محمود جبريل: الإسلام السياسي سرق حلم الليبيين وحوّل الانتفاضة إلى فوضى

رئيس «حكومة الثورة» قال لـ«الشرق الأوسط»: عقبات أمام دور لسيف القذافي... ووجود السراج في طرابلس مرهون بدفعه رواتب الميليشيات

محمود جبريل خلال المقابلة مع «الشرق الأوسط» في لندن (تصوير: كميل الطويل)
محمود جبريل خلال المقابلة مع «الشرق الأوسط» في لندن (تصوير: كميل الطويل)
TT

محمود جبريل: الإسلام السياسي سرق حلم الليبيين وحوّل الانتفاضة إلى فوضى

محمود جبريل خلال المقابلة مع «الشرق الأوسط» في لندن (تصوير: كميل الطويل)
محمود جبريل خلال المقابلة مع «الشرق الأوسط» في لندن (تصوير: كميل الطويل)

«هل تكون الثالثة ثابتة؟». سؤال لا بد أنه يتبادر إلى ذهن الدكتور محمود جبريل وهو يستعد، كما يبدو، لخوض غمار المنافسات الانتخابية من جديد في ليبيا. فما يضمن أن تحالف القوى الوطنية الذي يقوده سيُسمح له بالوصول إلى السلطة لو فاز في الاقتراع المقبل، بعدما «سُرق الحلم»، كما يقول، في الاقتراعين السابقين عامي 2012 و2014؟ سؤال مشروع بلا شك.
في حوار أجرته معه «الشرق الأوسط» في لندن، يطالب الدكتور جبريل بتعهدات مسبقة من كل القوى السياسية وأيضاً المسلحة، سواء كانت تابعة للمؤسسة العسكرية أو لميليشيات، باحترام نتائج الانتخابات، قبل إجرائها. وهو يتهم صراحة «قوى الإسلام السياسي» بأنها أبطلت، بقوة السلاح، فوز تحالف القوى الوطنية في الانتخابات الماضية، قائلاً إن تضييع تلك الفرصة أضاع فرصة تحويل «انتفاضة 17 فبراير (شباط)» إلى مناسبة لبناء دولة.
يتحدث الدكتور جبريل الذي قاد المكتب التنفيذي المؤقت (حكومة الثوار) خلال «انتفاضة فبراير» ضد حكم العقيد معمر القذافي، عن تفاصيل زيارته الأخيرة لطرابلس بعد انقطاع استمر سنوات، ويقول إنه لبّى دعوة وجهتها إليه «كتيبة النواصي» وهي مجموعة مسلحة تنشط في سوق الجمعة (شرق طرابلس). ويعترف بأنه لم ينسّق مع حكومة الوفاق الوطني برئاسة فائز السراج خلال هذه الزيارة إلى مدينة يُفترض أنها خاضعة لسيطرتها. يقول إن «النواصي» أيّدت في البداية حكومة السراج لكنها تراجعت عن ذلك نتيجة «الأداء المخزي والفاشل» لها. ويعتبر أن الكتائب المسلحة التي تعلن ارتباطها بحكومة الوفاق تعلن ذلك فقط لأنها تتلقى رواتبها منها، قائلاً إن السراج لا يمكن أن يبقى لحظة في طرابلس إذا سحبت الميليشيات المسلحة الغطاء عنه.
يشيد جبريل بجهود الجيش الوطني الليبي بقيادة المشير خليفة حفتر في التصدي للجماعات المتشددة في الشرق الليبي. ورغم انفتاحه على أنصار النظام السابق، يقول جبريل إن عقبات قانونية تحول أمام لعب سيف الإسلام، نجل العقيد القذافي، دوراً أساسياً في مستقبل ليبيا، قائلاً إن سيف ما زال مطلوباً للمحكمة الجنائية الدولية و«القانون الدولي يسمو على القانون المحلي الليبي». ويحذّر جبريل من خطر «توطين» ملايين الأفارقة في ليبيا، مشيراً إلى أن هذه الفكرة مطروحة أوروبياً في إطار التصدي لموجة المهاجرين إلى القارة العجوز. وهنا نص الحوار:
> لماذا كان هذا الانقطاع الطويل عن زيارة ليبيا ولماذا الزيارة المفاجئة؟
- لم يكن الانقطاع خياراً بل كان اضطراراً، فبعد عملية «فجر ليبيا» (في صيف 2014) أصبح هناك تهديد أمني حقيقي تُرجم في حرق مقرات تحالف القوى الوطنية في طرابلس والعبث بملفات أعضائه. لم يقتصر ذلك على طرابلس بل امتد ليشمل غالبية مدن المنطقة الغربية. قام بذلك من يسمّون أنفسهم «تنسيقية العزل السياسي»، وهم مجموعات محسوبة على الإسلام السياسي كانت تسمي نفسها في البرلمان «كتلة الوفاء للشهداء». ما حصل كان انقلاباً حقيقياً على العملية الديمقراطية في ليبيا. حصل ذلك عام 2012 بعد الانتخابات الأولى (التي فاز فيها التحالف)، ثم تكرر عقب الانتخابات النيابية عام 2014. حصلت عملية «فجر ليبيا» وطُرد البرلمان (الجديد المنتخب) من طرابلس، وهُجّر أعضاء تحالف القوى الوطنية، وبعضهم تعرض لمضايقات وتنكيل وتوقيف. وبالتالي، ترْك طرابلس لم يكن خياراً بل نتيجة اضطرار.
في أغسطس (آب) الماضي، نظمنا ندوة دولية بمدينة الحمامات التونسية، وطرحنا مبادرة استغرق إعدادها نحو سنة كاملة من التشاور مع أطراف نسميها فاعلة على الأرض. بدأت تلوح في الأفق استجابة من بعض هذه الأطراف. فعلى مستوى التشكيلات المسلحة، جاءتنا استجابة من «كتيبة النواصي» وهي إحدى الكتائب الكبرى في طرابلس. أحبّوا مناقشة المبادرة وأبدوا استعداداً مبدئياً للخوض في تفاصيلها. وُجّهت دعوة فقبلْتها وسافرتُ إلى طرابلس حيث مكثت يومين. كان النقاش رائعاً ومسؤولاً وترتبت عليه خطوات عملية وتشكلت لجنة تحضيرية ستجمع سياسيين وقادة تشكيلات مسلحة وبعض القوى الاجتماعية (الأعيان)، أي الشرائح الثلاث التي نعتقد أنها تمثّل القوى على أرض الواقع. وهذه القوى هي: الاجتماعية، والمسلحة، والسياسية، والتي كانت غائبة عن اتفاق الصخيرات. وبالتالي، فإننا نشعر بأن مبادرة غسان سلامة فيها تشابه كبير مع ما كنا ننادي به، لأنها حاولت أن تعكس توازن القوى الفعلي على الأرض والذي كان مغيّباً عن اتفاق الصخيرات.
إذاً، هذا باختصار سبب الغياب عن طرابلس وسبب العودة.
> ما وضع «كتيبة النواصي» حالياً وما مدى ارتباطها بحكومة فائز السراج؟
- «كتيبة النواصي» ناشطة في سوق الجمعة بطرابلس، وهم لا يُحسبون على الإسلام السياسي. أما بالنسبة إلى موقفهم من حكومة السراج، فهم دعموها في البداية باعتبارها حكومة وفاق، ولكن في ضوء الأداء المخزي والفاشل لهذه الحكومة باتت القوى كافة تبحث عن بديل. فقد اتضح أن ما قام به المجتمع الدولي من تنصيب لهذه الحكومة لم يكن الحل الأنسب. فالحكومة تتمتع بدعم الشرعية الدولية لكنها لا تتمتع بالدعم الوطني.
> لكن هذه هي الحكومة الفاعلة في طرابلس؟
- هي موجودة في طرابلس لكنها ليست فاعلة.
> هل تريد القول إنك عندما زرت طرابلس لم ترَ قوات حكومة السراج فيها؟ فمَن يحكم طرابلس إذاً؟
- الكتائب المسلحة، أي الميليشيات، هي التي تحكم.
> ولكن معظمها يُحسب على أنه موالٍ لحكومة السراج؟
- يأخذ رواتبه من حكومة السراج، فهذه الحكومة لا خيار أمامها إلا أن تُعطي (الأموال). وجودها في طرابلس مرهون باستمرارها في دفع رواتب هؤلاء الشباب (أعضاء الميليشيات).
> ألم تنسق بتاتاً مع حكومة السراج عندما زرت طرابلس؟
- لا إطلاقاً. تلقيت الدعوة من «كتيبة النواصي» وقبلت الدعوة، وذهبت. الفارق بين السلطة الرسمية والسلطة الفعلية، مع كل الاحترام للأخ فائز السراج وحكومته، هو أنه إن لم توافق الكتائب المسلحة على وجوده في طرابلس فلن يستطيع أن يبقى دقيقة واحدة فيها. هذا الأمر الواقع.
> وماذا عن الحرس الرئاسي؟
- الحرس الرئاسي مهمته حماية الرئاسة. إذا استطاع أن يحميها أكثر الله من خيره.
> يبدو أنك لا تريد تأييد حكومة السراج رغم الاعتراف الدولي بها والذي تَمثّل قبل أيام فقط في استقبال رئيس الولايات المتحدة دونالد ترمب للسراج. وحتى حكومة شرق ليبيا لديك أيضاً اعتراض عليها.
- لا يعنيني كثيراً أن ترمب استقبل هذا الطرف أو ذاك. أنا أدعم برنامج إنقاذ لهذا الوطن. عندما يتبنى السراج برنامج إنقاذ للوطن فسأدعمه. لكنني لا أدعم أشخاصاً، بل برامج. أدعم برنامجاً يُخرج الوطن من أزماته، وهذا البرنامج غير موجود حتى الآن. لو كان مطروحاً لما قدّم غسان سلامة مبادرته لتعديل اتفاق الصخيرات ومحاولة خلق حكومة وحدة وطنية. ما فعله المجتمع الدولي هو أنه بدأ بحكومتين (حكومة عبد الله الثني في الشرق وحكومة خليفة الغويل في طرابلس) وأضاف إليهما ثالثة (حكومة السراج). بدل أن يوحّد الحكومات المتشرذمة، زاد الأمور تشظياً. أنا لا أدعم تشظي هذا الوطن ولا أدعم حكومات لا تمتلك الفعالية لتحكم. لا الحكومة في الشرق لديها الفاعلية، ولا حكومة السراج لديها الفاعلية، ولا ما سُمّي حكومة الإنقاذ (الغويل) لديها الفاعلية. فببساطة أدوات الحكم ليست في يدها. إنها حكومات لا تمتلك جيشاً ولا شرطة ولا قضاء ولا أدوات مالية. هي هياكل تفتقر إلى أدوات الفعل.
> ولكن أقرب هذه الحكومات إلى هذا التوصيف –أي الحكم الفعلي- هي حكومة الثني في الشرق. ألا تعتقد ذلك؟
- حكومة الثني عيّنها البرلمان، ولذلك عندها شرعية برلمانية، ولكن شرعية الأداء وشرعية الإنجاز مفقودة. ليس لأيٍّ من الحكومات الثلاث شرعية حقيقية في وعي المواطن وفي يقينه. الشرعية لدى المواطن ترتبط بالقدرة على الإنجاز. عندما يقف المواطن أمام المصارف طوال يومين ليقبض ما يعادل 200 دولار فقط في الشهر، وعندما تنقطع عنه الكهرباء بين 10 و15 ساعة يومياً، وعندما لا تصله المياه، وعندما يكون الأمن مفقوداً، فأيُّ شرعية يمكن أن يعطيها المواطن لأي حكومة؟
> هل تتوقع أن كل هذه الأطراف التي تتنازع على السلطة ستقبل المبادرة التي تطرحها؟
- أتوقع أن ينخرطوا في حوار جاد حولها. وعندما ينتهي هذا الحوار بالإضافة والحذف والتعديل تصبح مبادرة جامعة وليست مبادرة التحالف الوطني فقط. هدف المبادرة في الأساس التغلب على معوقات قيام الدولة الليبية. خطأ اتفاق الصخيرات أنه افترض أن هناك دولة لديها سلطة وكان برناردينو ليون (المبعوث الدولي السابق) يسعى إلى تقسيم هذه السلطة ما بين القوى المتصارعة، ناسياً أو متناسياً أن السلطة لم تُخلق بعد ليتم تقاسمها. السلطة الفعلية هي في أيدي هذه القوى التي نتحاور معها الآن في محاولة جديدة لإعادة السلطة إلى الدولة. فالسلطة تشتتت وتبعثرت ما بين سلاح وقوى اجتماعية وقوى سياسية، وليست هناك سلطة مركّزة لدى سلطة معترف بها من الجميع. وبالتالي فكرة هذه المبادرة هي إعادة تجميع السلطة في يد واحدة.
-- خطر توطين ملايين الأفارقة
> كيف سيتم تجميع السلطة: في ظل حكومة، رئيس؟
- أقصد 3 أشياء: أولاً، إقامة جسم موحد يمتلك الشرعية من وجهة نظر الليبيين، ويكون لديه برنامج واضح للخروج من هذا النفق ولديه أدوات الفعل لتنفيذ هذا البرنامج. ومن أجل ذلك تم التعامل مع ملفات محددة أولها وأخطرها ملف تجميع السلاح وتفكيك التشكيلات المسلحة وإعادة دمجها في بدائل مختلفة. زيارة طرابلس تمحور أغلبها حول هذا الجانب. الملف الثاني هو مؤسسة الجيش: كيف يُبنى الجيش؟ معايير تأسيسه والانضمام إليه؟ قُدّم تصوّر في هذا الشأن وتمت مناقشته من قبل الشباب (كتيبة النواصي). طبعاً، مصر ترعى حواراً بين ضباط الجيش الليبي من مختلف مناطق ليبيا. وهذا الحوار في الحقيقة يسير بشكل جيد جداً. ونحن نبارك هذا الجهد الاحترافي من قبل ضباط الجيش الليبي من أجل محاولة لملمة أنفسهم، لأنه لو توحدت المؤسسة العسكرية الليبية فهذه تُعتبر أهم خطوة في سبيل إعادة بناء الدولة. وبالنسبة إلى الشباب، مَن عنده رغبة في الانضمام إلى الجيش هناك معايير محددة لفعل ذلك متَّبَعة لدى جيوش العالم. ولكن نريد تحديد معايير تأسيس الجيش: أيُّ نوع من الجيش نحتاج إليه؟ وهذا أمر تحكمه الجغرافيا، وعدد السكان، والتهديدات المستقبلية المحتملة للأمن القومي. ليبيا قليلة السكان وشاسعة المساحة. وهناك خطر ديموغرافي حقيقي بتضخم الكتل السكانية غير الليبية جنوباً وشرقاً وغرباً. وفي حين أن النمو السكاني الليبي يتناقص، نجد أن كل الدول المحيطة بليبيا تتضخم سكانياً. والمفارقة أن ليبيا مع قلة سكانها هي الدولة التي تمتلك عائدات نفطية ومالية، وشاسعة المساحة. وقد بدأ بعض الدوائر الأوروبية يدفع في هذا الاتجاه: بما أن ليبيا كبيرة المساحة وقليلة السكان وتتوافر فيها الثروة، فإنها تستطيع أن تستوعب ما بين 40 و50 مليون أفريقي، فلمَ لا تكون وطناً بديلاً للأفارقة، ونحل بالتالي مشكلة الهجرة غير الشرعية. وطبعاً مثل هذه المجادلة تغري كثيرين.
> هل سمعت فعلاً مَن يطرح مثل هذا الطرح؟
- يُقال إنه متداول في بعض الكواليس الأوروبية، وليس خافياً على أحد أن رئيس وزراء المجر قال في تصريح علني قبل شهور قليلة إنه لمَ لا يتم توطين الأفارقة في ليبيا. هذا التصريح موجود وموثّق. وما أقصد أن أقوله إننا عندما نبني جيشاً في ظل مثل هذه الظروف (قلة السكان، وكبر المساحة، وتوافر الثروات، والتهديدات المحتملة) فقد توصلنا إلى أن الجيش يجب أن يكون وفق ما يُعرف بـ«الجيش الذكي» (سمارت آرمي) وهو شبيه بالجيش الإسرائيلي: سلاح جوي ضارب، قوي للغاية، لتجسير مشكلة مساحة المكان، وحرس حدود قوي، واعتماد قوي جداً على التقنية، مع احتياطي يصل إلى 100 ألف مقاتل تتم تعبئتهم عند الحاجة فقط. وطبعاً يكون الجيش خاضعاً –كما في كل الدول– للسلطة المدنية.
-- سيف الإسلام القذافي
> يحكي الكثير حالياً عن دور لسيف الإسلام القذافي في مستقبل ليبيا؟ هل المبادرة التي تتحدث عنها تأخذ في الاعتبار فكرة استيعاب أنصار النظام السابق؟
- المبادرة مطروحة أمام كل من يرتضي الدولة المدنية ويتحدث عن مستقبل ليبيا لا عن ماضيها. ماضي ليبيا لو كان مُرضياً لما قامت انتفاضة 17 فبراير. الكلام عن أن الانتفاضة كانت مؤامرة كلام فارغ لا أحب حتى الخوض فيه. الانتفاضة استُغِلت. كانت حراكاً شبابياً عفوياً استُغل من قبل القوى المنظمة والممولة والمدعومة خارجياً ونحت بها إلى منحى آخر، ولكن يجب ألا نحرم هؤلاء الشباب حقهم في أنهم قاموا بانتفاضة حقيقية عفوية تطالب بغد أفضل. أي شخص يدعو إلى لمّ شتات الوطن، والتداول السلمي على السلطة، وغد أفضل لليبيا، وحقوق مواطنة متساوية من دون إقصاء لأحد ودولة يحكمها القانون، فهو لا شك سيكون شريكاً في بناء هذا الوطن. وقد تحدث معي بعض أتباع النظام السابق. جلسنا وتحاورنا كثيراً، وكان الحديث في أمرين: الأول أن السيئ أدى إلى الأسوأ، والثاني أن الأولوية المطلقة الآن هي للحفاظ على وحدة الوطن التي أصبحت مهددة، وبناء الدولة في أسرع وقت ممكن، وإصدار وثيقة يحتكم إليها الليبيون، سَمِّها دستوراً أو ميثاقاً وطنياً. بالنسبة إلى الجرائم التي ارتُكبت، فالأفعال الجنائية لا تسقط بالتقادم، سواء ارتكبها أتباع النظام السابق أو من يُحسبون على انتفاضة فبراير. الجميع سواسية أمام القانون ولا تزر وازرة وزر أخرى. الجناية مرتبطة بالشخص لا بقبيلة أو مدينة أو نظام. وكان هناك توافق مع أغلب الناس الذين تحاورت معهم على هذه الأسس، وأنا أتصور أن السيد غسان سلامة سيدعو بعض أنصار النظام السابق لحضور المؤتمر الجامع الذي ينوي عقده في فبراير المقبل. إذا كان هناك بعض ممن يُحسبون على النظام السابق يدعون إلى الانتقام وإعادة النظام السابق فهذا ضد حركة التاريخ، وضد أماني الشعوب وتطلعاتها إلى مستقبل أفضل. إذا كان هناك أشخاص أخطأوا فتجب محاسبتهم، لكن أن تعيد النظام مرة أخرى وتعيد عجلة التاريخ، فالتاريخ ينطلق إلى الأمام ولا يدور في حركة دائرية.
> هل تقصد بالمحاسبة على الجرائم سيف الإسلام القذافي كونه مطلوباً للمحكمة الجنائية الدولية بتهمة جرائم حرب؟
- موضوع سيف معلّق مع المحكمة الجنائية الدولية كونه مطلوباً لديها. القانون الدولي يسمو على القانون المحلي. هناك حكم قضائي صادر بحقه من محكمة في طرابلس، ومع ذلك فقد صدر قانون عفو عام عن البرلمان الليبي، وهناك من يقول إن هذا القانون ينطبق على سيف. القضية تظل قانونية: هل القانون المحلي يُبطل قرار المحكمة الجنائية الدولية بالمطالبة به؟ لا أعتقد ذلك. فالقانون الدولي يسمو على القانون المحلي. هذه معضلة. أنا أتمنى على المهندس سيف أن يكون خطاب المصالحة وخطاب لم الشمل هو الذي يسمو على أي رغبات أخرى، لأن الوطن كله تعرض للمآسي ويندر أن تكون هناك عائلة ليبية واحدة لم تفقد أحداً من أفرادها، وبالتالي فإن ما حدث شمل الوطن كله ولم يشمل قبيلة معينة أو مدينة أو أسرة. ويمكن أن نتحدث في سبب الوصول إلى ما وصلنا إليه من خلال حوار ناضج وعاقل يهدف إلى الوصول إلى كلمة سواء لا إلى توجيه أصابع الاتهام. الاتهام لا يحل مشكلة، ومحله المحاكم. نحن في حاجة إلى تأسيس فهم مشترك الآن، وبالتالي الوصول إلى لغة مشتركة حتى يكون هناك حوار، ولذلك بدأنا بالثوابت عندما تحاورنا مع أتباع النظام السابق. أما سبب ما حدث فيؤجَّل. إما أن يكون مكانه المحاكم، وإما أن تكون جلسة مصالحة حقيقية تُطرح فيها كل الاتهامات والادعاءات، وليس هناك أحد فوق القانون سواء من أنصار النظام السابق أو مَن يحسبون أنفسهم على الانتفاضة. وهناك مغالطة يقع فيها كثيرون وهي مقارنة نظام سبتمبر (أيلول) بما يسمونه نظام فبراير. سبتمبر كان نظاماً استمر قرابة 42 عاماً ولديه كتابه الأخضر ونظامه السياسي والاقتصادي والاجتماعي. اتفقت معه أم اختلفت، كان نظاماً، وسُمّي النظام الجماهيري. فبراير انتفاضة لم تتحول إلى نظام بل إلى فوضى. لم يكن هناك مشروع يلتف حوله الليبيون لخلق نظام جديد. بالعكس، كانت فرصة وضاعت. بعد الانتفاضة كان يمكن ذلك (بناء نظام جديد). انتخابات يوليو (تموز) 2012 كانت فرصة لبداية تأسيس نظام. للأسف تلك الفرصة سُرقت وبقوة السلاح نتيجة انعدام الوعي لدى رجل الشارع الليبي الذي وقف وحلمه يُسرق من أمام عينيه ولم يُحرك ساكناً.
-- الإسلام السياسي «سرق الحلم»
> مَن سرق ذلك الحلم؟
- سرقته القوى الممولة التي اعتقدت أن هذا (فوز التحالف) انقلاب على الثورة. قوى الإسلام السياسي هي التي فعلت ذلك. رفضت تلك القوى نتيجة الانتخابات، ثم أصدرت قانون العزل السياسي بدعوى تحصين الثورة، مع أنهم هم من انقلب على شركاء الانتفاضة. الانتفاضة ضمت شرائح عديدة من الليبيين فكيف تحتكر لنفسك (الإسلاميين) حق ملكية انتفاضة بحجم وطن؟ لم يتجاوز عدد المقاتلين في كل الجبهات خلال الشهور الثمانية من العنف المسلح خلال الانتفاضة 18 ألف شاب. الذين يسجلون أنفسهم الآن تحت مسمى ثوار يبلغ عددهم 320 ألفاً. تحولت هذه الصفة إلى وظيفة ووسيلة للارتزاق. أقصد أن أقول إنه كان هناك حلم وكان هناك مشروع يمكن أن يتحوّل إلى نظام لدولة جديدة تحوي الجميع، ولا تُقصي أحداً، وتساوي حقوق المواطنة بين أبناء وبنات الوطن الواحد. للأسف تلك الفرصة ضاعت. وأنا أختلف تماماً مع مَن يقارن سبتمبر بفبراير. لم يكن هناك نظام لفبراير، فبراير انتفاضة تحولت إلى فوضى عارمة وأدت إلى إهدار ثروات الوطن ودماء أبنائه وفرّطت في سيادته. هذا كله ترتب على سرقة الحلم. أما سبتمبر فكان نظاماً له بعض الإيجابيات والكثير من السلبيات. الدعوة لأتباع النظام السابق هي أن يأخذوا إيجابيات سبتمبر ويشاركوا بها في إقامة النظام الجديد بدل التمسك بالنظام القديم ومحاولة إحيائه. فلو كان النظام القديم صالحاً لما قامت هذه الانتفاضة.
> ما مشكلتك مع حكومة شرق ليبيا وجيش المشير حفتر التابع لها؟ قام هذا الجيش بجهد كبير لطرد الجماعات المتشددة من كثير من مناطق شرق ليبيا... لماذا تتحفظ على دعم مشروعه؟
- مشروع إقامة جيش وطني لا أحد يختلف معه، لأن إقامة جيش وطني هي الخطوة الأولى في بناء أي دولة. في ظل عدم وجود جيش وطني لا مجال للحديث عن السيادة، ولا مجال للحديث عن حقوق المواطنة، ولا مجال للحديث عن دستور، لأنه من دون جيش يصبح الدستور غير محميّ. فقضية بناء الجيش هي قضية حياتية بالنسبة إلى بناء الأوطان، ولا أحد يستطيع أن يعارضها. مأسسة هذا الجيش هي قضية القضايا، كي يصبح جيشاً احترافياً حقيقياً يدافع عن تراب الوطن وحقوق المواطنين. كما أن موقفنا من بناء جيش وطني هو من أهم ثوابت تحالف القوى الوطنية حتى قبل انطلاق عملية الكرامة (التي أطلقها حفتر)، ومن يتحدثون عن معارضة التحالف لمشروع بناء الجيش إنما يهدفون إلى الفتنة.
> وليست لديك مشكلة بالطبع في أن يكون حفتر قائد هذا الجيش؟
- هذه قضية عسكرية يختارها القادة. أنا لا أتدخل في اختيارهم. الأمر يخص القيادة العسكرية ولا أتدخل في قراراتها. كما أنه ليس لديّ أي مشكلات شخصية على الإطلاق مع المشير خليفة حفتر.
-- خطة غسان سلامة... مسارات متوازية
> وما رأيك في خطة غسان سلامة: لجنة بين المجلس الرئاسي والبرلمان لإعادة صوغ اتفاق الصخيرات، والاتفاق على دستور جديد، وإجراء انتخابات نيابية ورئاسية؟
- غسان سلامة يتحدث بشكل تقريبي لا بشكل برنامج محدد. فهمي الشخصي للمبادرة أنه طرح 3 مسارات متوازية وليست متتالية. يعتقد كثيرون أن هذه المراحل متتالية، أي عندما ينتهي تعديل اتفاق الصخيرات ننتقل إلى المؤتمر الجامع، وعندما ينتهي المؤتمر الجامع ننتقل إلى الانتخابات. لكنه يسير في 3 مسارات متوازية. المؤتمر الجامع الهدف منه إنجاز مصالحة وطنية حقيقية وإخراج ميثاق وطني أو عقد اجتماعي جديد لتأسيس دولة ليبية مدنية تتساوى فيها حقوق الليبيين وتتوحد فيها مؤسسات الدولة. لو فشلت لجنة الصياغة المشكّلة من مجلس النواب ومجلس الدولة في إنجاز قضية تعديل الاتفاق السياسي وتضمينه في الإعلان الدستوري قد يكون المؤتمر الجامع منفذاً آخر لإنجاز ما فشل فيه مجلس النواب ومجلس الدولة، باعتبار أن المجلس الجامع سيضم مختلف شرائح المجتمع الليبي. قضية الانتخابات مرهونة بثلاثة أشياء رئيسية: إيجاد إطار مرجعي تتم على أساسه الانتخابات، وميثاق وطني، وهو ما قد يُنجز في المؤتمر الجامع، أو بالاستفتاء على صيغة الدستور التي أكملتها الهيئة التأسيسية للدستور، أو بصدور قانون انتخاب من مجلس النواب، ثم ثالثاً وهي النقطة الأهم: توافر البيئة الآمنة لإقامة الانتخابات، وتوافر القناعة والتسليم الكامل والقبول بنتائح الانتخابات. وهذه النقطة الأخيرة بالنسبة إلينا نحن في تحالف القوى الوطنية هي أهم النقاط. لأننا أُقصينا مرتين بالقوة. أفقد هذا الإقصاء العملية الديمقراطية صدقيتها، وأخشى أن الإقبال على الانتخابات سيكون ضعيفاً لأن أحلام المواطن، في كل مرة، تتبخر ولا تتحول إلى حقيقة مع تحوّل صندوق الاقتراع إلى أكذوبة.
> هل تخططون، إذاً، كتحالف وطني ومن ضمنه أنت، للترشح وخوض المنافسة في الانتخابات المقبلة؟
- البيئة الآمنة والتسليم بنتيجة الانتخابات في غاية الأهمية للانتخابات المقبلة. فلو أقيمت الانتخابات في ظل الوضع الحالي سيحكمها السلاح والمال والإعلام، ولن تكون هناك فرصة لتنافس بين برامج انتخابية حقيقية يختار من بينها المواطن ما يرى أنه ينقذ الوطن. هذه وجهة نظري. لكن لو توافرت البيئة الآمنة وتوافر التسليم بنتيجة الانتخاب وكانت هناك فرصة لطرح برامج انتخابية حقيقية يتم التنافس عليها، لكان الأمر متروكاً لتحالف القوى الوطنية ليقرر من يرشح، ولكن قطعاً مثل هذه الانتخابات سنشارك فيها. ولكن الاقتراع في ظل الوضع الحالي سيكون تنافساً في المال والسلاح.



الجيش الأميركي يستعد لفرض سيطرة بحرية في خليج عُمان وبحر العرب

رسم توضيحي يظهر خريطة لمضيق هرمز (رويترز)
رسم توضيحي يظهر خريطة لمضيق هرمز (رويترز)
TT

الجيش الأميركي يستعد لفرض سيطرة بحرية في خليج عُمان وبحر العرب

رسم توضيحي يظهر خريطة لمضيق هرمز (رويترز)
رسم توضيحي يظهر خريطة لمضيق هرمز (رويترز)

قالت القيادة المركزية الأميركية، ​في إشعار للبحارة اطلعت عليه وكالة «رويترز»، اليوم الاثنين، إن الجيش الأميركي سيفرض سيطرة ‌بحرية في ‌خليج ​عُمان ‌وبحر ⁠العرب ​شرقي مضيق هرمز، ⁠وإن هذا الإجراء سيشمل جميع السفن بغض النظر عن العلم الذي ⁠ترفعه.

وأشارت المذكرة ‌إلى ‌أن السيطرة ​البحرية ‌سيبدأ سريانها ‌الساعة 14:00 بتوقيت غرينتش اليوم.

وجاء في الإشعار: «أي سفينة ‌تدخل أو تغادر المنطقة المحاصرة دون تصريح ⁠ستكون ⁠معرضة للاعتراض أو تحويل المسار أو الاحتجاز». وقالت: «لن تعوق السيطرة حركة الملاحة المحايدة عبر مضيق هرمز من ​وإلى ​وجهات غير إيرانية».

أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب، أمس، أن الولايات المتحدة ستبدأ فرض حصار بحري على مضيق هرمز، بعد انهيار محادثات السلام مع إيران في إسلام آباد، مؤكداً أن المفاوضات حققت تقدماً في معظم الملفات، لكنها تعثرت بسبب رفض طهران التخلي عن برنامجها النووي.

وقال ترمب إن المحادثات التي جرت بين الولايات المتحدة وإيران وباكستان كانت «ودية للغاية»، مشيراً إلى أن واشنطن حصلت «تقريباً على كل النقاط التي كانت تسعى إليها» خلال تلك الجولة.

وأضاف: «في المراحل الأخيرة أصبحت الأجواء ودية للغاية، وحصلنا تقريباً على كل ما كنا نريده، باستثناء أنهم يرفضون التخلي عن طموحهم النووي». وتابع: «وبصراحة، بالنسبة لي، كان ذلك النقطة الأهم على الإطلاق».

ودافع ترمب، عن تهديداته السابقة ضد إيران، قائلاً إن تحذيراته ساعدت في دفع طهران إلى طاولة المفاوضات. وأصدر في المقابلة نفسها تهديدات جديدة باستهداف البنية التحتية المدنية الإيرانية إذا لم توافق القيادة الإيرانية على التخلي عن برنامجها النووي. وقال: «في غضون نصف يوم، لن يبقى لديهم جسر واحد قائم، ولن تبقى لديهم محطة كهرباء واحدة، وسيعودون إلى العصر الحجري».


الحوثيون يغذّون النزاعات القبلية لترسيخ السيطرة في إب

الحوثيون يتعمدون إغراق المناطق القبلية بالصراعات للسيطرة عليها (أ.ف.ب)
الحوثيون يتعمدون إغراق المناطق القبلية بالصراعات للسيطرة عليها (أ.ف.ب)
TT

الحوثيون يغذّون النزاعات القبلية لترسيخ السيطرة في إب

الحوثيون يتعمدون إغراق المناطق القبلية بالصراعات للسيطرة عليها (أ.ف.ب)
الحوثيون يتعمدون إغراق المناطق القبلية بالصراعات للسيطرة عليها (أ.ف.ب)

كشف تقرير دولي حديث عن تصاعد مقلق في وتيرة النزاعات المحلية داخل محافظة إب اليمنية، مرجعاً ذلك إلى سياسة ممنهجة تتبعها الجماعة الحوثية تقوم على تغذية الصراعات القبلية والتدخل المباشر فيها، بهدف إحكام السيطرة على المحافظة ومنع تحولها إلى بؤرة مقاومة مجتمعية.

وحسب التقرير الصادر عن مشروع بيانات مواقع النزاعات المسلحة، فإن الجماعة تعتمد استراتيجية «إدارة الفوضى» أداةً للضبط الأمني والسياسي، عبر تأجيج النزاعات المحلية بدلاً من احتوائها، وهو ما أدى إلى تحويل إب، الواقعة على بُعد نحو 192 كيلومتراً جنوب صنعاء، إلى واحدة من أكثر المحافظات اضطراباً في مناطق سيطرتها.

وأشار التقرير إلى أن محافظة إب تصدرت قائمة مناطق الاقتتال الداخلي، إذ سجلت نحو 40 في المائة من إجمالي النزاعات المحلية في مناطق سيطرة الحوثيين خلال الفترة بين 2022 و2025، في مؤشر يعكس حجم الاستهداف الذي تتعرض له المحافظة ذات الكثافة السكانية العالية والثقل القبلي المؤثر.

ويوثق التقرير انخراط قيادات ومشرفين حوثيين بشكل مباشر في تأجيج النزاعات القبلية، من خلال دعم أطراف معينة بالسلاح والمال، أو عرقلة مسارات الحلول القضائية والقبلية التي لطالما شكلت آلية تقليدية لاحتواء الخلافات في المجتمع اليمني.

عناصر حوثيون خلال تجمع في صنعاء دعا إليه زعيمهم (إ.ب.أ)

ويرى معدّو التقرير أن هذه السياسة تهدف إلى تحقيق جملة من الأهداف، أبرزها إضعاف البنية القبلية وتفكيك تماسكها، وتحويل طاقاتها نحو صراعات داخلية تستنزف قدراتها البشرية والمادية. كما تسعى الجماعة، وفق التقرير، إلى إبقاء المجتمع في حالة انشغال دائم بالنزاعات، بما يحد من قدرته على تنظيم أي حراك موحد ضد سلطتها.

ولا تقتصر هذه الاستراتيجية على إشعال الصراعات، بل تمتد إلى التدخل لاحقاً كـ«وسيط»، مما يمنح الحوثيين فرصة فرض شروطهم وإخضاع شيوخ القبائل والوجاهات الاجتماعية لسلطتهم مقابل ترتيبات صلح توصف بأنها شكلية، تعزز نفوذ الجماعة أكثر مما تُنهي النزاع.

مركز ثقل مقاوم

وتكتسب محافظة إب أهمية خاصة في الحسابات الحوثية، كونها تمثل مركز ثقل سكاني ومدني، فضلاً عن موقعها الجغرافي الذي يربط بين عدة محافظات استراتيجية. ويشير مراقبون إلى أن هذه العوامل تجعل من إب نقطة حساسة قد تتحول إلى جبهة مقاومة مؤثرة في حال توحدت القوى المجتمعية داخلها.

ويؤكد التقرير أن الجماعة كثفت من سياساتها في المحافظة خلال السنوات الأخيرة، بالتزامن مع تنامي المعارضة الشعبية لمشروعها، ورفض محاولات التغيير المذهبي. كما أن أي اختراق عسكري أو شعبي في إب قد ينعكس على محافظات مجاورة مثل تعز والضالع والبيضاء، ويمتد تأثيره إلى ذمار، التي تعد البوابة الجنوبية للعاصمة صنعاء.

خلال السنوات الأخيرة تحولت إب إلى معقل للمعارضة المناهضة للحوثيين (رويترز)

ويرى محللون أن إب تمثل «خاصرة رخوة» نسبياً في خريطة سيطرة الحوثيين، وهو ما يفسر الحرص على إبقائها في حالة اضطراب دائم، بما يمنع تبلور أي حراك منظم قد يهدد نفوذ الجماعة في المنطقة.

وعلى الرغم من الضغوط الأمنية وتغذية الصراعات، يؤكد ناشطون أن المجتمع في إب لا يزال يبدي أشكالاً من المقاومة السلمية، من خلال رفضه السياسات المفروضة عليه، ومحاولاته الحفاظ على تماسكه الاجتماعي.

ويشير التقرير إلى أن استمرار هذه الروح الرافضة يمثل تحدياً حقيقياً للجماعة، التي تسعى بكل الوسائل إلى تفكيك أي بنية مجتمعية قد تشكل نواة لمعارضة منظمة. ومع ذلك، فإن تراكم المظالم والانتهاكات قد يدفع باتجاه انفجار اجتماعي في حال توفرت الظروف المناسبة لذلك.

تصاعد الانتهاكات

بالتوازي مع تغذية النزاعات، يشير التقرير ومصادر محلية إلى تصاعد ملحوظ في الانتهاكات الأمنية، بما في ذلك حملات الاعتقال الواسعة التي استهدفت شرائح مختلفة من المجتمع، من بينهم سياسيون وأكاديميون ونشطاء وأطباء.

ويؤكد مراقبون أن تعيين شخصيات أمنية مرتبطة بقيادة الجماعة في مواقع حساسة داخل المحافظة ترافق مع ارتفاع غير مسبوق في معدلات العنف والاقتتال الداخلي، مما جعل إب في صدارة المحافظات من حيث مستوى الانفلات الأمني.

في سياق متصل، أثارت حادثة وفاة أحد السجناء، ويدعى حسن اليافعي، جدلاً واسعاً في الأوساط المحلية، بعد العثور عليه مشنوقاً داخل زنزانته في ظروف غامضة، رغم انتهاء مدة محكوميته.

ألف سجين غادروا سجون الحوثيين في إب خلال شهر واحد (أ.ف.ب)

وتشير مصادر إلى أن إدارة السجن الحوثية أبقته محتجزاً لفترة إضافية بسبب عجزه عن دفع غرامة مالية، رغم معاناته من اضطرابات نفسية.

ودعا ناشطون إلى فتح تحقيق مستقل في ملابسات الحادثة، في ظل تكرار حالات وفاة مشابهة داخل السجون، غالباً ما يتم تسجيلها كحالات انتحار، وسط اتهامات بإهمال طبي متعمد أو سوء معاملة قد ترقى إلى انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان.

ويرى حقوقيون أن هذه الحوادث تعكس نمطاً أوسع من الانتهاكات داخل مراكز الاحتجاز الحوثية، حيث يواجه السجناء ظروفاً قاسية تشمل الحرمان من الرعاية الصحية والتغذية الكافية، مما يزيد من المخاوف بشأن أوضاع حقوق الإنسان في مناطق سيطرة الجماعة.


العليمي يطالب بردع حازم لإنهاء خطر الحوثيين وإيران

عناصر حوثيون خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران (أ.ف.ب)
عناصر حوثيون خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران (أ.ف.ب)
TT

العليمي يطالب بردع حازم لإنهاء خطر الحوثيين وإيران

عناصر حوثيون خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران (أ.ف.ب)
عناصر حوثيون خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران (أ.ف.ب)

على وقع الحصار الذي أمر به الرئيس الأميركي دونالد ترمب على الموانئ الإيرانية ابتداءً من الاثنين، هددت الجماعة الحوثية في اليمن بالعودة إلى مساندة طهران عسكرياً إذا ما تجددت الحرب، في حين طالب رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي بردع حازم لإنهاء خطر الجماعة والنظام الإيراني.

وخلال استقباله سفير الولايات المتحدة، ستيفن فاجن، شدد العليمي على أن التهدئة الراهنة التي أعقبت الضغوط على إيران قد تتحول فرصةً لإعادة تموضع الميليشيات الحوثية، بما يسمح لها باستعادة قدراتها واستغلال المرحلة أداةَ ابتزازٍ سياسي وعسكري لتحسين شروطها التفاوضية.

وأكد العليمي أن الخطر لا يكمن فقط في استمرار الدعم الإيراني، بل في قدرة هذه الجماعات على إعادة صياغة هزائمها بوصفها انتصارات، مستفيدة من الخطاب الآيديولوجي المرتبط بالعقيدة الإيرانية؛ وهو ما يتطلب – حسب تعبيره – تفكيك هذه السرديات وفضح أهدافها الحقيقية.

وركز رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني في تصريحاته التي نقلها الإعلام الرسمي، على البعد الاستراتيجي لدور الحوثيين، عادَّاً أنهم جزء من منظومة إيرانية أوسع تسعى لزعزعة استقرار المنطقة وتهديد المصالح الدولية، وفي مقدمتها أمن الملاحة البحرية.

العليمي استقبل في مقر إقامته بالرياض السفير الأميركي لدى اليمن (سبأ)

وأشار إلى أن استمرار التعامل مع هذه الجماعات دون حزم سيؤدي إلى تكريس نمط من السلوك القائم على استغلال فترات التهدئة لإعادة التموضع، وليس لتغيير النهج العدائي؛ ما يعزز الحاجة إلى موقف دولي أكثر صرامة.

كما أشاد العليمي بالدعم الأميركي، خصوصاً قرار تصنيف الحوثيين منظمة إرهابية أجنبية، والإجراءات اللاحقة التي استهدفت شبكات التمويل والتهريب، عادَّاً ذلك خطوة مهمة في مسار تقويض قدراتها.

ولم يغفل رئيس مجلس القيادة اليمني الإشارة إلى الدور المحوري للسعودية، التي وصف مواقفها بأنها داعمة بشكل حاسم للشعب اليمني وقيادته، سواء في المجال السياسي أو الاقتصادي أو الإنساني.

جاهزية عسكرية

على الصعيد الميداني، عكست تصريحات وزير الدفاع اليمني، الفريق الركن طاهر العقيلي، توجهاً واضحاً نحو رفع مستوى الجاهزية العسكرية، في ظل احتمالات التصعيد.

وخلال اجتماع موسع في العاصمة اليمنية المؤقتة عدن، استعرض العقيلي نتائج زياراته الميدانية، مشيراً إلى وجود انضباط عالٍ ومعنويات مرتفعة لدى القوات المسلحة، مع تأكيده على ضرورة الحفاظ على هذا المستوى من الاستعداد لمواجهة أي تحديات.

وأكد أن التنسيق بين مختلف التشكيلات العسكرية يشهد تطوراً ملحوظاً، خاصة في ظل العمل ضمن غرفة عمليات موحدة بقيادة رئيس مجلس القيادة الرئاسي؛ وهو ما يعزز فاعلية الأداء العسكري.

وزير الدفاع اليمني يرأس في عدن اجتماعاً لكبار القادة العسكريين (سبأ)

وشدد وزير الدفاع على أن الهدف الاستراتيجي المتمثل في استعادة العاصمة صنعاء وإنهاء الانقلاب الحوثي لا رجعة عنه، وعدّ أن تحقيق الأمن والاستقرار في اليمن يظل مرهوناً بالقضاء على المشروع المدعوم من إيران.

في موازاة المواقف الرسمية، برزت موجة تضامن واسعة من قِبل منظمات المجتمع المدني اليمنية مع السعودية، في مواجهة ما وصفته بالاعتداءات الإيرانية المتكررة.

فقد أدانت نحو 200 منظمة ومؤسسة مدنية هذه الهجمات، مؤكدة أنها تستهدف أمن واستقرار دول الخليج، وتمثل امتداداً مباشراً للسياسات الإيرانية في اليمن.

وعدّت هذه المنظمات أن السعودية تمثل «صمام أمان» للمنطقة، وركيزة أساسية في دعم الشعب اليمني، مشددة على أن أي محاولات لزعزعة استقرارها لن تؤدي إلا إلى تعزيز التلاحم بين الشعبين.

كما دعت المجتمع الدولي والأمم المتحدة إلى اتخاذ موقف حازم يستند إلى القانون الدولي الإنساني، لوضع حد لهذه الاعتداءات، خاصة تلك التي تستهدف الأعيان المدنية والمنشآت الحيوية.

تهديد حوثي

في المقابل، جاء موقف الحوثيين ليعكس تصعيداً في الخطاب، حيث زعموا أن صمود إيران على طاولة المفاوضات مع أميركا يمثل «انتصاراً» لمحور المقاومة، في إشارة إلى ما يعرف بـ«وحدة الساحات» التي تضم بقيادة إيران «حزب الله» اللبناني وفصائل عراقية، بالإضافة إلى الحوثيين.

وفي بيان لخارجية الجماعة الانقلابية، حذَّر من أن أي تصعيد أميركي جديد، سواء ضد إيران أو في البحر، ستكون له تداعيات واسعة على الاقتصاد العالمي، بما في ذلك سلاسل التوريد وأسعار الطاقة.

زعيم الحوثيين أمر جماعته بالاحتفال مدعياً انتصار إيران في الحرب على أميركا وإسرائيل (إ.ب.أ)

والأكثر أهمية كان تهديدهم الصريح بالعودة إلى المشاركة العسكرية الفاعلة إلى جانب إيران، في حال استئناف الضربات الأميركية أو الإسرائيلية، مشيرين إلى أن ذلك سيتم ضمن مسار تصاعدي في العمليات، حسب ما جاء في بيانهم.

كما أبدى الحوثيون رفضهم لما وصفوه بمحاولات فرض شروط سياسية عبر القوة العسكرية، عادّين أن هذه الاستراتيجية فشلت في السابق ولن تحقق أهدافها مستقبلاً.

وخلال الجولة السابقة من الحرب التي بدأت في 28 فبراير (شباط) الماضي بين أميركا وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، انتظرت الجماعة الحوثية شهراً كاملاً قبل أن تبدأ العمليات المساندة لإيران من خلال تبني خمس عمليات إطلاق للصواريخ والمسيرات باتجاه إسرائيل.