لورا ميرسييه: أنا بيتوتية بطبعي والعمل مع المشاهير نعمة ونقمة

عشقت الرسم وامتهنت فن الماكياج لرسم الجمال على الوجوه

تشمل مجموعة Editorial Eye Palette بودرة حصرية وخفيفة للتثبيت تدوم حتى 8 ساعات وتحول دون تجعد الماكياج كما يمكن استعمالها كبرونزر. - ترى لورا ميرسييه أن التعامل مع زبوناتها يُلهمها ويحفزها على المزيد من الإبداع - كريم أساس يخفي العيوب ويدوم طويلاً - أحمر الشفاه Lacquer Up Acrylick Lip Varnish رطب مسجل ببراءة اختراع يؤمن تغطية شفافة إلى شاملة ولمعة جذابة
تشمل مجموعة Editorial Eye Palette بودرة حصرية وخفيفة للتثبيت تدوم حتى 8 ساعات وتحول دون تجعد الماكياج كما يمكن استعمالها كبرونزر. - ترى لورا ميرسييه أن التعامل مع زبوناتها يُلهمها ويحفزها على المزيد من الإبداع - كريم أساس يخفي العيوب ويدوم طويلاً - أحمر الشفاه Lacquer Up Acrylick Lip Varnish رطب مسجل ببراءة اختراع يؤمن تغطية شفافة إلى شاملة ولمعة جذابة
TT

لورا ميرسييه: أنا بيتوتية بطبعي والعمل مع المشاهير نعمة ونقمة

تشمل مجموعة Editorial Eye Palette بودرة حصرية وخفيفة للتثبيت تدوم حتى 8 ساعات وتحول دون تجعد الماكياج كما يمكن استعمالها كبرونزر. - ترى لورا ميرسييه أن التعامل مع زبوناتها يُلهمها ويحفزها على المزيد من الإبداع - كريم أساس يخفي العيوب ويدوم طويلاً - أحمر الشفاه Lacquer Up Acrylick Lip Varnish رطب مسجل ببراءة اختراع يؤمن تغطية شفافة إلى شاملة ولمعة جذابة
تشمل مجموعة Editorial Eye Palette بودرة حصرية وخفيفة للتثبيت تدوم حتى 8 ساعات وتحول دون تجعد الماكياج كما يمكن استعمالها كبرونزر. - ترى لورا ميرسييه أن التعامل مع زبوناتها يُلهمها ويحفزها على المزيد من الإبداع - كريم أساس يخفي العيوب ويدوم طويلاً - أحمر الشفاه Lacquer Up Acrylick Lip Varnish رطب مسجل ببراءة اختراع يؤمن تغطية شفافة إلى شاملة ولمعة جذابة

بالنسبة لفنانة تجميل يتركز عملها على رسم الوجوه بالألوان، بدت لورا ميرسييه في غاية البساطة. تركت شعرها على سجيته، بين المنسدل والمنكوش، وبشرة طبيعية تُعطيك الانطباع بأن صاحبتها لم تُكلف نفسها جهد وضع أي كريمات أو ماكياج عليها. ثم أتذكر أن هذا المظهر الطبيعي، سواء تعلق الأمر بالألوان أو بالتركيبات البسيطة، هو وصفتها التي حققت لها النجاح وجعلتها تبني اسمها على المستوى العالمي. عندما أشير إلى استغرابي كيف أن خبيرة مثلها تبيع الجمال لنساء العالم لكن لا تضع أي مساحيق على وجهها، ترد ضاحكة: «من قال لك إني لا أضع أي ماكياج، إنها خبرة ثلاثة عقود.. لا أخفيك أني قضيت وقتا لا بأس به قبل حضوري وأنا أعمل على إخفاء علامات التعب التي كانت تعتري وجهي بسبب السفر الطويل». وتتابع: «فلسفتي أو بالأحرى الأسلوب الذي أصبح يرتبط بي أن الماكياج الناجح هو الذي لا يكون واضحا أو صارخا».
كانت عيناها تشعان بالحماس وهي تستدل على قولها بمجموعة من المستحضرات وضعتها على الطاولة وقالت إنها من مجموعتها الأخيرة، إضافة إلى مستحضرات تعيد طرحها دائما لأن المرأة العارفة لم تعد تستغني عنها مثل «سيكريت كاموفلاج» وكريم الترطيب الملون وهلم جرا من المنتجات التي تُشرف على أدق تفاصيلها حتى تأتي بالمستوى الذي ترضى عنه.
من يعرف لورا ميرسييه يعرف أنها واكبت عدة تغيرات، عدا عن كونها امرأة تحب الجمال والأناقة. كل هذا يجعلها تعرف تماما مكامن ضعف بنات جنسها، أو بالأحرى مخاوفهن. ولا تستثني هنا أية واحدة منهن. فكما تعاملت مع فتيات لا تتطلب حياتهن الكثير من الاهتمام اليومي بمظهرهن، تعاملت أيضا مع نجمات من مستوى مادونا وجوليا روبرتس، ممن تترصدهن عدسات الباباراتزي في كل مكان وزمان.
اللافت أنها عندما تتحدث عن لائحة زبوناتها، وهي طويلة جدا، فإنها لا تبدو مبهورة بنجمات هوليوود ولا تعتبرهن أهم أو أقل من أي امرأة أخرى. ما يُؤكد هذا الإحساس إشارتها إلى أن الاجتهاد الشخصي هو الذي يفتح أبواب النجاح وليس مصاحبة المشاهير والنجوم.: «أنا (بيتوتية) بطبعي ولا أميل إلى السهر أو الشللية، لهذا لم أكن أحضر الحفلات التي كان يحضرها غيري على أساس أنها مهمة لربط علاقات تفتح الأبواب» . وتتابع: «أدركت منذ البداية أنه لا بد لي من وضع خطوط حمراء، على الأقل فيما يتعلق بحياتي الخاصة..صحيح أني كنت مستعدة لمسايرة الوضع ومتطلبات العمل، إلا أني لم أكن مستعدة للسهر إلى آخر ساعات الفجر، ولا إلى تناول المنشطات حتى يرضوا عني وأشعر بالانتماء للشلة».
وتضيف: «الأضواء لم تغوني يوما ولا النجومية.. منذ صغري لم أحلم أن أكون مشهورة بقدر ما كنت أحلم بأن أكون فنانة. وحتى الآن لو خُيرت لقلت إن حُلمي الأول بأن أكون رسامة من حقبة ذهبية للفن لا يزال يراود خيالي». عُشقها للرسم حقيقة لم تحاول إخفاءها، بل العكس تُصرح دائما بأنه كان دافعها لاحتراف فن التجميل «فقد وجدت رسم الوجوه أقرب شيء إلى فن الرسم» حسب قولها.
بعد أن تأكدت من رغبتها، قررت الانخراط في معهد لتعلم فنون التجميل والماكياج على الأصول، فهي لا تؤمن بأنصاف الحلول ولا تقبل بأن تكون مجرد فنانة ماكياج لا بأس بها. بعد تخرجها في معهد الفنون بباريس انخرطت في معهد «كاريتا» الشهير حيت تدربت كفنانة ماكياج. في هذه الفترة بدأت تستمتع أكثر وأكثر بما كان مجرد بديل للرسم في البداية. اكتشفت أن فن وضع الماكياج لا يختلف كثيرا عن رسم لوحة فنية وأنه الأقرب إلى حبها الأول. بعد التخرج عملت كمساعدة لثيبو فابر، وهو خبير متمكن عمل كمدير فني لكثير من الشركات مثل «لانكوم» و«كلارينز»، وغني عن القول إن تدربها على يديه كان له الفضل في فتح أبواب العمل أمامها. ومع ذلك لم تمر سوى فترة وجيزة حتى ثارت الفنانة بداخلها وتمردت على العمل الوظيفي وقررت أن تستقل بنفسها لتعمل كفنانة ماكياج متعاونة مع مجلات فرنسية براقة. بعد ستة أعوام، وفي بداية الثمانينات، انتقلت إلى نيويورك. كانت من بين فريق تم اختياره لكي يتولى إطلاق نسخة أميركية من مجلة «إيل» الفرنسية. لم تكن النقلة سهلة بالنسبة لفرنسية حتى النخاع. فهي لم تكن معروفة في الأوساط الأميركية من جهة، كما كان أسلوبها الفرنسي الطبيعي في وضع الماكياج جديدا على الذائقة الأميركية من جهة ثانية، الأمر الذي فرض عليها أن تبدأ من الصفر تقريبا مثل أية مبتدئة حتى تُثبت نفسها، وهو ما لم يكن سهلا فضلا عن الحرب التي تعرضت لها من قبل أعضاء المدرسة الأميركية التقليدية. تُعلق: «ثم لا تنسِ أننا نتكلم عن حقبة الثمانينات، الحقبة التي كان فيها الماكياج قويا والألوان صارخة، من ظلال الجفون الزرقاء والخضراء إلى أحمر الخدود الوردي الدرامي وأحمر الشفاه القاني وما شابه». حتى الآن لا تزال هذه الحقبة وألوانها تستفزها وتُثير أعصابها كلما تذكرتها. لحسن الحظ أن مجلة «إيل» لم تكن تريد أن تسبح مع التيار الأميركي، لهذا منحتها ورقة بيضاء أن تستعمل أسلوبها الطبيعي في جلسات التصوير الخاصة بالنجمات والعارضات. وجاءت الصورة جديدة ومُنعشة شدت الانتباه والإعجاب على حد سواء. لكن في الوقت الذي كانت فيه المجلة ملاذها ومتنفسها، لم تكن العملية خارج إطار العمل بنفس البساطة والسلاسة.كانت أغلب زبوناتها لا يزلن يطلبن منها وضع كريمات أساس ثقيلة وألوان صارخة، وبما أنها لم تكن في وضع يُخول لها معارضتهن لأنها كانت تحتاج إلى العمل «كان علي مسايرتهن» «وكل ما كان بإمكاني القيام به أن ألعب معهن لعبة القط والفأر بتخفيف سماكة الكريمات قدر الإمكان». من الأشياء التي تتذكرها ميرسييه أنها فوجئت بأن عالمها الجديد لم يكن بريئا، ولا المنافسة فيه شريفة. فالكل يريد أن يعمل ليرسخ مكانته ويحقق النجاح، وكان البعض أحيانا «لا يتورعون أن يدوسوا عليك أو يطعنونك من الخلف لكي يصلوا إلى مبتغاهم..لا أخفيك أن الأمر شكل لي معاناة كبيرة، لأنني بطبعي مسالمة ولم أخض في حياتي حروبا مماثلة. كوني بيتوتية لم يكن في صالحي، من ناحية أني لم أنتمِ إلى فريق بعينه يدافع عني ويحميني». مع الوقت، توقفت عن المقاومة وتركت كل من يريد أن يتخطاها يفعل ما يشاء. ولأنها كانت متعاونة بالقطعة وتحتاج إلى العمل لكي تدفع الفواتير الشهرية، توصلت إلى أن الطريقة الوحيدة هي أن تجد لها أسلوبا خاصا يُميزها عن غيرها من فناني الماكياج من أبناء جيلها. ونجحت استراتيجيتها، لأنها سرعان ما كسبت ثقة النجمات لتبدأ الطلبات تنهال عليها في التسعينات تحديدا. كانت هذه هي الفترة التي شهدت تنامي موجة «المينيماليزم» المضادة لـ«ماكسيماليزم» الثمانينات. أسلوبها الطبيعي والهادئ كان يُجسد معنى «القليل كثير». وهكذا بدأ الحظ يبتسم لها من جديد. ورغم ذلك لم تستكن للحظ أو تثق في الوضع. فعشر سنوات من الصراعات غير المهنية علمتها أنه لا بد لها من البحث عن بديل يقيها شر الحاجة في عالم يفتقد إلى الولاءات الطويلة وتحكمه العلاقات الشخصية.
البديل كان أن تؤسس شركة خاصة بها، تمنحها ليس الأمان فحسب، بل أيضا تُعيد لها شغفها بالماكياج كفن وليس كتجارة. «اشتقت إلى شيء يُحفزني ويُذكرني بالأسباب التي جعلتني أصبح فنانة ماكياج، مثل مزج الألوان واللعب بتركيبات المواد». تذكرت أنها وعدت نفسها وهي في عمر الزهور بأن تبتكر في يوم من الأيام خافي عيوب يُموه عن كل الشوائب، واستغربت كيف تأخرت الشركات الكبيرة عن ذلك. شعرت بأن المجال مفتوحا أمامها بالنظر إلى أن هذه الشركات التي تمتلك إمكانيات هائلة تأخرت كثيرا ولم تكتشف إلا مؤخرا أهمية أن تُدخل اللون الأصفر في كريمات الأساس من أجل ذوات البشرة الزيتونية. وهكذا بدأت فكرة إطلاق مجموعة خاصة بها تُلح عليها. كل ما كانت تحتاجه هو رأسمال وعقل تجاري، لأنها كانت تعرف أن قدراتها لا تشمل هذا الجانب. تغير كل شيء عندما التقت سيدة أعمال من تكساس آمنت بأفكارها، وأبدت استعدادا لتمويل مشروعها، لتبدأ ميرسييه مرحلة جديدة من حياتها.
بدأت تقابل زبوناتها في المحلات لتعليمهن كيفية استعمال مستحضراتها للحصول على مظهر مشرق ونضر وطبيعي. كانت هذه الفترة جد ممتعة لأن هذه اللقاءات المباشرة شجعتها على الاستمرار والتطوير وعلى تسويق المظهر الطبيعي الذي آمنت به منذ بدايتها. لم تكن مقابلة الزبونات في المحلات بدافع تجاري بقدر ما كانت لإعطاء فرصة لهن للاستفادة من كل مستحضر إلى أقصى حد «فهذه المستحضرات لا تكتسب حياة وروحا إلا عندما تلامس البشرة وتتجانس معها». الآن وصلت لورا ميرسييه مرحلة تشعر فيها بأنها يمكن أن تسلم المشعل للعاملين معها على أن تتولى مهمة الإشراف من بعيد. حان الوقت لكي تقطف ثمار ما زرعته على مدى عقود. لا تنوي التقاعد، لأنها لا تزال صغيرة على ذلك، لكنها تحلم بالعودة إلى مسقط رأسها بالبروفانس لتمارس هواية الرسم وتساهم في جمعيات خيرية، أهمها منظمة لورا ميرسييه لسرطان الرحم. فالهدف من الألوان كان ولا يزال بالنسبة لها لزرع البسمة في الوجوه وليس لإخفائها تحت أقنعة مُبهرجة.

 


مقالات ذات صلة

«هوت كوتور» 2026 - 2027… المعادلة الجديدة بين الإبداع والربح

لمسات الموضة استوحى جوناثان أندرسون من النحاتة ليندا بنغلس أشكالاً مبتكرة طوَّع فيها الأقمشة والتصاميم (أدريان ديران لديور)

«هوت كوتور» 2026 - 2027… المعادلة الجديدة بين الإبداع والربح

تختلف مصادر ثروات زبونات الـ«هوت كوتور» حالياً، لكن يلتقين في قناعتهن بفخامة تُطبَخ على نار هادئة، في زمن تشابهت فيه الوجوه والإطلالات.

جميلة حلفيشي (لندن)
لمسات الموضة تايلور فريتز لدى دخوله الملعب (أ.ف.ب)

أناقة «ويمبلدون» بين التسويق والتقاليد

لم تكن فكرة ارتداء البدلة من ابتكاره، بل جاءت باقتراح من راعيه. أما شرطه الوحيد، فكان أن تصبح عملية بما يكفي ليتمكن من خلعها بسرعة، والانتقال إلى أجواء المباراة

جميلة حلفيشي (لندن)
لمسات الموضة لقطة من العرض تظهر فيها الموجة العملاقة كخلفية (أ.ب)

سينوغرافيا «لويس فويتون»... عرض أم استعراض؟

لم يحاول فاريل ويليامز منذ التحاقه بـ«لويس فويتون» بصفته مديراً إبداعياً، أن يكون مصمماً تقليدياً ولا مطلوباً منه ذلك. كان المطلوب منه خلق «لحظات ثقافية».

جميلة حلفيشي (لندن)
لمسات الموضة تراهن الدار على الجمال الطبيعي المستمد من طبيعة إيطاليا (دولتشي آند غابانا)

«دولتشي آند غابانا» تراهن على الهوية الإيطالية في عالم التجميل

لم تعد مستحضرات التجميل بالنسبة لبيوت الأزياء الفاخرة مجرد فئة كمالية تُجمِّل صورتها، بل أصبحت جزءاً محورياً من استراتيجيات النمو وتنويع الإيرادات، ما يزيد من…

«الشرق الأوسط» (لندن)
لمسات الموضة «لحظة» العمل الذي فاز به آرثر شوكيه بالجائزة الأولى (كارتييه)

«كارتييه» تراهن على الجيل المقبل لصناعة المستقبل

مرّت صناعة الساعات السويسرية، كما هو حال كثير من الحِرف التقليدية، بفترة من القلق حول مستقبلها. لم يكن هذا القلق مرتبطاً فقط بتقلبات السوق أو بانتشار حركة…

«الشرق الأوسط» (لندن)

«هوت كوتور» 2026 - 2027… المعادلة الجديدة بين الإبداع والربح

استوحى جوناثان أندرسون من النحاتة ليندا بنغلس أشكالاً مبتكرة طوَّع فيها الأقمشة والتصاميم (أدريان ديران لديور)
استوحى جوناثان أندرسون من النحاتة ليندا بنغلس أشكالاً مبتكرة طوَّع فيها الأقمشة والتصاميم (أدريان ديران لديور)
TT

«هوت كوتور» 2026 - 2027… المعادلة الجديدة بين الإبداع والربح

استوحى جوناثان أندرسون من النحاتة ليندا بنغلس أشكالاً مبتكرة طوَّع فيها الأقمشة والتصاميم (أدريان ديران لديور)
استوحى جوناثان أندرسون من النحاتة ليندا بنغلس أشكالاً مبتكرة طوَّع فيها الأقمشة والتصاميم (أدريان ديران لديور)

صيف هذا العام ساخن للغاية. تتشابك فيه أحداث كبرى تتنافس على الأضواء والانتباه، من مهرجان أسكوت إلى ويمبلدون، ومن أسابيع الموضة الرجالية إلى كأس العالم. وأخيراً وليس آخراً، أسبوع الـ«هوت كوتور» لخريف 2026 وشتاء 2027.

والمتعارف عليه، أنه في اللحظات التي تتزامن فيها أحداث بهذا الحجم، تزيد الإثارة والمنافسة للحصول على أكبر حصة من الانتباه، ثم تحويله أرباحاً، سواء عبر جذب الإعلانات أو استقطاب الزبائن. في هذا الزحام، كان الرهان أن يطغى المونديال على الموضة، لكن تبيَّن أن لكل حدث جمهوره، ولكل مجال نصيبه.

جانب من عرض «ديور» (أ.ف.ب)

فالواضح خلال أسبوع الـ«هوت كوتور» الأخير أن شغف الموضة لم يتأثر بباقي الفعاليات، ليؤكد صحة مقولة «لولا اختلاف الأذواق لبارت السلع». مقولة يمكن ترجمتها هنا بأن زبونات هذا الخط، وهن من مختلف الأعمار والجنسيات، قد لا يهتممن بكرة القدم ولا حتى بكرة التنس، لكن لا يستغنين عن الأناقة والجمال بأي شكل من الأشكال.

أرقام المبيعات بدورها تؤكد أن خط الـ«هوت كوتور» يعيش عصراً ذهبياً، تُسهِم فيه شريحة جديدة من الزبونات الثريات إلى جانب زبوناته من الرعيل القديم. تختلف مصادر ثرواتهن، لكن يلتقين في قناعتهن بفخامة تُطبَخ على نار هادئة، في زمن تشابهت فيه الوجوه والإطلالات.

لا يكتمل أي عرض من دون حضور زبونات مهمات ووسائل إعلام عالمية للحصول على الزخم المطلوب (أ.ف.ب)

وعلى هذا الأساس، هن مستعدات لإنفاق ما يزيد على 100 ألف دولار لقاء قطعة فريدة لا تنافسهن فيها أخرى. فهي تستغرق ساعات طويلة، إن لم نقل أياماً، لتنفيذها على يد حرفي متخصص، كما تتطلب جلسات متكررة من التعديلات والتجارب حتى تأتي على المقاس المثالي، مع العلم أنهن في هذه المرحلة، يمكنهن التدخل في بعض التفاصيل، بما يتناسب مع بيئتهن وثقافتهن، شرط ألا يتدخَلن في التصميم بشكل جذري.

ما يسهِم في صمود هذا الموسم أيضاً عودة انتعاش سوق الرفاهية في أميركا؛ وهو ما ينعكس على تزايد عدد زبونات المنطقة لهذا الخط. فبعد أن تراجع عددهن في فترة من الفترات، إما بسبب انخفاض القدرات الشرائية لبعضهن أو بسبب الوفاة، عُدن إلى هذا الخط بنهم خلال السنوات الأخيرة. ولا يقتصر الأمر هنا على طبقة «المال القديم» فحسب، بل يشمل أيضاً طبقة حديثة متعطشة لدخول نادي النخبة بأي ثمن؛ وهو ما انعكس بالإيجاب على هذا الخط.

«بريستيج» يتحول إيراداتٍ

المصممة تمارا تضع اللمسات الأخيرة على أحد التصاميم (تمارا رالف)

فحتى عهد قريب، لم يكن هذا الخط يخضع لمنطق الربح، بل لمنطق الـ«بريستيج»، أي تعزيز صورة الدار وإظهار قوتها الإبداعية وحِرفيتها. الآن تحول مصدر دخل حقيقياً. إضافة إلى شريحة جديدة من الزبونات، فإنه أيضاً يخاطب امرأة ذات قدرات شرائية متواضعة، ولو بشكل غير مباشر. يُدخلها في حالة من الحُلم تدفعها لاقتناء منتجات أقل سعراً، قد تكون مجرد أحمر شفاه أو عطر أو نظارة شمسية، ومع ذلك هي الأعلى ربحية.

وفق رأي البعض، فإن هذا الانتقال من مرحلة الإبداع الخالص، حين لم يكن محكوماً بالاعتبارات التجارية إلى مرحلة تحقيق الربح، جاء على حساب الفني أحياناً. ويرى أصحاب هذا الرأي أن المجموعات المالكة لبيوت الأزياء الكبيرة تفرض على مصمميها تحقيق المعادلة بين الجنوح الفني والمتطلبات التجارية.

بين الحلم والواقع

قد يكون هناك جانب من الصحة في هذا الرأي، لكن ما تمّ عرضه طوال أسبوع باريس لخريف 2026 وشتاء 2027، يؤكد أن الأمر لم يُقيّد الكل. مُبدعون مثل دانييل روزبيري، المدير الإبداعي في دار «سكياباريلي»، وجوناثان أندرسون في «ديور»، وماثيو بلازي في «شانيل» وغيرهم نجحوا في تقديم أزياء قادرة على نيل تقدير الزبونات المقتدرات، وفي الوقت ذاته إشعال النقاش في وسائل الإعلام بإضافة بعض البهارات الساخنة.

فمعظم المصممين حالياً لا يتجاهلون حقيقة أن الأزياء الراقية لم تعد في العصر الحالي تعيش بالحرفة وحدها، بل تحتاج أيضاً إلى صناعة الزخم وترك صدى يتردد طويلاً بعد انتهاء العرض. فهذا الزخم أصبح مطلباً أساسياً لتبرير عروض تقدر بمئات الآلاف من الدولارات، بين ديكورات وإضاءة وموسيقى وسينوغرافيا، إضافة إلى استضافة نجوم ومشاهير يتألقون في إطلالات لم تُطرح في الأسواق بعد، لكنها تُغني عن أي حملات إعلانية في وسائل الإعلام التقليدية.

ولتأكيد أهمية التغطيات، أصبح لها اسم خاص يتلخص في: «قيمة التأثير الإعلامي»، تترقب بيوت الأزياء أرقامه ونتائجه أكثر مما تترقب التغطيات الصحافية في المجلات أو الصحف أحياناً.

لكن وسط كل هذا الإبهار الإعلامي، تبقى الأولوية دائماً للأزياء نفسها: أن تجد طريقها إلى قلب امرأة، ومنه إلى خزانتها. وهنا تقف ثلاث مدارس؛ الأولى تتعامل مع خط الـ«هوت كوتور» كمساحة للتجريب وإطلاق العنان للخيال، والثانية تراه بعيون فنية تُوازن بين الحلم والواقعية، والثالثة تعدّه ذروة الفخامة العملية التي تلعب على المضمون والمتعارف عليه.

سكياباريلي... الإبداع السريالي

الفنية في أقصى حالاتها كما تصورها دانييل روزبيري (سكياباريلي)

بالنسبة لدانييل روزبيري، فإن العملية تركَّزت في هذه المجموعة على تحويل «المألوف استثنائياً». يشرح أنه لم يُفكر في كيفية استخدام «الخامات النبيلة» فحسب، بل تساءل عما إذا كان الجمال يكمن في المادة نفسها، أم في الخيال القادر على إعادة ابتكارها. يقول: «لذلك؛ جمعنا بين تقنيات الأزياء الراقية ومواد صناعية، استبدلنا فيها الحرير والساتان والصوف التقليدي باللاتكس والسيليكون، إلى جانب طبقات من الطلاء خضعت للمعالجة الحرارية حتى تحوَّلت صفائح، قبل نحتها لتتخذ أشكالاً تصميمية مبتكرة».

زيندايا بأحد تصاميم «سكياباريلي» المجنونة لدى حضورها افتتاح فيلم «أوديسيه» (أ.ف.ب)

على منصات العرض، بدت هذه التصميمات فنية وسريالية يصعب ترجمتها في أرض الواقع إلا عبر شخصيات جريئة مثل زيندايا، التي حضرت افتتاح فيلم «أوديسيه» بواحد منها. بالنسبة لروزبيري كان الأمر مقصوداً للبقاء وفياً لإرث إلسا سكياباريلي، فقد «تم تصميم الكورسيه بشكل واقعي» وفق ما قال: «بحيث لم يُشكّل داخل قالب، بل نُحت أولاً، ثم صُبّ بالسيليكون وطُلي بدرجة من الأزرق اللبني». أما الزخرفة الزهرية التي تزيّن التنورة، فتتألف من مئات الأزهار المصنوعة من الجوارب النسائية المشدودة على أسلاك معدنية ولآلئ، بتدرجات لونية تنساب من الأزرق إلى الكراميل، لتتلاشى تدريجياً مندمجة مع لون الجوارب الضيقة التي تُرتدى أسفلها. ويتألق فستان آخر بأنابيب من الكرينولين المنحوت تبدو خفيفة كأنها بلا وزن، في حين تزدان سترة وسروال ضيق متناسق بأزهار طبيعية، وقشور أسماك، وأزهار مصنوعة من الشرائط، بينما تنبثق من الكتفين مجسّات من اللاتكس تنبض بالحركة.

«ديور»... حوار الفن والحرفة

استوحى أندرسون مجموعته من أعمال النحاتة ليندا بنغلس التي تُحوّل مواد ثنائية الأبعاد تكويناتٍ ثلاثية الأبعاد (أ.ب - أ.ف.ب)

وإذا كان روزبيري يدفع الكوتور نحو الحلم السريالي، فإن جوناثان أندرسون، المدير الإبداعي في «ديور» يدفعه نحو الحوار مع الفن والحرفة، محاولاً إيجاد مساحة مشتركة بين العمل الإبداعي والتصاميم الواقعية.

قال إنه استمد مجموعته من أعمال «ليندا بنغلس». نحّاتة أميركية تنطلق في أعمالها من مواد ثنائية الأبعاد تتحول، عبر تقنيات العقد والكسرات والتشكيل، تكوينات ثلاثية الأبعاد.

طوَّع أندرسون القماش ليحاكي ملمس الورق في محاكاة لأعمال النحاتة ليندا بنغلس (أ.ف.ب)

ترجم أندرسون رؤيتها بتطويع القماش ليحاكي ملمس الورق، مضيفاً إليه بُعداً نحتياً تغلب عليه الكسرات اليدوية، والعُقد، وأسلوب الدرابيه. لكنه لم يتوقف عند حدود الشكل فقط؛ إذ أثارته أيضاً العلاقة الوثيقة بين الفنانة ومدينة أحمد آباد في ولاية غوجارات الهندية، والتي جسَّدتها في سلسلة من الأعمال بعنوان «بيكوك» (Peacock) بدأتها ليندا بنغلس في أواخر سبعينات القرن الماضي، متأثرة بمنظر الطيور في الهند.

هذا التأثر قاد جوناثان أندرسون لاستعمال ألوان تستحضر الطاووس وأشكالاً تحاكي ريشه، وأيضاً إلى التعمق في الحِرف الهندية ذاتها، ولا سيما تقاليد قماش «تشينتز» الذي ظهر في إطلالات وحقائب يد عدة.

«تمارا رالف»... الفخامة الكلاسيكية

حافظت تمارا على أسلوبها المضمون بفخامته الكلاسيكية وحرفيته العالية (تمارا رالف)

على الطرف المقابل تقف تمارا رالف. فهي لا تبحث عن إحداث ثورة بصرية بقدر ما تخاطب امرأة تميل إلى الأناقة الكلاسيكية المضمونة بعيداً عن أي تعقيدات أو رموز تدفع حدود الخيال. مقاربتها أكثر واقعية وقرباً من السوق، من دون أن تتخلى عن رفاهية الكوتور وحرفيته.

ففي كل موسم تظهر في عروضها الفساتين الانسيابية، والتطريزات الدقيقة والسخية في الوقت ذاته؛ الأمر الذي لم يختلف في مجموعتها الأخيرة. فقط أضافت «لوحة ألوان مضيئة تستحضر لحظات الفجر»، وفق وصفها، مضيفة: «مع بصمة مستوحاة من جنوب آسيا تتجلى في الخطوط الطويلة، والحسية الهادئة، والبناء المعماري». وسط هذه الكلاسيكية القائمة على تتبع تضاريس الجسم، تتفجر أنوثة طاغية تكشف عن ثنيات شفافة وخصور مشدودة بالكورسيه، فيما لا يترك شك أنها ستجد طريقها إلى السجادة الحمراء والمناسبات الكبرى.

«شانيل»... من الخيال إلى الواقع

بدأ عرض «شانيل» متسلسلاً من العادي إلى الاستثنائي (شانيل)

من هذه الزاوية تلتقي رؤيتها مع الفلسفة التي تحدث عنها ماثيو بلازي، المدير الإبداعي في «شانيل»، بعد عرضه، عندما كشف عن أن الأساطير والقصص الخيالية التي تحوَّلت فيها شخصياتها تصاميم وأقمشة وورداً وأزراراً، ليست مجرد حكايات منفصلة عن الواقع، بل جزء من تفاصيل الحياة اليومية. هذه الحكايات لا تختلف كثيراً عن حياة كوكو شانيل نفسها، وكيف شقت طريقها من الفقر إلى القمة لتُغيّر مصيرها وفي الوقت ذاته نظرة المرأة للجمال. بدأ بلازي العرض وكأنه يعيد سرد إحدى الحكايات الخرافية. في المقدمة خرجت العارضات بإطلالات مُملة، أخذت تزداد جمالاً وإبهاراً مع توالي الإطلالات، حتى انتهت إلى ذروة الفخامة، في رحلة تحول سحري من العادي إلى الاستثنائي.

حكايات وأساطير تتجسد بإيجابية وإبداع في عرض «شانيل» (رويترز)

ولعل ما يمكن أن يختصر فلسفة المصمم في هذه المجموعة، أنه على الرغم من أجوائها الحالمة، أمسك العصا من النصف. لم يسع لتقديم الكوتور استعراضاً منفصلاً عن الواقع، بل بوصفه مختبراً لأفكار تُدغدغ المشاعر وتتجسد في تصاميم تجد طريقها إلى خزانة المرأة المعاصرة. وهذا هو عز الطلب في الأول والأخير.


أناقة «ويمبلدون» بين التسويق والتقاليد

تايلور فريتز لدى دخوله الملعب (أ.ف.ب)
تايلور فريتز لدى دخوله الملعب (أ.ف.ب)
TT

أناقة «ويمبلدون» بين التسويق والتقاليد

تايلور فريتز لدى دخوله الملعب (أ.ف.ب)
تايلور فريتز لدى دخوله الملعب (أ.ف.ب)

في النسخة الحالية من «ويمبلدون»، كشفت لحظة دخول اللاعب تايلور فريتز أن اللعب لا يبدأ مع ضربة الإرسال الأولى، بل منذ لحظة دخول الملعب. فقد بدا ظهوره ببدلة وإكسسوارات بيضاء، في نظر بعض المتابعين، خطوة تسويقية لافتة، في حين رأى آخرون أنه مجرد التزام بقواعد «ويمبلدون» التي تفرض على اللاعبين ارتداء اللون الأبيض بالكامل.

كان اللاعب الأميركي متردداً في البداية لكنه اقتنع بعد الفوز بالمباراة (أ.ب)

عند دخوله الملعب، كان يرتدي بدلة بيضاء صُممت بشكل خاص له بالتعاون مع راعيه، علامة «BOSS»، ويحمل نسخة بيضاء من حقيبة «Madison B1» المصنوعة من الجلد الإيطالي الفاخر، لتكتمل إطلالة جمعت بين الفخامة والطابع الرياضي العصري. لكن اللافت لم يكن التصميم بحد ذاته، بل ما كشف اللاعب عنه بعد المباراة. فقد اعترف بأنه لم يكن مقتنعاً تماماً بالفكرة عندما طرحتها عليه «BOSS»، وأنه لم يُغيّر رأيه إلا بعد أن شاهد الصور إثر فوزه في المباراة. أما سبب تردده في البداية، فكان خشيته أن تتحول الإطلالة إلى مادة للسخرية إذا ودّع البطولة مبكراً.

الموضة والرياضة

هذا التصريح يُوضِح العلاقة التي باتت تربط الموضة والرياضة حالياً، فالأزياء لم تعد اختياراً شخصياً أو وسيلة للتعبير عن الذوق الخاص، بل جزء من منظومة تسويقية تتداخل فيها مصالح الرعاة مع الصورة العامة للرياضي.

لم يقل فريتز إنه أُجبر على ارتداء البدلة صراحة، لكنه أوضح أن الفكرة لم تكن فكرته، وبأنها جاءت من راعيه، مضيفاً: «لم يكن بإمكاني التراجع». كان له شرط واحد فقط؛ أن تكون البدلة عملية بما يكفي ليتمكن من خلعها بسرعة قبل بداية المباراة.

كان شرطه الوحيد أن تكون البدلة عملية بحيث يمكنه خلعها بسهولة (أ.ب)

لذلك صُمم السروال بفتحات جانبية مخفية تتيح خلعه خلال ثوانٍ، في تفصيل يعكس محاولة الجمع بين متطلبات الأداء الرياضي، التي تستدعي انتقالاً سريعاً إلى أجواء المنافسة وتركيزاً كاملاً على المباراة، ومتطلبات صورة تسويقية تراهن على التأثير الدرامي للون الأبيض. وهنا بدت العلاقة بين اللاعب وزيه كأنها مفاوضة مستمرة بين رياضي ينصب تركيزه على الفوز وإثبات تفوقه داخل الملعب، ومنظومة تسويقية تسعى إلى صناعة صورة مثالية تتجاوز حدود المنافسة. ولعل خير دليل على ذلك أن المجموعة أصبحت متوفرة حالياً في متاجر «BOSS» حول العالم.

الحاضر يستلهم من الماضي

غير أن هذه الإطلالة لم تكن مجرد فكرة تسويقية عابرة، بل استلهمت واحدة من أكثر الصور رسوخاً في ذاكرة «ويمبلدون». ففي عام 2007، دخل روغر فيدرر الملعب مرتدياً سترة بيضاء، في مشهد تحول لاحقاً إلى إحدى الصور الأيقونية في تاريخ البطولة.

ركزت «بوس» على إيجاد توازن بين الأناقة والعملية (رويترز)

لكن بينما كان ظهور فيدرر آنذاك امتداداً للأناقة الأرستقراطية التي لطالما ارتبطت بـ«ويمبلدون»، جاءت إطلالة فريتز لتعكس واقعاً مختلفاً، تتحول فيه البطولة نفسها إلى منصة تتقاطع فيها الرياضة مع صناعة الأزياء.

فالبدلة التي ارتداها تحمل بصمات علامة «بوس» الأنيقة، بحيث صُنعت من قطن أبيض ذي نسيج طبيعي يمنحها طابعاً صيفياً خفيفاً، وجاءت بقصة واسعة ذات صفين من الأزرار، مع وشاح حريري بنقشة «بيزلي» مستوحاة من أرشيف الدار، وحقيبة جلدية بيضاء، في إعادة معاصرة لما يُعرف بـ«أبيض ويمبلدون» الشهير.


سينوغرافيا «لويس فويتون»... عرض أم استعراض؟

لقطة من العرض تظهر فيها الموجة العملاقة كخلفية (أ.ب)
لقطة من العرض تظهر فيها الموجة العملاقة كخلفية (أ.ب)
TT

سينوغرافيا «لويس فويتون»... عرض أم استعراض؟

لقطة من العرض تظهر فيها الموجة العملاقة كخلفية (أ.ب)
لقطة من العرض تظهر فيها الموجة العملاقة كخلفية (أ.ب)

خلال أسبوع الموضة الرجالية الذي احتضنته باريس في الأسبوع الأخير من يونيو (حزيران)، التهبت العاصمة الفرنسية على أكثر من صعيد؛ فبينما دفعت موجة الحر درجات الحرارة إلى مستويات مرتفعة، أشعلت العروض الضخمة والخيارات الإبداعية حماس المتابعين.

فبعد أن لاحظنا في السنوات الأخيرة تخفيف الميزانيات، على الأقل فيما يتعلق بديكورات العروض الضخمة، تابعنا خلال الأسبوع الباريسي لربيع وصيف 2027، كيف وضع فاريل ويليامز، المدير الإبداعي للأزياء الرجالية في «لويس فويتون»، مجموعته الجديدة ضمن سينوغرافيا يصعب تجاهلها.

إلى جانب الأزياء حضرت الإكسسوارات بنقشة المونوغرام بقوة (إ.ب.أ)

كان العنصر الأساسي فيها، موجة اصطناعية عملاقة بلغ ارتفاعها نحو ثمانية أمتار وعرضها أكثر من سبعة وثلاثين متراً، استخدمت فيها مياه حقيقية بمساعدة مؤسسة «أو دو باريه» Eau De Paris المسؤولة عن شبكة المياه في العاصمة الفرنسية. قيل إن رذاذها وصل إلى بعض الضيوف الجالسين على أطرافها. أما منصة العرض نفسها، فكانت عبارة عن مساحة مغطاة بالرمال تراصت حولها كراسي خشبية على هيئة ممرات الشواطئ التقليدية. فثيمة العرض كانت عن السفر والبحر والأنشطة المائية، مثل التزلج على المياه.

أثارت ضخامة ودرامية المشهد سؤالاً كان لا بد منه: متى يصبح الديكور أكثر حضوراً من الملابس نفسها؟ كان واضحاً طوال العرض، وما تمّ تداوله من صور، أن الموجة العملاقة استحوذت على جزء كبير من الانتباه، أكثر من الأزياء نفسها.

الفنان والمدير الإبداعي فاريل ويليامز يحيِّي ضيوفه بعد انتهاء عرضه (أ.ب)

ثم تُوضِح تصاريح ويليامز بعد العرض، أنه لم يُصمِم الموجة للإبهار وحده. فخلف هذا المشهد الاستعراضي، حاول أن يمنح الديكور رسالة تتجاوز الفرجة، بربطها بفكرة الاستدامة والتدوير وأيضاً بأخذنا إلى جذور «لويس فويتون» المرتبطة بالسفر والترحال.

هو لم يأت ليبيع الحلم والأزياء فحسب، بل ليبيع شخصيته وصورته أيضاً، من خلال خلق «لحظات ثقافية» يتم تداولها إعلامياً ورقمياً.

ورغم أن إدماج الديكور في العروض، ليس جديداً على الدار، حيث بدأ في عهد مارك جايكوبس، الذي عمل فيها من 1997 إلى 2013، أي لمدة 16 عاماً، وحوَّل خلالها الأماكن إلى مشاهد مسرحية ضخمة، تارة على شكل محطة قطار، وتارة أخرى على شكل مصاعد متحركة وغيرها، فإن فاريل ويليامز، لم يحاول منذ التحاقه بـ«لويس فويتون» بصفته مديراً إبداعياً، أن يكون مصمماً تقليدياً ولا مطلوباً منه ذلك. كان المطلوب منه خلق «لحظات ثقافية» يتم تداولها إعلامياً ورقمياً، بأن يمزج بين الموضة والترفيه والثقافة الشعبية والرسائل الاجتماعية في زمن أصبحت فيه الصورة تنتشر خلال ثوانٍ عبر الإنترنت.

كانت السينوغرافيا بطل العرض بلا منازع (إ.ب.أ)

من هذا المنظور، لم يُوظِّف فاريل الموجة العملاقة بوصفها مجرد خلفية مثيرة، ولا ألواح ركوب الأمواج التي رافقت العرض بوصفها مجرد إكسسوار زخرفي، بل أرادها رسالة تلتقط ثقافة العصر ومفهوم الاستدامة.

الاستدامة والتدوير كرسالة فنية

ويبدو أن مفهوم الاستدامة كان، بالنسبة لفاريل ويليامز في العرض، لا يقل أهمية عن الأزياء نفسها. فبعد انتهاء العرض، ستُعاد المياه إلى شبكة الصرف في باريس ضمن نظام مغلق لإعادة التدوير. كما سيُعاد استخدام الرمال الناعمة التي غطّت الأرضية لاحقاً في ملاعب الكرة الطائرة الشاطئية داخل الحرم الجامعي، حيث أقيم العرض. حتى المقاعد الخشبية المستخدمة للضيوف، فقد سبق أن استُعملت في عرض الموسم الماضي، الذي أقيم حول هيكل معماري يشبه فندقاً مستقبلياً داخل متنزه بولونيا الباريسي، وحمل اسم «دروبهاوس» نظراً لتشابه شكله مع قطرة ماء.

تكتسب إعادة استخدام المياه والرمال والخشب بعد انتهاء العرض، دلالة مهمة في وقت تواجه فيه صناعة الموضة ضغوطاً متزايدة للحد من الهدر وتحمل مسؤولية أكبر تجاه أثرها البيئي.

من الديكور إلى الأزياء

جانب من العرض (رويترز)

ورغم أن الديكور بدا في بعض اللحظات أكثر حضوراً من الأزياء نفسها، فإنه من الخطأ القول إنها لم تكن في المستوى. فمع تراجع هدير الموجة، تعالى عزف أوركسترالي حي، ليبدأ العارضون بالظهور مرتدين تصاميم تراوحت بين التفصيل الكلاسيكي الهادئ والقطع المنفصلة، مثل القمصان المطبوعة بأشجار النخيل وسراويل الجينز القصيرة. لم يكتف فاريل باستعمال أقمشة منعشة وتصاميم منطلقة، وقدّم اقتراحات أخرى مصنوعة من خيوط الكشمير ثمرة تعاونه مع معامل «لورو بيانا»، إلى جانب الصوف عبارة عن سترات ومعاطف مستوحاة من تلك التي يرتديها راكبو الأمواج بعد الخروج من المياه الباردة.

اقتراحات كثيرة منها كنزات من الكشمير ثمرة تعاون مع دار «لورو بيانا» (أ.ف.ب)

رجل «لويس فويتون»

وفق ما صرَّح به فاريل أنه لا يتعامل مع هذه المناسبات باعتبارها مجرد عروض أزياء، فهي بالنسبة له تجارب أناقة متكاملة. لكنه يضع نصب عينيه دائماً رجل أعمال لا يتنازل عن أناقته أياً كانت هواياته وميوله وأياً كانت وجهته. خزانة ملابسه قد تضم بدلات كلاسيكية مزدوجة الأزرار، أو معاطف بحرية تقليدية وسترات بومبر من الجلد، كما قد تضم سراويل جينز مطرزة أو سترات مؤلفة من رقع تذكارية متداخلة بشكل جريء. ففلسفته، منذ انضمامه إلى «لويس فويتون» مديراً إبداعياً لخطها الرجالي، أن يفكر خارج الصندوق لكن بعقلية المستهلك، وهذا ما نجح فيه حتى الآن رغم أن تعيينه في عام 2023 أثار الكثير من الاستغراب وحفيظة البعض. فهو منتج ومغنٍ أولاً قبل أن يكون عاشقاً للموضة ومؤثراً فيها ثانياً.

شملت الأزياء كل ما يحتاج إليه رجل ثري من بدلات وقطع منفصلة (أ.ف.ب)

في هذه المجموعة، أكد للجميع أنه مصمم يناسب متطلبات العصر الحالي، التي باتت تعتمد على الصورة. فقد أظهر قدرته على كتابة فصل جديد من قصة الدار المبنية على السفر والترحال وما تعنيانه من انطلاق وحرية ومغامرة، مُركِزاً على تحقيق التوازن بين العمل والمتعة برسم صورة رجل يملك المال ويرغب في خوض تجارب مثيرة. ففي الماضي كانت الأزياء الفاخرة تخاطب رجلاً يعمل في البنوك والمكاتب الرسمية، أما اليوم، فهذا الرجل يعمل في التكنولوجيا والترفيه والرياضة. وهذه بحد ذاتها صورة تسويقية جذابة تعكس شخصية فاريل ويليامز ودوره داخل الدار.