسطينيين في لبنان بهدف تحسين ظروفهم المعيشية، متمنية أن «تشكل نتائجه فرصة حقيقية لتغيير الواقع الذي يعيشه اللاجئون الفلسطينيون في لبنان في كل المجالات، ولوضع المجتمع الدولي في صورة معاناتهم المستندة إلى الحقائق والأرقام التي نتجت عن هذا التعداد، وكذلك الآثار التي لحقت بهم نتاج سياسات الاحتلال الإسرائيلي تجاه أبناء شعبنا الفلسطيني في كل مكان».



السيسي يدين ويرفض هجمات إيران على دول الخليج

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان في لقاء سابق (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان في لقاء سابق (الرئاسة المصرية)
TT

السيسي يدين ويرفض هجمات إيران على دول الخليج

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان في لقاء سابق (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان في لقاء سابق (الرئاسة المصرية)

أكد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، تطلع بلاده إلى وقف الهجمات الإيرانية على دول الخليج والأردن والعراق وإعلاء مبدأ حسن الجوار، وذلك خلال اتصال هاتفي، الجمعة، مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان.

وجدد السيسي «إدانة مصر القاطعة ورفضها المطلق لاستهداف إيران لدول الخليج والأردن والعراق»، مشدداً على أن «هذه الدول لم تؤيد الحرب ضد إيران ولم تشارك فيها، بل أسهمت في جهود خفض التصعيد ودعمت المفاوضات الإيرانية - الأميركية سعياً للتوصل إلى حل دبلوماسي للأزمة».

وأعرب الرئيس المصري، خلال الاتصال، «عن أسف بلاده للتصعيد الراهن وقلقها البالغ من انعكاساته السلبية على استقرار المنطقة ومقدرات شعوبها»، كما استعرض الجهود المصرية المبذولة لوقف العمليات العسكرية والعودة إلى المسار التفاوضي، مع التشديد على «ضرورة التحلي بالمرونة» في هذا السياق، وفق بيان صادر عن الرئاسة المصرية.

جاهزية قتالية متقدمة ويقظة رفيعة في المنظومة الدفاعية لدول الخليج (أ.ب)

وأشار السفير محمد الشناوي، المتحدث الرسمي باسم الرئاسة المصرية، إلى أن الرئيس الإيراني أكد «أن بلاده شاركت في جولات التفاوض للتوصل إلى اتفاق بشأن البرنامج النووي الإيراني، كما شدد على حرص بلاده على علاقات الأخوة وحسن الجوار مع الدول العربية».

وتناول الاتصال، وفق بيان الرئاسة المصرية، السبل الممكنة لإنهاء التصعيد، وجدد السيسي التأكيد على «استعداد مصر للاضطلاع بكل جهد للوساطة وتغليب الحلول السياسية والدبلوماسية للأزمة الراهنة»، مؤكداً «ضرورة احترام الجميع للقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، فضلاً عن ضرورة احترام سيادة الدول وسلامة أراضيها وعدم التدخل في شؤونها الداخلية».


الحرب والغلاء يبددان تنوع المائدة الرمضانية في اليمن

يمنية تعاين أطباق مطبخها الفارغة بسبب الأزمات المعيشية (رويترز)
يمنية تعاين أطباق مطبخها الفارغة بسبب الأزمات المعيشية (رويترز)
TT

الحرب والغلاء يبددان تنوع المائدة الرمضانية في اليمن

يمنية تعاين أطباق مطبخها الفارغة بسبب الأزمات المعيشية (رويترز)
يمنية تعاين أطباق مطبخها الفارغة بسبب الأزمات المعيشية (رويترز)

منذ 8 أعوام لم يتذوق مختار قاسم، وهو موظف عمومي، الأطعمة الرمضانية إلا في أوقات نادرة، بعد أن أجبره انقطاع راتبه على نقل عائلته من العاصمة اليمنية صنعاء إلى مسقط رأسه في ريف محافظة تعز (جنوب غرب)، فيمَ يتنقل هو بين عددٍ من المحافظات للعمل في عدة مهن حسب الطلب.

ويقول قاسم إنه كان في البداية يتحسر على عدم حصوله على الأطعمة الرمضانية، إلا أنه وبعد عمله في نقل مساعدات غذائية خلال الأسابيع الأخيرة إلى مخيمات النزوح في محافظة مأرب (شرق صنعاء)، شعر بالامتنان لنفسه لأنه يستطيع توفير تلك الأطعمة لعائلته، بعد أن شاهد آلاف النازحين يفطرون بالماء والخبز وقليل من الأرز.

ودفع التدهور المعيشي والاقتصادي الآلاف من العائلات اليمنية في مختلف المحافظات إلى التنازل عن إعداد الأطباق الرمضانية المتنوعة، والاكتفاء بما تيسر لها من وجبات متواضعة، في وضع ساوى بين مختلف الشهور وشهر رمضان الذي يحظى بحميمية خاصة لدى اليمنيين، في حين تراجعت مظاهر التكافل الاجتماعي وتوقف الكثيرون عن إقامة موائد الإفطار لأقاربهم وأصدقائهم.

تبدي أميرة سلام، وهي ربة منزل ومعلمة في صنعاء، حزنها لعدم قدرتها على إعداد كامل الأصناف الرمضانية المعتادة، واكتفائها كل يوم بصنف واحد تقدمه لعائلتها بعد أن توقف راتب زوجها الذي لم يتمكن من الحصول على عمل آخر، في حين لا يكفي راتبها لسد كافة الاحتياجات والمتطلبات.

غلاء المعيشة في اليمن أدى إلى تقليص خيارات السكان الغذائية (أ.ب)

وتكشف عن اكتفاء عائلتها بتناول طبق «الشفوت» يومياً، الذي يتكون من الخبز واللبن الرائب أو الزبادي، أما الشورية والباجية، وهي فلافل يتم تحضيرها من اللوبياء، والكاتلكس (بطاطس محشوة)، والسنبوسة، فيتم تناول كل واحدة منها مرة في الأسبوع، ومثلها الحلويات المسماة بنت الصحن والرواني والشعوبية.

وأوقفت الجماعة الحوثية منذ نحو 10 أعوام رواتب غالبية الموظفين العموميين في مناطق سيطرتها، في حين يشكو الكثير من السكان هناك، تحتكر الإشراف على تقديم المساعدات الغذائية والمالية المقدمة من المنظمات الدولية وفاعلي الخير للمحتاجين.

تناقض سعري منهك

يتهم خبراء ماليون واقتصاديون الحوثيين بفرض سعر ثابت وغير عادل للعملات الأجنبية (535 ريالاً للدولار)، بهدف الاستفادة من الفارق بين هذا السعر والسعر الحقيقي لصالح الجماعة، في حين تواصل المواد الاستهلاكية ارتفاع أسعارها بدون أي ضوابط.

تراجع المعونات الغذائية لليمنيين خلال السنوات الأخيرة حرمهم من توفير الوجبات الأساسية (أ.ف.ب)

وعلى نقيض ذلك تتحرك الأسعار في مناطق سيطرة الحكومة الشرعية وفقاً لأسعار صرف العملات الأجنبية، إلا أن السكان والمختصين الاقتصاديين يقولون إن التعافي الذي شهدته العملة في صيف العام الماضي لم يؤدِ إلى تراجع أسعار المواد الاستهلاكية.

وشهد شهر رمضان هذا العام عزوفاً مضاعفاً عن الاستهلاك، برغم الوعود الحكومية بتحسن الأوضاع المعيشية، بعد أسابيع من إخماد التمرد جنوب وشرق البلاد، وما تبع ذلك من وقف الكثير من أعمال الابتزاز بحق التجار والبضائع المنقولة والجبايات غير القانونية.

ويسعى عمار محمد، وهو اسم مستعار لمتعهد مقاولات صغيرة في صنعاء، لإقامة مائدة واحدة على الأقل لعماله خلال الأيام المتبقية من رمضان، بعد أن عجز عن ذلك طوال الأيام الماضية بسبب حرمانه من التصرف بأرصدته البنكية من قبل الجماعة الحوثية، وهو الذي كان يقيم موائد رمضانية يومية في السابق.

من جهته أرسل مختار قاسم لعائلته مبلغاً مالياً منذ أيام، وطلب منها شراء كافة الاحتياجات الضرورية لما تبقى من رمضان مع وعدٍ لها بأن يلتحق بها قبل انقضاء الشهر، ممنياً نفسه بالحصول على بعض الوجبات التي افتقدها خلال السنوات الأخيرة، ودعوة أقاربه إلى إفطار جماعي في منزل والده.

يمنية نازحة تعدّ وجبة فقيرة متواضعة لأطفالها (رويترز)

وبرغم تحسن وضع العملة المحلية نسبياً، فإن ذلك لم يؤد إلى تحسين الوضع المعيشي لليمنيين بشكل لافت، فهذا التحسن جاء بإجراءات رسمية اتخذتها الحكومة والبنك المركزي بعد أشهر من التدهور السريع للعملة، لتستعيد جزءاً من قيمتها دون أثر كبير على الأسعار والمعيشة.

إفقار المطبخ اليمني

مع اقتراب شهر رمضان من نهايته، يتحول هاجس السكان نحو تلبية احتياجات العيد، إلا أن العديد منهم يبذلون جهوداً لعدم السماح له بالرحيل دون توفير بعض متطلباته التي لم يستطيعوا توفيرها منذ بدايته، حيث يحاول المغتربون إنجاز أعمالهم والسفر إلى عائلاتهم مبكراً.

يشير الناشط السياسي والاجتماعي في مدينة تعز، صلاح أحمد، إلى أن الحرب والحصار الذي فرضته الجماعة الحوثية على المدينة ألقيا بأثر كبير على مختلف مظاهر الحياة، بما في ذلك المظاهر الاجتماعية الرمضانية وعاداتها الغذائية.

أطفال نازحون يتلقون مساعدات غذائية لعائلاتهم قبل أعوام في الحديدة (أ.ف.ب)

ويبين أن المدينة، وبقدر ما شهدت ظهور الكثير من الأثرياء الجدد الذين صنعت الحرب ثرواتهم باستغلال معاناة سكانها، فإن الغالبية يواجهون أوضاعاً معيشية صعبة يتضاعف أثرها خلال شهر رمضان الذي افتقر خلال الأعوام الأخيرة لمظاهره المعتادة، وتراجع تكافل الناس فيه بشكل كبير.

وبحسب أحمد، كانت العائلات سابقاً تتبادل الوجبات التي يجري إعدادها، وبرغم التشابه الكبير بينها، فإن لكل ربة منزل لمستها المختلفة، وهو ما كان يجعل كل مائدة في كل منزل تحتوي تنوعاً حتى في الأصناف نفسها المعتادة، ما يضفي حميمية دائمة على الأجواء الرمضانية خسرها الأهالي بسبب الحرب.

وفي حين يبدي الكثير حسرتهم بسبب عدم حصولهم على الوجبات الرمضانية التي تعودوا عليها منذ طفولتهم، يُتَوقع أن تؤثر الأوضاع المعيشية الصعبة على تراث المطبخ اليمني، وتدفع السكان إلى عادات غذائية فقيرة في المستقبل.


حملات حوثية تنغص معيشة اليمنيين في محافظة إب

اتهامات للجماعة الحوثية بتصعيد الانتهاكات ضد اليمنيين (إكس)
اتهامات للجماعة الحوثية بتصعيد الانتهاكات ضد اليمنيين (إكس)
TT

حملات حوثية تنغص معيشة اليمنيين في محافظة إب

اتهامات للجماعة الحوثية بتصعيد الانتهاكات ضد اليمنيين (إكس)
اتهامات للجماعة الحوثية بتصعيد الانتهاكات ضد اليمنيين (إكس)

أقدم الحوثيون على تنفيذ حملات تعسف استهدفت بالإغلاق والهدم أسواقاً ومتاجر ومنازل في محافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، وذلك في سياق عملية مُمنهجة، ظاهرها «إزالة العشوائيات» وباطنها فرض مزيد من الإتاوات غير القانونية.

ووفق ما ذكرته مصادر محلية في إب لـ«الشرق الأوسط»، فإن حملة التعدي التي أطلقتها الجماعة، عبر ما يُسمى «مكتب الأشغال العامة» و«إدارة المرور»، أغلقت سوقين شعبيين وطردت التجار والباعة، كما هدمت منازل عدة بعضها طور الإنشاء في المنطقة الخامسة بمديرية الظهار جنوب مدينة إب (مركز المحافظة).

واشتكى مُلاك منازل ومحلات تجارية طالهم التعسف الحوثي، وأوضحوا لـ«الشرق الأوسط»، أن الجماعة تشنّ حملات تستهدف منازلهم ومصادر عيشهم تحت مبررات غير قانونية.

باعة أرصفة يتعرضون للابتزاز من قبل مسلحين حوثيين (فيسبوك)

وقال مراد، وهو اسم مستعار لمالك بسطة تجارية بمديرية الظهار لـ«الشرق الأوسط»، إن الحملة باغتتهم دون سابق إنذار، موضحاً: «نعتمد على هذه البسطة منذ سنوات لإعالة أسرنا، وفجأة جاءت الجرافات ومعها مسلحون وطلبوا منا إخلاء المكان خلال دقائق قليلة جداً، ثم بدأوا بهدم كل شيء». ولفت إلى أن الإجراءات تمت هذه المرة كسابقاتها بطريقة قاسية، مؤكداً أن كثيراً من المُتضررين لم تُمنح لهم فرصة لنقل ممتلكاتهم أو بضائعهم.

اتساع التعسف

في مديرية العدين (جنوب غرب إب) استخدمت الحملة الحوثية - التي أشرف على تنفيذها قيادات في الجماعة - 4 جرافات لاستهداف مُمتلكات السكان ومصادر عيشهم.

وأوضح سكان لـ«الشرق الأوسط»، أن مشرفين حوثيين برفقة عربات ومسلحين نفذوا حملات دهم استهدفت بالإغلاق «السوق المركزي» الكائن وسط المدينة، إلى جانب تجريف وإزالة لعدد من البسطات والمحلات الصغيرة والأكشاك التي يعتمد عليها مئات المواطنين كمصدر رئيسي للعيش.

تعرض متاجر للهدم الحوثي في مديرية العدين بمحافظة إب (فيسبوك)

وبحسب السكان، فإن هذه الحملات لم تقتصر على إزالة ما تصفه الجماعة بالمخالفات، بل طالت ممتلكات قائمة منذ سنوات، دون تقديم بدائل مناسبة للمتضررين أو مراعاة للأوضاع الاقتصادية الصعبة التي يعيشها السكان في ظل تدهور الأوضاع المعيشية.

وأوضح عدد من المتضررين أن الحملة نفذت بشكل مفاجئ، ولم تمنح أصحاب البسطات والعربات أي مهلة لإخلاء مواقعهم، قبل أن تباشر الجرافات بعملية الهدم والتجريف، ما أدى إلى خسائر مادية كبيرة، وقطع مصادر دخل أسر كاملة.

ويتحدث بائع خضروات في سوق العدين لـ«الشرق الأوسط»، عن أن مصدر دخله الوحيد اختفى خلال دقائق جراء حملة التعدي الحوثية، وأضاف: «ليس لدينا عمل آخر. بعد التجريف أصبحنا بلا عمل ولا نعرف كيف سنوفر احتياجات أسرنا».

وبررت الجماعة الحوثية استهدافها أملاك السكان ومصادر رزقهم بأنه ضمن ما تُسميه خُطة لتنظيم المدن وإزالة العشوائيات، إلا أن ناشطين يرون أن الحملة تفتقر إلى أبسط مقومات التخطيط العادل، وتستهدف الفئات الأكثر ضعفاً في المجتمع، دون بدائل ومعالجات حقيقية.

خوف متصاعد

يتخوف السكان في المحافظة اليمنية ذات الكثافة السكانية العالية (إب)، من توسع نطاق هذه الحملات لتشمل بمقبل الأيام أسواقاً ومتاجر في مديريات أخرى، الأمر الذي يُهدد بفقدان المزيد من المواطنين مصادر رزقهم في ظل غياب أي برامج دعم أو تعويض.

قيادات حوثية تشرف على حملات الاستهداف في إب (فيسبوك)

ولفت السكان إلى أن المئات من ملاك الأسواق والتجار والباعة باتوا خائفين لكون مصدر رزقهم مُهدداً، في ظل ظروف معيشية صعبة وقاسية، إذ إن أي خسارة تعني أن أسراً كاملة ستفقد قدرتها على العيش.

وطالب السكان والناشطون في المحافظة بوقف هذه الحملات، وإيجاد حلول تنظيمية تراعي أوضاع المواطنين، وتضمن عدم الإضرار بمصادر عيشهم، مؤكدين أن معالجة العشوائيات وتنظيم المدن يجب أن يتمّا عبر خطط حضرية واضحة وتوفير بدائل مناسبة للمتضررين، وليس عبر المصادرة والهدم المفاجئ والتجريف القسري.