التحفظ على أموال عائلة مرشد «الإخوان» وتأجيل محاكمة مرسي

حبس 28 من أعضاء الجماعة.. و«التحالف» يدعو للتظاهر

محمد بديع
محمد بديع
TT

التحفظ على أموال عائلة مرشد «الإخوان» وتأجيل محاكمة مرسي

محمد بديع
محمد بديع

قررت لجنة حصر وإدارة أموال جماعة الإخوان المسلمين، التحفظ على أموال عائلة مرشد «الإخوان» محمد بديع، وذلك بعد أن تبين اختلاط ثروتهم بأموال الجماعة، في حين أرجأت محكمة الجنايات جلسات محاكمة الرئيس المعزول محمد مرسي، و131 متهما من قيادات جماعة الإخوان المسلمين وتنظيمها الدولي، في قضية الهروب من سجن «وادي النطرون» عام 2011، بالاتفاق مع كل من حركة حماس و«حزب الله» اللبناني والحرس الثوري الإيراني، إلى جلسة 15 يونيو (حزيران) الحالي، لوجود جلسة نطق بالحكم على المتهمين في قضية قطع الطريق الزراعي بقليوب. كما قضت محكمة مصرية أمس بحبس 28 إخوانيا لمدد تتراوح بين سنة و«المؤبد»، بينما جرى تأجيل محاكمة 20 متهما، من بينهم أربعة أجانب من مراسلي قناة «الجزيرة» في القضية المعروفة إعلاميا بـ«خلية الماريوت».
ويمثل مرسي أمام محكمة الجنايات يوم 10 يونيو الحالي في قضية قتل «متظاهري قصر الاتحادية»، كما يحاكم في قضية «التخابر مع هيئات أجنبية» يوم 16 من نفس الشهر، بينما قرر المستشار شعبان الشامي خلال جلسة محاكمة مرسي، أمس، تأجيلها إداريا لجلسة 15 يونيو بدلا من الغد، لتزامنها مع جلسة النطق بالحكم على المتهمين في قضية قطع الطريق الزراعي بقليوب.
وكانت السلطات أحالت الرئيس السابق، الذي يقضي فترة السجن الاحتياطي بمنطقة سجون برج العرب بالإسكندرية، وقيادات من «الإخوان» إلى المحكمة في تهمة اقتحام السجون التي جرت بعد يومين من قيام ثورة 25 يناير (كانون الثاني) عام 2011. وكانت السلطات في عهد الرئيس الأسبق حسني مبارك ألقت القبض على مرسي وقيادات من «الإخوان» ثالث أيام الانتفاضة الشعبية التي أطاحت بمبارك. لكن مجهولين اقتحموا عدة سجون وقاموا بتحرير قيادات «الإخوان» ومساجين لحماس و«حزب الله» مدانين في قضايا سابقة، مما تسبب في فوضى في السجون وهروب آلاف السجناء الجنائيين.
ويتوقع مراقبون توقيع أحكام مشددة - قد تصل إلى الإعدام - على مرسي وبقية المتهمين. وقال مصدر قضائي لـ«الشرق الأوسط»، إن «المتهمين يواجهون تهما بحمل أسلحة ثقيلة منها (آر بي جي)، ومدافع (غرينوف) ومدافع (رشاشة) وبنادق (آلية) بالذات وبواسطة الغير، بقصد استعمالها في الإخلال بالأمن والنظام العام والمساس بنظام الحكم».
في غضون ذلك، قررت لجنة حصر وإدارة أموال جماعة الإخوان، برئاسة المستشار عزت خميس، التحفظ على أموال سمية محمد الشناوي، زوجة محمد بديع مرشد الجماعة، ونجله بلال (طبيب) بما يشمل الأموال السائلة والمنقولة والأسهم وسندات البورصة، وذلك بعد أن تبين اختلاط ثروتهم بأموال جماعة الإخوان.
وقال المستشار وديع حنا، أمين عام اللجنة الوزارية لحصر أموال «الإخوان»، التي أعلنتها السلطات «تنظيما إرهابيا»، إن «اللجنة ما زالت تتبع أموال (الإخوان) عن طريق إجراء التحريات الرقابية والأمنية حولهم، والتي كشفت عن اختلاط أموال زوجة المرشد ونجله بأموال الجماعة، التي جاءت عن طريق بديع»، مشيرا إلى أن اللجنة ستقوم بالتحفظ على عدد من القياديات النسائية التابعة للجماعة، بعد أن تبين من التحريات صلتهن بالإخوان ودعم الجماعة الإرهابية. وقالت مصادر مطلعة، إن «إجمالي عدد قيادات الجماعة المتحفظ عليهم حتى الآن 737 قيادة، خاضعين لإجراءات المنع من التصرف في كافة ممتلكاتهم الشخصية. ومنهم يوسف القرضاوي، رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين (المقيم في قطر)، وباكينام الشرقاوي، مساعدة الرئيس السابق، وعبود وطارق الزمر القياديان بالجماعة الإسلامية، في حين بلغ عدد جمعيات (الإخوان) المتحفظ عليها 1105 جمعيات».
وعلى صعيد ذي صلة، قضت محكمة جنايات سوهاج أمس، بحبس 28 شخصا ينتمون لجماعة الإخوان لمدد تتراوح بين سنة و«المؤبد»، وبراءة عشرة آخرين في التحريض على العصيان المدني بالمحافظة التي تقع جنوب البلاد. وشملت الأحكام معاقبة أحد أعضاء الجماعة بالسجن المؤبد، وسبعة بالسجن المشدد عشر سنوات، و13 بالسجن المشدد خمس سنوات، وأربعة بالسجن المشدد ثلاث سنوات، وثلاثة بالسجن سنة مع الشغل، وقال شهود عيان، إن «الجلسة شهدت إجراءات أمنية مشددة ووجودا مكثفا لقوات الشرطة والأمن المركزي والعمليات الخاصة، وجرى غلق الشوارع المؤدية إلى مبنى ومحيط المحكمة، ووضع خمس بوابات وحواجز تفتيش إلكترونية على الأبواب المؤدية إلى مبنى وقاعة المحكمة».
وكانت النيابة العامة أحالت المتهمين إلى المحكمة ووجهت إليهم عددا من الاتهامات، منها «الانضمام إلى جماعة إرهابية محظورة هدفها تكدير السلم والأمن العام، وتحريض المواطنين على الدخول في عصيان مدني، والدعوة لإسقاط مؤسسات الدولة، وتعطيل وسائل المواصلات وقطع الطرق، والقيام بعمل مظاهرات دون إذن مسبق بالمخالفة لقانون التظاهر، وتمويل أنشطة جماعة إرهابية محظورة، وحيازة وطباعة منشورات بقصد تعطيل القانون وإشاعة الفوضى».
كما أجلت محكمة جنايات القاهرة أمس، محاكمة 20 متهما بينهم أربعة من قناة «الجزيرة»، في القضية المعروفة إعلاميا بـ«خلية الماريوت». وكانت السلطات المصرية اتهمت المراسلين الأجانب، وهم بريطانيان وأسترالي وهولندية، بتشكيل «شبكة إعلامية»، ضمت 20 شخصا من المصريين والأجانب، اتخذت من فندق «الماريوت» الشهير، بوسط القاهرة، مركزا لعملياتها. وأسندت النيابة العامة إلى المتهمين المصريين ارتكاب جرائم «الانضمام إلى جماعة إرهابية مؤسسة على خلاف أحكام القانون، والاعتداء على الحرية الشخصية للمواطنين»، و«الإضرار بالوحدة الوطنية والسلام الاجتماعي». كما أسندت إلى المتهمين الأجانب «الاشتراك مع المتهمين المصريين بطريق الاتفاق والمساعدة، في إمداد أعضاء تلك الجماعة بالأموال والأجهزة والمعدات والمعلومات، مع علمهم بأغراض تلك الجماعة». وكانت الأجهزة الأمنية قد ضبطت معدات تصوير ومونتاج وبث، وأجهزة حواسب آلية، قالت إن «المتهمين استخدموها في تجميع المواد الإعلامية، والتلاعب فيها، لإنتاج مشاهد غير حقيقية، للإيحاء للخارج بأن ما يحدث في مصر حرب أهلية، تنذر بسقوط الدولة».
يأتي هذا في وقت دعا فيه تحالف دعم الشرعية الداعم لجماعة الإخوان أنصاره للتظاهر في الميادين بداية من اليوم (الجمعة)، وذلك تعبيرا عن رفضهم تنصيب الرئيس المنتخب عبد الفتاح السيسي رئيسا لمصر بعد فوزه الساحق في الانتخابات الرئاسية.
من جهة أخرى، قررت محكمة جنايات القاهرة المنعقدة بأكاديمية الشرطة بالقاهرة الجديدة أمس، تأجيل القضية المعروفة إعلاميا بـ«محاكمة القرن» المتهم فيها الرئيس الأسبق حسني مبارك ونجلاه جمال وعلاء مبارك ووزير داخليته حبيب العادلي وستة من مساعديه، لاتهامهم بقتل المتظاهرين إبان ثورة 25 يناير إلى جلسه الاثنين المقبل، لسماع دفاع إسماعيل الشاعر، مدير أمن العاصمة في عهد مبارك المتهم بالقضية. ويحاكم مبارك ونجلاه علاء وجمال ورجل الأعمال حسين سالم أيضا في جرائم تتعلق بالفساد المالي واستغلال النفوذ في التربح والإضرار بالمال العام وتصدير الغاز المصري إلى إسرائيل بأسعار زهيدة تقل عن سعر بيعها عالميا.



ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
TT

ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)

دفعت الحكومة اليمنية الجديدة بملف حقوق الإنسان إلى واجهة أولوياتها السياسية والمؤسسية، في مسعى لإعادة بناء الثقة داخلياً وتعزيز حضور الدولة قانونياً ودولياً، بالتوازي مع تكثيف الجهود لتوثيق الانتهاكات ومحاسبة مرتكبيها، وتحسين أوضاع الحقوق والحريات في المناطق المحررة.

وتأتي هذه التحركات في سياق رؤية أوسع تهدف إلى ترسيخ دولة المؤسسات والقانون، وإظهار التزام رسمي بمعايير العدالة وحقوق الإنسان، بوصفها ركناً أساسياً في مسار الاستقرار وإعادة بناء الدولة.

وخلال لقاء مع وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة، مشدل عمر، شدد عضو مجلس القيادة الرئاسي، طارق صالح، على «أهمية اضطلاع الوزارة بدور أكثر فاعلية في توثيق الانتهاكات الجسيمة التي ترتكبها جماعة الحوثي بحق المدنيين، وفي مقدمتها زراعة الألغام، وتجنيد الأطفال، وفرض القيود على الحريات العامة»، مؤكداً «ضرورة عرض هذه الملفات أمام الهيئات الدولية المختصة، بما يُسهم في ضمان عدم إفلات المسؤولين عنها من المساءلة».

طارق صالح يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما دعا صالح إلى «تكثيف النزول الميداني إلى مراكز الاحتجاز في المناطق المحررة، للتحقق من مدى التزامها بالمعايير القانونية والإنسانية»، مشدداً «على أن بناء دولة النظام والقانون يمثّل الضمانة الحقيقية لحماية الحقوق وصون الكرامة الإنسانية».

تعزيز المساءلة

في لقاء آخر مع الوزير مشدل عمر، أكد عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرّمي، «ضرورة رفع تقارير مهنية دقيقة حول الانتهاكات، خصوصاً في مناطق التماس، بما يُسهم في كشف الممارسات المخالفة للقانون الدولي، وتعزيز فرص المساءلة مستقبلاً».

وشدد المحرّمي على «أهمية تطوير آليات الرصد والتوثيق، وتعزيز حضور وزارة حقوق الإنسان في المحافظات، بما يسمح بمتابعة الانتهاكات بشكل مباشر، وتقليص الفجوة بين المؤسسات الحكومية والمجتمع المحلي».

المحرّمي يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما جرى تأكيد «ضرورة تنظيم الندوات وورشات العمل لنشر ثقافة حقوق الإنسان، وتدريب منتسبي الأجهزة الأمنية والقضائية على المبادئ القانونية الدولية، بما يضمن احترام الحقوق خلال مختلف الإجراءات الرسمية».

ويرى مراقبون أن هذا التوجه يعكس محاولة لإعادة صياغة صورة المؤسسات الحكومية، عبر الانتقال من ردود الفعل إلى بناء منظومة وقائية تمنع الانتهاكات قبل وقوعها، وتؤسّس لثقافة مؤسسية قائمة على احترام القانون.

شراكات دولية ورقابة ميدانية

في موازاة الجهد الداخلي، تسعى الحكومة اليمنية إلى توسيع تعاونها مع الشركاء الدوليين لدعم البنية الحقوقية والمؤسسية؛ إذ بحث وزير «حقوق الإنسان» مشدل عمر، مع السفير الألماني لدى اليمن توماس شنايدر، سبل تعزيز التعاون الثنائي، ودعم الآليات الوطنية المختصة، وتمكين منظمات المجتمع المدني، بالإضافة إلى تطوير برامج الدعم الفني وبناء القدرات.

ونقل الإعلام الرسمي أن الوزير أشاد بالدور الألماني في دعم الجهود الإنسانية والحقوقية، لافتاً إلى «أن الشراكات الدولية تمثّل عاملاً مهماً في تعزيز سيادة القانون وترسيخ المعايير الحقوقية، خصوصاً في ظل التحديات التي تواجهها المؤسسات الوطنية نتيجة سنوات الصراع».

وزير «حقوق الإنسان» اليمني مشدل عمر مع السفير الألماني (سبأ)

وعلى الصعيد الميداني، نفّذت «اللجنة الوطنية اليمنية للتحقيق في ادعاءات انتهاكات حقوق الإنسان» (حكومية-مستقلة) جولة في محافظة الحديدة، حيث عاينت عدداً من السجون ومراكز الاحتجاز في مديريتي حيس والخوخة. وشملت الزيارات «سجن أبو موسى الأشعري»، و«سجن الوحدة (400)»، بالإضافة إلى «سجن الاحتياط» التابع لإدارة أمن حيس ومركز احتجاز اللواء السابع عمالقة.

وأكدت اللجنة أن هذه الزيارات «تأتي ضمن ولايتها القانونية للتحقق من أوضاع المحتجزين، والاستماع إلى إفاداتهم وتقييم الضمانات الأساسية، بما يشمل مشروعية الاحتجاز، وظروف الإيواء والرعاية الصحية، وحق الاتصال بالأهل والتمثيل القانوني، تمهيداً لتضمين النتائج في تقاريرها الدورية المبنية على الأدلة الميدانية».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
TT

اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية في اليمن، وفي مقدمتها العاصمة المختطفة صنعاء، موجة متسارعة من نزوح رؤوس الأموال والكفاءات المهنية، وسط اتهامات للجماعة بفرض سياسات مالية وإدارية وإتاوات متنوعة تُقيد النشاط التجاري وتُضعف ثقة المستثمرين.

ويأتي هذا النزيف الاقتصادي في وقت يعاني فيه اليمن أساساً من أزمة إنسانية ومعيشية معقدة، ما يضاعف من آثار الانكماش الاقتصادي على السكان والأسواق على حد سواء.

ويشير رجال أعمال وأصحاب شركات، إلى الإجراءات المفروضة عليهم خلال السنوات الأخيرة، بما في ذلك الجبايات المتكررة والرسوم غير القانونية، والتدخلات المباشرة في إدارة الأنشطة التجارية.

مبنى الاتحاد العام للغرف التجارية الصناعية الخاضع للحوثيين في صنعاء (إكس)

وبحسب إفادات التجار، أدى سلوك الحوثيين إلى خلق بيئة استثمارية طاردة دفعت كثيرين إلى نقل أعمالهم خارج مناطق آمنة، سواء إلى مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً، أو إلى دول مجاورة توفر قدراً أكبر من الاستقرار القانوني والاقتصادي.

ويقول تجار في صنعاء، إن تعدد الجهات التي تفرض الرسوم والإتاوات، جعل تكلفة التشغيل مرتفعة بصورة غير مسبوقة، في ظل غياب معايير واضحة لتنظيم النشاط الاقتصادي.

قرارات مجحفة

ويشير التجار في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، إلى أن القرارات الاقتصادية المجحفة تُتخذ بشكل مفاجئ ودون إطار قانوني مستقر، الأمر الذي يجعل التخطيط طويل الأمد، شبه مستحيل بالنسبة للشركات والمستثمرين.

ويرى خبراء اقتصاديون أن السياسات الاقتصادية الحوثية أسهمت في تسريع هروب ما تبقى من رؤوس الأموال المحلية، مؤكدين أن المشكلة لم تعد تقتصر على من غادر بالفعل؛ بل تشمل أيضاً شريحة واسعة من المستثمرين الذين يفكرون جدياً في الرحيل.

ويلفت هؤلاء إلى أن فقدان الثقة أصبح العامل الأكثر تأثيراً في القرارات الاستثمارية، متجاوزاً حتى التحديات الأمنية أو ضعف البنية التحتية.

ويحذر اقتصاديون من أن استمرار فرض الجبايات تحت تسميات متعددة؛ مثل دعم الأنشطة التعبوية، أو تمويل فعاليات الجماعة الحوثية، يؤدي إلى استنزاف السيولة داخل السوق المحلية، ما يقلص قدرة الشركات على التوسع أو حتى الاستمرار.

حوثيون على متن دورية يخطفون تجاراً وأصحاب مهن في صنعاء (الشرق الأوسط)

كما أن التدخلات المباشرة في القطاع الخاص، بما في ذلك المداهمات أو فرض الوصاية غير الرسمية على بعض الأنشطة، خلقت حالة من القلق الدائم لدى المستثمرين.

ويُنظر إلى مغادرة عدد من رجال الأعمال البارزين خلال الفترة الأخيرة، باعتبارها مؤشراً على تدهور المناخ الاقتصادي، حيث يرى مراقبون أن خروج شخصيات اقتصادية معروفة، يعكس تراجع الثقة في إمكانية استقرار بيئة الأعمال مستقبلاً.

ويؤكد محللون أن رأس المال بطبيعته يبحث عن الأمان والاستقرار، وعندما يفقدهما يتحرك سريعاً نحو بيئات أقل مخاطرة.

نزيف الكفاءات

ولم يقتصر النزوح على رؤوس الأموال فقط؛ بل امتد إلى الكفاءات المهنية في قطاعات حيوية، مثل الطب والهندسة وتقنية المعلومات والتعليم، حيث فضّل آلاف المتخصصين البحث عن فرص عمل أكثر استقراراً داخل اليمن أو خارجه.

ويعدّ هذا التحول أحد أخطر تداعيات الأزمة الاقتصادية، نظراً لما يمثله رأس المال البشري من عنصر أساسي في أي عملية تعافٍ اقتصادي مستقبلي.

آلية حوثية تعتدي على باعة أرصفة بالقرب من متاجر في صنعاء (إعلام حوثي)

ويؤكد خبراء أن فقدان الكوادر المؤهلة في مناطق سيطرة الحوثيين، يؤدي إلى تراجع جودة الخدمات الأساسية، وبخاصة في القطاعات الصحية والتعليمية، كما يُضعف قدرة الاقتصاد المحلي على الابتكار أو إعادة البناء. ومع استمرار القيود المفروضة على الاستيراد والتصدير وارتفاع تكاليف التشغيل، تصبح فرص خلق وظائف جديدة، محدودة، ما يدفع مزيداً من الشباب إلى التفكير بالهجرة.

وتشير تقديرات غير رسمية إلى إغلاق أعداد متزايدة من المنشآت التجارية خلال الأعوام الماضية، بالتزامن مع ارتفاع معدلات البطالة وتراجع القدرة الشرائية للسكان.

ويؤدي هذا الوضع إلى حلقة مفرغة؛ إذ يسهم انكماش الاقتصاد في تقليص الإيرادات، ما يدفع السلطات الحوثية القائمة إلى زيادة الجبايات، الأمر الذي يسرّع بدوره خروج المستثمرين والكفاءات.


الحوثيون يصعّدون استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية

عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
TT

الحوثيون يصعّدون استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية

عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)

كثّفت الجماعة الحوثية خلال الأيام الأخيرة، من استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية، وسط حالة توتر متصاعدة، ومخاوف كبيرة من اندلاع احتجاجات شعبية داخل مناطق سيطرة الجماعة.

وتشير تقارير حكومية وحقوقية إلى أن حوادث القمع الأخيرة، التي شملت عمليات قتل وقنص وحصار أحياء سكنية، ترتبط بشكل مباشر بمحاولات منع أي تحركات احتجاجية، أو مطالبات بالإفراج عن معتقلين في سجون الجماعة.

وتأتي هذه التطورات في وقت تعيش فيه الجماعة الحوثية حالة استنفار أمني غير مسبوقة، وسط تقديرات محلية بأن تصاعد الضغوط الاقتصادية والاجتماعية قد يدفع نحو موجة احتجاجات شعبية، وهو ما تسعى الجماعة إلى احتوائه عبر القبضة الأمنية المشددة.

وكان أبرز هذه الانتهاكات في مدينة رداع بمحافظة البيضاء (جنوب شرقي صنعاء)، حيث قُتل الشاب عبد الله الحليمي، وأصيب رفيقه عبد الله الزيلعي بعد دعوتهما السكان إلى تنظيم وقفة احتجاجية للمطالبة بالإفراج عن ثمانية من أقاربهما المعتقلين منذ ثمانية أشهر. وحسب مصادر حكومية، فإن عناصر تابعة للحوثيين، أطلقت النار على الشابين في سوق الحراج وسط المدينة عقب رصد تحركاتهما لحشد المواطنين.

آخر ضحايا الحوثيين في مدينة رداع التابعة لمحافظة البيضاء (إعلام محلي)

وأوضحت المصادر، أن الدعوة للاحتجاج جاءت على خلفية اعتقال أقارب الشابين بعد حادثة قتل سابقة مرتبطة بنزاع قبلي، الأمر الذي أدى إلى توتر متصاعد داخل المجتمع المحلي.

وأكدت المصادر، أن حملة أمنية أُرسلت إلى السوق فور انتشار الدعوة، قبل أن تتطور الأوضاع إلى مواجهة مباشرة انتهت بمقتل الحليمي، وإصابة رفيقه بجروح خطيرة نقل على أثرها إلى العناية المركزة.

وتشير شهادات محلية، إلى أن الحادثة أعادت إحياء مشاعر الغضب في المدينة، خصوصاً أن والد الضحية قُتل قبل أقل من عام في حادثة مشابهة، ما عزز المخاوف من دخول المنطقة في دوامة ثأر اجتماعي قد يصعب احتواؤها.

حصار الأحياء

منظمات حقوقية يمنية عبّرت عن قلق بالغ إزاء ما وصفته بـ«التصعيد العسكري الخطير» في رداع، مؤكدة أن الجماعة فرضت حصاراً على حي الحفرة، واستخدمت الأسلحة الثقيلة والمتوسطة داخل مناطق سكنية مكتظة بالسكان. وأفادت بأن العمليات العسكرية أدت إلى سقوط قتلى وجرحى بين المدنيين، إضافة إلى موجة نزوح داخلي وحالة هلع واسعة بين النساء والأطفال.

وأكدت «الشبكة اليمنية للحقوق والحريات» أن قصف الأحياء السكنية وإغلاق الطرق ومنع وصول المساعدات الطبية، يمثل انتهاكاً صريحاً لقواعد القانون الدولي الإنساني، مشيرة إلى أن السكان حُرموا من حرية الحركة والوصول إلى الخدمات الأساسية، بما في ذلك الرعاية الصحية.

دعوات حقوقية لتدخل دولي لحماية المدنيين في مناطق سيطرة الحوثيين (إعلام محلي)

كما لفتت إلى أن استمرار العمليات العسكرية داخل المدن يعكس استخفافاً بحياة المدنيين، ويضاعف من المخاطر الإنسانية، خصوصاً على الفئات الأكثر هشاشة مثل الأطفال وكبار السن. وأدى إغلاق الطرق إلى تأخير وصول فرق الإسعاف والإغاثة، ما فاقم من معاناة الجرحى والمصابين.

من جهته، قال وزير الإعلام اليمني معمر الارياني في تصريح رسمي إن «ما يجري في حي الحفرة يؤكد أن ميليشيات الحوثي ماضية في نهجها القائم على الانتقام الجماعي، وتصفية الحسابات خارج إطار القانون، وترهيب المجتمع وإخضاعه بالقوة المسلحة، في انتهاك صارخ لكل القوانين والأعراف الوطنية والدولية».

وطالب الإرياني «منظمات حقوق الإنسان المحلية والدولية، والآليات الأممية المعنية، بإدانة واضحة وصريحة لهذه الجرائم، وتوثيقها، والعمل على مساءلة مرتكبيها»، مؤكداً أن «هذه الجرائم لا تسقط بالتقادم، وأن جميع المتورطين فيها، من الآمرين والمنفذين، سيظلون عُرضة للملاحقة والمساءلة عاجلاً أم آجلا».

استهداف في تعز وإب

ولم تقتصر حوادث العنف على محافظة البيضاء، إذ شهدت محافظة تعز إصابة امرأة تُدعى كاتبة إسماعيل، برصاص قناص حوثي في منطقة وادي صالة شرق المدينة، أثناء وجودها في المنطقة، حيث نُقلت إلى المستشفى العسكري وهي في حالة حرجة.

وفي محافظة إب، قُتل فتى في حادثة إطلاق نار أثارت موجة غضب شعبية ومطالبات بملاحقة الجاني وتقديمه إلى العدالة، وسط تصاعد المخاوف من انتشار ظاهرة الإفلات من العقاب.

وتقول منظمات حقوقية، إن تكرار هذه الحوادث يعكس نمطاً متصاعداً من استهداف المدنيين عبر القنص أو إطلاق النار المباشر، في انتهاك واضح للحق في الحياة والسلامة الجسدية.

الحوثيون اعتقلوا آلاف اليمنيين وسط مخاوفهم من انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

ودعت تلك المنظمات إلى فتح تحقيقات عاجلة وشفافة في جميع الحوادث، وضمان محاسبة المسؤولين عنها، إضافة إلى وقف استخدام الأسلحة داخل الأحياء السكنية، ورفع الحصار عن المناطق المتضررة. كما طالبت بتوفير ممرات إنسانية آمنة لإجلاء الجرحى، وضمان وصول المساعدات الطبية.

وفي هذا السياق، ناشدت الجهات الحقوقية، المجتمع الدولي ووكالات الإغاثة، بما في ذلك الأمم المتحدة، التحرك العاجل للضغط من أجل حماية المدنيين ومنع اتساع رقعة العنف، محذّرة من أن استمرار التصعيد قد يقود إلى كارثة إنسانية جديدة، ويقوّض فرص التهدئة الهشة أصلاً.