القدس أيقونة في المخيال العربي استغلتها جماعات التطرف

القدس أيقونة في المخيال العربي استغلتها جماعات التطرف

القرار الأميركي وصحوة جديدة تستثني إسرائيل
الاثنين - 29 شهر ربيع الأول 1439 هـ - 18 ديسمبر 2017 مـ رقم العدد [ 14265]
شبان فلسطينيون خلال مواجهات مع الاحتلال قرب نابلس احتجاجاً على القرار الأميركي (إ.ب.أ)
دبي: هاني نسيره
رغم تراجعها الراهن، استمرت القضية الفلسطينية، استمرت قضية العرب والمسلمين وقبلة وعيهم الأولى منذ ثلاثينات القرن الماضي، وقد خيضت لأجلها سبع حروب وثلاث انتفاضات في الداخل، كما استغلتها جماعات التطرف والتطرف العنيف دائماً، بدعوى القتال من أجل تحريرها، واستهداف المجتمعات والأنظمة في المنطقة والعالم، التي تؤمن بحل السلام وتسوية الصراع، ويرونها عائقة لتحريرها.

وكان الاستنكار - الواعي بخطورة الآثار والتداعيات - من مختلف الدول العربية والإسلامية، والكثير من حكومات الغرب والعالم على قرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب بخصوص القدس، يوم 8 ديسمبر (كانون الأول) الحالي 2017، وقد أكد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز هذا الأمر في خطابه التاريخي في افتتاح أعمال السنة الثانية من الدورة السابعة لمجلس الشورى السعودي يوم الثالث عشر من ديسمبر الماضي، ووصفه بالانحياز الكبير ضد الحقوق التاريخية والثابتة، حيث قال: «أؤكد استنكار المملكة وأسفها الشديد للقرار الأميركي بشأن القدس، لما يمثله من انحياز كبير ضد حقوق الشعب الفلسطيني التاريخية والثابتة في القدس التي كفلتها القرارات الدولية ذات الصلة، وحظيت باعتراف وتأييد المجتمع الدولي».

وقد جاء وصف الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي دقيقاً لأبعد حد في تعليقه على القرار، أثناء لقائه بوفد من مركز واشنطن لدراسات الشرق الأدنى، أنه يمثل طوق نجاة وصفاً دقيقاً بأنه يعطي قبلة حياة للتطرف وجماعاته، بعد أن خسرت الكثير من قواعدها في الشرق الأوسط، ولكن قد تؤجج الصراع داخلياً بين الفلسطينيين والإسرائيليين فقط.

هذا رغم أن هذا القرار الصادر في الثامن من ديسمبر كان متوقعاً وليس بالمفاجئ، إذ كان الكونغرس الأميركي قد اتخذ قراراً عام 1990 بنقل السفارة إلى القدس، والاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، وتأجيل تطبيق القرار إلى حين يراعي مصالح الأمن القومي الأميركي، وقد جدد الكونغرس القرار نفسه في عام 1995. وقد أعلن ترمب بوضوح نيته لتطبيق ذلك القرار أثناء حملته الرئاسية في عام 2016، وهو ما طبقه في القرار الأخير.

جسدت قضية فلسطين والقدس خاصة والمسجد الأقصى بشكل أخص الأيقونة الأهم والأخطر في وعي ومخيال العرب الحديث، منذ إعلان دولة إسرائيل سنة 1948، التي يمكن القول إنها كانت الفاصل الأهم في تاريخهم الحديث، وشكلت مساراتهم وتحولاتهم السياسية بل والفكرية بعدها، فكانت الرافعة التي رفعت أنظمة وأسقطت أخرى، ومهدت أو بررت لظهور أنظمة وتنظيمات ثورية رفعت هذا الهدف(التحرر والتحرير) والوحدة أو الدولة من أجله.

كانت القضية التي تحدد الوطني والعميل، والمؤمن والخائن، يتم تكفير الأنظمة بسببها، وكانت دعاوى«المقاومة» من أجلها حصانة لأصحابها حتى وإن لم يدافعوا عنها أو يخوضوا حرباً حقيقية من أجلها، وظن البعض أن هذا الشعار (المقاومة) تمييز خاصّ يتيح لهم البقاء الأبدي واحتكار القوة والسلطة والقتل أحياناً، وأعلنها النظام السوري سنة 2011؛ بأنه لن تصيبه انتفاضات الشباب كونه موصوفاً بالنظام المقاوم.

قامت الحروب والعديد من الثورات أو الانقلابات تحت لافتة «تحرير القدس» وباسم أنظمة وتنظيمات المقاومة والجهاد ضد المختلف العربي والإسلامي أولاً، ولم تكن موجهة لـ«إسرائيل» دائماً، فبعد إعلان الأخيرة وانتصارها في حرب فلسطين - النكبة الأولى عام 1948 ميلاديّاً - كانت حركة الانقلابات والثورات التي قادها الضباط والعسكر عام 1949 في سوريا، وعام 1952 في سوريا، وكانت كذلك تدور حولها خلافاتهم، وتصدر عبرها أحكامهم، ويُقتَل بسببها رؤساء وزعماء وحكام وقادة؛ من اغتيال الملك عبد الله بن الحسين الأول في 21 يوليو (تموز) سنة 1951 إلى اغتيال الرئيس السادات في ذكرى انتصاره عام 1981، كما اغتيل الرئيس رفيق الحريري في 14 فبراير (شباط) سنة 2005 بسلاح من تسُمى المقاومة والممانعة من أجلها.

هي القضية الأكثر عمقاً وعاطفية في مخيال المسلمين المعاصر، وقد نجح توظيفها في إزاحة سواها من القضايا، كالديمقراطية في العهد الثوري في خمسينات وستينات تحت شعار «لا صوت يعلو فوق صوت المعركة»، بل أزالت الهمَّ النهضوي السابق لنشأتها موجهة مشاعر الكثيرين لثنائية الصراع من أجلها مع إسرائيل والغرب الداعم لها أو الأنظمة التي تهادنها عربياً وإسلامياً، وتتهمها بالخيانة لإيمانها بالتسوية ووقف الحرب وإحلال السلام، وهو ما أحسنت توظيفه جماعات وخطاب التطرف دائماً.

لم تتأخر أو تتراجع قضية الصراع العربي - الإسرائيلي، إلا مع زلازل أكبر عربية بينية، مثل الزلزال الأول المتمثل في احتلال صدام حسين الكويت سنة 1990، والزلزال الأخير المتمثل في تداعيات الانتفاضات العربية سنة 2011، أو الانقسام الفلسطيني نفسه في صيف عام 2007، الذي استمر وتوسعت منه انقسامات أكبر يكفر بعضُها بعضاً أو يتهم بعضُها بعضاً حولها كما هو الشأن دائماً.

وقد أعقب كلا الزلزالين حضورٌ مدوٍّ للمنظمات المتطرفة المعولمة والقطرية في آن واحد؛ ففي التسعينات ظهرت شبكة «القاعدة» التي أعلنت سنة 1998 تحت عنوان «الجبهة العالمية لمواجهة الصليبيين واليهود»، وفي عام 2013 أنتج المخاض العسير دولة «داعش» وخلافتها المزعومة في 10 يونيو (حزيران) سنة 2014، وغيرهما ومعهما توالدت مئات المجموعات المقاتلة في سوريا والعراق وليبيا وسيناء، المدعومة والموظفة من بعض الدول بهدف إنهاك منافسيها وخصومها، سنية أو شيعية موالية للولي الفقيه، وقد حدد مرشد الثورة وزعيمها آية الله الخميني يوم الجمعة الأخير من رمضان من كل عام ليكون يوم القدس العالمي الذي تحتفل به مختلف الحركات والقوى الإسلامية وغيرها في العالم الإسلامي.

استثمرت حركات الإسلام السياسي، السنية والشيعية على السواء، في القضية الفلسطينية، فلم تكن صحوة الإخوان المسلمين وشعبيتها الحقيقية في الحالة المصرية إلا بعد نشاطها المدوي نصرة للثورة الفلسطينية لعز الدين القسام سنة 1935، التي كانت بداية اهتمام النخبة المصرية بالقضية حينها، ثم بدورها في حرب 1948، كما استمرت جزءاً من شعار مختلف هذه الحركات، تلاقى فيها حسن البنا مع سيد قطب مع المودودي ثم الخميني الذي تجاوز التقليدية المحافظة الشيعية في اهتمامه وانفتاحه وتأثره الشديد بحركات الإسلام السياسي، شأن الإخوان المسلمين وحركات استعادة الخلافة بالخصوص.

بل نرى أن تأثر روح الله الخميني بحركات الإسلام السياسي، التي آمنت بالحركة في غياب دور الفقهاء والعلماء في قيادة الأمة، تأثراً بما كتبه الجويني في «الغياثي» كان له أثره الشديد في صياغة الخميني لنظريته في «الولي الفقيه» غير الأصيلة في التراث الشيعي، كما ترجم ودرس المرشد الحالي آية الله خامنئي بعض مؤلفات سيد قطب، واستثمرت ثورة الخميني في حركات كحركة الجهاد الفلسطيني لفتحي الشقاقي، وحركات «الجهاد» المصرية، قبل أن تنشئ منذ ثمانينات القرن الماضي حركات جهادية تابعة لها تحت عنوان «حزب الله في لبنان، ترفع الشعارات نفسها: «الموت لأميركا وإسرائيل»، وتدعو لتحرير القدس، وهي تستهدف الأنظمة العربية والمسلمة المعارضة لها، دون أن تخوض حرباً مباشرة معها.

رغم كثرة ذكر الراحل أسامة بن لادن للصراع والقضية الفلسطينية، فإنها تأتي في مرتبة متأخرة عملياً بعد حربه على الولايات المتحدة والأنظمة العربية والإسلامية، وكذلك عند خليفته أيمن الظواهري؛ فهي ذريعة عاطفية لدغدغة مشاعر المتعاطفين، ولكن العدو القريب والعدو البعيد ليس بينهما إسرائيل، كما أن «تحرير القدس ليس من أولويات الجهاد»، كما ذكر قيادي داعشي في أكتوبر (تشرين الأول) 2015.

من هنا، لم تولِ حركات وشبكات التطرف العنيف القضية أولويتها العملية، خصوصاً أنها نشأت بعد انتهاء الحروب المباشرة مع إسرائيل، بينما استثمرتها دائما حركات الإسلام السياسي في معاركها الانتخابية وخطابها المعارض للأنظمة فقط، على عكس حركات الداخل.

تمركزت رؤية تنظيمات «الجهاد» على استهداف العدو القريب ممثلاً في الأنظمة الحاكمة، أو العدو البعيد ممثلاً في الولايات المتحدة والدول الغربية، باعتبارهما من يعوقونهم عن تحرير القدس، وحرب إسرائيل، ويمنعونهم من ذلك، فكان استنزاف عملياتها الإرهابية، وكان تفجر المسألة والاعتداءات الطائفية، ونشطت عمليات الإرهاب في الدول الإسلامية والغربية على السواء بهذا السبب.

وليس قرار الرئيس ترمب الأخير إلا مبرراً نظرياً، لن يغير من الواقع الكثير، وليس ملزماً لأي مفاوضات مقبلة بشأن تسوية الصراع العربي – الإسرائيلي، إلا أنه رمى بمزيد من الضبابية وتبرير العداء والعنف ضد الولايات الأميركية وحلفائها غرباً وشرقاً، ويعطي قبلة حياة وطوق نجاة لجماعات التطرف وقدرة جماعات التطرف على التجنيد كراهية للعدو القريب أو البعيد في تصوراتها على السواء. ستعود دفَّة خطاب هذه الجماعات للتمسك بشعارات «تحرير القدس» لتحيي حضورها الذي خسرته، وجمهورها الذي انفضَّ عنها، في تجربة السنوات الماضية، بعد الانتفاضات العربية سنة 2011 وحتى الآن.

وبينما لم يتناول «داعش» قضية فلسطين إلا مرتين على مدار الثلاث سنوات الماضية، في 22 أكتوبر (تشرين الأول)، حين ظهر أحد عناصرها يتكلم العبرية يتوعد فيه للمرة الأولى بالانتقام من إسرائيل.

وكانت المرة الثانية التي ورد فيها اسم «إسرائيل» في تسجيل لأمير «داعش» أبي بكر البغدادي بتاريخ 25 ديسمبر سنة 2015 ردَّ فيها على من اتهموه بتناسي إسرائيل وعدم استهدافها، متوعداً بأنه سيجعلها مقبرة اليهود. إن حرب ومعركة تنظيمات التطرف والإرهاب العنيف الرئيسية ليست ضد إسرائيل لتحرير القدس، ولكنها النتيجة التي يعلنون طلبها، بعد حربهم على العدو البعيد ممثلاً في الولايات المتحدة التي يرونها الحامي والراعي لها، وضد العدو القريب الذين يرونه يعوقهم عن تحقيق هذا الهدف، ولكنهم سيعودون للإلحاح على ذلك كثيراً بعد هذا القرار الذي يعني المزيد من حيوية جماعات التطرف وعملياتها ضد الولايات المتحدة وضد حلفائها والأنظمة في المنطقة فقط، مع تأجيج الصراع داخلياً، في انتظار انتفاضة رابعة أو حرب ثامنة.

لكن يبدو أن الرئيس الأميركي في قراره الأخير لم يكن مدركاً لكل هذه الممكنات المحتملات في ملامسته القضية الأكثر حساسية في الصراع وهي«قضية القدس» التي تمثل ثابتاً راسخاً في مخيال مختلف آيديولوجيات وأجيال العالم العربي والإسلامي، ويهمش دور بلاده في عملية السلام ويشكك فيه ابتداء، كما يضع الحرج على كل المؤمنين به.
فلسطين اخبار العالم العربي

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة