الإصلاح الاقتصادي في مصر... كلما انخفض «عجز الحكومة» زاد «عجز المواطنين»

تحسُّن إيرادات الدولة مع زيادة معاناة سكانها

خلال الربع الأول من العام المالي 2017-2018 ارتفعت الإيرادات الضريبية بنسبة 47.6% لتسجل 56 مليار جنيه (رويترز)
خلال الربع الأول من العام المالي 2017-2018 ارتفعت الإيرادات الضريبية بنسبة 47.6% لتسجل 56 مليار جنيه (رويترز)
TT

الإصلاح الاقتصادي في مصر... كلما انخفض «عجز الحكومة» زاد «عجز المواطنين»

خلال الربع الأول من العام المالي 2017-2018 ارتفعت الإيرادات الضريبية بنسبة 47.6% لتسجل 56 مليار جنيه (رويترز)
خلال الربع الأول من العام المالي 2017-2018 ارتفعت الإيرادات الضريبية بنسبة 47.6% لتسجل 56 مليار جنيه (رويترز)

«... والخمسة جنيه بتجيب إيه دلوقت»، بلغته الصعيدية (من جنوب مصر)، وجلبابه الفضفاض وعرق جبينه الذي كاد يبلغ رقبته قبل أن يمسك بأكمامه وينشفه وهو مغمض العينين، قالها فوزي محمد، سايس سيارات في منطقة المهندسين الراقية، لصاحب سيارة فارهة بعدما ركن بجانب أحد الأرصفة، إلا أن الضحكة لم تفارق وجهه وهو يلقي عليه التحية: «صباحك ورد يا بك».
الجنيهات الخمسة في مصر كانت تكفي لإفطار شخص أو اثنين، قبل الإصلاحات الاقتصادية التي بدأت في البلاد منذ أواخر عام 2014، وفي نوفمبر (تشرين الثاني) 2016، حررت سعر الصرف، وهو ما خفّض قيمة العملة بنحو 60%، فأضحت الـ5 جنيهات لا تكفي لإفطار شخص واحد، إلا إذا كان لا يعمل أو ذا مجهود قليل، وليس لديه أمراض، وبها يستطيع أكل رغيف خبز وقرص فلافل.
والسايس في مصر مسؤول عن ركن السيارات بطريقة يستطيع من خلالها وضع أكبر عدد من المركبات بجانب الرصيف، لأنها تمثل له أموالاً مرصوصة بعضها بجانب بعض، وليس له رخصة عمل في البلاد، رغم المكاسب التي يحققها، وهو ما يزيد عدد حالات التشابك بالأيدي بين مريدي هذا العمل في المناطق الراقية.
علق أحد أصحاب السيارات الذين التقتهم «الشرق الأوسط» في منطقة المهندسين، على خطورة حالات التشابك على سياراتهم: «اللي رماك على المر... اللي أمرّ منه»؛ لكن تدخل السايس الخمسيني، الذي يطلقون عليه «عم فوزي» قائلاً: «ما احنا كمان الوضع مر بالنسبة لنا... هو احنا كنا لقينا شغل وماشتغلناش».
لجأ الكثير من المصريين إلى أعمال حرة بجانب وظيفتهم الرئيسية، للتغلب على تراجع قيمة العملة مع استقرار معدل الأجور في البلاد، وبدا الكل منهكاً لتوفير القوت اليومي، باستثناء شريحة صغيرة تبدي ارتياحاً للإجراءات الإصلاحية التي وصفها الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في أكثر من مناسبة بـ«القاسية».
ورغم تراجع قيمة الـ5 جنيهات بالنسبة إلى السايس، فإن إجمالي ما يتحصل عليه يبدو مقبولاً مقارنةً بمستويات الأسعار الحالية، لكنه يقول: «بنشتغل شغلانتين ومش مكفّي... هي الحكومة بتستفاد إيه لما بتضيق علينا؟!».
رغم أن سؤال عم فوزي يبدو اعتراضياً وناتجاً عن سوء الأحوال المادية، فإن مقارنةً بين موازنة الحكومة وموازنة المواطن «عم فوزي» على سبيل المثال، من شأنها توضيح ما آلت إليه الأحوال الاقتصادية في البلاد وما ستؤول إليه أحوال المصريين مستقبلاً، بالمؤشرات الحالية.

1.5 مليون فدان لعودة عم فوزي
بدأت القصة عندما قرر «عم فوزي» ترك بلده في الصعيد (أسوان)، والمجيء إلى القاهرة بحجة زيادة فرص العمل في العاصمة وتمركز الشركات بها، إلا أن مؤهلاته في الأمانة والنظافة، فقط أهّلته للعمل «ساعياً» بإحدى الشركات في منطقة المهندسين.
«الشغل مش عيب... العيب إني أقعد في البيت وأمد إيدي»، جاوب عم فوزي بذلك على رضاه من عدمه عن العمل بهذا المجال بعد ترك أرضه وزراعته، وعلا صوته مستنكراً: «صعيدنا مهمش والفرص قليلة... ولو قعدت لحد دلوقتي وبالأسعار دي ماكنتش هلاقي أأكل ولادي».
يعول «عم فوزي»، 3 أولاد وبنتاً، جميعهم في التعليم الابتدائي، فيما عدا الشاذلي في الصف الثالث الإعدادي، الذي يتردد على والده في إجازة الصيف، لمساعدته في ركن وتنظيف السيارات.
«لما لقيت الأسعار نار رجّعت ولادي البلد يتعلموا هناك... مش عايزهم يطلعوا زيي خاصة في الظروف دي».
والهجرة إلى المدينة أفقدت مصر زراعتها التي اشتهرت بها منذ عقود، فزاد الاعتماد على الاستيراد من مواد غذائية، مروراً بمستلزمات الإنتاج والماكينات والآلات، حتى التكنولوجيا، ومصر حالياً أكبر دولة في العالم استيراداً للقمح، فزادت فاتورة الواردات مقابل الصادرات، وارتفع العجز في الميزان التجاري المصري إلى نحو 35.435 مليار دولار في العام المالي الجاري 2016 – 2017، من 27.103 مليار دولار في العام 2010 - 2011.
وتراجعت الصادرات إلى 21.687 مليار دولار العام المالي 2016 - 2017، من 26.993 مليار دولار في العام المالي 2010 - 2011، بينما ارتفعت الواردات إلى 57.122 مليار دولار في العام المالي الجاري، من 54.096 مليار دولار في العام المالي 2010 - 2011.
وفي أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، أعلن الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، عن زراعة مليون ونصف المليون فدان لتقليل فاتورة استيراد المواد الغذائية، فضلاً عن التطلعات لعودة الكثيرين من أبناء الريف والقرى للزراعة من جديد، إلا أن هذه التجربة تحتاج إلى مزيد من الوقت لاختبار نجاحها من عدمه. لكن الحكومة المصرية كانت قد أعلنت عن بدء المرحلة الثانية من المشروع. ولا يوجد إحصاء رسمي يوضح حجم الهجرة الداخلية، لمقارنته بما قبل وما بعد إعلان زراعة المليون ونصف المليون فدان، ومدى تأثيره على الفلاحين والمزارعين.

إيرادات «عم فوزي» وإيرادات الحكومة
الإيراد الشهري لـ«عم فوزي» ليس بقليل، رغم امتناعه عن التحدث في الأمور المادية، لكن راتبه (1200 جنيه، الحد الأدنى للأجور في القطاع الحكومي بمصر) بجانب الـ5 جنيهات عن كل سيارة، في عدد نحو 25 مركبة يومياً في المتوسط، (من خلال متابعة «الشرق الأوسط» على مدار أسبوع كامل)، قد يصل إجمالي الدخل إلى 5000 جنيه (283 دولاراً) شهرياً. لكنه قال بامتعاض: «أي مكسب حالياً لا يكفي حتى آخر الشهر... كل حاجة غليت الضعف إلا المرتبات».
يسهم «عم فوزي» في تمويل الموازنة العامة للدولة من خلال ضريبة الدخل، لكنه غير معنيّ بالإيرادات الثلاثة الأخرى للدولة: إيرادات قناة السويس، تحويلات المصريين في الخارج، السياحة.
ووفقاً لوزارة المالية، ارتفعت حصيلة الإيرادات الضريبية خلال العام المالي الماضي 2016 - 2017، بنسبة 31.8% وبلغت قيمتها 464.4 مليار جنيه، مقارنةً بالعام المالي 2015 - 2016.
وخلال الربع الأول من العام المالي الجاري 2017 – 2018، ارتفعت الإيرادات الضريبية بنسبة 6. 47% بنحو 18 مليار جنيه خلال الفترة (يوليو «تموز» – أغسطس «آب» 2017) لتسجل 56 مليار جنيه مقابل 38 مليار جنيه خلال نفس الفترة من العام المالي السابق.
يعلق «عم فوزي»: «الإيرادات الحكومية زادت، واحنا إيراداتنا قلّت، ودا طبيعي لأن الإيرادات اللي كانت هتدخل جيوبنا راحت للحكومة». وأرجعت وزارة المالية، تحسن أداء الحصيلة الضريبية إلى الإصلاحات الضريبية التي طُبِّقت منذ بداية العام المالي الماضي واستمرت في العام المالي الحالي.
وارتفعت حصيلة الضرائب على السلع والخدمات بنحو 7. 62% لتبلغ 1. 32 مليار جنيه خلال شهرين، حيث زادت الضرائب على المبيعات بنسبة 92% لتحقق 17 مليار جنيه، وصعدت الضرائب العامة على الخدمات بنسبة 7. 65% لتبلغ 7. 3 مليار جنيه.
والحصيلة من الضرائب على الممتلكات ارتفعت بنحو 8% لتصل إلى 6 مليارات جنيه، وذلك في ضوء زيادة حصيلة الضرائب على عوائد أذون وسندات الخزانة بنسبة 4% لتصل إلى 1. 5 مليار جنيه خلال الفترة (يوليو – أغسطس 2017).
وزادت الضرائب على التجارة الدولية (الجمارك) بنسبة 1. 67% لتسجل 6.4 مليار جنيه.
وارتفعت عائدات قناة السويس خلال نوفمبر الماضي، إلى 455.8 مليون دولار، بزيادة 17.1% عن نفس الشهر من العام الماضي، والتي بلغت 389.2 مليون دولار، وذلك طبقاً للتقديرات والإحصائيات الأولية حتى الآن، بينما بلغت الحمولات خلال نوفمبر 89.3 مليون طن، مقابل 77.8 مليون طن خلال نفس الفترة من العام الماضي، بزيادة بلغت 14.8‎%.

استمرار ارتفاعات المؤشرات الاقتصادية
قفزت إيرادات البلاد من قطاع السياحة 211.8% إلى نحو 5.3 مليار دولار في أول 9 أشهر من العام الجاري، في حين زادت أعداد السياح الوافدين إلى البلاد 55.3%، وسط توقعات بإيرادات تبلغ 7 مليارات دولار من قطاع السياحة بنهاية العام الجاري.
وزار مصر ما يزيد على 14.7 مليون سائح في 2010، وهوى هذا العدد إلى 9.8 مليون سائح في 2011، وإلى نحو 4.5 مليون سائح في 2016.
ويمثل قطاع السياحة ركيزة أساسية لاقتصاد مصر، ومصدر رزق لملايين المواطنين، ومورداً رئيسياً للعملة الصعبة لكن السياحة تضررت بشدة جراء سنوات الاضطراب السياسي منذ عام 2011، وبعض العمليات الإرهابية التي استهدفت القطاع.
وتلقت السياحة المصرية ضربة قاصمة عند تحطم طائرة ركاب روسية في سيناء في أواخر أكتوبر 2015، ومقتل جميع من كانوا على متنها.
وارتفعت تحويلات المصريين في الخارج لـ5.9 مليار دولار خلال الـ3 أشهر الأولى من العام المالي الحالي 2017 - 2018، مقارنةً بـ4.3 مليار دولار خلال الفترة المقابلة من السنة المالية السابقة.
وأسفرت معاملات الاقتصاد المصري مع العالم الخارجي خلال الربع الأول من العام المالي الحالي عن ارتفاع الفائض الكلى في ميزان المدفوعات المصري ليبلغ نحو 5.1 مليار دولار، مقابل نحو 1.9 مليار دولار خلال الفترة المقبلة من السنة المالية السابقة.

خدمات الحكومة
يقول «عم فوزي» إن الحكومة تتحصّل على إيراداتها منه في صورة ضرائب وكهرباء وغاز ومياه، ضرائب خدمات، لكنه لا يتحصّل على شيء في المقابل؛ لكنه قال ضاحكاً: «بس الحمد لله على كدا... لأن لو عملت اللي عليها (يقصد توفير أماكن انتظار للسيارات) مش هنلاقي ناكل إحنا عيش».
أظهر ميزان المعاملات الجارية الحكومي المبدئي للسنة المالية 2016 - 2017 في مصر، أن الحكومة صرفت 6.811 مليار جنيه على بند الخدمات، مقارنة بـ13.928 مليار دولار في العام 2010 - 2011، أي قلّ الإنفاق الحكومي على بند الخدمات بنحو النصف تقريباً.

عجز المواطن أمام تعاف حكومي
من كل تلك المؤشرات يظهر أن عجز الموازنة خلال الربع الأول من العام المالي 2017 - 2018، انخفض إلى 2% كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي، مقابل 2.2% في الربع المقابل من العام المالي الماضي.
وأوضح التقرير الشهري لوزارة المالية، أن العجز الكلي سجل خلال الأشهر الثلاثة المنتهية في سبتمبر (أيلول) الماضي، نحو 85.3 مليار جنيه مقابل 76.8 مليار جنيه في الربع المقارن من العام المالي السابق. وقال وزير المالية عمرو الجارحي، أكتوبر الماضي: «إننا نستهدف خفض عجز الموازنة سنوياً بنسبة تتراوح بين (1% - 1.5%) للوصول بنسبة العجز إلى (4% - 5%) بحلول عام 2022».
وأظهرت بيانات وزارة المالية ارتفاع الإيرادات خلال الربع الأول من العام المالي 2017 - 2018، بنحو 32.2 مليار جنيه، بزيادة قدرها 33% على أساس سنوي، لتسجل 129 مليار جنيه بنحو 3% من الناتج المحلي، مقابل إيرادات بلغت 96.8 مليار جنيه في الربع المقارن من العام المالي السابق، بما يمثل 2.8% من الناتج. وأشار التقرير، إلى أن قفزة الإيرادات خلال الربع الأول من العام المالي الجاري، ترجع إلى ارتفاع الإيرادات الضريبية بنحو 33 مليار جنيه؛ وسجلت الإيرادات الضريبية نحو 97.2 مليار جنيه خلال الفترة من يوليو إلى سبتمبر 2017 (تمثل 75.3% من إجمالي الإيرادات)، مقابل 64 مليار جنيه في الفترة المقارنة من العام المالي السابق. بينما تراجعت الإيرادات غير الضريبية خلال الفترة هامشياً إلى 31.8 مليار جنيه، مقابل 32.7 مليار جنيه في الفترة المقارنة من العام السابق. وبلغت المصروفات خلال الربع الأول من العام المالي الجاري نحو 214.1 مليار جنيه، مقابل 172.2 مليار جنيه في الربع المقارن من العام المالي الماضي.
يقول «عم فوزي»: «الحكومة دخلها كبير وكتير لكن إدارة مصروفاتها هيا اللي فيها المشكلة». ويبدو من مقارنة موازنة الحكومة وموازنة المواطن «عم فوزي»، أن هناك شيئاً مشتركاً وهي الديون، لكن الأخير يدفعها شهرياً من دون فوائد عن طريق ما يسمى «الجمعية»، حتى لا يُثقل أبناءه بهذا الهم. و«الجمعية» عبارة عن اتفاق مجموعة من الجيران أو المعارف على تجميع مبلغ شهري فيما بينهم، يتحصل عليه شخص تلو الآخر، دون دفع فوائد، حتى يستفيد الجميع.
يختتم «عم فوزي» حديثه للحاق بصلاة الظهر، قائلاً: «كل ما الحكومة تقلل عجزها (المالي) هيزيد عجزنا احنا الغلابة».



الجدعان: انضمام الصكوك السعودية لمؤشرات عالمية يعكس قوة اقتصادنا

الجدعان خلال ترؤسه اجتماع اللجنة الدولية للشؤون المالية التابعة لصندوق النقد الدولي (أرشيفية - أ.ف.ب)
الجدعان خلال ترؤسه اجتماع اللجنة الدولية للشؤون المالية التابعة لصندوق النقد الدولي (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

الجدعان: انضمام الصكوك السعودية لمؤشرات عالمية يعكس قوة اقتصادنا

الجدعان خلال ترؤسه اجتماع اللجنة الدولية للشؤون المالية التابعة لصندوق النقد الدولي (أرشيفية - أ.ف.ب)
الجدعان خلال ترؤسه اجتماع اللجنة الدولية للشؤون المالية التابعة لصندوق النقد الدولي (أرشيفية - أ.ف.ب)

رحب وزير المالية السعودي، رئيس برنامج تطوير القطاع المالي، رئيس مجلس إدارة المركز الوطني لإدارة الدين، محمد الجدعان، بإعلان «جي بي مورغان» إدراج الصكوك الحكومية المقومة بالريال ضمن مؤشر أدوات الدين الحكومية للأسواق الناشئة (GBI-EM) ابتداءً من يناير (كانون الثاني) 2027، مبيناً أن هذا الإدراج سيتم بشكل تدريجي بوزن متوقع يبلغ 2.52 في المائة. كما أشار إلى تزامن هذه الخطوة مع إعلان «بلومبرغ لخدمات المؤشرات» إدراج الصكوك السعودية ضمن مؤشرها للسندات الحكومية بالعملات المحلية للأسواق الناشئة، الذي يدخل حيز التنفيذ الفعلي بنهاية أبريل (نيسان) 2027، مؤكداً أن هذا الانضمام المزدوج يعزز مكانة المملكة بوصفها لاعباً محورياً في الأسواق المالية الدولية.

وأكد الجدعان أن هذا الإنجاز هو ثمرة الدعم المستمر من خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، والمتابعة الحثيثة من الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، مشدداً على أن الإدراج يعد دليلاً ملموساً على نجاح مستهدفات رؤية السعودية 2030 وبرنامج تطوير القطاع المالي في تعميق السوق المالية وتوسيع قاعدة المستثمرين.

وأضاف أن المملكة تمضي في مسار إصلاحي شامل رفع من مستويات الشفافية والسيولة، وطوّر البنية التنظيمية بما يتوافق مع أعلى المعايير العالمية، وهو ما عزز من جاذبية المملكة بوصفها وجهة استثمارية آمنة وموثوقة.

وفيما يخص الأثر الاقتصادي لهذه الخطوة، أوضح الجدعان أن إدراج الصكوك المقومة بالريال سيسهم بشكل مباشر في رفع مستوى التنافسية الدولية لسوق الدين المحلي، وزيادة حضور الأدوات السيادية السعودية داخل المحافظ الاستثمارية الكبرى حول العالم. وأبان أن هذه الخطوة ستنعكس إيجاباً على تعزيز السيولة في السوق الثانوية، ما يرسخ دور السوق المالية السعودية كإحدى الأسواق الرائدة في المنطقة، ويسهل من تدفق رؤوس الأموال الأجنبية نحو الأدوات المالية المحلية.

واستناداً إلى البيانات المعلنة، فمن المتوقع أن يشمل إدراج «جي بي مورغان» ثمانية إصدارات من الصكوك الحكومية بقيمة اسمية تقارب 69 مليار دولار، في حين حددت «بلومبرغ» الأوراق المالية المؤهلة بأنها الصكوك ذات العائد الثابت التي لا تقل مدة استحقاقها عن عام وبحد أدنى للمبلغ القائم يبلغ مليار ريال.

ويأتي هذا التطور النوعي تتويجاً لمبادرات تطويرية مهمة شملت توسيع برنامج المتعاملين الأوليين لتضم بنوكاً دولية، وتفعيل إطار التسوية خارج المنصة (OTC) في منتصف عام 2025، والربط مع مراكز الإيداع الدولية مثل «يوروكلير»، وهي التحسينات التي وصفتها المؤسسات الدولية بأنها الركيزة الأساسية لدعم قرار الإدراج.


اتفاقية سعودية - سويسرية لتشجيع الاستثمارات المتبادلة

جانب من مراسم توقيع الاتفاقية بين السعودية وسويسرا في جدة الخميس (واس)
جانب من مراسم توقيع الاتفاقية بين السعودية وسويسرا في جدة الخميس (واس)
TT

اتفاقية سعودية - سويسرية لتشجيع الاستثمارات المتبادلة

جانب من مراسم توقيع الاتفاقية بين السعودية وسويسرا في جدة الخميس (واس)
جانب من مراسم توقيع الاتفاقية بين السعودية وسويسرا في جدة الخميس (واس)

أبرمت السعودية وسويسرا، الخميس، اتفاقية بشأن التشجيع والحماية المتبادلة للاستثمارات؛ بهدف تعزيز واستقرار البيئة الاستثمارية، وحماية حقوق المستثمرين، ودعم تدفق الاستثمارات المتبادلة بين البلدين.

وجاءت مراسم الاتفاقية التي وقَّعها وزير الاستثمار السعودي المهندس فهد السيف، والرئيس السويسري غي بارملان، عقب اجتماع الطاولة المستديرة للاستثمار في جدة، الذي حضراه إلى جانب وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان، ووزيرة الدولة السويسرية للشؤون الاقتصادية هيلين أرتيدا، وعدد كبير من المسؤولين وقادة الأعمال من كلا الجانبين.

اجتماع الطاولة المستديرة السعودي السويسري للاستثمار بحث سبل تعزيز التعاون الاقتصادي (واس)

واستعرض اجتماع الطاولة المستديرة الفرص الاستثمارية المشتركة، وبحث سبل تعزيز التعاون الاقتصادي بين البلدين، وتطوير الشراكات في القطاعات ذات الأولوية، بما يُسهم في دعم النمو الاقتصادي وتعزيز العلاقات الثنائية.

ويأتي الاجتماع على هامش زيارة الرئيس السويسري الرسمية للسعودية، وفي ظل احتفاء البلدين بمرور 70 عاماً من العلاقات الدبلوماسية، التي أسهمت منذ البداية في ترسيخ أسس التعاون، وبناء شراكة قائمة على الاحترام المتبادل وتطوير المصالح المشتركة بينهما.


صندوق النقد الدولي: خيارات العراق الاقتصادية «محدودة» لمواجهة تداعيات الحرب

عامل يعدّ أوراقاً نقدية من فئة الدولار داخل محل صرافة ببغداد (أ.ف.ب)
عامل يعدّ أوراقاً نقدية من فئة الدولار داخل محل صرافة ببغداد (أ.ف.ب)
TT

صندوق النقد الدولي: خيارات العراق الاقتصادية «محدودة» لمواجهة تداعيات الحرب

عامل يعدّ أوراقاً نقدية من فئة الدولار داخل محل صرافة ببغداد (أ.ف.ب)
عامل يعدّ أوراقاً نقدية من فئة الدولار داخل محل صرافة ببغداد (أ.ف.ب)

أكد مدير إدارة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى في صندوق النقد الدولي، جهاد أزعور، أن العراق يواجه خيارات اقتصادية ضيقة للتعامل مع التداعيات الناجمة عن الصراع الحالي، مشدداً على أن «تقليص الإنفاق واللجوء المؤقت للاحتياطات الدولارية» هما المساران المتاحان حالياً، إلى حين تشكيل حكومة جديدة تمتلك الصلاحيات القانونية لطلب تمويل دولي.

وأوضح أزعور، في تصريحات، لـ«الشرق»، أن العراق يعاني قيوداً تشريعية تمنعه من الاقتراض أو طلب مساندة مالية رسمية، في ظل غياب حكومة كاملة الصلاحيات. تأتي هذه الأزمة في وقت يتوقع فيه الصندوق انكماش الاقتصاد العراقي بنسبة 6.8 في المائة، خلال العام الحالي، مدفوعاً بالاعتماد الكلي على صادرات النفط عبر مضيق هرمز الذي يشهد توترات عسكرية حادة.

بائع متجول يبيع قمصاناً في سوق بالمدينة القديمة بالنجف (أ.ف.ب)

وأدى إغلاق مضيق هرمز نتيجة التوترات الإقليمية إلى خفض إنتاج وصادرات النفط العراقية من الحقول الجنوبية بنسبة تقارب 80 في المائة، خلال مارس (آذار) 2026.

وبيّن المسؤول الدولي أن السلطات العراقية مطالَبة حالياً بإدارة النفقات عبر مَنح الارتباطات والاحتياجات الأساسية الأولوية القصوى، واستخدام الاحتياطات كحل اضطراري ومؤقت لمواجهة فجوة الإيرادات.

أزمة أعمق من «صدمة الحرب»

ووفق رؤية الصندوق، فإن أزمة العراق الحالية ليست وليدة الحرب فحسب، بل هي نتيجة سنوات من «التوسع المالي» المفرط. وأشار أزعور إلى أن بغداد كانت تواجه قيوداً تمويلية حادة، حتى قبل اندلاع الصراع؛ بسبب الإنفاق الزائد وضعف الإيرادات غير النفطية، حيث تشير التقديرات إلى انكماش طفيف بنسبة 0.4 في المائة سُجل بالفعل في عام 2025.

نزيف الصادرات النفطية

تعكس لغة الأرقام حجم المأزق؛ فقد هَوَت صادرات العراق من النفط الخام والمكثفات بنسبة تتجاوز 81 في المائة، خلال شهر مارس الماضي. ووفق البيانات الرسمية، بلغت صادرات الوسط والجنوب نحو 14.56 مليون برميل فقط، في حين أسهم إقليم كردستان بنحو 1.27 مليون برميل، عبر ميناء جيهان التركي. أما صادرات كركوك عبر جيهان فسجلت 2.77 مليون برميل، وهي المرة الأولى التي يجري فيها التصدير من هذا الخط منذ مطلع العام.

سباق مع الزمن السياسي

يأتي هذا التحذير الدولي مع اقتراب نهاية المهلة الدستورية (السبت المقبل) الممنوحة للأطراف السياسية لاختيار رئيس جديد للوزراء، وسط خلافات محتدمة حول الحقائب الوزارية.

وكان المستشار المالي لرئيس الوزراء، محمد مظهر صالح، قد أكد وجود تواصل مستمر مع المؤسسات الدولية لتقييم «صدمة هرمز»، إلا أن تفعيل أي برامج دعم مالي يبقى رهيناً بالاستقرار السياسي والقدرة على إقرار تشريعات مالية عاجلة.