قائد السبسي لـ: {الشرق الأوسط} لو لم يكن مهدي جمعة موجودا لاخترعناه

زعيم «نداء تونس» يقول إنه ليس بورقيبة جديدا

الباجي قائد السبسي: أنا تلميذ بورقيبة وخريج مدرسته
الباجي قائد السبسي: أنا تلميذ بورقيبة وخريج مدرسته
TT

قائد السبسي لـ: {الشرق الأوسط} لو لم يكن مهدي جمعة موجودا لاخترعناه

الباجي قائد السبسي: أنا تلميذ بورقيبة وخريج مدرسته
الباجي قائد السبسي: أنا تلميذ بورقيبة وخريج مدرسته

قال الباجي قائد السبسي، رئيس حركة نداء تونس، ورئيس الحكومة الأسبق، إنه ليس بورقيبة جديدا، بل تلميذه وخريج مدرسته. وزاد قائلا «بورقيبة أستاذنا، وأنا عملت معه لمدة 35 سنة، ولدي بعض التحفظات على بعض مواقفه، لكنه يبقى عبقريا، وتونس الآن تعيش بفضل الإنجازات التي حققها نظامه».
وذكر قائد السبسي أنه لم يختر مهدي جمعة ولا حكومته، ولكن لما وافق البعض عليه وشكل حكومته «أيدناها وما زلنا نؤيدها، رغم أن البعض تخلوا عنها، لأنه لا يوجد بديل لها. فالدنيا تأبى الفراغ»، مضيفا أنه لو لم يكن جمعة موجودا «لكان لزاما علينا أن نخترعه».
ونفى قائد السبسي، في حوار أجرته معه «الشرق الأوسط»، أن يكون حزبه ظاهرة إعلامية أكثر منها امتدادا شعبيا، وقال «كل إنسان ينجح يقوم الناس ضده، وهذه خاصية عربية، فعندما نجد إنسانا ناجحا لا نقول إنه موهوب وناجح، بل نكيل له التهم المجانية، مثل القول إنه سارق، وأنا أحسن منه، إلى آخره. وفي هذا النسق نحن نواجه هذا الوضع. وأود القول إننا لو لم نكن الآن، في نطاق سبر (استطلاع) الآراء، الحزب الأول لما كانوا يقولون هذا الكلام». وأوضح السياسي التونسي المخضرم أن حزبه يتوفر حاليا على 110 آلاف منخرط، وبالتالي يبقى أيضا ظاهرة عددية. وتساءل «هل هذه الظاهرة العددية ستتبخر يوم الانتخابات أم أنها ستثبت؟»، وقال «المستقبل بيننا».
من جهة أخرى، قال قائد السبسي إن انتخابه للرئاسة ليس غاية في حد ذاته، وإنه غير متمسك به، مشيرا إلى أنه حتى الآن «رشحني حزبي للرئاسة لكنني لم أقبل بعد بذلك»، لكنه تدارك قائلا «سأترشح للرئاسة إذا لم أجد في المترشحين الآخرين ما يضمن خروج تونس من الوضع الذي تعيشه حاليا». وذكر قائد السبسي أنه ليس الحكيم الوحيد في تونس، مشددا على القول إنه يفضل أن يكون غير حكيم في دولة متقدمة على أن يكون حكيما في دولة متأخرة.
وفي ما يلي نص الحوار..

* وافقت غالبية الأحزاب السياسية التونسية على فصل الانتخابات التشريعية عن الرئاسيات، وتتجه النية إلى تقديم التشريعية على الرئاسية، وبينما تدعم حركة النهضة تقديم التشريعية يبقى خيار حزبكم هو تقديم الرئاسية.. كيف الخروج من إشكالية «من ولد قبل من.. البيضة أم الدجاجة»؟
- تونس الآن لها دستور، وأعتقد أنه لا يمكن الانطلاق في الحياة السياسية مستقبلا بخرق الدستور. فهذا الأخير واضح. وحركة نداء تونس كانت فعلا مع التفريق بين الانتخابات الرئاسية والتشريعية لكن على أساس أن تكون الانتخابات الرئاسية هي الأولى. لماذا هي الأولى؟ ولماذا إذا قدمنا الانتخابات التشريعية نكون في حالة انعدام للانسجام مع الدستور؟ الدستور فيه أحكام انتقالية، والأحكام الانتقالية لها نفس القيمة التي لدى أحكام الدستور نفسه لأنها ملحقة به. إن الفصل 148 من الأحكام الانتقالية يقول «إن المجلس التأسيسي يحل بمجرد ما يقع انتخاب المجلس التشريعي»، فلو جرى احترام هذه القاعدة لكان جرى انتخاب المجلس التشريعي أولا، وأن نتيجة ذلك ستكون حل المجلس التأسيسي، ويبقى الرئيس قائم الذات، والرئيس هو فرع من المجلس التأسيسي، لأنه ليس منتخبا من الشعب مباشرة، بل هو منتخب من المجلس التأسيسي، فهذا الأخير هو الأصل والرئاسة هي فرع منه. فكيف يحل الأصل ويظل الفرع قائما؟ وإذا أخدنا الشجرة كمثال، وقمنا بقصها، فإن كل فروعها تسقط معها، إذ لا يعقل أن تعدم شجرة ويبقى فرع واحد عالقا في الهواء. فمن المنطق ومن روح الدستور كونه يلزم أن تسبق الانتخابات الرئاسية الانتخابات التشريعية.
* ما المآل الآن، خاصة أنكم أبديتم بعض المرونة بشأن التراجع في حالة حدوث توافق بين جميع الأحزاب؟
- نحن قلنا إننا مع تسبيق الانتخابات الرئاسية، لكننا لن نخوض حربا إذا مشينا في اتجاه التزامن في تنظيم الانتخابات التشريعية والرئاسية. لأن ما كان معروضا في البداية هو أن يكون هناك تزامن. فعلا التزامن يحترم روح الدستور، لكن إذا كان هناك تزامن في الانتخاب فيجب ألا تبقى الرئاسة موجودة في الوقت الذي يحل فيه المجلس التأسيسي. ففي حالة التزامن يجب حلهما معا، في نفس اللحظة، وهذا شيء طبيعي. لكن إذا كانت الغالبية ستمضي في هذا الاتجاه، أقول إن ذلك ليس سليما.
* قبل أسابيع زرت أنت وراشد الغنوشي زعيم حركة النهضة الجزائر، وهناك حديث عن لقائكما في باريس. أود أن أسألك عن حقيقة ما جرى تداوله بشأن إبرام صفقة بينكما على أساس اقتسام السلطة، بحيث تكون رئاسة الجمهورية لحركة نداء تونس ورئاسة الحكومة لحركة النهضة؟
- نحن ضد الصفقات. نحن زرنا الجزائر، بيد أن كل واحد منا زارها وحده. فزيارة الجزائر لم تكن مشروعا مشتركا، وبالتالي هذا الكلام لا معنى له. والحقيقة أن الشيخ راشد الغنوشي زار الجزائر لحضور مؤتمر حزب إسلامي، بالطبع وقع استقباله من طرف الرئيس عبد العزيز بوتفليقة، الذي تربطني به علاقة صداقة منذ 55 سنة، ذلك أنه دعاني لزيارته. وبالفعل استجبت لدعوته، وزرت الجزائر وحدي ولم التق بالغنوشي هناك.
وفي ما يخص لقاء باريس، سبق أن فسرته طولا وعرضا وأفقيا وعموديا. إن الغنوشي هو رئيس الحزب الذي كان في الحكم، ونحن كنا خارج الحكم لكن البلد كان في مآزق، ويعيش أزمة اقتصادية واجتماعية وسياسية، وكذلك أزمة أمنية. فأنا في خطاب تلفزيوني توجهت بالكلمة إلى السيد الغنوشي وقلت له: يا أخ راشد ماذا تفعل وأنت رئيس الحزب الأكبر في الحكم، والبلاد ماضية نحو الهاوية وأنت لم تحرك ساكنا؟ ونحن كمنتسبين للمعارضة مستعدون لإيجاد الحلول لكن ليس لدينا مخاطب. وبعد مدة هاتفني وطلب مقابلتي، فقلت له إنني سأكون مسافرا، ولدي التزامات خارج الوطن، فتكرم وقال إن بإمكانه أن يأتي إليّ حيث أنا موجود. وبالفعل جاءني إلى باريس وتحدثنا مدة فاقت ثلاث ساعات، وأقنعته، حسب رأيي، أو ربما كان مهيئا ليكون مقتنعا، بأن يلتحق بالحوار الوطني لانه ليس هناك حل آخر غير الحوار. وفعلا، التحق بالحوار، ونتيجة أخد ورد وتجاذبات مختلفة، توصلنا إلى اتفاق حول الدستور. لأنه في الحقيقة حركة النهضة ومعها الأحزاب المشاركة آنذاك في الترويكا كانت قد اتفقت على مشروع دستور معين، ووقعت عليه، لكن أمام الضغط قبلت بالتراجع عن ذلك المشروع، ومشينا جميعا نحو مشروع توافقي، وقبلوا الخروج من الحكومة التي خلفتها حكومة تكنوقراط أو حكومة شخصيات مستقلة. فهذه خطوة لا يستهان بها.
* أدت تصريحات أدليت بها أخيرا، وتناولت فيها الحديث عن الغنوشي وحركة النهضة، إلى تأجيج التفاعل على مواقع التواصل الاجتماعي بقوة، حول الصفقة التي عقدت بينك وبين الغنوشي. ما تعليقك؟
- من مكاسب الثورة أن الإعلام تحرر، لكن التحرر لا يعني أنه سار في الطريق الموفق. وهنا أستذكر مقولة لكاتب فرنسي مفادها أن «كل شيء فيه إفراط هو غير عادل», وبالتالي فليقولوا ما يحلو لهم. فأنا إنسان أخدم بلدي، وكل ما ينفع البلد أنا معه.. ثانيا، الحزب الذي أترأسه يرفع شعار «الوطن قبل الأحزاب»، ولهذا أنا مع كل ما فيه مصلحة للوطن.
* تعرف حركة نداء تونس تجاذبات داخلية. ألا تخشون أن تؤدي هذه التجاذبات إلى إضعاف حظوظكم في الانتخابات الرئاسية، وكذلك في الانتخابات التشريعية؟
- انتخابي للرئاسة ليس غاية في حد ذاته، وأنا غير متمسك به. فحتى الآن رشحني حزبي للرئاسة لكنني لم أقبل بعد بذلك. سأترشح للرئاسة إذا لم أجد في المترشحين الآخرين ما يضمن خروج تونس من الوضع الذي تعيشه حاليا، ولهذا لا تهمني حظوظي الشخصية.
وحركة نداء تونس هي حزب بدأناه بعدد قليل من المنخرطين، لكنه أصبح في ظرف سنة الحزب الأول في البلد. ووصل عدد المنخرطين فيه الآن إلى 110 آلاف منخرط، وبالتالي فإن الوضع في حزب فيه 10 آلاف أو 11 ألف منخرط ليس هو نفس الوضع في حزب فيه 110 آلاف منخرط، وتسييرهما لا يمكن أن يكون بنفس الطريقة. فقلنا بعد أن كبر حزبنا إن الطريقة التي كنا نسيره بها لم تعد جائزة، فليس مطلوبا أن يكون رئيس الحزب هو الآمر الناهي، واقترحت شخصيا أن نعقد مؤتمرا، وننتخب الهيئة المسيرة للحزب، لكن في هذه الحالة وجدنا تحفظا لدى بعض المسيرين في الحزب ربما لخشيتهم أن تبعدهم الانتخابات عن مواقعهم. لكن هذا الخيار (الانتخابات) لا مناص منه. فنحن لم نعد في عصر «الرئيس هو الذي يحكم»، وأنا أدرى الناس بتداعيات الحكم الفردي لأنني كنت منخرطا على امتداد عشرات السنين في حزب وحيد أصبح حزبا رئاسويا.
نحن ماضون نحو الانتخابات، ولا بد من وضع قوائم، وستكون هناك اختلافات في الرأي بشأنها، وسيكون هناك ربما تحالف مع أحزاب أخرى، وبالتالي لا بد لقيادة حزبنا أن تكون غير مشكوك فيها، وأن تكون منتخبة. هذا هو الإشكال المطروح حاليا في حزبنا. أنا مع الانتخاب، لكن هناك في الحركة من يرغبون في استمرار الطريقة المعمول بها حاليا في تسييرها.
* قلت إنك لم تحسم حتى الآن مسألة الترشح للانتخابات الرئاسية. هل حضرت بديلا لك في حالة لم تترشح؟
- نحن نترقب أولا تحديد تاريخ الانتخابات، وما دام ذلك لم يقع فإنه يصعب إعلان من هو المرشح. فحتى الآن ليس هناك من أعلن ترشحه. بالنسبة لحركة نداء تونس، وتبعا لخاصيتها، نحن لدينا هيئات تنفيذية تجتمع كل شهر. والتأم آخر اجتماع لها يوم 18 مايو (أيار) الماضي، وهو اجتماع طرحت فيه عدة قضايا، من بينها أن مجموعة من القياديين طرحوا مسألة ترشح رئيس الحركة للانتخابات الرئاسية (قائد السبسي)، فوافق الحاضرون على ذلك. هذه حقيقة ما جرى. بيد أنه لا يمكن الحديث بصفة جدية عمن هو المرشح إلا بعد أن يجري تحديد موعد الانتخابات.
* عودة إلى موضوع انعقاد مؤتمر حزبكم. هل ما زال موعد يوم 15 يونيو (حزيران) الحالي قائما؟
- المكتب التنفيذي للحركة هو الذي اقترح عقد المؤتمر، واقترح تاريخه، لكن بما أن لدينا هيئة تأسيسية فإنها هي صاحبة النظر حتى يأتي موعد المؤتمر، أي عندما نعقد المؤتمر تنتهي مسؤولياتها. وبما أننا لم نعقد المؤتمر بعد فإن حق النظر في الأمر يبقى من مسؤولياتها. إن الهيئة أيدت انعقاد المؤتمر وحددت موعده يوم 15 من الشهر الحالي. لكن الهيئة أيضا شكلت لجنة لدراسة الآليات والظروف المادية لمعرفة هل انعقاد المؤتمر في هذا الوقت ممكنا أم لا. بيد أن اللجنة نظرت في الموضوع وقررت الشيء نفسه، لكنها طرحت ملاحظتين، قانونية ومالية، إذ تساءلت ما إذا كان شكل المؤتمر كما طرحناه يطابق القانون أم لا.. وستجتمع اللجنة غدا (السبت) للبت في ذلك، وكما سبق أن ذكرت نحن لسنا متشبثين بالشكليات، بل متشبثون بتوفير المتطلبات القانونية والمالية والآليات الكاملة حتى يمر المؤتمر في أحسن الظروف. فإذا أرجأنا انعقاده مدة أسبوع فهذا ليس مشكلة. إنما المؤتمر يبقى قائما. إن هيئة حركتنا تتشكل من 11 مسؤولا، تسعة منهم مع عقد المؤتمر في موعده، وهناك مسؤولان فقط يطالبان بمزيد من الدراسة، وأنا كرئيس للحركة مع التوافق بشأن ذلك لأن المسألة هنا ليست مسألة تصويت، وطرحت آجالا للنظر في هذا الموضوع والبت فيه.
* الملاحظ في تونس حاليا أن هناك حنينا للبورقيبية. هل أنت بورقيبة جديد؟
- أنا تلميذ الحبيب بورقيبة وخريج مدرسة بورقيبة، لكن بورقيبة الآن في ذمة الله، وظل كرمز، وانظر إلى جانبي فإن تمثاله حاضر معنا. بورقيبة أستاذنا، وأنا عملت معه مدة 35 سنة، ولدي بعض التحفظات على بعض المواقف، لكن بورقيبة يبقى عبقريا، وتونس الآن تعيش بفضل الإنجازات التي حققها نظام الحبيب بورقيبة. أولا، بنى الدولة.. ثانيا، تحرير المرأة.. ثالثا، تعميم التعليم. فتونس الآن تمتاز على كثير من الشعوب العربية الأخرى بإنجازات لم تتحقق لغيرها، وهذا بفضل السياسة التي انتهجها بورقيبة في مجال التعليم، لكنه لم يكن وحده، بل كان معه زعماء آخرون بمعنى أن العمل كان جماعيا. وبالتالي فإن الشعب التونسي بقيادة بورقيبة حقق انتصارات من بينها تحقيق الاستقلال، وإقامة مجتمع حداثي على أنقاض مجتمع قديم، وبناء دولة القرن الحادي والعشرين وليس دولة القرن السابع، وتحاول الدولة هذه أن تلتحق بالدول المتقدمة.
* عودة لموضوع الترشح للانتخابات، هناك كثيرون يصفونك بأنك «حكيم تونس»، وأن ترشيحك ربما قد يضر بهذه الحكمة والصورة السائدة عنك. ما تعليقك على ذلك؟
- أولا، أود القول إنني لست الحكيم الوحيد في تونس. إن وصفي بالحكيم شيء يشرفني، لكن الحكمة لا بد أن تستغل في مصلحة الشأن العام في البلد. ومصلحة الشأن العام ليس معناها أن يكون على رأس تونس حكيم أو لا يكون، بقدر ما يجب أن تخرج من الوضع المتردي جدا الذي تعيشه، وهنا تكمن مسؤولية الناس الذين أداروا الشأن العام خلال السنتين الماضيتين، فهم الذين أوصلوا البلاد إلى هذا الوضع المتردي غير المسبوق. ومن ثم فأنا أفضل أن أكون غير حكيم في دولة متقدمة على أن أكون حكيما في دولة متأخرة.
* ما تقييمكم لحكومة مهدي جمعة، فبعد مرور أشهر قليلة على تنصيبها هل استطاعت أن تخرج بالبلاد من عنق الزجاجة؟
- نحن لم نختر السيد مهدي جمعة ولا حكومته، لكن لما وافق البعض على جمعة وشكل حكومته أيدناها وما زلنا نؤيدها رغم أن البعض تخلوا عنها، لأنه لا يوجد بديل لها. فالدنيا تأبى الفراغ، والآن لو لم يكن مهدي جمعة موجودا لكان لزاما علينا أن نخترعه.
* ما رأيكم في من يقول إن حركة نداء تونس هي ظاهرة إعلامية أكثر منها امتدادا شعبيا؟
- كل إنسان ينجح يقوم الناس ضده، وهذه خاصية عربية، فعندما نجد إنسانا ناجحا لا نقول إنه موهوب وناجح بل نكيل له التهم المجانية، مثل القول إنه سارق، وأنا أحسن منه، إلى آخره. وفي هذا النسق نحن نواجه هذا الوضع. وأود القول إننا لو لم نكن الآن، في نطاق سبر (استطلاع) الآراء، الحزب الأول لما كانوا يقولون هذا الكلام.
في 15 يونيو الحالي ستحل الذكرى لثانية لتأسيس الحزب، لذلك اخترنا عقد مؤتمره في نفس التاريخ، وثمة أحزاب أخرى عندها 30 سنة (الحزب الجمهوري)، و40 سنة (النهضة)، لكن النهضة عندها 60 ألف منخرط، ونحن نتوفر على 110 آلاف منخرط. خارج هذا يمكن الحديث عن ظاهرة إعلامية، لكن حزبنا يبقى أيضا ظاهرة عددية. فهل هذه الظاهرة العددية ستتبخر يوم الانتخابات أم أنها ستثبت؟ عموما، المستقبل بيننا.
* قال راشد الغنوشي إن حركة النهضة خرجت من الحكومة ولم تخرج من الحكم، خرجت من السلطة التنفيذية لكنها لم تخرج من السلطة التشريعية. ما مدى تأثير حركة النهضة على مسار حكومة جمعة؟
- نحن دخلنا في حوار وطني، ونتيجة هذا الحوار هي التي جاءت بهذه الإشكاليات، لكن الحوار الوطني ليس شيئا مثاليا بل فيه نواقص من بينها أنه تعهد بالسلطة التنفيذية ولم يتعهد بسلطتي الرئاسة والمجلس التأسيسي. وأبقى عليهما. وأود أن أقول إنني من الناس الذين طرحوا يوم السادس من فبراير (شباط) 2012، يوم اغتيال شكري بلعيد، حل المجلس التأسيسي لأن نظريتي تقوم على أساس أن كل المنظومة التي جرى انتخابها يوم 23 أكتوبر (تشرين الأول) 2011 أخفقت وليس فقط الحكومة، لكننا غيرنا الحكومة ولم نغير الباقي. حيث قبلت حركت النهضة التخلي عن الحكومة لكنها بقيت في المجلس التأسيسي حيث خرجت من الحكومة ولم تخرج من الحكم لأن المجلس التأسيسي حتى الآن له رقابة على الحكومة. فوجودهم في المجلس التأسيسي بأغلبية نسبية يعطيهم أيضا إمكانيات التحكم. ولهذا أعتقد أننا بدأنا في المضي نحو اتجاه صحيح، وحققنا مكتسبات لا يستهان بها، لكننا لم نصل بعد إلى نهاية المطاف، ويمكن أن يقع تعثر من الآن إلى حين الوصول إلى موعد الانتخابات الحقيقية.
* زرت أخيرا الإمارات العربية المتحدة، وثمة أنباء عن زيارة قريبة لك لقطر..
- من قال لك إنني سأزور قريبا قطر؟
* قرأت ذلك في صحيفة محلية..
- (ضاحكا) ليس كل ما ينشر في الصحف صحيحا مثل «فيسبوك».
* إذن، بالنسبة لزيارتك للإمارات.. ماذا كانت طبيعتها؟
- أولا، أنا لدي علاقات وطيدة في الإمارات، وكانت لدي علاقات مميزة مع الشيخ زايد رحمه الله، وهذه العلاقات تواصلت مع أبنائه، ذلك أن زيارتي الأخيرة للإمارات كانت زيارة شخصية أكثر منها زيارة تتعلق بأمور لها علاقة بالدولة. فأنا لم أزر الإمارات منذ كنت رئيسا للحكومة في 2011. ووجه لي المسؤولون فيها دعوة لزيارتهم، وتكرموا علي بطائرة خاصة أقلتني إلى أبوظبي، وبقيت هناك يوما واحدا استرجعت فيه العلاقات والذكريات، فأنا لست في الحكم، ولهذا العلاقات المتعلقة بالدولة تكون بين حكومتي البلدين ومؤسساتهما. وأنا لا أتوفر على هذه الصفة حاليا. وسبق لي أن صرحت للصحافة بأنني قمت بزيارة ودية، وشبه عائلية، للإمارات وكانت موفقة. طبعا كان لا بد أن نتحدث قليلا عن السياسة، وفهمت أن الإمارات لديها استعداد لدعم تونس، وأنهم يعدونها قريبة منهم، وأعتقد أن التونسيين يبادلونهم نفس الشعور.
* التقيتم العاهل المغربي الملك محمد السادس في ختام زيارته الرسمية لتونس.. ماذا دار بينكم؟
- ليس من اللياقة أن أتحدث عما دار بيننا. أولا، أنا صديق والده الراحل الملك الحسن الثاني، وتربطني بالعائلة المالكة علاقات حميمة.. ثانيا، علاقتي بالملك محمد السادس تعود إلى أيام كان طفلا، لهذا خصني العاهل المغربي باستقبال، وأنا الوحيد الذي حظيت بهذا الشرف بعد انتهاء زيارته الرسمية وبدء زيارته الخاصة. طبعا تحدثنا عن الأوضاع الحالية للمنطقة، وأبديت له رأيي في الوضع.
* ما تقييمك لخطاب الملك محمد السادس في المجلس التأسيسي التونسي؟
- أنا كنت من بين الحاضرين في المجلس التأسيسي، وصفقت بعد انتهاء خطابه، ومعروف عني أنني لا أصفق إذا لم أكن موافقا على شيء ما.



ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
TT

ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)

دفعت الحكومة اليمنية الجديدة بملف حقوق الإنسان إلى واجهة أولوياتها السياسية والمؤسسية، في مسعى لإعادة بناء الثقة داخلياً وتعزيز حضور الدولة قانونياً ودولياً، بالتوازي مع تكثيف الجهود لتوثيق الانتهاكات ومحاسبة مرتكبيها، وتحسين أوضاع الحقوق والحريات في المناطق المحررة.

وتأتي هذه التحركات في سياق رؤية أوسع تهدف إلى ترسيخ دولة المؤسسات والقانون، وإظهار التزام رسمي بمعايير العدالة وحقوق الإنسان، بوصفها ركناً أساسياً في مسار الاستقرار وإعادة بناء الدولة.

وخلال لقاء مع وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة، مشدل عمر، شدد عضو مجلس القيادة الرئاسي، طارق صالح، على «أهمية اضطلاع الوزارة بدور أكثر فاعلية في توثيق الانتهاكات الجسيمة التي ترتكبها جماعة الحوثي بحق المدنيين، وفي مقدمتها زراعة الألغام، وتجنيد الأطفال، وفرض القيود على الحريات العامة»، مؤكداً «ضرورة عرض هذه الملفات أمام الهيئات الدولية المختصة، بما يُسهم في ضمان عدم إفلات المسؤولين عنها من المساءلة».

طارق صالح يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما دعا صالح إلى «تكثيف النزول الميداني إلى مراكز الاحتجاز في المناطق المحررة، للتحقق من مدى التزامها بالمعايير القانونية والإنسانية»، مشدداً «على أن بناء دولة النظام والقانون يمثّل الضمانة الحقيقية لحماية الحقوق وصون الكرامة الإنسانية».

تعزيز المساءلة

في لقاء آخر مع الوزير مشدل عمر، أكد عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرّمي، «ضرورة رفع تقارير مهنية دقيقة حول الانتهاكات، خصوصاً في مناطق التماس، بما يُسهم في كشف الممارسات المخالفة للقانون الدولي، وتعزيز فرص المساءلة مستقبلاً».

وشدد المحرّمي على «أهمية تطوير آليات الرصد والتوثيق، وتعزيز حضور وزارة حقوق الإنسان في المحافظات، بما يسمح بمتابعة الانتهاكات بشكل مباشر، وتقليص الفجوة بين المؤسسات الحكومية والمجتمع المحلي».

المحرّمي يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما جرى تأكيد «ضرورة تنظيم الندوات وورشات العمل لنشر ثقافة حقوق الإنسان، وتدريب منتسبي الأجهزة الأمنية والقضائية على المبادئ القانونية الدولية، بما يضمن احترام الحقوق خلال مختلف الإجراءات الرسمية».

ويرى مراقبون أن هذا التوجه يعكس محاولة لإعادة صياغة صورة المؤسسات الحكومية، عبر الانتقال من ردود الفعل إلى بناء منظومة وقائية تمنع الانتهاكات قبل وقوعها، وتؤسّس لثقافة مؤسسية قائمة على احترام القانون.

شراكات دولية ورقابة ميدانية

في موازاة الجهد الداخلي، تسعى الحكومة اليمنية إلى توسيع تعاونها مع الشركاء الدوليين لدعم البنية الحقوقية والمؤسسية؛ إذ بحث وزير «حقوق الإنسان» مشدل عمر، مع السفير الألماني لدى اليمن توماس شنايدر، سبل تعزيز التعاون الثنائي، ودعم الآليات الوطنية المختصة، وتمكين منظمات المجتمع المدني، بالإضافة إلى تطوير برامج الدعم الفني وبناء القدرات.

ونقل الإعلام الرسمي أن الوزير أشاد بالدور الألماني في دعم الجهود الإنسانية والحقوقية، لافتاً إلى «أن الشراكات الدولية تمثّل عاملاً مهماً في تعزيز سيادة القانون وترسيخ المعايير الحقوقية، خصوصاً في ظل التحديات التي تواجهها المؤسسات الوطنية نتيجة سنوات الصراع».

وزير «حقوق الإنسان» اليمني مشدل عمر مع السفير الألماني (سبأ)

وعلى الصعيد الميداني، نفّذت «اللجنة الوطنية اليمنية للتحقيق في ادعاءات انتهاكات حقوق الإنسان» (حكومية-مستقلة) جولة في محافظة الحديدة، حيث عاينت عدداً من السجون ومراكز الاحتجاز في مديريتي حيس والخوخة. وشملت الزيارات «سجن أبو موسى الأشعري»، و«سجن الوحدة (400)»، بالإضافة إلى «سجن الاحتياط» التابع لإدارة أمن حيس ومركز احتجاز اللواء السابع عمالقة.

وأكدت اللجنة أن هذه الزيارات «تأتي ضمن ولايتها القانونية للتحقق من أوضاع المحتجزين، والاستماع إلى إفاداتهم وتقييم الضمانات الأساسية، بما يشمل مشروعية الاحتجاز، وظروف الإيواء والرعاية الصحية، وحق الاتصال بالأهل والتمثيل القانوني، تمهيداً لتضمين النتائج في تقاريرها الدورية المبنية على الأدلة الميدانية».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
TT

اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية في اليمن، وفي مقدمتها العاصمة المختطفة صنعاء، موجة متسارعة من نزوح رؤوس الأموال والكفاءات المهنية، وسط اتهامات للجماعة بفرض سياسات مالية وإدارية وإتاوات متنوعة تُقيد النشاط التجاري وتُضعف ثقة المستثمرين.

ويأتي هذا النزيف الاقتصادي في وقت يعاني فيه اليمن أساساً من أزمة إنسانية ومعيشية معقدة، ما يضاعف من آثار الانكماش الاقتصادي على السكان والأسواق على حد سواء.

ويشير رجال أعمال وأصحاب شركات، إلى الإجراءات المفروضة عليهم خلال السنوات الأخيرة، بما في ذلك الجبايات المتكررة والرسوم غير القانونية، والتدخلات المباشرة في إدارة الأنشطة التجارية.

مبنى الاتحاد العام للغرف التجارية الصناعية الخاضع للحوثيين في صنعاء (إكس)

وبحسب إفادات التجار، أدى سلوك الحوثيين إلى خلق بيئة استثمارية طاردة دفعت كثيرين إلى نقل أعمالهم خارج مناطق آمنة، سواء إلى مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً، أو إلى دول مجاورة توفر قدراً أكبر من الاستقرار القانوني والاقتصادي.

ويقول تجار في صنعاء، إن تعدد الجهات التي تفرض الرسوم والإتاوات، جعل تكلفة التشغيل مرتفعة بصورة غير مسبوقة، في ظل غياب معايير واضحة لتنظيم النشاط الاقتصادي.

قرارات مجحفة

ويشير التجار في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، إلى أن القرارات الاقتصادية المجحفة تُتخذ بشكل مفاجئ ودون إطار قانوني مستقر، الأمر الذي يجعل التخطيط طويل الأمد، شبه مستحيل بالنسبة للشركات والمستثمرين.

ويرى خبراء اقتصاديون أن السياسات الاقتصادية الحوثية أسهمت في تسريع هروب ما تبقى من رؤوس الأموال المحلية، مؤكدين أن المشكلة لم تعد تقتصر على من غادر بالفعل؛ بل تشمل أيضاً شريحة واسعة من المستثمرين الذين يفكرون جدياً في الرحيل.

ويلفت هؤلاء إلى أن فقدان الثقة أصبح العامل الأكثر تأثيراً في القرارات الاستثمارية، متجاوزاً حتى التحديات الأمنية أو ضعف البنية التحتية.

ويحذر اقتصاديون من أن استمرار فرض الجبايات تحت تسميات متعددة؛ مثل دعم الأنشطة التعبوية، أو تمويل فعاليات الجماعة الحوثية، يؤدي إلى استنزاف السيولة داخل السوق المحلية، ما يقلص قدرة الشركات على التوسع أو حتى الاستمرار.

حوثيون على متن دورية يخطفون تجاراً وأصحاب مهن في صنعاء (الشرق الأوسط)

كما أن التدخلات المباشرة في القطاع الخاص، بما في ذلك المداهمات أو فرض الوصاية غير الرسمية على بعض الأنشطة، خلقت حالة من القلق الدائم لدى المستثمرين.

ويُنظر إلى مغادرة عدد من رجال الأعمال البارزين خلال الفترة الأخيرة، باعتبارها مؤشراً على تدهور المناخ الاقتصادي، حيث يرى مراقبون أن خروج شخصيات اقتصادية معروفة، يعكس تراجع الثقة في إمكانية استقرار بيئة الأعمال مستقبلاً.

ويؤكد محللون أن رأس المال بطبيعته يبحث عن الأمان والاستقرار، وعندما يفقدهما يتحرك سريعاً نحو بيئات أقل مخاطرة.

نزيف الكفاءات

ولم يقتصر النزوح على رؤوس الأموال فقط؛ بل امتد إلى الكفاءات المهنية في قطاعات حيوية، مثل الطب والهندسة وتقنية المعلومات والتعليم، حيث فضّل آلاف المتخصصين البحث عن فرص عمل أكثر استقراراً داخل اليمن أو خارجه.

ويعدّ هذا التحول أحد أخطر تداعيات الأزمة الاقتصادية، نظراً لما يمثله رأس المال البشري من عنصر أساسي في أي عملية تعافٍ اقتصادي مستقبلي.

آلية حوثية تعتدي على باعة أرصفة بالقرب من متاجر في صنعاء (إعلام حوثي)

ويؤكد خبراء أن فقدان الكوادر المؤهلة في مناطق سيطرة الحوثيين، يؤدي إلى تراجع جودة الخدمات الأساسية، وبخاصة في القطاعات الصحية والتعليمية، كما يُضعف قدرة الاقتصاد المحلي على الابتكار أو إعادة البناء. ومع استمرار القيود المفروضة على الاستيراد والتصدير وارتفاع تكاليف التشغيل، تصبح فرص خلق وظائف جديدة، محدودة، ما يدفع مزيداً من الشباب إلى التفكير بالهجرة.

وتشير تقديرات غير رسمية إلى إغلاق أعداد متزايدة من المنشآت التجارية خلال الأعوام الماضية، بالتزامن مع ارتفاع معدلات البطالة وتراجع القدرة الشرائية للسكان.

ويؤدي هذا الوضع إلى حلقة مفرغة؛ إذ يسهم انكماش الاقتصاد في تقليص الإيرادات، ما يدفع السلطات الحوثية القائمة إلى زيادة الجبايات، الأمر الذي يسرّع بدوره خروج المستثمرين والكفاءات.


الحوثيون يصعّدون استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية

عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
TT

الحوثيون يصعّدون استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية

عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)

كثّفت الجماعة الحوثية خلال الأيام الأخيرة، من استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية، وسط حالة توتر متصاعدة، ومخاوف كبيرة من اندلاع احتجاجات شعبية داخل مناطق سيطرة الجماعة.

وتشير تقارير حكومية وحقوقية إلى أن حوادث القمع الأخيرة، التي شملت عمليات قتل وقنص وحصار أحياء سكنية، ترتبط بشكل مباشر بمحاولات منع أي تحركات احتجاجية، أو مطالبات بالإفراج عن معتقلين في سجون الجماعة.

وتأتي هذه التطورات في وقت تعيش فيه الجماعة الحوثية حالة استنفار أمني غير مسبوقة، وسط تقديرات محلية بأن تصاعد الضغوط الاقتصادية والاجتماعية قد يدفع نحو موجة احتجاجات شعبية، وهو ما تسعى الجماعة إلى احتوائه عبر القبضة الأمنية المشددة.

وكان أبرز هذه الانتهاكات في مدينة رداع بمحافظة البيضاء (جنوب شرقي صنعاء)، حيث قُتل الشاب عبد الله الحليمي، وأصيب رفيقه عبد الله الزيلعي بعد دعوتهما السكان إلى تنظيم وقفة احتجاجية للمطالبة بالإفراج عن ثمانية من أقاربهما المعتقلين منذ ثمانية أشهر. وحسب مصادر حكومية، فإن عناصر تابعة للحوثيين، أطلقت النار على الشابين في سوق الحراج وسط المدينة عقب رصد تحركاتهما لحشد المواطنين.

آخر ضحايا الحوثيين في مدينة رداع التابعة لمحافظة البيضاء (إعلام محلي)

وأوضحت المصادر، أن الدعوة للاحتجاج جاءت على خلفية اعتقال أقارب الشابين بعد حادثة قتل سابقة مرتبطة بنزاع قبلي، الأمر الذي أدى إلى توتر متصاعد داخل المجتمع المحلي.

وأكدت المصادر، أن حملة أمنية أُرسلت إلى السوق فور انتشار الدعوة، قبل أن تتطور الأوضاع إلى مواجهة مباشرة انتهت بمقتل الحليمي، وإصابة رفيقه بجروح خطيرة نقل على أثرها إلى العناية المركزة.

وتشير شهادات محلية، إلى أن الحادثة أعادت إحياء مشاعر الغضب في المدينة، خصوصاً أن والد الضحية قُتل قبل أقل من عام في حادثة مشابهة، ما عزز المخاوف من دخول المنطقة في دوامة ثأر اجتماعي قد يصعب احتواؤها.

حصار الأحياء

منظمات حقوقية يمنية عبّرت عن قلق بالغ إزاء ما وصفته بـ«التصعيد العسكري الخطير» في رداع، مؤكدة أن الجماعة فرضت حصاراً على حي الحفرة، واستخدمت الأسلحة الثقيلة والمتوسطة داخل مناطق سكنية مكتظة بالسكان. وأفادت بأن العمليات العسكرية أدت إلى سقوط قتلى وجرحى بين المدنيين، إضافة إلى موجة نزوح داخلي وحالة هلع واسعة بين النساء والأطفال.

وأكدت «الشبكة اليمنية للحقوق والحريات» أن قصف الأحياء السكنية وإغلاق الطرق ومنع وصول المساعدات الطبية، يمثل انتهاكاً صريحاً لقواعد القانون الدولي الإنساني، مشيرة إلى أن السكان حُرموا من حرية الحركة والوصول إلى الخدمات الأساسية، بما في ذلك الرعاية الصحية.

دعوات حقوقية لتدخل دولي لحماية المدنيين في مناطق سيطرة الحوثيين (إعلام محلي)

كما لفتت إلى أن استمرار العمليات العسكرية داخل المدن يعكس استخفافاً بحياة المدنيين، ويضاعف من المخاطر الإنسانية، خصوصاً على الفئات الأكثر هشاشة مثل الأطفال وكبار السن. وأدى إغلاق الطرق إلى تأخير وصول فرق الإسعاف والإغاثة، ما فاقم من معاناة الجرحى والمصابين.

من جهته، قال وزير الإعلام اليمني معمر الارياني في تصريح رسمي إن «ما يجري في حي الحفرة يؤكد أن ميليشيات الحوثي ماضية في نهجها القائم على الانتقام الجماعي، وتصفية الحسابات خارج إطار القانون، وترهيب المجتمع وإخضاعه بالقوة المسلحة، في انتهاك صارخ لكل القوانين والأعراف الوطنية والدولية».

وطالب الإرياني «منظمات حقوق الإنسان المحلية والدولية، والآليات الأممية المعنية، بإدانة واضحة وصريحة لهذه الجرائم، وتوثيقها، والعمل على مساءلة مرتكبيها»، مؤكداً أن «هذه الجرائم لا تسقط بالتقادم، وأن جميع المتورطين فيها، من الآمرين والمنفذين، سيظلون عُرضة للملاحقة والمساءلة عاجلاً أم آجلا».

استهداف في تعز وإب

ولم تقتصر حوادث العنف على محافظة البيضاء، إذ شهدت محافظة تعز إصابة امرأة تُدعى كاتبة إسماعيل، برصاص قناص حوثي في منطقة وادي صالة شرق المدينة، أثناء وجودها في المنطقة، حيث نُقلت إلى المستشفى العسكري وهي في حالة حرجة.

وفي محافظة إب، قُتل فتى في حادثة إطلاق نار أثارت موجة غضب شعبية ومطالبات بملاحقة الجاني وتقديمه إلى العدالة، وسط تصاعد المخاوف من انتشار ظاهرة الإفلات من العقاب.

وتقول منظمات حقوقية، إن تكرار هذه الحوادث يعكس نمطاً متصاعداً من استهداف المدنيين عبر القنص أو إطلاق النار المباشر، في انتهاك واضح للحق في الحياة والسلامة الجسدية.

الحوثيون اعتقلوا آلاف اليمنيين وسط مخاوفهم من انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

ودعت تلك المنظمات إلى فتح تحقيقات عاجلة وشفافة في جميع الحوادث، وضمان محاسبة المسؤولين عنها، إضافة إلى وقف استخدام الأسلحة داخل الأحياء السكنية، ورفع الحصار عن المناطق المتضررة. كما طالبت بتوفير ممرات إنسانية آمنة لإجلاء الجرحى، وضمان وصول المساعدات الطبية.

وفي هذا السياق، ناشدت الجهات الحقوقية، المجتمع الدولي ووكالات الإغاثة، بما في ذلك الأمم المتحدة، التحرك العاجل للضغط من أجل حماية المدنيين ومنع اتساع رقعة العنف، محذّرة من أن استمرار التصعيد قد يقود إلى كارثة إنسانية جديدة، ويقوّض فرص التهدئة الهشة أصلاً.