التدافع لإعادة إعمار سوريا بين الفرص والمخاطر

تنشر دراسة لمركز أبحاث ألماني

دمار في مدينة حلب (أ ف ب)
دمار في مدينة حلب (أ ف ب)
TT

التدافع لإعادة إعمار سوريا بين الفرص والمخاطر

دمار في مدينة حلب (أ ف ب)
دمار في مدينة حلب (أ ف ب)

تنشر «الشرق الأوسط»، اليوم، ترجمة خاصة مختصرة لدراسة كتبها موريل اسبورغ وخالد يعقوب عويس، الباحثان في «المركز الألماني للدراسات الدولية والأمنية».
في نوفمبر (تشرين الثاني) 2017 الجاري، ومع هدوء الحرب السورية، وهزيمة «داعش»، زادت موسكو من جهودها للتوصل إلى ما تعتبره حلاً للنزاع السوري في العديد من المحافل، بعيداً عن عملية جنيف التي تشرف عليها الأمم المتحدة.
وعلاوة على ذلك، وبعدما أعلنت الإدارة الأميركية بكل وضوح عن عدم مشاركتها في جهود إعادة الإعمار الخاصة بسوريا، قصدت روسيا الاتحاد الأوروبي بغية الحصول على المساعدات المالية والمعاونة في تغطية تكاليف إعادة إعمار البلاد، جنباً إلى جنب مع دول الخليج العربي.
ورغم أن الاتحاد الأوروبي استبعد في أبريل (نيسان) الماضي، المشاركة في جهود إعادة الإعمار من دون انتقال سياسي للسلطة، تتصاعد الدعوات في الوقت الراهن داخل أوروبا مطالبةً باستيعاب وجود بشار الأسد على رأس السلطة، والمساعدة في إعادة إعمار سوريا، وإعادة اللاجئين إلى بلادهم. ومع ذلك، فإن أعمال القتال لم تتوقف نهائياً بعد. والأهم من ذلك، فإن البناء المجرد لهياكل البنية التحتية في البلاد لن يسفر عن الاستقرار المنشود، لكن من شأنه أن يزيد من احتمالات اندلاع النزاعات الداخلية الأخرى. وينبغي على الجانب الأوروبي أن يوضحوا لروسيا تمسكهم الحازم بموقفهم السابق. وينبغي عليهم كذلك اللعب بسياسة النفَس الطويل، بهدف تأمين النفوذ المطلوب لكي تكون المساهمات المستقبلية في خدمة أغراض بناء الدولة والسلام معاً. وفي الأثناء ذاتها، ينبغي التركيز على رفع مستويات المساعدات الإنسانية، وتدابير التعافي المبكر، مثل إزالة الألغام، واستعادة البنية التحتية الخاصة بالمياه والرعاية الصحية، وبناء رأس المال البشري في سوريا وبين مجتمعات اللاجئين السوريين، بالإضافة إلى تركيز الجهود على المجتمع المدني ودعم الحكم المحلي في المواضع التي تحظى بالشركاء الموثوق بهم.
بحلول أواخر علم 2017 الحالي، تمكن النظام من استعادة السيطرة على أغلب المراكز الحضرية في البلاد، وخسر «داعش» المزعوم، كلَّ شيء باستثناء بعض القواعد الإقليمية المحدودة. ولقد تعرضت قوات المعارضة لضغوط هائلة دفعت بهم إلى جيوب عديدة للمقاومة ولكنهم لا يزالون يسيطرون على بعض المنعطفات الاستراتيجية وبعض المعابر الحدودية الرئيسية. وفي الوقت نفسه، ومنذ بداية تدخلها العسكري في الحرب السورية، تحولت روسيا إلى قوة عسكرية مهيمنة. وكانت موسكو حريصة على تحويل هذا الإنجاز إلى تولي زمام القيادة على الصعيد الدبلوماسي والاضطلاع بدور الوسيط في تسوية الصراع الدائر.
أما واشنطن، التي تقلص نطاق مصالحها في الأزمة السورية منذ عام 2014 وبشكل كبير إلى محاربة تنظيم داعش، فلم تكن مستعدة لتتحدى النهج الروسي هناك. كما أنها لم تعرب عن رغبتها الحقيقية في المساهمة الجادة في جهود إعادة إعمار سوريا بعد القصف الشديد على شرق البلاد. والقصف الروسي، ولا سيما على حلب في عام 2016، أسفر عن دمار واسع النطاق، مما أدى إلى صدور إدانة شديدة اللهجة من قبل الاتحاد الأوروبي بسبب الاستهداف المتعمد للمستشفيات، والأفراد العاملين في الإغاثة الطبية، والمدارس، والبنية التحتية الرئيسية هناك. ومع ذلك، توجهت موسكو إلى أوروبا طلباً للمساعدة في جهود إعادة الإعمار مع تأنيب الجانب الأوروبي على ربطه دعم إعادة الإعمار بالانتقال السياسي للسلطة، مع تنبؤات بقرب نهاية الصراع الدائر هناك. ولقد سُلطت الأضواء على «خفض التصعيد» من واقع أنه إيجاد للظروف الواقعية الممهدة لإعادة الإعمار واسع النطاق في الداخل السوري. وحقيقة اليوم، رغم كل شيء، تبدو مختلفة تماماً، مع السيطرة المجزأة بشكل كبير بين مختلف القوى على الأرض في مناطق خفض التصعيد المعلن عنها، وفي المناطق المحررة من تنظيم داعش، والمناطق الخاضعة لسيطرة حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي، إلى جانب تلك المناطق الخاضعة لسيطرة القوات الحكومية السورية وحلفائها -مع القتال الذي ينبئ عن كل شيء إلا الاقتراب من خط النهاية.

مناطق خفض التصعيد
استخدمت موسكو، أول الأمر، دعمها العسكري لسوريا بالأساس في مساعدة النظام الحاكم وحلفائه في استعادة الأراضي. وعلى مدى عام 2017، استهدفت موسكو خفض مستويات العنف من خلال نهج جديد يعتمد على تمهيد الأوضاع على الأرض للتهدئة ووقف الأعمال العدائية.
وفي حقيقة الأمر، تطورت تلك المناطق إلى ما يشبه مجموعة من الأوضاع المحلية: من تحسن الظروف المعيشية، إلى الحصار المستمر، والمجازر الجماعية الناجمة عن القصف العشوائي من جانب النظام السوري والقوات الروسية للأهداف المدنية على المناطق التي أعلنت موسكو أنها جزء من مناطق خفض التصعيد. أما بالنسبة إلى الرئيس الأسد، فإن هذه المناطق تدخل ضمن الترتيبات المؤقتة، إنْ كانت كذلك على الإطلاق، وكانت تتبع مسار المناطق الأخرى المحاصَرة، التي سيطرت عليها قوات النظام بعدما «سنحت الفرصة للإرهابيين» (وهو المصطلح الذي يصف به النظام السوري كل أطياف المعارضة في البلاد) لإلقاء السلاح و«العودة إلى أحضان النظام».

متطلبات التعافي المحدود
وفي الأثناء ذاتها، تراجعت عمليات قصف وحصار مناطق في قطاعات أخرى من البلاد، ومن أبرزها المناطق الريفية بالقرب من مدينة حمص وفي محافظة درعا الجنوبية. وأدت نافذة الاستقرار المؤقت إلى قيام نشاط سريع في مجال البناء والتشييد الخاص. على سبيل المثال، عاد سكان المناطق الريفية في حمص إلى مسقط رأسهم من مخيمات كانت مقامة في الأراضي الزراعية المجاورة، وشرعوا في إصلاح أو إعادة بناء منازلهم. ويقال إن الطين كان يستخدم على نطاق واسع بدلاً من الخرسانة في البناء، حيث لا تزال أسعار مواد البناء المستوردة من مناطق النظام مرتفعة. وانخفضت أسعار البضائع والسلع الأساسية، مثل السكر والأرز، منذ بدء سريان اتفاق مناطق خفض التصعيد في أغسطس (آب) لعام 2017، الأمر الذي أسفر عن كسر احتكار التجار المحليين هذه السلع، والذين استفادوا كثيراً من أوضاع الحصار السابقة. وتم افتتاح معبرين مع النظام الحاكم، مما أدى إلى ارتفاع المستوى العام للإمدادات. وافتُتحت سوق للتصدير بوتيرة بطيئة أيضاً. وأرسلت مناطق المعارضة قطعان الخراف والماشية إلى مناطق النظام، وارتفعت أعداد المزارعين الذين يخططون لزراعة المحاصيل، حيث توقعوا مبيعات كبيرة بدرجة كافية لتحقيق الأرباح.
ومن شأن احتمالات تحسين الوصول أن تجدد نشاط المجالس المحلية كذلك، التي أنشأها النشطاء خلال الانتفاضة كي تحل محل إدارة النظام بعد انسحاب قوات الأسد من المناطق الخاضعة للمعارضة.

ترقب تنظيم «القاعدة»
بصرف النظر عن استمرار القصف من جانب قوات النظام، والتهديد الذي يشكله النظام الحاكم في محاولة استعادة المزيد من مناطق المعارضة، فإن أكبر العقبات على طريق إعادة الإعمار في مناطق خفض التصعيد تأتي من الداخل. في أغسطس 2017، كانت «هيئة تحرير الشام» –وهي فرع عن تنظيم «القاعدة» وخليفة «جبهة النصرة»– قد انتهت تقريباً من القضاء على منافستها «أحرار الشام» وبسطت سيطرتها على أغلب أنحاء محافظة إدلب.
وتشمل منطقة نفوذ «هيئة تحرير الشام» المعبر الحدودي الرئيسي مع تركيا، الذي تتدفق من خلاله المساعدات الإنسانية وإمدادات البنية التحتية إلى المحافظة. واستناداً إلى مقولة لينين «السلام، والأرض، والخبز»، استولت «هيئة تحرير الشام» على المخابز في مختلف المدن داخل إدلب، والتي اعتمد الكثير منها على البرامج الغربية لإمدادات القمح. وحرصاً منها على تأكيد شرعيتها لدى السكان المحليين، واعتبارها ناجحة في أمور الحكم والسياسة، أشارت «هيئة تحرير الشام» إلى أنها لن تمنع وصول المساعدات الخارجية إلى إدلب.
وفي الوقت نفسه، كانت «هيئة تحرير الشام» ضالعة في العديد من الهياكل الإدارية المحلية في المحافظة، فضلاً عن المدارس، والجمعيات الخيرية، ومخيمات اللاجئين، من دون أن تدفع بأفراد موالين لها بصورة مباشرة أو تفرض عليهم دوريات المراقبة بصورة واضحة. كما تمكنت من تفكيك المجالس المحلية في المحافظة أو خلعت أعضاء تلك المجالس الذين كانوا ينتقدونها. وبالإضافة إلى ذلك، استعانت بالجهات الرقابية القائمة، مثل المجلس الإداري في إدلب، أو دفعت بالحلفاء المدنيين الموالين لها لإنشاء مجالس محلية جديدة. ومن بينها ما بات يُعرف باسم حكومة الإنقاذ السورية، والتي تشكلت في نوفمبر بغرض واضح وهو الإطاحة بحكومة المعارضة المؤقتة. واحتفظ العديد من الكوادر المؤهلة من مختلف الإدارات المحلية في إدلب بوظائفهم على الرغم من استيائهم الواضح حيال هيئة تحرير الشام. وفضلوا البقاء في مناصبهم وصلاتهم بالجهات المانحة، بغية استمرار وصول الإمدادات والمساعدات إلى المحافظة.
وعلى النقيض من ذلك، فإن الدعم الغربي لسكان إدلب، قد تراجع بصورة كبيرة بعد استيلاء «هيئة تحرير الشام» على المحافظة، حيث يساور المانحون الأجانب القلق من الدعم غير المباشر الذي يوجهونه إلى الهيئة أو إلى المنظمات المتفرعة عنها. وكان النشطاء يأملون في أن يسفر دخول القوات التركية إلى إدلب في أكتوبر (تشرين الأول) 2017 عن تراجع في سلطات «هيئة تحرير الشام». وكان استعراض القوة التركي يخدم أغراض إقامة مناطق خفض التصعيد الشمالية، والتي تمت مناقشتها مع أنقرة في اتفاقية آستانة. ومع ذلك، كان التدخل العسكري التركي يستهدف «وحدات حماية الشعب» الكردية، المرتبطة بحزب الاتحاد الديمقراطي الكردي، وهو الفرع السوري عن حزب العمال الكردستاني التركي في منطقة عفرين القريبة، ولقد جاء هذا التدخل بهدف منع إقامة منطقة إدارة ذاتية كردية متاخمة للحدود التركية مع سوريا.
ومع ذلك، لا يزال خطر تجدد القتال في المنطقة مرتفعاً، مع تصاعد اللهجة الحازمة التي تستخدمها تركيا وإيران في خطابيهما حيال القضية. وقالت أنقرة، التي تفاخر بتفاهماتها الجديدة مع روسيا، إنها تحتاج إلى تطهير عفرين من «الوحدات». في حين أشارت إيران، بدورها، إلى أن النظام سوف يجتاح إدلب قريباً لمحاربة المتطرفين هناك. ويعيش في منطقة عفرين، ذات الأغلبية الكردية، نحو 300 ألف نسمة موزعين بين 20 مدينة وبلدة، في حين يبلغ تعداد محافظة إدلب نحو مليوني نسمة، ومن بينهم ثلثا قد نزحوا من مناطق أخرى في البلاد. ولقد انتهى بهم المقام في إدلب بعد فرارهم من القتال في أماكن أخرى من البلاد، نظراً إلى أن تركيا قد أغلقت حدودها في وجه اللاجئين. كذلك، الآلاف من مقاتلي المعارضة، وعائلاتهم، وغيرهم من المدنيين، جرى نقلهم إلى المحافظة في حافلات النظام الخضراء، التي صارت مرادفاً لعمليات نقل السكان التي صاحبت عناصر المعارضة المستسلمين في المناطق المحاصرة بموجب ما يُعرف باسم اتفاقيات المصالحة.

التوسع الكردي
ظهرت علامات على انتشار «حزب الاتحاد الديمقراطي»، ولا سيما بعد تشجيع الولايات المتحدة الاستيلاء على الأراضي التي يسكنها أغلب العرب في شرقي سوريا من تنظيم داعش بواسطة قوات سوريا الديمقراطية، والتي تغلب عليها «الوحدات». وأعلن حزب الاتحاد الديمقراطي عن هدفه ربط منطقتي الحكم الذاتي المتاخمتين (أو ما يسمى «كانتونات الجزيرة وكوباني») مع إقليم عفرين، مما يعتبر من الأهداف بعيدة الأثر والمنال. وفي أواخر عام 2017، بات من الواضح أن الولايات المتحدة (وروسيا) لن تدعما الطموحات السياسية الكردية ضد تركيا لما وراء محاربة «داعش»، ولن تقوم روسيا بمنع النظام من استعادة الأراضي المحررة من التنظيم.
ولقد أقام حزب الاتحاد الديمقراطي هياكل الحكم المحلي في هذه المناطق. وعلى الرغم من أن هياكل «الديمقراطية الشعبية» تعتبر شاملة ومستقلة من الناحية الاسمية فحسب، فإن حزب الاتحاد الديمقراطي لا يزال القوة الغامضة وراء الكواليس. وأحد هذه الترتيبات شهدها مدينة منبج ذات الأغلبية العربية، والتي استولت عليها وحدات حماية الشعب الكردية من تنظيم داعش في أغسطس 2016، وعين حزب الاتحاد الديمقراطي فاروق الماشي، وهو من الشخصيات القبلية البارزة، رئيساً بالمشاركة لمجلس مدينة منبج. ولقد أسفر هذا التعيين عن استياء الكثير من الناشطين المعارضين على وسائل التواصل الاجتماعي، الذين قارنوا أساليب حزب الاتحاد الديمقراطي في القمع والإكراه والسيطرة بالأساليب التي ينفذها النظام الحاكم. كما أشاروا إلى أن الماشي هو نجل دياب الماشي، وكان عضواًً في برلمان الموافقات التلقائية السوري منذ عام 1954 حتى وفاته عام 2009.

وقت السداد لحكومة النظام
رغم أن النظام لن يستطيع بسط سيطرته على كامل التراب السوري، فإنه يشعر بأن الأحداث تصبّ في صالحه. فهو يسعى إلى توظيف جهود إعادة الإعمار، بغية إرضاء الناخبين وتعويض الآلاف من الذين لقوا مصرعهم لأجل بشار الأسد. وفي افتتاح معرض دمشق التجاري الدولي في أغسطس 2017، صرح أحد مساعدي الأسد بأن سوريا «حققت منعطفاً مميزاً» وهي الآن على طريق إعادة البناء. وصوّر النظام الحاكم إعادة الإعمار على أنها «الصفقة المنتهية»، وأعلن أنه لن يتم منح أي تعاقدات للدول التي ساندت ما يعدهم النظام السوري إرهابيين.
وعلى الصعيد الداخلي، أشارت السلطات إلى أن جهود إعادة الإعمار سوف تُكافئ الموالين للنظام بالأساس، وهي ليست محاولة للتخفيف من المظالم التي غذّت الانتفاضة الأولى من خلال معالجة القضايا ذات الصلة بالشرعية المؤسساتية، والقدرة، والعدالة، والإدماج السياسي والاجتماعي. وفي مظاهرة رسمية أُجريت في نوفمبر 2017، تفاخر أحد كبار نواب حزب البعث بأن سوريا سوف تُبنى من جديد على «أيدي أبنائها الشرفاء». وأقيمت هذه المظاهرة في مدينة حمص، التي قام النظام الحاكم والميليشيات المدعومة من إيران بتشريد مئات الآلاف من سكانها السُّنَّة بالأساس، حيث تمكنوا من سحق المقاومة والمعارضة هناك. ومن أصل 8 مليارات ليرة سوريا (الدولار يساوي 500 ليرة) التي أعلنت الحكومة عنها في يوليو (تموز) 2017، والتي سوف تخصصها للمشاريع في محافظة حمص، فإن أغلب هذا المبلغ سوف يذهب إلى الطائفتين العلوية والمسيحية، في مقابل المناطق السُّنية التي دمرها قصف النظام.
وحتى الآن، منح النظام السوري، على الورق على أقل تقدير، المشاريع لأصدقائه المقربين، وأبرم الاتفاقيات المبدئية مع إيران وروسيا.

المخططات الدولية
مع اقتراب الحرب الأهلية في سوريا من فصل النهاية، وضعت وكالات الأمم المتحدة، والمنظمات الإنمائية، ومؤسسات التمويل الدولية مجموعة كبيرة من مخططات إعادة إعمار البلاد. ووفقاً لتقديرات الأمم المتحدة، فإن إعادة الإعمار في سوريا سوف تتكلف نحو 250 مليون دولار.
والقاسم المشترك الذي يميز كل هذه الخطط، رغم كل شيء، هو تعاملها مع إعادة الإعمار في غالب الأمر من واقع أنها مسألة تقنية، في حين أن القليل من الاهتمام منصبٌّ على نوع نظام الحكم المفترض أن يسيطر على مقاليد الأمور. وبدلاً من ذلك، فإن السلطة المركزية المختصة التي توجه جهودها الآن نحو الصالح العام –مع القدرة والاستعداد على التفاعل في الاستعادة المنصفة لرأس المال البشري وتعزيز النسيج الاجتماعي– هي من الأمور المفترضة ليس إلا.
كذلك، لا توضح هذه الخطط بالتفصيل كيفية إقامة بيئة الأعمال التنافسية في البلاد –في ظل النظام الحاكم نفسه الذي حرم معظم المواطنين السوريين من تكافؤ الفرص لعقود طويلة. وفي ظل وجود المحاكم والبيروقراطية المدينة بالفضل للنخبة الفاسدة في البلاد، لم تكن الشركات الأجنبية لتتمكن بالكاد من العمل في سوريا أو الحصول على تعاقدات أو القيام بتنفيذ الصفقات الرئيسية من دون عقد الشراكة مع النخب الحاكمة أو من ينوبون عنهم. وأي شخص لا يدور في فلك النظام السوري ويقترب من الفوز في مناقصة من المناقصات، تتغير القواعد بصورة تعسفية صارمة ويتم سحب الأهلية منه. وتوجد منظمات الجريمة وعصابات الابتزاز المالي التي تديرها الأنساق العليا من الأجهزة الأمنية. وهناك فساد كبير ومستشرٍ في ربوع الجهاز القضائي والرقابي في البلاد. وتعمل الوزارات الحكومية والبنك المركزي أدوات خاصة لدى عائلة مخلوف، وهم أبناء أخوال الرئيس بشار الأسد من جانب والدته. وعائلة مخلوف، إلى جانب فرعين آخرين من عائلة الأسد، لديهم مناقصات عامة، ونظام المشتريات الخاص بهم والمقصور عليهم فقط.
والأهم من ذلك، أن أغلب هذه الخطط تفترض أن سوريا سوف تعمل كدولة وحدوية، ولن تنصاع للتجزئة التي أسفرت عنها الحرب الأهلية. ولكن تجوهلت ميوعة الديناميات المحلية، وبروز وسطاء آخرين للسلطة الجديدة، وأدوار الميليشيات الأجنبية في الواقع السوري. ومن بين القوى التي ظهرت بين طيات الحرب الأهلية السورية كانت سلالة جديدة من الرأسماليين الموالين للسلطة، الذين يعملون على تشكيل بيئة المال والأعمال ويستعدون لعرقلة كل جهود إعادة الإعمار التي لا تصب في صالحهم –جنباً إلى جنب مع شخصيات المال والأعمال الراسخة في العمق السوري والموالية تماماً للنظام الحاكم. ومن بين العناصر ذات الصلة الوثيقة باقتصاديات الحرب هناك، الجهاديون وغيرهم من الميليشيات الأخرى الساعية إلى الاستفادة القصوى من الأرباح. وفي المناطق الخاضعة لسيطرة النظام، نمت وترعرعت عصابات الجريمة المنظمة والعصابات العنيفة ذات الصلة بمختلف الميليشيات الموالية لبشار الأسد. واستهدف الموالون، الموالين الآخرين في مسعاهم للسلب والنهب بأقصى قدر مستطاع عبر قطع الطرق وفرض الرسوم.

دوافع «الأطراف الثلاثة»
تَعد الخطط الدولية لإعادة الإعمار أن التعاون بين «البلدان الثلاثة» لما فيه خير وصالح سوريا من الأمور البدهية المسلَّم بها. وفي واقع الأمر، ورغم كل شيء، فإن الكثير من اللاعبين الإقليميين والدوليين يعتبرون خطط إعادة الإعمار وسيلة من وسائل تعزيز وجودهم في سوريا على المدى البعيد، وأداة من أدوات تأكيد مصالحهم (الحيوية) في صراعات السلطة الأوسع نطاقاً عبر منطقة الشرق الأوسط. كما أنهم يميلون إلى التركيز على تحقيق المصالح العاجلة، مثل الأرباح المالية السريعة، أو التخفف من أعباء اللاجئين السوريين المتدفقين على بلادهم.
ويُقال إن النظام السوري قد وعد إحدى الشركات الروسية، ذات الصلة بمقاولي الأمن في روسيا، بربع النفط والغاز الطبيعي في الحقول المستعادة من سيطرة «داعش». وشجعت إيران الاستثمارات الخاصة في المشاريع العقارية في سوريا، ووقّعت على مذكرات التفاهم بشأن إعادة الإعمار في مدينة حلب، فضلاً عن إعادة تشغيل شبكات الهواتف المحمولة، الأمر الذي سوف يجلب الكثير من الأرباح، ويمنحهم ميزة المراقبة. ويُذكر أن أنقرة، التي أوقف النظام أنشطتها في البلاد بصورة رسمية، قد أصلحت البنية التحتية الأساسية، والمدارس، وأحد المستشفيات في جيب «الباب» الخاضع للسيطرة التركية. وإلى جانب التوقف المهم للغارات الجوية، ساهمت عمليات إعادة التأهيل في عودة بعض السكان إلى الجيب الصغير. وصرحت الصين بأنها تعتزم المشاركة في جهود إعادة الإعمار السورية، غير أنها لم تُفصح عن مزيد من التفاصيل.

التوقعات والمعضلات
في ظل مختلف السيناريوهات قصيرة ومتوسطة الأجل، من غير المتوقع لأعمال العنف أن تتوقف، ومن المنتظر لأدوار الميليشيات واقتصاديات الحرب أن تترسخ وتستمر. ومع ذلك، يرزح صناع السياسات الأوروبية تحت ضغوط هائلة بغية التركيز على ما يمكن فعله بصورة عاجلة للمساعدة في تعزيز التسوية والاستقرار في المنطقة، ولا سيما إن أخذنا في الاعتبار الحاجة الملحة التي يشعرون بها في ضوء تصاعد الحركات الشعبوية القومية في الاتحاد الأوروبي، والضغوط المتعلقة بإعادة اللاجئين إلى بلادهم.
وسيسعد بشار الأسد كثيراً بالهدايا المجانية التي يتلقاها من الاتحاد الأوروبي. وبالنسبة إلى النظام فإن جهود إعادة الإعمار تخدم، أولاً وقبل كل شيء، ترسيخ قبضته على السلطة، فضلاً عن ضمان استدامة التحولات الاجتماعية والسكانية، وتعميق ولاء المواطنين للنظام. وتحذر الرؤية، التي تبناها نظام الأسد وكرر الإعراب عنها في اجتماعات المساعدات الدولية، من خسارة أوروبا دورها لصالح موسكو وطهران ما لم تساعد البلدان الأوروبية في إعادة إعمار سوريا.
وفي أبريل (نيسان) الماضي، استبعد الاتحاد الأوروبي المشاركة في إعادة إعمار سوريا «إلى أن يتم الانتقال السياسي الشامل والحقيقي في البلاد». ومع ذلك، ومن الناحية العملية، كان النهج الأوروبي يتسم بالاتساق، إذ موّلت البلدان الأوروبية برامجَ إعادة البناء التي تشرف عليها الأمم المتحدة والتي تعمل بالتعاون مع النظام السوري الحاكم. ولا تزال هذه البرامج قيد العمل، أو من المقرر أن تبدأ في المناطق التي استقرت فيها الأحوال بشأن النقل القسري للسكان، مثلما هو الحال في حمص. وليست هناك ضمانات بشأن حق العودة للسكان الأصليين، أو وقف تزوير السجلات العامة، أو توقف عمليات مصادرة النظام للممتلكات في مناطق المعارضة التي استولى عليها النظام. كذلك، لم يصرّ الاتحاد الأوروبي على ضرورة رحيل الأسد عن السلطة كشرط مسبق للمشاركة في جهود إعادة الإعمار. بدلاً من ذلك، كان ممثلو الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي قد أقروا وبشكل متزايد أن بشار الأسد قد يلعب دوراً في الفترة الانتقالية، وربما لما بعدها أيضاً. وانقسمت الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي بين أولئك الذين اتخذوا موقفاً صارماً إزاء أي محاولة للتعاون مع ما يعتبرونه نظاماً عصياً على الإصلاح، وبين هؤلاء الذين يرغبون في استرضاء بشار الأسد على أمل تحقيق الاستقرار السريع، أو فتح سوق إعادة الإعمار المربحة أمام شركاتهم ووكالات التنمية لديهم. ونتيجة لما تقدم، نأى الاتحاد الأوروبي بنفسه بعيداً عن توضيح ما إذا كان الانتقال الحقيقي للسلطة ممكناً إذا ما كان الرئيس الأسد ودائرته القريبة سوف يستمرون على رأس السلطة في البلاد.
وبالتالي، تشكل جهود إعادة الإعمار معضلة بالنسبة إلى الاتحاد الأوروبي والدول الأعضاء، ولا سيما مع تلاشي فرص حدوث أي تغيير حقيقي في النظام السلطوي القمعي في سوريا. وفي واقع الأمر، فإن النهج الروسي، والبروز الجريء لنظام الأسد قد أسفر عن صعوبة بالغة في تحقيق الاستراتيجية الأوروبية بشأن إعادة الإعمار. في حين أن موسكو قد صورت أنشطتها في سوريا باعتبارها تكميلية لجهود المبعوث الأممي الخاص إلى سوريا، بهدف التوصل إلى تسوية للنزاع عبر التفاوض المباشر، استناداً إلى اتفاقية جنيف لعام 2012، وقرار مجلس الأمن الدولي رقم 2254. غير أن الأسلوب الروسي قد أدى إلى تقويض المنهج المتبع وقائمة الأولويات المتفق عليها بموجب القرار الأممي رقم 2254. وهو المحور الذي كان من المفترض أن تتمخض عنه الهيئة الانتقالية الحاكمة –والتي تتألف من ممثلين عن النظام الحاكم وقوى المعارضة– والتي تتمتع بسلطة كاملة. بدلاً من ذلك، سعت روسيا إلى إضفاء الطابع الشرعي على نظام بشار الأسد من خلال قيادة عملية للإصلاح المحدود –اشتملت على اعتماد الدستور الفيدرالي، المُصاغ في موسكو– من خلال مؤتمر للشعب السوري أو مؤتمر الحوار الوطني، الذي تعقبه الانتخابات العامة في البلاد.

الاستنتاجات والتوصيات
ومن غير المرجح أن يُسفر نهج تسوية الصراع الذي تهيمن عليه روسيا والوجود المستمر والمنتظر للميليشيات المدعومة من إيران، عن تحقيق الحد الأدنى من الإصلاحات الأمنية، والإدارية، والاقتصادية (...) وفي ظل هذه الظروف، فإن المشاركة الأوروبية في إعادة الإعمار خلال المراحل الأولى تنطوي على مخاطر تغذية الديناميات المدمرة، وإسقاط حوافز التسويات السياسية من الحسابات. وينبغي على الجانب الأوروبي الالتزام بالمنهج الموضح في استراتيجية أبريل 2017. وفي مرحلة لاحقة –ونظراً إلى الكم الهائل من الاستثمار المطلوب هناك– لن يكون النظام السوري قادراً على الاعتماد على حلفائه فحسب، كما قيل من قبل. عوضاً عن ذلك، قد يُضطر النظام السوري إلى أن ييمِّم شطر البلدان الغربية، أو الخليج العربي، ومصادر التمويل الدولية. وقد تكون هذه هي نقطة البدء في الدفع على طريق تحقيق التدابير الرامية إلى بناء المؤسسات ذات المصداقية. ولا ينبغي على المرء المبالغة في فرص النجاح، رغم أن مثل هذا التطور غير مضمون بأي حال من الأحوال، لأن النظام السوري قد يتخير الاستمرار في تحدي الشروط الأوروبية، حتى وإن جاء ذلك على حساب المعاناة الإنسانية الداخلية الكبيرة على غرار الأوضاع المزرية في كوريا الشمالية.
وفي المستقبل القريب، يمكن لبعض مناطق خفض التصعيد أن تتحول إلى منصات لإعداد الجهود الأوروبية الكبيرة في التعافي الاقتصادي – شريطة أن تستمر هذه الترتيبات، وهو الأمر المرجح في بعض المناطق (في جنوب وشمال حمص) عنه في مناطق أخرى (الغوطة الشرقية وإدلب). ويدور التحدي في أن هذه المناطق تخضع لسيطرة القوى التي لا يمكن أن تكون شريكة في إعادة الإعمار، مثل الجماعات وثيقة الصلة بتنظيم «القاعدة»، مما يعني أن الدعم تمكن إدارته فقط من خلال منظمات المجتمع المدني بدلاً من المجالس المحلية والحكومة المؤقتة. كذلك، فإن المعارضة هي أكثر من يعاني من الانقسام فيما يتعلق بالسيطرة الفعلية إزاء صعوبة إدارة المشاريع الموسعة في مختلف أرجاء منطقة خفض التصعيد.
لذا، سوف يتعين على الجانب الأوروبي أن يبحث عن مقاربات مصمَّمة خصيصاً، كلٌّ لغرضه، تبعاً للظروف والشركاء المتاحين في كل مجال من المجالات. ومن شأن هذه المقاربات التركيز على المساعدات الإنسانية، والتعافي الاقتصادي المبكر، ودعم المنظمات المجتمعية غير العنيفة –وليس أقل من مكافحة دعاية المتطرفين ونفوذهم– فضلاً عن الدعم المتواصل للحكومة المحلية، كلما أمكن. ومن غير المعقول الاعتقاد بأنه في ظل أنواع الدعم المقدمة، سوف يكون المرء قادراً على إقامة «جزر الاستقرار»، والتي قد تكون الأساس الذي ينبني عليه الاستقرار في كل ربوع البلاد. ولكن ينبغي على الجانب الأوروبي السعي جاهداً لمساعدة الهياكل المدنية والحكومية المحلية على الصمود والاستمرار.
وينبغي أيضاً للمساعدات الإنسانية، وتوفير الخدمات الأساسية، ودعم المجتمع المدني، أن تكون ركيزة الدعم الأوروبي في المناطق الخاضعة لسيطرة حزب الاتحاد الديمقراطي، والتي أصبح قمع قوات المعارضة والناشطين المستقلين، وعمليات التجنيد الإجبارية، من المشكلات الرئيسية هناك، على الرغم من الصورة التقدمية والشاملة التي يعكسها حزب الاتحاد الديمقراطي.
وبدلاً من التفكير في إعادة إرسال اللاجئين إلى الأحوال التي تتعرض حياتهم ووجودهم في ظلها للخطر، على الجانب الأوروبي إيلاء مزيد من التركيز على بناء الموارد البشرية السورية في البلدان المجاورة وبين صفوف اللاجئين في مختلف أنحاء أوروبا.



مراكز الحوثي الصيفية: عبور مدرسي «إلزامي» إلى جبهات القتال

«رحلة مدرسية» لأطفال في معسكر صيفي تابع للحوثيين في عمران (الشرق الأوسط)
«رحلة مدرسية» لأطفال في معسكر صيفي تابع للحوثيين في عمران (الشرق الأوسط)
TT

مراكز الحوثي الصيفية: عبور مدرسي «إلزامي» إلى جبهات القتال

«رحلة مدرسية» لأطفال في معسكر صيفي تابع للحوثيين في عمران (الشرق الأوسط)
«رحلة مدرسية» لأطفال في معسكر صيفي تابع للحوثيين في عمران (الشرق الأوسط)

في زاوية من فناء إحدى المدارس الحكومية في صنعاء، تقف امرأة بملابس سوداء، اعتادت يوماً أن ترى ابنها في الطابور الصباحي.

اليوم تعود إلى المكان ذاته لا بوصفها أُمّاً، بل عاملة نظافة تحاول أن تُبقي ما تبقى من حياتها قائماً. تمسح الأرض بصمت ثقيل، وكأنها تهمس لحصى الساحة: كان لي ابن هنا ذهب طفلاً، وعاد جثة.

ترى الأم وجه ابنها في الطوابير، وهي تسمع أناشيد وهتافات لم تكن مألوفة. تدرك، بصمت، أن كثيراً من هؤلاء قد يسلكون الطريق ذاته، لكنها لا تقول شيئاً.

قبل عامين، فقدت أم عامر ابنها الوحيد، وكان في السابعة عشرة من عمره.

عاد إليها جثة هامدة، وصورته مرفوعة على صندوق. قالوا لها: «زغردي فقد نال الشهادة».

تتذكر السيدة وهي تتحدث إلينا كيف بدأ ابنها يتغير تدريجياً منذ انضمامه إلى ذلك المعسكر الصيفي. صار أكثر صمتاً، وأحياناً أكثر حدّة، يطلق الصرخة ويردد عبارات لم تألفها عن «الجهاد» و«النصر» كأنهما طريقه الوحيد. لم تفهم ما الذي يحدث، لكنها رأت في عينيه نظرة تأخذه بعيداً منها.

اليوم، لا تفعل سوى أن تمسح دموعها خفية، وتواصل التنظيف في عمل حصلت عليه بصفتها «أم شهيد»، لتعيل بناتها الثلاث، بعدما فقدت الابن المعيل.

تلامذة في صف مدرسي يؤدون التحية العسكرية ويهتفون بـ «الصرخة» الحوثية (الشرق الأوسط)

من نشاط صيفي إلى جهاز تعبئة

لم تولد المراكز الصيفية التابعة لجماعة الحوثي مع السيطرة على صنعاء عام 2014، بل تمثل امتداداً لمسار تاريخي مرتبط بنشأة الجماعة نفسها. تعود بدايات هذه المراكز إلى أوائل التسعينات، وتحديداً عام 1991، حين بدأت الجماعة، ضمن إطار ما عُرف بـ«الشباب المؤمن»، بتنظيم أنشطة شبابية ودورات موسمية في محافظة صعدة، بهدف تمرير خطابها الفكري عبر حلقات تعليمية ومخيمات صيفية، وقد مثلت هذه الأنشطة إحدى أبرز الأدوات المبكرة لبناء قاعدة اجتماعية وتنظيمية، عبر خلق بيئة تفاعلية تجمع بين التعليم والتنشئة الفكرية.

ومع اندلاع حروب صعدة ابتداءً من عام 2004، شهدت هذه الأنشطة تحولاً نوعياً؛ إذ لم تعد مقتصرة على الجانب الديني أو التعليمي، بل تحولت إلى أدوات تعبئة واستقطاب، مستفيدة من حالة التعاطف الشعبي التي رافقت الحرب، ما أسهم في توسيع دائرة التأثير واستقطاب شرائح أوسع من الشباب.

بحلول عام 2008، بدأت الجماعة نقل هذا النشاط إلى خارج صعدة عبر وسائل غير تقليدية، من بينها توزيع مواد رقمية على وسائط تخزين صغيرة (SD وUSB)، احتوت على محاضرات ودروس مرتبطة بالمراكز الصيفية، إضافة إلى ما يُعرف بـ«الملازم» - وهي محاضرات كان يلقيها مؤسس الجماعة حسين بدر الدين الحوثي - يجري تفريغها وطباعتها في كراريس.

وفي حديث مع «الشرق الأوسط»، يقول أحد المشرفين على المراكز الصيفية في صنعاء، مفضلاً عدم كشف اسمه، إنه حصل عام 2008 على «ذواكر صغيرة» كانت توزع بين طلاب محددين في المدارس، وعند الاطلاع على محتواها وجد تسجيلات ومحاضرات لحسين بدر الدين الحوثي مشيراً إلى أن تلك المواد شكّلت نقطة تحوّل في تبنيه أفكار الجماعة ومناصرتها.

وأوضح أنه كان يحضر اجتماعات مغلقة للاستماع إلى هذه المحاضرات، في دواوين خاصة ضمت مهتمين ومقربين من الجماعة في صنعاء ومناطق محيطة مثل بني حشيش وخولان وسنحان وغيرها.

التحية الصباحية لأطفال بلباس موحّد في معسكرات الحوثيين الصيفية (الشرق الأوسط)

ومع تطورات عام 2011، وتحديداً أحداث فبراير (شباط) وما حملته من خروج واعتصامات في الساحات ولحظة انفتاح سياسي، انتقلت هذه الأنشطة إلى عدد من المحافظات، فظهرت مراكز ودورات أكثر تنظيماً خارج معقل الجماعة الرئيسي، مع بروز ملامح إشراف إداري أكثر وضوحاً تحت شعار جذاب هو «تغيير النظام». فتجاوزت الحلقات الضيقة إلى ملء المكتبات والأكشاك بالملازم، بل وإنشاء أكشاك في أكثر من مكان لتوزيع الملازم والملصقات والشعارات مجاناً، ووضع مكبرات صوت لبث وإذاعة «الزوامل» بشكل مستمر.

أما التحول الأبرز فجاء عقب السيطرة على صنعاء عام 2014، حيث تحولت المراكز الصيفية من أنشطة محدودة إلى برنامج واسع يُدار بشكل رسمي عبر مؤسسات الدولة، ضمن هيكل تنظيمي يضم لجاناً مركزية وفنية وإشرافية، مع إشراك عدد من الوزارات في إدارة برامجه.

ويؤكد مصدر أمني لـ«الشرق الأوسط» أن الجماعة اعتمدت، في مراحل مبكرة، على ما كانت تسميه «الدورات الثقافية» و«الحوزات» لاستقطاب الشباب وكسب تعاطفهم وإدماجهم في مشروعها، وذلك قبل ظهور المراكز الصيفية بصيغتها الحالية. ويضيف المصدر أن هذه المراكز «لم تعد محدودة، بل تحولت إلى برنامج مؤسسي يُدار ضمن بنية تنظيمية متكاملة»، مشيراً إلى أنها تُستخدم كإحدى أدوات التأثير على توجهات الشباب، وصولاً إلى الدفع ببعضهم نحو جبهات القتال.

أطفال في أحد النشاطات الصيفية التابعة للحوثيين (الشرق الأوسط)

أنواع المخيمات الصيفية

وفقاً للمعلومات والإفادات التي حصلت عليها «الشرق الأوسط»، تقسم الجماعة هذه المراكز أو المخيمات الصيفية إلى ثلاثة أنواع، هي: المغلقة، والنموذجية، والمفتوحة. وتعد الأولى بمثابة دورات عسكرية آيديولوجية، والثانية مراكز لإعداد قيادات شابة، أما الثالثة فهي مراكز ترويجية.

وتقام المخيمات المغلقة في ثكنات عسكرية، وتركز بشكل أساسي على تأهيل المشاركين ليصبحوا مقاتلين في صفوف الجماعة، وتعدهم عسكرياً وآيديولوجياً لهذا الغرض، ويعتبرون بمثابة قوات احتياط. وبمجرد دخولهم في الدورات تُصادر هواتفهم، وتنقطع أخبارهم عن أسرهم، ويُنقلون ليلاً إلى مخيمات التدريب التي تتغير بين الفينة والأخرى.

وجميع هؤلاء من طلاب الثانوية العامة الذين أنهوا دورات التدريب على تفكيك السلاح في المدارس، ورصد لهم مدربوهم دورات عسكرية كمكافآت تفوق وامتياز، إضافة إلى بعض منتسبي فرق الكشافة في الثانويات التي حولت الجماعة نشاطها من كشفي إلى عسكري.

وفي هذه المخيمات، يتم تدريب المشاركين على استخدام الأسلحة الخفيفة والمتوسطة، و«الآر بي جي»، والهاون، والقنابل، وعمليات التمويه والتخفي.

«رحلة مدرسية» لأطفال في معسكر صيفي تابع للحوثيين في عمران (الشرق الأوسط)

أما المخيمات النموذجية، وهي غالباً لمن تجاوزوا العاشرة من عمرهم، فتعد بمثابة «مخيمات نوعية»، ويُستقطب إليها أوائل الطلاب والمتفوقين في الأنشطة المدرسية المختلفة، وهي مخيمات مغلقة يظل فيها الطالب طوال الأسبوع في المخيم، ويُسمح له فيها بالتواصل مع أسرته ولا يصادر هاتفه، ويعود أحياناً إلى المنزل كل أسبوع أو أسبوعين.

وعادة ما تقام هذه المخيمات في عواصم المحافظات، وفيها يتلقى الطالب محاضرات آيديولوجية مركزة من قبل كبار قياديي الجماعة، ويشاهدون أفلاماً في «الجهاد»، وسير لقادة الجماعة و«حزب الله» و«الحرس الثوري» الإيراني، ويجري تدريبهم بشكل محدود على تفكيك أنواع معينة من الأسلحة واستخدامها.

وتبقى المخيمات المفتوحة لمن هم بين 5 و10 سنوات، وتبدأ صباحاً وتنتهي مع وقت الظهيرة، وتبدو للعامة كمراكز تحفيظ قرآن ونشاطات صيفية، ولذلك تنشرها الجماعة في مختلف المدارس والمساجد حتى تكون في متناول الجميع، لكن الأطفال فيها يتعلمون «قسم الولاية» وترديد «الصرخة» وطاعة قائد الجماعة.

ولا تُستثنى الفتيات من هذه الأنشطة، بل إن هناك مراكز مخصصة للنساء، تتولى إدارتها «الهيئة النسائية الثقافية العامة» وتعمل على تصميم البرامج وتنفيذها، واستقطاب الطالبات عبر شبكات ميدانية، والإشراف على الكادر النسائي وتدريبه، وإعداد مواد إرشادية موحّدة.

وتُقدَّم هذه المراكز كمساحات تعليمية وترفيهية، لكنها تضم بدورها برامج دينية مكثفة ومحاضرات ذات طابع تعبوي وأنشطة جماعية تعزز الانضباط والانتماء.

تلامذة وأساتذة في باحة مدرسة تابعة للحوثيين في صعدة (الشرق الأوسط)

تكريس «نظرية المؤامرة»

تُكرّس الجماعة في خطابها فكرة أن المراكز الصيفية تمثل حصناً في مواجهة «المؤامرات» التي تستهدف الدين والوطن، وتقدم بوصفها وسيلة لغرس ما تسميه «الثقافة القرآنية» في نفوس النشء، وبناء جيل مسلح بالعلم والوعي.

كذلك تشدد في خطابها على أن «المعركة مع العدو» لا تقتصر على الجانب العسكري، بل تمتد إلى «استهداف الوعي»، حيث تُقدَّم هذه المراكز كمحصّن ضد ما يُوصف بـ«الحرب الناعمة» و«الغزو الثقافي»، وتُصوَّر كجزء من صراع فكري طويل يُراد من خلاله إعداد جيل قادر على المواجهة.

وإلى جانب هذا الخطاب، تشير مصادر تربوية إلى اعتماد القائمين على هذه المراكز على مجموعة من الحوافز المادية والمعنوية، مثل توفير وجبات الطعام وبعض الاحتياجات وتنظيم الرحلات الاستكشافية والأنشطة، بهدف استقطاب أكبر عدد ممكن من الطلاب كل عام.

وبحسب ما يرد في إحدى ملازم مؤسس الجماعة حسين بدر الدين الحوثي، بعنوان «دروس في معرفة الله»، وهي محاضرة ألقاها في منتدى «الشباب المؤمن» بصعدة، فإن الهدف العام من هذه الدروس يتمثل في «تنمية معرفة الطلاب بالله، وترسيخ العقيدة في نفوسهم وضمائرهم، بما يدفعهم للانطلاق من خلالها إلى القتال ومواجهة الأعداء».

مناهج وكتب «تعليمية» للحوثيين بطباعة ملوّنة وجودة عالية مقارنة بالمناهج المدرسية الرسمية (الشرق الأوسط)

دروس خارج المنهج الرسمي

في موسم هذا العام، الذي انطلق في 28 مارس (آذار) الماضي، وزّعت جماعة الحوثي مناهجها الخاصة بالمراكز الصيفية بطباعة فاخرة وهوية بصرية واضحة، في دلالة على حجم الموارد المخصصة لهذه البرامج مقارنة بالتعليم النظامي الذي يعاني من تراجع مستمر في الإمكانات والدعم، بحيث يضطر الطالب إلى شراء منهجه الدراسي من السوق السوداء، فيما المعلم يكابد للحصول على راتبه، علماً بأنه في كل عام، ومع بدء التحضيرات للمراكز الصيفية، يطل زعيم الجماعة عبد الملك الحوثي في خطاب سنوي مخصص للدعوة إلى الالتحاق بهذه الدورات، وهي دعوة شهدت بدورها تطوراً ملحوظاً.

وبالعودة إلى تلك الكتب، فأول ما يلفت النظر هو أنها لا تحمل أي إشارة إلى الجمهورية اليمنية أو وزارة التربية والتعليم، بل تصدر تحت عنوان «المسيرة القرآنية - الإدارة العامة للدورات الصيفية».

ينسحب ذلك أيضاً على تسمية المراكز، حيث لا تُنسب إلى المدارس التي تُقام فيها الأنشطة بل تُطلق عليها أسماء ذات دلالات رمزية مثل «الهادي»، و«الحسين»، و«فاطمة»، و«الشهيد طه المداني»، و«الشهيد صالح الصماد».

نشاطات لا صفية بعنوان «مهنتي مستقبلي» في أحد المعسكرات الصيفية التابعة للحوثيين (الشرق الأوسط)

هيكلية إدارية بطابع وزاري

تُظهر الهيكلية الإدارية للدورات والأنشطة الصيفية في مناطق سيطرة الحوثيين منظومة إدارية متعددة المستويات، وفي مقدمتها وزارتا التربية والشباب والرياضة، إلى جانب هيئة التعبئة العامة التي تضطلع بدور مركزي في إدارة جانب التعبئة والتوجيه، ووزارة الأوقاف والإرشاد المسؤولة عن المحتوى الديني والخطاب الوعظي.

وعلى المستوى التنفيذي والفني، تتولى السلطات المحلية في المحافظات الخاضعة لسيطرة الحوثيين الإشراف الميداني وتنسيق العمل داخل المديريات والمراكز، وذلك عبر مكاتب التربية واللجان الإشرافية، حيث تُدار الأنشطة اليومية وتُوزع الكوادر وتُتابع عملية تنفيذ البرامج، بما يعكس امتداد المنظومة من المستوى المركزي إلى الأحياء.

مدرّسة تختار كتباً للحصص الصيفية من مناهج الحوثيين (الشرق الأوسط)

في المقابل، تشارك وزارات أخرى بوصفها شركاء فنيين في تنفيذ البرامج القطاعية؛ إذ تتولى وزارة الداخلية برنامج «شباب واعٍ... مجتمع آمن»، وتشرف وزارة الزراعة على «الجيش الأخضر»، فيما تدير وزارة الصحة برنامج «سفراء الصحة»، ويشرف قطاع الاتصالات على «الوعي في عصر الاتصالات»، ووزارة التعليم الفني والتدريب المهني تشرف على نشاط «مهنتي مستقبلي»، ضمن توزيع وظيفي يغطي مجالات الأمن والصحة والزراعة والإعلام الرقمي والمهن التطبيقية.

كما تلعب وزارة الإعلام دوراً داعماً ومستمراً، من خلال تنسيقات سنوية تسبق إطلاق الدورات، يُقرّ خلالها إطار التغطية الإعلامية، بما يشمل الترويج للمراكز ومواكبة أنشطتها ميدانياً، ضمن خطة تهدف إلى تعزيز حضورها داخل المجتمع.

وتدار هذه المراكز عبر «اللجنة العليا للدورات والأنشطة الصيفية»، التي يرأسها رئيس الوزراء في حكومة الحوثي، وتضم في عضويتها كلاً من وزير التربية ووزير الشباب والرياضة، وممثل عن هيئة الأوقاف والإرشاد، وممثلين عن الجانب التعبوي والثقافي في الجماعة.

أما رئاسة اللجان الفرعية فيتولاها محافظو المحافظات، وينوبهم مسؤولو التعبئة العامة، وتضم في عضويتها مديري مكاتب التربية والتعليم، والشباب والرياضة، والأوقاف والإرشاد.

التحية الصباحية في باحة إحدى المدارس الحوثية وبدا علم فلسطين وشعارات مناهضة لأميركا وإسرائيل (الشرق الأوسط)

انعطافة عام 2026

إذا كان التوسع في المراكز الصيفية قد تم تدريجياً خلال السنوات الماضية، فإن عام 2026 يمثل لحظة فاصلة، وتحولاً نوعياً في كون المدارس الصيفية لم تعد اختيارية بل انتقلت الجماعة إلى خطوة جديدة تجعل من الالتحاق بها فرضاً وإجباراً.

وبحسب شهادات طلاب وأولياء أمور ومعلمين، فإن شبكة من الضغوط المباشرة وغير المباشرة تمارس عليهم بشكل صارخ يصل أحياناً إلى التهديد، لتجد بعض الأسر نفسها أمام معادلة صعبة: إما الامتثال، وإما المخاطرة بمستقبل الأبناء.

وصحيح أن هذا التحول لم يُعلن رسمياً، لكنه أصبح واقعاً يمارَس يومياً؛ إذ تؤكد مصادر متقاطعة أنه مع بدء التحضيرات لتدشين المراكز الصيفية لهذا العام، عمدت الجماعة إلى ممارسات متصاعدة تربط الإجراءات المدرسية بالمراكز الصيفية. فعلى سبيل المثال، تربط نتائج الطلاب وقبولهم للعام الدراسي الجديد، بمشاركتهم في تلك الأنشطة، إلى جانب ضغوط تُمارس على إدارات المدارس لدفع تلامذتها إلى الالتحاق بـالمخيمات تحت طائلة العقوبات.

وإذا أراد طالب أن يخلو سجله الدراسي من النقاط السود التي يمكن أن تؤثر على مستقبله ولاحقاً قبوله الجامعي، فعليه أن يبادر إلى التسجيل في تلك المراكز.

استغلال المساعدات لإجبار العائلات على إرسال أبنائها إلى مراكز الحوثيين (إعلام محلي)

في بعض المدارس، ارتبط تسليم النتائج أو قبول الطلاب في العام التالي بشهادة حضور من المركز الصيفي. وفي رسائل متداولة عبر مجموعات التواصل، ظهرت تحذيرات مبطنة تؤكد أن الغياب قد ينعكس سلباً على المسار الدراسي.

وتظهر رسالة موجهة من وكيلة مدرسة إلى أمهات الطالبات في مجموعة تواصلية في «واتساب» عن تهديد مبطن لكل طالبة لا تلتحق بالمراكز الصيفية بحرمانها من التسجيل في العام المقبل. وتقول الرسالة: «الأمهات القديرات نحيطكن علماً بأنه لن يتم قبول التسجيل إلا بشهادة من المركز الصيفي، فنرجو تسجيل الطالبات اللاتي لم يسجلن بعد وإلحاقهن بالمركز للاستفادة».

وفي مجموعة أخرى على «واتساب»، تهيب إحدى المعلمات بالطلاب قائلة: «تعالوا بكرة بدري، اللي مسجلين واللي ما سجلوا يسلجوا. الإدارة ما تقبلهم ببداية العام الدراسي إلا بشهادة المركز الصيفي».

كذلك كشفت رسالة منسوبة لمدير مدرسة شمالي مدينة إب، عن اشتراط حضور الطلاب والطالبات المراكز الصيفية مقابل تسليمهم نتائج الاختبارات السنوية، في حين يتم إغراء الطلاب الراسبين بعلامات إضافية حال انخراطهم في الدورات الصيفية.

اتهامات للحوثيين بإعداد الأطفال ذهنياً للقتال من خلال تحريف المناهج (أ.ف.ب)

عزوف وتجريم

بحسب المصادر، فإن هذه الإجراءات التي لجأت إليها الجماعة تأتي خشية أن تشهد المراكز الصيفية عزوفاً من قبل الطلاب وذويهم لمعرفتهم المسبقة بنتائجها.

ويؤكد المعلم ع. عبد الكريم، أحد المدرسين في هذه المراكز، أنه على الرغم من كل الإجراءات التي اتخذتها الجماعة في سبيل حشد أكبر عدد ممكن من الطلاب للالتحاق بالمراكز الصيفية، فإن الإقبال بدأ يتراجع أخيراً.

ويقول عبد الكريم لـ«الشرق الأوسط» إن المشاركة أصبحت ضعيفة جداً، لافتاً إلى أن جهود استقطاب الطلاب تتطلب وقتاً طويلاً وإقناعاً مستمراً ومالاً.

نقابة المعلمين اليمنيين بدورها حذرت من خطورة المراكز الصيفية التي تنظمها الجماعة في مناطق سيطرتها، مؤكدة أنها تحولت إلى أدوات منظمة للتعبئة الفكرية ذات الطابع الطائفي واستقطاب الأطفال والشباب، في سياق استهداف ممنهج للهوية الوطنية والعملية التعليمية في اليمن. وقالت النقابة، في بيان لها بتاريخ الأحد 12 أبريل (نيسان) 2026، إن الجماعة وسّعت منذ سيطرتها على صنعاء من إنشاء هذه المراكز بهدف استقطاب أكبر عدد من الطلاب، وتوظيفها في غرس أفكار عقائدية تقوم على مفاهيم الاصطفاء السلالي، بما يتعارض مع القيم الوطنية والدينية، ويخدم مشروعاً سياسياً يهدد أمن اليمن واستقراره.

طفل يمني يزور مقبرة لقتلى الحوثيين في صنعاء (إ.ب.أ)

مدارس مهملة ومراكز مزدهرة

في خطابها، تصف جماعة الحوثي المراكز الصيفية بأنها «رافد تربوي» لتعويض النقص التعليمي الناتج عن الحرب، لكن بحسب آراء كثير من المعلمين ممن تحدثت إليهم «الشرق الأوسط»، فذلك ليس «سوى عذر أقبح من ذنب»؛ فالمدارس نفسها يمكن أن تكون فضاءً للتعويض لو أرادت الجماعة فعلاً إصلاح التعليم، مشيرين إلى أن إصرار الجماعة على المراكز الصيفية يكشف عن أن الهدف ليس التعليم، بل صناعة جيل مهيأ للتجنيد المبكر والتعبئة العقائدية.

ويطرح المعلمون سؤالاً مفاده: «ما دامت جماعة الحوثيين تمتلك سلطة كاملة على التعليم الرسمي، وقد نجحت في إدخال أفكارها وآيديولوجيتها إلى المناهج الدراسية، فلماذا تتعمد إهمال المدارس وتتركها في حالة موت سريري، بلا معلمين ولا رواتب ولا مقومات تعليمية؟».

هذا التناقض بين ركود المدارس خلال العام الدراسي وازدهارها المفاجئ في الصيف يثير تساؤلات حقيقية.

فبينما تُظهر اهتماماً بالغاً بالمراكز الصيفية التي تتحول فجأة إلى ساحات صاخبة، تُغدق عليها الأموال والجهود، تجعل من التعليم الرسمي في حالة ركود تام ونقص شديد في الموارد والمعلمين، حيث تفتقر آلاف المدارس إلى أبسط مقومات العملية التعليمية.


العصابات المسلحة في غزة... من سرقة المساعدات إلى «بديل» لـ «حماس»

ياسر أبو شباب (متداولة)
ياسر أبو شباب (متداولة)
TT

العصابات المسلحة في غزة... من سرقة المساعدات إلى «بديل» لـ «حماس»

ياسر أبو شباب (متداولة)
ياسر أبو شباب (متداولة)

لم تكن لحركة «حماس» أو أي فلسطيني أن يتخيل للحظة واحدة، أن تفرز الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، التي بدأت بهجوم الحركة في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، هيكلاً مسلحاً يمكن أن يشكل تحدياً وهوساً أمنياً بالنسبة لسكان القطاع بشكل عام، وللأجنحة المسلحة التابعة للفصائل التي تنشط في غزة بشكل خاص.

هذا الهيكل المسلح تمثل في ظهور ما بات يعرف بـ«العصابات المسلحة»، التي تطلق على نفسها مسميات عديدة، منها «الجيش الشعبي» أو «قوات مكافحة الإرهاب»، وغيرها من الأسماء التي تبنتها من خلال توسع حضورها ووجودها ميدانياً، في وقت تسعى حركة «حماس» وفصائل مسلحة للعمل على محاربتها بطرق مختلفة.

ياسر أبو شباب (وسائل التواصل)

النشأة وصعود «أبو شباب»

كان أول ظهور لتلك العصابات المسلحة، ما بين يونيو (حزيران)، ويوليو (تموز) 2024، ببدء سرقة بعض المساعدات من قبل أشخاص وصفوا حينها بـ«المجهولين»، وذلك في المناطق الواقعة بين شرق مدينتي خان يونس ورفح جنوب قطاع غزة، وتحديداً قرب معبر كرم أبو سالم.

ومع تكرار الحدث عدة مرات، بدأ بعد أسابيع يبرز اسم ياسر أبو شباب قائداً لمجموعة من عشرات الأشخاص يقدمون على تلك السرقات.

لم تمض أيام كثيرة حتى لمع اسم أبو شباب، وباتت تظهر لقطات مصورة عبر شبكات التواصل الاجتماعي أن بعضهم يحمل سلاحاً رغم أن القوات الإسرائيلية لا تبعد سوى مئات الأمتار عن مواقع تمركزهم في مناطق خطرة شرق خان يونس ورفح، وكانت الأخيرة تتعرض في ذلك الوقت لعملية برية إسرائيلية.

ومع حاجة السكان للمساعدات وكثرة سرقتها بتوقيف الشاحنات والاستيلاء على محتوياتها، وبيعها في السوق السوداء من قبل عصابة أبو شباب، حاولت «حماس» توجيه ضربة أمنية له ولعناصر عصابته، تحديداً في 19 نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، فهاجمت المنطقة التي كانوا يوجدون فيها، ما أدى لمقتل وإصابة نحو 20 منهم، فيما أطلق صاروخ مضاد باتجاه مركبة كان يعتقد أن أبو شباب على متنها، ليتبين أن شقيقه من كان فيها ما أدى لمقتله.

كان ذلك الهجوم نقطة تحول في تاريخ ياسر أبو شباب، الذي كان معتقلاً لدى أجهزة أمن «حماس» على خلفية قضايا جنائية قبل أن يفرج عنه بداية الحرب، ليصبح شخصاً ذا صيت ويشكل فعلياً أول عصابة مسلحة بعد تلك الحادثة التي فر منها إلى مناطق سيطرة الجيش الإسرائيلي.

مسلحون من الفصائل الفلسطينية يسيّرون قوافل مساعدات في غزة يوم 17 يناير 2024 (رويترز)

دعم إسرائيلي وتعاون

يقول مصدر ميداني تحدث لـ«الشرق الأوسط»، إنه بعد أسابيع قليلة، زود الجيش الإسرائيلي أبو شباب ومن كانوا معه وعددهم نحو 30 أو أكثر قليلاً، بأسلحة استولى عليها من داخل قطاع غزة، وهي عبارة عن كلاشنيكوف، مشيراً إلى أنه في فترة قصيرة لاحقة بدأ أبو شباب وعصابته في استقطاب مزيد من الشبان لتجنيدهم حتى بلغ عددهم لفترة ما نحو 100 مسلح.

وأشار المصدر إلى أنه لم تكن هناك أي عصابات مسلحة أخرى سوى أبو شباب، الذي تحول لاحقاً إلى تنفيذ عمليات أمنية لصالح الجيش الإسرائيلي بالسيطرة على طرق دخول المساعدات وتفتيشها وأحياناً السيطرة على بعضها.

وكان أبو شباب والعناصر المرافقة له يظهرون وهم يرتدون زياً عسكرياً عليه علم فلسطين، ويؤدون التحية العسكرية لكل موكب من الوفود التي تمر عن طريقهم.

وخلال تلك الفترة، تحديداً بين مارس (آذار) ومايو (أيار) 2025، كان كثيراً ما يظهر أبو شباب وعناصره وهم ينظمون دخول الشاحنات ومرور المركبات التي تقل وفوداً أجنبية تدخل إلى عمق مناطق القطاع، وظهر بجانبه في تلك المقاطع التي بثت عبر شبكات التواصل الاجتماعي، غسان الدهيني، الذي عرف حينها أنه نائبه، إلى جانب آخرين من قبيلة الترابين التي تعد عائلة أبو شباب جزءاً منها، وكانت أعلنت بدورها تبرؤها منه بداية سرقته المساعدات.

فلسطينيون يتسلّقون شاحنة مساعدات للحصول على حصص غذائية (إ.ب.أ)

قتال «حماس» - أبو شباب

تقول مصادر عدة منها من «حماس» وأخرى من قبيلة الترابين يعرفون أبو شباب شخصياً، إنه لم يكن يعرف الكتابة جيداً، ومن كان يدير صفحاته على شبكات التواصل الاجتماعي أشخاص آخرون، وقد يكون طاقماً إعلاميّاً من خارج القطاع هو من يديرها، وهو ما أقر به لاحقاً أبو شباب في منشور نشره في تلك الفترة على صفحته الشخصية، التي كان يستغلها باستمرار لمهاجمة «حماس» التي اتهمها حينها بأنها تعمل على «تشويه صورة رموز الشرعية»، وفق وصفه، في إشارة لنفسه، داعياً الشبان في غزة للانضمام لقواته، وهو أمر استغلته «حماس» لقتل العديد منهم أثناء محاولتهم الوصول إلى مناطق سيطرته.

ووفقاً لبعض المصادر، فإن أبو شباب لم تكن تربطه بإسرائيل أي ارتباطات رسمية مثل العمل كمتخابر، لكنه يعمل وفق أجندة ومصالح إسرائيلية وبحماية منها، وهو ما ظهر من خلال ما كان يجري على واقع الأرض، فيما «حماس» كانت باستمرار تتهمه بـ«العمالة» و«الخيانة» لصالح إسرائيل، وأنها تستخدمه بهدف تشجيع الفلتان الأمني وسرقة المساعدات.

أطفال نازحون في غزّة ينتظرون توزيع المساعدات ووجبات غذائية من إحدى الجمعيات قرب مخيم النصيرات في أبريل 2026 (أ.ف.ب)

وظهر عناصر أبو شباب أكثر من مرة وهم يعملون تحت حماية الجيش الإسرائيلي داخل رفح وغيرها لتطهير المناطق من العبوات الناسفة وكشف الأنفاق، ما أدى لمقتل وإصابة بعضهم في حوادث وقعت خلال كمائن نصبت في تلك الأنفاق أو أماكن أخرى، كما أنهم شاركوا في ملاحقة عناصر «كتائب القسام»، الجناح المسلح لحركة «حماس»، بعد خروجهم من أنفاق رفح خلال الأشهر الأخيرة، خصوصاً بعد وقف إطلاق النار في أكتوبر (تشرين الأول) 2025.

في سبتمبر (أيلول) 2025، وبعد أقل من شهر على ظهور عصابة جديدة يقودها ضابط الأمن الفلسطيني السابق حسام الأسطل، تحديداً في مناطق جنوب خان يونس، خرج أبو شباب ببيان ينفي علاقته بالأخير، أو أن يكون بينهم تواصل، في خطوة وصفت حينها بأنها أول خلافات تعصف بعناصر مسلحة مناوئة لـ«حماس».

وفي الرابع من ديسمبر (كانون الأول) 2025، أعلن بشكل مفاجئ عن مقتل ياسر أبو شباب في ظروف كانت بدايتها غامضة، ليتبين لاحقاً أنه قتل على يد شخصين كانا على خلاف عائلي وحاول هو التدخل لفضه، فقتل برصاص برفقة اثنين من عناصره، بالإضافة إلى أولئك الشخصين. فأعلن عن تولي غسان الدهيني، نائبه السابق، زعامة أول عصابة مسلحة في القطاع.

انتشار العصابات... والاغتيالات

تدريجياً، بدأت تظهر عدة عصابات داخل قطاع غزة، بعضها قبل مقتل أبو شباب، كما عصابة الأسطل في جنوب خان يونس، وعصابة رامي حلس شرق مدينة غزة، فيما ظهرت أخرى مثل عصابة شوقي أبو نصيرة شرق المنطقة الوسطى وشمال خان يونس، إلى جانب عصابة أشرف المنسي في جباليا وبيت لاهيا شمال قطاع غزة.

وعلى رغم «حداثة» بعضها، لكنها أثبتت قدرتها على أن تشكل تحدياً أكبر بالنسبة لحركة «حماس»، خاصةً بعد نجاحها في تنفيذ مهام أمنية خطيرة مثل عمليات الاغتيال. وكان النصيب الأكبر لعصابة شوقي أبو نصيرة، وهو ضابط أمن فلسطيني سابق، وأطلق على عصابته مسمى «قوات الوطن الحر»، التي نفذت عملية اغتيال واحدة ناجحة طالت الضابط في جهاز الأمن الداخلي لحكومة «حماس»، أحمد زمزم، في مخيم المغازي، وسط قطاع غزة، وذلك في منتصف ديسمبر 2025، ثم تبعه تنفيذ مهام أمنية أخرى لمحاولة اغتيال ضباط ونشطاء من حكومة «حماس» و «القسام»، أدت بعضها لإصابة العناصر المستهدفة وأخرى فشلت وتم اعتقال الذين حاولوا تنفيذها.

الفلسطيني ياسر أبو شباب الذي قاد ميليشيا مسلحة في غزة تناوئ «حماس» (صورة نشرتها «يديعوت أحرونوت»)

واغتالت عصابة الأسطل في يناير 2026، محمود الأسطل مدير جهاز المباحث في شرطة حكومة «حماس» بخان يونس، وأحد القادة الميدانيين في «كتائب القسام»، لتكون ثاني عملية في غضون شهر، الأمر الذي دق جرس إنذار جديداً لدى الفصائل الفلسطينية والحكومة التي تدير جزءاً من القطاع في وقت تحتل فيه إسرائيل أكثر من 53 في المائة منه.

وقال مصدر أمني من حكومة «حماس» لـ«الشرق الأوسط»، إن الأسطل وأبو نصيرة، باعتبارهما ضابطين سابقين في السلطة الفلسطينية، هما على علاقة ببعضهما البعض، وكان أبو نصيرة يعمل مع الأسطل لفترة قصيرة قبل أن يشكل مجموعات لوحده بدعم من الأخير.

وأشار إلى أن الأسطل كان فعلياً من العناصر التي عملت لفترة أيضاً مع مجموعة أبو شباب، لافتاً إلى أن هناك تواصلاً اعتياديّاً لكنه غير منظم بين جميع العصابات، كما أن هناك حالة من التنافس بينها، إذ يسعى كل زعيم إلى إظهار ولاء أكبر لإسرائيل.

وفعلياً تراجع دور عصابة أبو شباب، ولم تعد ذات تأثير فعلي أو كبير، خصوصاً بعد اغتياله، ولم تكن لها نشاطات جديدة أو مناوشات كما فعلت سابقاً، خصوصاً بعد وقف إطلاق النار. وبقي دور عصابتي حلس والمنسي شرق مدينة غزة، وشمال القطاع على التوالي، محدوداً نسبياً على رغم تورط عصابة حلس بقتل العديد من الغزيين واختطاف آخرين وإجبار سكان على النزوح من بعض المناطق الواقعة غرب الخط الأصفر. لكن تلك العمليات لم تكن ذات تأثير حقيقي ولم تستهدف نشطاء «حماس» مباشرة كما هو الحال من قبل عصابتي الأسطل وأبو نصيرة.

فقد نجحت عصابة أبو نصيرة، أحدث عصابات القطاع، في استدراج عناصر من «كتائب القسام» إلى مدرسة في مخيم المغازي، في السادس من أبريل (نيسان) الحالي، لمحاولة اختطافهم وذلك عبر عميل مزدوج. إلا أن يقظة عناصر «القسام» منعت اختطافهم ودارت اشتباكات تدخلت فيها القوات الإسرائيلية التي أطلقت مسيراتها عدة صواريخ وسط قصف مدفعي لحماية أفراد العصابة، فقتل 8 من عناصر «القسام» ومدنيون آخرون، بينما ظهر أبو نصيرة برفقة عناصر عصابته وبحوزتهم أسلحة استولوا عليها في الاشتباكات.

وفي العشرين من الشهر الحالي، عملت العصابات المسلحة جميعها على تنسيق خطوة تتعلق بوصولها لمناطق تقع على أطراف سيطرة «حماس»، فيما تقدم بعضها فعلياً إلى جزء بسيط من تلك المناطق، وقامت بتوزيع الدخان وأموال ودواجن وغيرها على السكان، الأمر الذي أدى في خان يونس لوقوع عصابة الأسطل في كمين وإطلاق صاروخ مضاد على مركبة تتبع لهم وتعرضهم لإطلاق نار مباشر ما أظهر مقتل وإصابة بعضهم كما تبين في مقاطع فيديو.

مسلّحون من حركتَي «حماس» و«الجهاد» ينتشرون في غزة (أرشيفية - أ.ف.ب)

«حماس» بالمرصاد

خلال تلك الفترات، لم تتوقف حركة «حماس» وأجهزتها الأمنية الحكومية أو العسكرية التابعة لـ«كتائب القسام»، وبمشاركة فصائل فلسطينية أخرى، عن توجيه ضربات للعصابات من خلال ملاحقة عناصرها وتنفيذ كمائن لهم وحتى توجيه مجموعات لمهاجمة أماكن يتمركزون فيها على أطراف الخط الأصفر أو لداخله في بعض الأحيان.

وكشفت مصادر من «حماس» لـ«الشرق الأوسط»، أخيراً، أن تلك العصابات تمتلك أسلحة مزودة بكواتم صوت، وصواريخ مضادة، وأسلحة قنص إلى جانب أنهم يتلقون تدريبات على استخدام الطائرات المسيرة الصغيرة المسماة «كواد كابتر» بهدف استهداف نشطاء الفصائل.

وقال مصدر أمني من «حماس»، إن سلسلة عمليات نفذت أخيراً أدت لقتل وإصابة واعتقال العديد من عناصر العصابات، وكشف المصدر عن عمليات جرت داخل عمق سيطرة الحركة من خلال نصب كمائن لعناصر حاولوا زيارة أهاليهم وتم اعتقالهم، كما تم العثور في شقق سكنية على أسلحة وأجهزة تجسس إسرائيلية تعود لعناصر آخرين.

وأكد المصدر أن جميع الأسلحة إسرائيلية المصدر، أو أن إسرائيل زودتهم بها بعد استيلائها عليها خلال عملياتها داخل القطاع، فيما بعضها الآخر تم تجميعه من عمليات العصابات في القطاع.

ولفت المصدر إلى أنه تم إحباط سلسلة عمليات خطرة، منها محاولة لإحراق خيام النازحين في مستشفى «شهداء الأقصى» وبعض أقسامه، لكن تم ضبط بعض المتعاونين أثناء قيامهم بمهام تجسسية من خلال تصوير المرضى والجرحى والطواقم الطبية.

فتى فلسطيني يفحص موقع غارة إسرائيلية استهدفت عناصر من جهاز الشرطة التابع لحركة «حماس» وسط غزة مارس الماضي (رويترز)

إغراءات التجنيد

تعمد العصابات على تجنيد فئات معينة من الشبان داخل قطاع غزة، ومن بينهم بعض من يرون أن «حماس» اضطهدتهم بالاعتقال والتعذيب، فيما تشير الوقائع إلى أن غالبيتهم لا تملك فرص عمل ولا مستقبلاً واضحاً، ومنهم من يذهب بهدف الحصول على الدخان أو الحبوب المخدرة والسلع.

وقالت مصادر ميدانية لـ«الشرق الأوسط»، إن تلك العصابات تستغل الحاجة المادية والظروف الاقتصادية الصعبة لبعض الشبان لإغرائهم بالمال والدخان وغيره، مشيرةً إلى أن بعضهم كان يرزح تحت وطأة ديون طائلة في مناطق معينة، فهربوا إلى مناطق العصابات وتجندوا فيها تهرباً من الإيفاء بالأموال للمدنيين.

وإذ تحارب حركة «حماس» تلك العصابات وأفرادها، فإنها أيضاً نجحت مؤخراً بالتنسيق مع عشائر وعوائل بعض الشبان الذين قرروا ترك العصابات والعودة إلى ذويهم، في استقبالهم والتحقيق معهم ثم تركهم ومحاولة دمجهم في المجتمع من جديد.

بديل عن «حماس»؟

في ظل التحديات الأمنية، وتمكن تلك العصابات المسلحة من إدخال مؤن وسلع إلى قطاع غزة، بدأت تروّج لنفسها على أنها بديل لحكم حركة «حماس». ولا يتردد قادتها في الحديث باستمرار خلال مقابلات مع وسائل إعلام إسرائيلية وأجنبية، وحتى في مقاطع فيديو تبث عبر صفحاتهم على شبكات التواصل الاجتماعي بالتأكيد على أنهم البديل الفعلي لها.

وتحاول إسرائيل من خلال السماح لوسائل إعلامها بإجراء مقابلات مع زعماء تلك العصابات المسلحة، تلميع صورتهم، والترويج على أنهم عملياً بديل لـ«حماس» والسلطة الفلسطينية معاً، التي يصر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على أنه لن يسمح لها بحكم القطاع.

نساء فلسطينيات يخبزن في فرن على الحطب بخان يونس جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)

لكن رغم حالة الضعف التراكمي التي خلقتها الحرب لحركة «حماس»، وفقدان الكثير من قياداتها، فإنها ما زالت متماسكة إلى حد بعيد.

وخلال المفاوضات الأخيرة في القاهرة، أُدرج تفكيك العصابات شرطاً أساسيّاً، لكن إسرائيل ردت بأن هذا شأن فلسطيني داخلي ولا علاقة لها بها، كما كشفت حينه «الشرق الأوسط» عبر عدة مصادر.

ولكن فعلياً كانت إسرائيل وحتى نتنياهو، يؤكد أنه يتم تقديم دعم لمجموعات مسلحة بغزة مناهضة لحركة «حماس»، وهو أول اعتراف علني ظهر في يونيو (حزيران) الماضي، مشيراً إلى أن الهدف من ذلك إيجاد بدائل لإدارة قطاع غزة في المستقبل. فحكومة نتنياهو تحاول استخدام ورقة إعادة الإعمار في مناطق سيطرة العصابات لنقل سكان القطاع اليها ووضعهم تحت سلطتها. لكن الأمور لن تكون بهذه البساطة المرجوة إسرائيلياً، خصوصاً أن من يقود تلك العصابات ليسوا أشخاصاً مؤهلين سياسياً وأمنياً، وغالبية سكان القطاع ينبذونهم، كما وقد يتحولون لمشكلة أمنية بالنسبة لإسرائيل نفسها.


واشنطن تشدد شروطها على الجيش اللبناني: انتهى زمن الإنقاذ غير المشروط

عابرون قرب مبنى الكونغرس (رويترز)
عابرون قرب مبنى الكونغرس (رويترز)
TT

واشنطن تشدد شروطها على الجيش اللبناني: انتهى زمن الإنقاذ غير المشروط

عابرون قرب مبنى الكونغرس (رويترز)
عابرون قرب مبنى الكونغرس (رويترز)

بالتزامن مع مسار المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل في واشنطن برعاية أميركية، شهد الكونغرس تحركاً مختلفاً من نوعه؛ إذ صعّد من الضغوطات على الجيش اللبناني لتنفيذ وعوده بنزع سلاح «حزب الله» تحت طائلة تجميد المساعدات الأميركية المقدمة للجيش، والتي يوافق عليها المجلس التشريعي سنوياً.

وعلمت «الشرق الأوسط» من مصادر خاصة رفيعة المستوى داخل الكونغرس، أن الحزب الجمهوري «سئم من سماع وعود صادرة عن الجيش اللبناني بنزع سلاح (حزب الله) من دون القيام بالمجهود لتحقيق ذلك».

وتابعت المصادر، التي رفضت الكشف عن اسمها لعدم التأثير على المداولات الداخلية الجارية في الكونغرس، بالقول: «حان الوقت الآن للقيام بعملٍ جاد. وعلى الجيش اللبناني أن يبرهن على جديته».

وذكّرت المصادر بأن تمويل الجيش الذي يقره الكونغرس يصرف من أموال دافع الضرائب الأميركي، مؤكدة أنه وفي ظل تزايد التدقيق في كيفية إنفاق أموال دافعي الضرائب الأميركيين في عهد ترمب، يريد المشرعون التأكد من أن «كل دولار يُصرف يجب أن يخصص لغايةٍ مجدية».

ترمب خلال خطاب «حالة الاتحاد» في الكونغرس يوم 24 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

ضغوطات متزايدة على الجيش

جاء ذلك بعدما كانت مواقف مشابهة صدرت على لسان شخصيتين نافدتين في مجلس الشيوخ، هما رئيس لجنة القوات المسلحة، الجمهوري روجر ويكر، الذي قال في منشور على منصة (إكس): «على الكونغرس ألا يدعم الجيش اللبناني ما لم يتحرّك لنزع سلاح (حزب الله) بالكامل وعلى الفور».

واعتبر ويكر أن «مقتل عنصرٍ فرنسي على يد (حزب الله) في جنوب لبنان بعد أيام من موافقة إسرائيل على وقف إطلاق النار، يشكل اختباراً حاسماً للجيش اللبناني»

وبعد يوم من تصريح ويكر، انضم إليه رئيس لجنة العلاقات الخارجية الجمهوري جيم ريش الذي قال: «لقد آن الأوان كي يتخذ الجيش اللبناني خطوات ملموسة لنزع سلاح (حزب الله) بالكامل». ولم يتوقف ريش عند هذا الحد بل تطرق إلى ملف الإصلاحات، مطالباً الحكومة اللبنانية بالإيفاء بوعودها «المؤجلة منذ سنوات بشأن الإصلاح الاقتصادي». وختم بلهجة حاسمة: «لقد انتهى عهد التراخي وخطط الإنقاذ غير المشروط». كلمات واضحة وقاسية، تدل على نفاد صبر المشرعين من الوعود التي قطعتها الدولة اللبنانية بنزع سلاح «حزب الله» من جهة، وفرض إصلاحات اقتصادية من جهة أخرى.

قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل يتفقّد موقع تفجير منشأة لـ«حزب الله» في الجنوب (أرشيفية - مديرية التوجيه)

موقف قائد الجيش

إلى ذلك، تتزايد الشكوك في واشنطن حول أداء قائد الجيش رودولف هيكل في ملف نزع سلاح الحزب. وفيما تتحفظ غالبية المسؤولين الأميركيين عن الدعوة لإقالته علناً، حرصاً على عدم التدخل في الشؤون الداخلية، فإن السيناتور الجمهوري ليندسي غراهام ليس من هؤلاء المتحفظين. فقد أعلنها بوضوح هذا الأسبوع في مقابلة مع «فوكس نيوز»؛ إذ قال: «لا أثق بالجيش اللبناني في نزع سلاح (حزب الله). يجب استبدال قائد الجيش الجنرال هيكل قبل أن تكون هناك خطة موثوقة لنزع سلاح الحزب».

وشدد غراهام على أن أي اتفاق سلام في لبنان لن يحصل «ما لم يكن هناك مسار موثوق لنزع سلاح الحزب». وكان هيكل أثار بلبلة في أروقة الكونغرس خلال زيارته الأخيرة إلى واشنطن في فبراير (شباط) الماضي، بعد إلغاء زيارته الأولى إثر تصريحات مثيرة للجدل عن إسرائيل، ولقائه بغراهام. حينها خرج السيناتور الجمهوري المقرب من ترمب غاضباً بسبب رفض هيكل، على حد قوله، الاعتراف بأن «حزب الله» منظمة إرهابية. وقال غراهام: «التقيتُ للتو بشكلٍ مقتضب جداً بقائد الجيش اللبناني، الجنرال رودولف هيكل. سألته بشكلٍ مباشر ما إذا كان يعتبر (حزب الله) منظمة إرهابية. فأجاب: لا، ليس في السياق اللبناني. وعلى إثر ذلك، أنهيتُ الاجتماع».

وتابع غراهام بلهجة غاضبة: «ما دام هذا الموقف قائماً لدى الجيش اللبناني، فلا أعتقد أننا نملك شريكاً موثوقاً به». كلام يتردد وراء أبواب مغلقة في الكونغرس، حيث علمت «الشرق الأوسط» من بعض المشرعين، أن «ما يهم الآن هو نزع سلاح (حزب الله)».

الرئيس جوزيف عون مجتمعاً مع قائد الجيش العماد رودولف هيكل (رئاسة الجمهورية)

المفاوضات المباشرة «إيجابية»

فيما يحذر البعض من هذه الضغوط والدعوات لغياب بدائل للجيش اللبناني، تقول المصادر في الكونغرس لـ«الشرق الأوسط»: «صحيح أنه لا يوجد بديل رائع. لكن هذا لا يعني أنه ينبغي علينا الاستمرار في تقديم المساعدات بشكل أعمى». وتشدد المصادر على ضرورة وضع شروط قاسية للإفراج عن المساعدات.

وبتزامن هذه التحركات التشريعية مع المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل، يراقب الكونغرس هذا المسار الإيجابي، على حد تعبير المشرعين الذين أعرب عدد منهم عن تأييدهم الشديد لما يسعى البيت الأبيض لتحقيقه من خلال هذا المسار. ويعترف أعضاء الكونغرس بأن الملف اللبناني معقد، لكن مع التشديد على أن المسار الذي اعتمدته الإدارات السابقة لم ينجح في تحقيق أهدافه، ومن هنا ضرورة النظر في تغيير النهج المعتمد سابقاً.

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة افتتاح الجولة الأولى من المفاوضات بين لبنان وإسرائيل (غيتي)

دور للقيادة المركزية

ومما يسترعي الاهتمام، أن إعلان الرئيس الأميركي عن عودة لبنان إلى أجندة الاستراتيجيات الأميركية ونيته «جعل لبنان عظيماً مجدداً»، ترافق مع تكليف وزير الخارجية ماركو روبيو ونائبه جي دي فانس وقائد القيادة الوسطى دان كاين بالعمل مع إسرائيل ولبنان معاً على «تحقيق سلام مستدام». ولعلّ أهم نقطة في هذا التصريح هي تكليف كاين، فيما اعتبره البعض دليلاً على أن القيادة العسكرية الأميركية سوف تكون منخرطة بشكل مختلف هذه المرة في دعم الجيش اللبناني.

وهذا ما تحدث عنه السفير الأميركي السابق إلى لبنان دايفيد هايل الذي قال إن «أحد الدروس التي تعلمتها أميركا من العام الماضي هو أن دور القيادة المركزية الأميركية في مجموعة المراقبة كان محدوداً؛ إذ كانت القوات تراقب فقط».

وأضاف، في ندوة عقدها معهد الشرق الأوسط في واشنطن وحضرتها «الشرق الأوسط»: «نحن بحاجة إلى ما هو أكثر من المراقبة، وهذا لا يعني أننا سنقوم بفرض السيادة اللبنانية، فهذا تناقض بحد ذاته. يجب أن يكون الجيش اللبناني هو الجهة المنفذة، لكن يمكننا أن نكون أكثر انخراطاً، ليس فقط من خلال التجهيز وتقديم المساعدات، بل أيضاً عبر تقديم المشورة وتوفير المعلومات الاستخباراتية بشكل أكثر نشاطاً». وأعطى هايل مثالاً على ذلك فقال: «لو كان هناك ضابط أميركي برتبة رائد أو نقيب داخل المكاتب، فإن أصدقاء لبنان داخل الجيش الذين لا ينتمون إلى ما يُعرف بـ(الدولة العميقة) سيشعرون بالتمكين، وسيشعرون بأن لديهم دعماً حقيقياً؛ لأن العلاقة على مستوى الأفراد بين الجيش الأميركي والجيش اللبناني ممتازة. وهذا النوع من الحضور يمكن أن يمنح اللبنانيين الثقة والدافع للقيام بمهامهم».

إصلاحات وعقوبات

ليست مسألة الجيش اللبناني القضية الوحيدة على رادار المشرعين الأميركيين؛ فضرورة فرض الإصلاحات الاقتصادية تتصدر المطالب في واشنطن، وهذا ما أشار إليه السيناتور ريش بوضوح عندما دعا الدولة اللبنانية إلى الإيفاء بوعودها المؤجلة منذ سنوات بشأن الإصلاح الاقتصادي.

وعن ذلك فسرت المصادر خلفية التصريحات لـ«الشرق الأوسط»، فاعتبرت أن «فشل الدولة اللبنانية في إحراز تقدم فعلي في الإصلاحات المصرفية يخلق منفذاً كبيراً يسمح لـ(حزب الله) بالحفاظ على نفوذه»، وتشدد على ضرورة أن تمضي الدولة قدماً «في الإصلاحات التي لا يبدو أنهم مستعدون لتنفيذها». وتضيف: «نحن أمام حلقة مفرغة. وإذا كانت الطبقة السياسية اللبنانية غير مستعدة لتحمّل المسؤولية وترجمة أقوالها إلى أفعال، فلماذا نستمر في إنقاذها؟ أعتقد أنهم يعرفون تماماً ما المطلوب منهم، لكنهم ببساطة لا يبدون استعداداً للقيام به».

وعلمت «الشرق الأوسط» أن تركيز أعضاء الكونغرس البارزين ينصبّ على دور رئيس مجلس النواب نبيه بري، فهم يراقبون خطواته لمعرفة مدى تجاوبه مع المطالب الأميركية. وأكدت المصادر أن برّي «يدرك موقف الحكومة الأميركية»، مضيفة إن كان هناك الكثير من الحديث على مرّ السنوات عن فرض عقوبات على الذين يعرقلون الإصلاحات. لذلك، «لن نستغرب رؤية خطوات في هذا الاتجاه في حال عدم التجاوب».

جنود من الجيش اللبناني ينتشرون في موقع غارة جوية إسرائيلية في بيروت (أ.ب)

تمويل الجيش زمنياً

فيما تعمل لجان الكونغرس بشكل حثيث على تحديد أولويات التمويل في موازنات الدفاع، يعمل بعض المشرعين على تجسيد مواقفهم في تعديلات تتم إضافتها على مشاريع القوانين النهائية التي سيقرها المجلس التشريعي.

ومنذ عام 2006، قدّمت الولايات المتحدة أكثر من 2.5 مليار دولار من المساعدات العسكرية إلى الجيش اللبناني، بهدف تعزيز أمن الحدود، ومكافحة الإرهاب، ودعم الجيش بوصفه مؤسسة تابعة للدولة. وتشمل المساعدات في عهد ترمب الثاني أكثر من 117 مليون دولار أُعلن عنها في يناير (كانون الثاني) 2025، تهدف إلى دعم الجيش اللبناني في الحفاظ على وقف إطلاق النار مع إسرائيل وتنفيذ قرار مجلس الأمن 1701.

كذلك وافقت الإدارة في أكتوبر (تشرين الأول) 2025 على تقديم 230 مليون دولار لقوات الأمن اللبنانية، منها 190 مليون دولار للجيش اللبناني، و40 مليون دولار لقوى الأمن الداخلي. وذلك بعد حزمة أمنية منفصلة بقيمة 14.2 مليون دولار أعلنت عنها وزارة الحرب الأميركية في 10 سبتمبر (أيلول)، وشملت معدات تهدف إلى «تعزيز قدرات الجيش اللبناني على تفكيك مخازن الأسلحة والبنى التحتية العسكرية للجماعات غير الحكومية، بما في ذلك وكيل إيران الإرهابي (حزب الله)»، بحسب بيان صادر عن الوزارة.