محمود جبريل: الإسلام السياسي سرق حلم الليبيين وحوّل الانتفاضة إلى فوضى

رئيس «حكومة الثورة» قال لـ«الشرق الأوسط»: عقبات أمام دور لسيف القذافي... ووجود السراج في طرابلس مرهون بدفعه رواتب الميليشيات

محمود جبريل خلال المقابلة مع «الشرق الأوسط» في لندن (تصوير: كميل الطويل)
محمود جبريل خلال المقابلة مع «الشرق الأوسط» في لندن (تصوير: كميل الطويل)
TT

محمود جبريل: الإسلام السياسي سرق حلم الليبيين وحوّل الانتفاضة إلى فوضى

محمود جبريل خلال المقابلة مع «الشرق الأوسط» في لندن (تصوير: كميل الطويل)
محمود جبريل خلال المقابلة مع «الشرق الأوسط» في لندن (تصوير: كميل الطويل)

«هل تكون الثالثة ثابتة؟». سؤال لا بد أنه يتبادر إلى ذهن الدكتور محمود جبريل وهو يستعد، كما يبدو، لخوض غمار المنافسات الانتخابية من جديد في ليبيا. فما يضمن أن تحالف القوى الوطنية الذي يقوده سيُسمح له بالوصول إلى السلطة لو فاز في الاقتراع المقبل، بعدما «سُرق الحلم»، كما يقول، في الاقتراعين السابقين عامي 2012 و2014؟ سؤال مشروع بلا شك.
في حوار أجرته معه «الشرق الأوسط» في لندن، يطالب الدكتور جبريل بتعهدات مسبقة من كل القوى السياسية وأيضاً المسلحة، سواء كانت تابعة للمؤسسة العسكرية أو لميليشيات، باحترام نتائج الانتخابات، قبل إجرائها. وهو يتهم صراحة «قوى الإسلام السياسي» بأنها أبطلت، بقوة السلاح، فوز تحالف القوى الوطنية في الانتخابات الماضية، قائلاً إن تضييع تلك الفرصة أضاع فرصة تحويل «انتفاضة 17 فبراير (شباط)» إلى مناسبة لبناء دولة.
يتحدث الدكتور جبريل الذي قاد المكتب التنفيذي المؤقت (حكومة الثوار) خلال «انتفاضة فبراير» ضد حكم العقيد معمر القذافي، عن تفاصيل زيارته الأخيرة لطرابلس بعد انقطاع استمر سنوات، ويقول إنه لبّى دعوة وجهتها إليه «كتيبة النواصي» وهي مجموعة مسلحة تنشط في سوق الجمعة (شرق طرابلس). ويعترف بأنه لم ينسّق مع حكومة الوفاق الوطني برئاسة فائز السراج خلال هذه الزيارة إلى مدينة يُفترض أنها خاضعة لسيطرتها. يقول إن «النواصي» أيّدت في البداية حكومة السراج لكنها تراجعت عن ذلك نتيجة «الأداء المخزي والفاشل» لها. ويعتبر أن الكتائب المسلحة التي تعلن ارتباطها بحكومة الوفاق تعلن ذلك فقط لأنها تتلقى رواتبها منها، قائلاً إن السراج لا يمكن أن يبقى لحظة في طرابلس إذا سحبت الميليشيات المسلحة الغطاء عنه.
يشيد جبريل بجهود الجيش الوطني الليبي بقيادة المشير خليفة حفتر في التصدي للجماعات المتشددة في الشرق الليبي. ورغم انفتاحه على أنصار النظام السابق، يقول جبريل إن عقبات قانونية تحول أمام لعب سيف الإسلام، نجل العقيد القذافي، دوراً أساسياً في مستقبل ليبيا، قائلاً إن سيف ما زال مطلوباً للمحكمة الجنائية الدولية و«القانون الدولي يسمو على القانون المحلي الليبي». ويحذّر جبريل من خطر «توطين» ملايين الأفارقة في ليبيا، مشيراً إلى أن هذه الفكرة مطروحة أوروبياً في إطار التصدي لموجة المهاجرين إلى القارة العجوز. وهنا نص الحوار:
> لماذا كان هذا الانقطاع الطويل عن زيارة ليبيا ولماذا الزيارة المفاجئة؟
- لم يكن الانقطاع خياراً بل كان اضطراراً، فبعد عملية «فجر ليبيا» (في صيف 2014) أصبح هناك تهديد أمني حقيقي تُرجم في حرق مقرات تحالف القوى الوطنية في طرابلس والعبث بملفات أعضائه. لم يقتصر ذلك على طرابلس بل امتد ليشمل غالبية مدن المنطقة الغربية. قام بذلك من يسمّون أنفسهم «تنسيقية العزل السياسي»، وهم مجموعات محسوبة على الإسلام السياسي كانت تسمي نفسها في البرلمان «كتلة الوفاء للشهداء». ما حصل كان انقلاباً حقيقياً على العملية الديمقراطية في ليبيا. حصل ذلك عام 2012 بعد الانتخابات الأولى (التي فاز فيها التحالف)، ثم تكرر عقب الانتخابات النيابية عام 2014. حصلت عملية «فجر ليبيا» وطُرد البرلمان (الجديد المنتخب) من طرابلس، وهُجّر أعضاء تحالف القوى الوطنية، وبعضهم تعرض لمضايقات وتنكيل وتوقيف. وبالتالي، ترْك طرابلس لم يكن خياراً بل نتيجة اضطرار.
في أغسطس (آب) الماضي، نظمنا ندوة دولية بمدينة الحمامات التونسية، وطرحنا مبادرة استغرق إعدادها نحو سنة كاملة من التشاور مع أطراف نسميها فاعلة على الأرض. بدأت تلوح في الأفق استجابة من بعض هذه الأطراف. فعلى مستوى التشكيلات المسلحة، جاءتنا استجابة من «كتيبة النواصي» وهي إحدى الكتائب الكبرى في طرابلس. أحبّوا مناقشة المبادرة وأبدوا استعداداً مبدئياً للخوض في تفاصيلها. وُجّهت دعوة فقبلْتها وسافرتُ إلى طرابلس حيث مكثت يومين. كان النقاش رائعاً ومسؤولاً وترتبت عليه خطوات عملية وتشكلت لجنة تحضيرية ستجمع سياسيين وقادة تشكيلات مسلحة وبعض القوى الاجتماعية (الأعيان)، أي الشرائح الثلاث التي نعتقد أنها تمثّل القوى على أرض الواقع. وهذه القوى هي: الاجتماعية، والمسلحة، والسياسية، والتي كانت غائبة عن اتفاق الصخيرات. وبالتالي، فإننا نشعر بأن مبادرة غسان سلامة فيها تشابه كبير مع ما كنا ننادي به، لأنها حاولت أن تعكس توازن القوى الفعلي على الأرض والذي كان مغيّباً عن اتفاق الصخيرات.
إذاً، هذا باختصار سبب الغياب عن طرابلس وسبب العودة.
> ما وضع «كتيبة النواصي» حالياً وما مدى ارتباطها بحكومة فائز السراج؟
- «كتيبة النواصي» ناشطة في سوق الجمعة بطرابلس، وهم لا يُحسبون على الإسلام السياسي. أما بالنسبة إلى موقفهم من حكومة السراج، فهم دعموها في البداية باعتبارها حكومة وفاق، ولكن في ضوء الأداء المخزي والفاشل لهذه الحكومة باتت القوى كافة تبحث عن بديل. فقد اتضح أن ما قام به المجتمع الدولي من تنصيب لهذه الحكومة لم يكن الحل الأنسب. فالحكومة تتمتع بدعم الشرعية الدولية لكنها لا تتمتع بالدعم الوطني.
> لكن هذه هي الحكومة الفاعلة في طرابلس؟
- هي موجودة في طرابلس لكنها ليست فاعلة.
> هل تريد القول إنك عندما زرت طرابلس لم ترَ قوات حكومة السراج فيها؟ فمَن يحكم طرابلس إذاً؟
- الكتائب المسلحة، أي الميليشيات، هي التي تحكم.
> ولكن معظمها يُحسب على أنه موالٍ لحكومة السراج؟
- يأخذ رواتبه من حكومة السراج، فهذه الحكومة لا خيار أمامها إلا أن تُعطي (الأموال). وجودها في طرابلس مرهون باستمرارها في دفع رواتب هؤلاء الشباب (أعضاء الميليشيات).
> ألم تنسق بتاتاً مع حكومة السراج عندما زرت طرابلس؟
- لا إطلاقاً. تلقيت الدعوة من «كتيبة النواصي» وقبلت الدعوة، وذهبت. الفارق بين السلطة الرسمية والسلطة الفعلية، مع كل الاحترام للأخ فائز السراج وحكومته، هو أنه إن لم توافق الكتائب المسلحة على وجوده في طرابلس فلن يستطيع أن يبقى دقيقة واحدة فيها. هذا الأمر الواقع.
> وماذا عن الحرس الرئاسي؟
- الحرس الرئاسي مهمته حماية الرئاسة. إذا استطاع أن يحميها أكثر الله من خيره.
> يبدو أنك لا تريد تأييد حكومة السراج رغم الاعتراف الدولي بها والذي تَمثّل قبل أيام فقط في استقبال رئيس الولايات المتحدة دونالد ترمب للسراج. وحتى حكومة شرق ليبيا لديك أيضاً اعتراض عليها.
- لا يعنيني كثيراً أن ترمب استقبل هذا الطرف أو ذاك. أنا أدعم برنامج إنقاذ لهذا الوطن. عندما يتبنى السراج برنامج إنقاذ للوطن فسأدعمه. لكنني لا أدعم أشخاصاً، بل برامج. أدعم برنامجاً يُخرج الوطن من أزماته، وهذا البرنامج غير موجود حتى الآن. لو كان مطروحاً لما قدّم غسان سلامة مبادرته لتعديل اتفاق الصخيرات ومحاولة خلق حكومة وحدة وطنية. ما فعله المجتمع الدولي هو أنه بدأ بحكومتين (حكومة عبد الله الثني في الشرق وحكومة خليفة الغويل في طرابلس) وأضاف إليهما ثالثة (حكومة السراج). بدل أن يوحّد الحكومات المتشرذمة، زاد الأمور تشظياً. أنا لا أدعم تشظي هذا الوطن ولا أدعم حكومات لا تمتلك الفعالية لتحكم. لا الحكومة في الشرق لديها الفاعلية، ولا حكومة السراج لديها الفاعلية، ولا ما سُمّي حكومة الإنقاذ (الغويل) لديها الفاعلية. فببساطة أدوات الحكم ليست في يدها. إنها حكومات لا تمتلك جيشاً ولا شرطة ولا قضاء ولا أدوات مالية. هي هياكل تفتقر إلى أدوات الفعل.
> ولكن أقرب هذه الحكومات إلى هذا التوصيف –أي الحكم الفعلي- هي حكومة الثني في الشرق. ألا تعتقد ذلك؟
- حكومة الثني عيّنها البرلمان، ولذلك عندها شرعية برلمانية، ولكن شرعية الأداء وشرعية الإنجاز مفقودة. ليس لأيٍّ من الحكومات الثلاث شرعية حقيقية في وعي المواطن وفي يقينه. الشرعية لدى المواطن ترتبط بالقدرة على الإنجاز. عندما يقف المواطن أمام المصارف طوال يومين ليقبض ما يعادل 200 دولار فقط في الشهر، وعندما تنقطع عنه الكهرباء بين 10 و15 ساعة يومياً، وعندما لا تصله المياه، وعندما يكون الأمن مفقوداً، فأيُّ شرعية يمكن أن يعطيها المواطن لأي حكومة؟
> هل تتوقع أن كل هذه الأطراف التي تتنازع على السلطة ستقبل المبادرة التي تطرحها؟
- أتوقع أن ينخرطوا في حوار جاد حولها. وعندما ينتهي هذا الحوار بالإضافة والحذف والتعديل تصبح مبادرة جامعة وليست مبادرة التحالف الوطني فقط. هدف المبادرة في الأساس التغلب على معوقات قيام الدولة الليبية. خطأ اتفاق الصخيرات أنه افترض أن هناك دولة لديها سلطة وكان برناردينو ليون (المبعوث الدولي السابق) يسعى إلى تقسيم هذه السلطة ما بين القوى المتصارعة، ناسياً أو متناسياً أن السلطة لم تُخلق بعد ليتم تقاسمها. السلطة الفعلية هي في أيدي هذه القوى التي نتحاور معها الآن في محاولة جديدة لإعادة السلطة إلى الدولة. فالسلطة تشتتت وتبعثرت ما بين سلاح وقوى اجتماعية وقوى سياسية، وليست هناك سلطة مركّزة لدى سلطة معترف بها من الجميع. وبالتالي فكرة هذه المبادرة هي إعادة تجميع السلطة في يد واحدة.
-- خطر توطين ملايين الأفارقة
> كيف سيتم تجميع السلطة: في ظل حكومة، رئيس؟
- أقصد 3 أشياء: أولاً، إقامة جسم موحد يمتلك الشرعية من وجهة نظر الليبيين، ويكون لديه برنامج واضح للخروج من هذا النفق ولديه أدوات الفعل لتنفيذ هذا البرنامج. ومن أجل ذلك تم التعامل مع ملفات محددة أولها وأخطرها ملف تجميع السلاح وتفكيك التشكيلات المسلحة وإعادة دمجها في بدائل مختلفة. زيارة طرابلس تمحور أغلبها حول هذا الجانب. الملف الثاني هو مؤسسة الجيش: كيف يُبنى الجيش؟ معايير تأسيسه والانضمام إليه؟ قُدّم تصوّر في هذا الشأن وتمت مناقشته من قبل الشباب (كتيبة النواصي). طبعاً، مصر ترعى حواراً بين ضباط الجيش الليبي من مختلف مناطق ليبيا. وهذا الحوار في الحقيقة يسير بشكل جيد جداً. ونحن نبارك هذا الجهد الاحترافي من قبل ضباط الجيش الليبي من أجل محاولة لملمة أنفسهم، لأنه لو توحدت المؤسسة العسكرية الليبية فهذه تُعتبر أهم خطوة في سبيل إعادة بناء الدولة. وبالنسبة إلى الشباب، مَن عنده رغبة في الانضمام إلى الجيش هناك معايير محددة لفعل ذلك متَّبَعة لدى جيوش العالم. ولكن نريد تحديد معايير تأسيس الجيش: أيُّ نوع من الجيش نحتاج إليه؟ وهذا أمر تحكمه الجغرافيا، وعدد السكان، والتهديدات المستقبلية المحتملة للأمن القومي. ليبيا قليلة السكان وشاسعة المساحة. وهناك خطر ديموغرافي حقيقي بتضخم الكتل السكانية غير الليبية جنوباً وشرقاً وغرباً. وفي حين أن النمو السكاني الليبي يتناقص، نجد أن كل الدول المحيطة بليبيا تتضخم سكانياً. والمفارقة أن ليبيا مع قلة سكانها هي الدولة التي تمتلك عائدات نفطية ومالية، وشاسعة المساحة. وقد بدأ بعض الدوائر الأوروبية يدفع في هذا الاتجاه: بما أن ليبيا كبيرة المساحة وقليلة السكان وتتوافر فيها الثروة، فإنها تستطيع أن تستوعب ما بين 40 و50 مليون أفريقي، فلمَ لا تكون وطناً بديلاً للأفارقة، ونحل بالتالي مشكلة الهجرة غير الشرعية. وطبعاً مثل هذه المجادلة تغري كثيرين.
> هل سمعت فعلاً مَن يطرح مثل هذا الطرح؟
- يُقال إنه متداول في بعض الكواليس الأوروبية، وليس خافياً على أحد أن رئيس وزراء المجر قال في تصريح علني قبل شهور قليلة إنه لمَ لا يتم توطين الأفارقة في ليبيا. هذا التصريح موجود وموثّق. وما أقصد أن أقوله إننا عندما نبني جيشاً في ظل مثل هذه الظروف (قلة السكان، وكبر المساحة، وتوافر الثروات، والتهديدات المحتملة) فقد توصلنا إلى أن الجيش يجب أن يكون وفق ما يُعرف بـ«الجيش الذكي» (سمارت آرمي) وهو شبيه بالجيش الإسرائيلي: سلاح جوي ضارب، قوي للغاية، لتجسير مشكلة مساحة المكان، وحرس حدود قوي، واعتماد قوي جداً على التقنية، مع احتياطي يصل إلى 100 ألف مقاتل تتم تعبئتهم عند الحاجة فقط. وطبعاً يكون الجيش خاضعاً –كما في كل الدول– للسلطة المدنية.
-- سيف الإسلام القذافي
> يحكي الكثير حالياً عن دور لسيف الإسلام القذافي في مستقبل ليبيا؟ هل المبادرة التي تتحدث عنها تأخذ في الاعتبار فكرة استيعاب أنصار النظام السابق؟
- المبادرة مطروحة أمام كل من يرتضي الدولة المدنية ويتحدث عن مستقبل ليبيا لا عن ماضيها. ماضي ليبيا لو كان مُرضياً لما قامت انتفاضة 17 فبراير. الكلام عن أن الانتفاضة كانت مؤامرة كلام فارغ لا أحب حتى الخوض فيه. الانتفاضة استُغِلت. كانت حراكاً شبابياً عفوياً استُغل من قبل القوى المنظمة والممولة والمدعومة خارجياً ونحت بها إلى منحى آخر، ولكن يجب ألا نحرم هؤلاء الشباب حقهم في أنهم قاموا بانتفاضة حقيقية عفوية تطالب بغد أفضل. أي شخص يدعو إلى لمّ شتات الوطن، والتداول السلمي على السلطة، وغد أفضل لليبيا، وحقوق مواطنة متساوية من دون إقصاء لأحد ودولة يحكمها القانون، فهو لا شك سيكون شريكاً في بناء هذا الوطن. وقد تحدث معي بعض أتباع النظام السابق. جلسنا وتحاورنا كثيراً، وكان الحديث في أمرين: الأول أن السيئ أدى إلى الأسوأ، والثاني أن الأولوية المطلقة الآن هي للحفاظ على وحدة الوطن التي أصبحت مهددة، وبناء الدولة في أسرع وقت ممكن، وإصدار وثيقة يحتكم إليها الليبيون، سَمِّها دستوراً أو ميثاقاً وطنياً. بالنسبة إلى الجرائم التي ارتُكبت، فالأفعال الجنائية لا تسقط بالتقادم، سواء ارتكبها أتباع النظام السابق أو من يُحسبون على انتفاضة فبراير. الجميع سواسية أمام القانون ولا تزر وازرة وزر أخرى. الجناية مرتبطة بالشخص لا بقبيلة أو مدينة أو نظام. وكان هناك توافق مع أغلب الناس الذين تحاورت معهم على هذه الأسس، وأنا أتصور أن السيد غسان سلامة سيدعو بعض أنصار النظام السابق لحضور المؤتمر الجامع الذي ينوي عقده في فبراير المقبل. إذا كان هناك بعض ممن يُحسبون على النظام السابق يدعون إلى الانتقام وإعادة النظام السابق فهذا ضد حركة التاريخ، وضد أماني الشعوب وتطلعاتها إلى مستقبل أفضل. إذا كان هناك أشخاص أخطأوا فتجب محاسبتهم، لكن أن تعيد النظام مرة أخرى وتعيد عجلة التاريخ، فالتاريخ ينطلق إلى الأمام ولا يدور في حركة دائرية.
> هل تقصد بالمحاسبة على الجرائم سيف الإسلام القذافي كونه مطلوباً للمحكمة الجنائية الدولية بتهمة جرائم حرب؟
- موضوع سيف معلّق مع المحكمة الجنائية الدولية كونه مطلوباً لديها. القانون الدولي يسمو على القانون المحلي. هناك حكم قضائي صادر بحقه من محكمة في طرابلس، ومع ذلك فقد صدر قانون عفو عام عن البرلمان الليبي، وهناك من يقول إن هذا القانون ينطبق على سيف. القضية تظل قانونية: هل القانون المحلي يُبطل قرار المحكمة الجنائية الدولية بالمطالبة به؟ لا أعتقد ذلك. فالقانون الدولي يسمو على القانون المحلي. هذه معضلة. أنا أتمنى على المهندس سيف أن يكون خطاب المصالحة وخطاب لم الشمل هو الذي يسمو على أي رغبات أخرى، لأن الوطن كله تعرض للمآسي ويندر أن تكون هناك عائلة ليبية واحدة لم تفقد أحداً من أفرادها، وبالتالي فإن ما حدث شمل الوطن كله ولم يشمل قبيلة معينة أو مدينة أو أسرة. ويمكن أن نتحدث في سبب الوصول إلى ما وصلنا إليه من خلال حوار ناضج وعاقل يهدف إلى الوصول إلى كلمة سواء لا إلى توجيه أصابع الاتهام. الاتهام لا يحل مشكلة، ومحله المحاكم. نحن في حاجة إلى تأسيس فهم مشترك الآن، وبالتالي الوصول إلى لغة مشتركة حتى يكون هناك حوار، ولذلك بدأنا بالثوابت عندما تحاورنا مع أتباع النظام السابق. أما سبب ما حدث فيؤجَّل. إما أن يكون مكانه المحاكم، وإما أن تكون جلسة مصالحة حقيقية تُطرح فيها كل الاتهامات والادعاءات، وليس هناك أحد فوق القانون سواء من أنصار النظام السابق أو مَن يحسبون أنفسهم على الانتفاضة. وهناك مغالطة يقع فيها كثيرون وهي مقارنة نظام سبتمبر (أيلول) بما يسمونه نظام فبراير. سبتمبر كان نظاماً استمر قرابة 42 عاماً ولديه كتابه الأخضر ونظامه السياسي والاقتصادي والاجتماعي. اتفقت معه أم اختلفت، كان نظاماً، وسُمّي النظام الجماهيري. فبراير انتفاضة لم تتحول إلى نظام بل إلى فوضى. لم يكن هناك مشروع يلتف حوله الليبيون لخلق نظام جديد. بالعكس، كانت فرصة وضاعت. بعد الانتفاضة كان يمكن ذلك (بناء نظام جديد). انتخابات يوليو (تموز) 2012 كانت فرصة لبداية تأسيس نظام. للأسف تلك الفرصة سُرقت وبقوة السلاح نتيجة انعدام الوعي لدى رجل الشارع الليبي الذي وقف وحلمه يُسرق من أمام عينيه ولم يُحرك ساكناً.
-- الإسلام السياسي «سرق الحلم»
> مَن سرق ذلك الحلم؟
- سرقته القوى الممولة التي اعتقدت أن هذا (فوز التحالف) انقلاب على الثورة. قوى الإسلام السياسي هي التي فعلت ذلك. رفضت تلك القوى نتيجة الانتخابات، ثم أصدرت قانون العزل السياسي بدعوى تحصين الثورة، مع أنهم هم من انقلب على شركاء الانتفاضة. الانتفاضة ضمت شرائح عديدة من الليبيين فكيف تحتكر لنفسك (الإسلاميين) حق ملكية انتفاضة بحجم وطن؟ لم يتجاوز عدد المقاتلين في كل الجبهات خلال الشهور الثمانية من العنف المسلح خلال الانتفاضة 18 ألف شاب. الذين يسجلون أنفسهم الآن تحت مسمى ثوار يبلغ عددهم 320 ألفاً. تحولت هذه الصفة إلى وظيفة ووسيلة للارتزاق. أقصد أن أقول إنه كان هناك حلم وكان هناك مشروع يمكن أن يتحوّل إلى نظام لدولة جديدة تحوي الجميع، ولا تُقصي أحداً، وتساوي حقوق المواطنة بين أبناء وبنات الوطن الواحد. للأسف تلك الفرصة ضاعت. وأنا أختلف تماماً مع مَن يقارن سبتمبر بفبراير. لم يكن هناك نظام لفبراير، فبراير انتفاضة تحولت إلى فوضى عارمة وأدت إلى إهدار ثروات الوطن ودماء أبنائه وفرّطت في سيادته. هذا كله ترتب على سرقة الحلم. أما سبتمبر فكان نظاماً له بعض الإيجابيات والكثير من السلبيات. الدعوة لأتباع النظام السابق هي أن يأخذوا إيجابيات سبتمبر ويشاركوا بها في إقامة النظام الجديد بدل التمسك بالنظام القديم ومحاولة إحيائه. فلو كان النظام القديم صالحاً لما قامت هذه الانتفاضة.
> ما مشكلتك مع حكومة شرق ليبيا وجيش المشير حفتر التابع لها؟ قام هذا الجيش بجهد كبير لطرد الجماعات المتشددة من كثير من مناطق شرق ليبيا... لماذا تتحفظ على دعم مشروعه؟
- مشروع إقامة جيش وطني لا أحد يختلف معه، لأن إقامة جيش وطني هي الخطوة الأولى في بناء أي دولة. في ظل عدم وجود جيش وطني لا مجال للحديث عن السيادة، ولا مجال للحديث عن حقوق المواطنة، ولا مجال للحديث عن دستور، لأنه من دون جيش يصبح الدستور غير محميّ. فقضية بناء الجيش هي قضية حياتية بالنسبة إلى بناء الأوطان، ولا أحد يستطيع أن يعارضها. مأسسة هذا الجيش هي قضية القضايا، كي يصبح جيشاً احترافياً حقيقياً يدافع عن تراب الوطن وحقوق المواطنين. كما أن موقفنا من بناء جيش وطني هو من أهم ثوابت تحالف القوى الوطنية حتى قبل انطلاق عملية الكرامة (التي أطلقها حفتر)، ومن يتحدثون عن معارضة التحالف لمشروع بناء الجيش إنما يهدفون إلى الفتنة.
> وليست لديك مشكلة بالطبع في أن يكون حفتر قائد هذا الجيش؟
- هذه قضية عسكرية يختارها القادة. أنا لا أتدخل في اختيارهم. الأمر يخص القيادة العسكرية ولا أتدخل في قراراتها. كما أنه ليس لديّ أي مشكلات شخصية على الإطلاق مع المشير خليفة حفتر.
-- خطة غسان سلامة... مسارات متوازية
> وما رأيك في خطة غسان سلامة: لجنة بين المجلس الرئاسي والبرلمان لإعادة صوغ اتفاق الصخيرات، والاتفاق على دستور جديد، وإجراء انتخابات نيابية ورئاسية؟
- غسان سلامة يتحدث بشكل تقريبي لا بشكل برنامج محدد. فهمي الشخصي للمبادرة أنه طرح 3 مسارات متوازية وليست متتالية. يعتقد كثيرون أن هذه المراحل متتالية، أي عندما ينتهي تعديل اتفاق الصخيرات ننتقل إلى المؤتمر الجامع، وعندما ينتهي المؤتمر الجامع ننتقل إلى الانتخابات. لكنه يسير في 3 مسارات متوازية. المؤتمر الجامع الهدف منه إنجاز مصالحة وطنية حقيقية وإخراج ميثاق وطني أو عقد اجتماعي جديد لتأسيس دولة ليبية مدنية تتساوى فيها حقوق الليبيين وتتوحد فيها مؤسسات الدولة. لو فشلت لجنة الصياغة المشكّلة من مجلس النواب ومجلس الدولة في إنجاز قضية تعديل الاتفاق السياسي وتضمينه في الإعلان الدستوري قد يكون المؤتمر الجامع منفذاً آخر لإنجاز ما فشل فيه مجلس النواب ومجلس الدولة، باعتبار أن المجلس الجامع سيضم مختلف شرائح المجتمع الليبي. قضية الانتخابات مرهونة بثلاثة أشياء رئيسية: إيجاد إطار مرجعي تتم على أساسه الانتخابات، وميثاق وطني، وهو ما قد يُنجز في المؤتمر الجامع، أو بالاستفتاء على صيغة الدستور التي أكملتها الهيئة التأسيسية للدستور، أو بصدور قانون انتخاب من مجلس النواب، ثم ثالثاً وهي النقطة الأهم: توافر البيئة الآمنة لإقامة الانتخابات، وتوافر القناعة والتسليم الكامل والقبول بنتائح الانتخابات. وهذه النقطة الأخيرة بالنسبة إلينا نحن في تحالف القوى الوطنية هي أهم النقاط. لأننا أُقصينا مرتين بالقوة. أفقد هذا الإقصاء العملية الديمقراطية صدقيتها، وأخشى أن الإقبال على الانتخابات سيكون ضعيفاً لأن أحلام المواطن، في كل مرة، تتبخر ولا تتحول إلى حقيقة مع تحوّل صندوق الاقتراع إلى أكذوبة.
> هل تخططون، إذاً، كتحالف وطني ومن ضمنه أنت، للترشح وخوض المنافسة في الانتخابات المقبلة؟
- البيئة الآمنة والتسليم بنتيجة الانتخابات في غاية الأهمية للانتخابات المقبلة. فلو أقيمت الانتخابات في ظل الوضع الحالي سيحكمها السلاح والمال والإعلام، ولن تكون هناك فرصة لتنافس بين برامج انتخابية حقيقية يختار من بينها المواطن ما يرى أنه ينقذ الوطن. هذه وجهة نظري. لكن لو توافرت البيئة الآمنة وتوافر التسليم بنتيجة الانتخاب وكانت هناك فرصة لطرح برامج انتخابية حقيقية يتم التنافس عليها، لكان الأمر متروكاً لتحالف القوى الوطنية ليقرر من يرشح، ولكن قطعاً مثل هذه الانتخابات سنشارك فيها. ولكن الاقتراع في ظل الوضع الحالي سيكون تنافساً في المال والسلاح.



«اتفاق غزة»... الوسطاء أمام «فرص محدودة» بعد تحفّظات «اجتماعات القاهرة»

فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)
فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)
TT

«اتفاق غزة»... الوسطاء أمام «فرص محدودة» بعد تحفّظات «اجتماعات القاهرة»

فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)
فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)

تحفظات أبدتها «حماس» على مسار نزع سلاحها في اجتماعات القاهرة، تزامنت مع تشدد إسرائيل في عدم تقديم تنازلات بشأن انسحابها قبل تنفيذ الحركة ذلك المسار أولاً، في ظل تعثر اتفاق وقف إطلاق النار منذ اندلاع حرب إيران نهاية فبراير (شباط) الماضي.

تلك التحفظات التي أكدتها مصادر لـ«الشرق الأوسط»، يراها خبراء تشي بأن الحركة وإسرائيل باتتا على قناعة بشراء الوقت وعدم تنفيذ بنود الاتفاق والابتعاد عن التزام نزع السلاح أو بدء الانسحاب، خاصة في ظل عام انتخابي إسرائيلي سيسعى فيه رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو لكسب أصوات انتخابية.

ويشير الخبراء في أحاديث لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن الفرص محدودة أمام الوسطاء لإحياء الاتفاق وعدم الذهاب لحالة جمود جديدة أو تعثر، وسط سيناريوهات ثلاثة؛ هي بقاء الأوضاع على ما هي عليه، أو التصعيد العسكري الإسرائيلي، أو الدفع بقوات الاستقرار الدولية والقوات الشرطية ودخول لجنة إدارة غزة لبدء عملها، وفرض تغييرات على الأرض لدفع طرفي الحرب للالتزام ببنود الاتفاق.

مفاوضات متعثرة

وتعثرت المفاوضات التي شهدتها القاهرة، بحسب تصريحات سابقة لمصادر تحدثت لـ«الشرق الأوسط»، حيث تتشبث «حماس» والفصائل بتنفيذ التزامات إسرائيل في المرحلة الأولى من اتفاق وقف النار، المتعلقة بالأعمال الإغاثية وإدخال الشاحنات إلى القطاع قبل مطالبتها بأي التزامات، بينما تضغط إسرائيل والولايات المتحدة باتجاه المضي الفوري إلى أبرز بنود المرحلة الثانية، وهو «نزع السلاح».

ولم يسفر لقاء القاهرة، بين رئيس فريق «حماس» المفاوض، خليل الحية، والدبلوماسي الأميركي آرييه لايتستون، الذي يعمل حالياً ضمن كبار مستشاري «مجلس السلام»، عن جديد يذكر، بحسب المصادر ذاتها.

وبحسب صحيفة «جيروزاليم بوست»، الخميس، رفضت «حماس» خطة نزع السلاح التي طرحها «مجلس السلام» بقيادة الولايات المتحدة، مطالبةً بإدخال تعديلات عليها، خلال اجتماعات القاهرة.

وقال نتنياهو خلال اجتماع للكابينت، إن الرئيس الأميركي دونالد ترمب يفهم أن ائتلافاً أجنبياً لن ينجح في نزع سلاح حركة «حماس»، مضيفاً أننا «سنضطر نحن إلى فعل ذلك»، وفق ما أوردته القناتان «14» و«آي نيوز 24» الإسرائيليتان، الاثنين الماضي.

وإزاء تلك التعقيدات، يرى المحلل السياسي الفلسطيني الدكتور عبد المهدي مطاوع، أن التحفظات التي شهدتها اجتماعات القاهرة، لا سيما من «حماس»، هي نتيجة فقدان الثقة بين طرفي الحرب، وعدم سهولة تنفيذ الحركة بند نزع السلاح، فضلاً عن انشغال أميركي بملف إيران وعدم تركيزها في ملف الوساطة، ومن ثمّ لا ضغوط حقيقية على إسرائيل حتى الآن.

ويعتقد مطاوع، أن أولويات الوضع الداخلي لنتنياهو لا تسمح له بتقديم أي تنازلات فيما يتعلق بقطاع غزة مع قرب حدوث انتخابات، وبالتالي هذا الوضع المتعثر لاتفاق غزة مريح له في ظل توتر جبهتي إيران وغزة وعدم الاضطرار لدفع أثمان سياسية كالانسحاب وغيره، بخلاف أنه سيكون مريحاً أيضاً «لحماس»، لعدم رغبتها في تقديم قرارات حاسمة بشأن نزع السلاح.

فتاة تحمل وعاء ماء في مخيم مؤقت للنازحين الفلسطينيين في خان يونس بجنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)

ويرى أستاذ العلوم السياسية المتخصص في الشأنين الفلسطيني والإسرائيلي، الدكتور طارق فهمي، أنه على الرغم من الجهد الكبير الذي يبذله المفاوض المصري، عبر اللقاءات التي استضافتها القاهرة، فلا تزال هناك تحفظات، والمشكلة الأساسية تكمن في التحركات الإسرائيلية المناوئة التي أدت إلى مزيد من التوتر، حيث يعمل الإسرائيليون حالياً على تنفيذ مخطط لنقاط ارتكاز رئيسية في عمق غزة، وهو ما سيؤدي بالضرورة إلى إفشال المفاوضات، خاصة أن هذا التوجه يعني إعادة تموضع وليس انسحاباً.

وأشار فهمي إلى أن «حماس»، تنتظر ما سيسفر عنه ملف (إيران - إسرائيل - أميركا) من نتائج، وإسرائيل تؤجل ملف غزة لوقت لاحق، وهي لا تريد الاصطدام بالجميع، ودليل ذلك فتح المعابر ودخول الشاحنات، لكنها في الوقت ذاته تراهن على بقاء حركة «حماس» في الجانب الآخر لتكريس استراتيجية الأمر الواقع.

مساعٍ مستمرة للوسطاء

وتحدثت مصادر عدة في «حماس» والفصائل الفلسطينية في تصريحات سابقة لـ«الشرق الأوسط»، عن محاولات يقوم بها الوسطاء للبدء الفوري في تنفيذ ما تبقى من خطوات المرحلة الأولى، بالتوازي مع إجراء مباحثات حول المرحلة الثانية، على ألا يُنفذ أي جزء من هذه المرحلة قبل استكمال إسرائيل التزاماتها الإنسانية وغيرها ضمن المرحلة الأولى.

وأضاف أحد المصادر: «يسعى الوسطاء إلى جسر الهوة من خلال طرح يقضي بأن يكون العمل في المرحلة الثانية، و(تحديداً مسألة نزع السلاح)، تدريجياً ومشروطاً بالتنفيذ الكامل للمرحلة الأولى».

ويتوقع فهمي أن يبقى المشهد كما هو بحيث لا تقوم إسرائيل بعمل عسكري كامل أو احتلال القطاع، بينما تواصل «حماس» المناورة في المساحة التي توجد فيها لإعادة تدوير دورها، سواء في الملفات التي لم تحل مثل الجهاز الإداري، والسلاح، والشرطة.

وبالتالي سيكون المشهد حسب فهمي أمام مرحلة انتقالية قد تطول، حيث سيطرح كل طرف ترتيباته دون حسم، لتبقى إدارة الأوضاع في غزة هي المطروحة حالياً لأي مساعٍ لتغيير الجمود الحالي.

وفي هذا الصدد، يرى مطاوع أن الفرص محدودة أمام الوسطاء، لإحياء الاتفاق في ضوء موقف الطرفين، ولذا يتوقع أولاً أن يبقى الوضع على ما هو عليه مع إبقاء كل طرف على تحفظاته وشراء الوقت دون تصعيد كبير، في مقابل احتمال عودة الحرب بهدف رفع نتنياهو أسهمه في عام الانتخابات، حال لم يحصد مكاسب داخلية من جبهتي إيران ولبنان.

ويرى أن السيناريو الثالث يتمثل في نشر القوات الدولية والشرطة الفلسطينية، وعمل لجنة قطاع غزة لإيجاد مسار مختلف وواقعي يلزم «حماس» وإسرائيل بإجراءات عملية.


«الجامعة العربية»: تعيين سفير لإسرائيل بأرض الصومال «خطوة باطلة»

الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط (الصفحة الرسمية للجامعة)
الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط (الصفحة الرسمية للجامعة)
TT

«الجامعة العربية»: تعيين سفير لإسرائيل بأرض الصومال «خطوة باطلة»

الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط (الصفحة الرسمية للجامعة)
الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط (الصفحة الرسمية للجامعة)

اعتبر الأمين العام لجامعة الدول العربية، أحمد أبو الغيط، قيام إسرائيل بتعيين سفير فيما يسمى «أرض الصومال»، وهو إقليم الشمال الغربي لجمهورية الصومال الفيدرالية، «خطوة باطلة»، وأعرب عن إدانته البالغة للقرار الذي جاء بعد أربعة أشهر من اعتراف إسرائيل بالإقليم الانفصالي كدولة مستقلة.

وأشار أبو الغيط، في بيان صادر عن «الجامعة العربية»، الجمعة، إلى أن الإجراء الإسرائيلي «خطوة باطلة وغير قانونية وتمثّل تصعيداً خطيراً وانتهاكاً صارخاً لسيادة جمهورية الصومال ووحدة أراضيها، ومخالفة صريحة لميثاق الأمم المتحدة وقواعد القانون الدولي، وإجراء لا يترتب عليه أي أثر قانوني».

وأكد المتحدث باسم الأمين العام للجامعة، جمال رشدي، على «الموقف العربي الحازم الذي عبر عنه مجلس جامعة الدول العربية، في اجتماعه غير العادي بتاريخ 28 من شهر ديسمبر (كانون الأول) الماضي، والذي رفض بشكل قاطع أي شكل من أشكال الاعتراف أو التعامل مع الإقليم خارج إطار السيادة الصومالية».

ولفت إلى أن «التحركات الإسرائيلية تمثل تهديداً مباشراً للأمن القومي العربي وللسلم والأمن في البحر الأحمر وخليج عدن والقرن الأفريقي، ومحاولة خطيرة لإعادة تشكيل الخارطة الجيوسياسية في المنطقة بما يهدد حرية الملاحة والتجارة الدولية».

ويأتي الإعلان عن تعيين سفير إسرائيلي في إقليم «أرض الصومال» وسط تسريبات ببدء تدشين قاعدة إسرائيلية هناك بالتنسيق مع الولايات المتحدة.

وفي التاسع من أبريل (نيسان) الحالي، كشفت صحيفة «لوموند» الفرنسية أن قاعدة عسكرية تُبنى بهدوء في بربرة بـ«أرض الصومال»، في خطوة تعكس تغييرات استراتيجية لافتة، وترسخ موضع قدم للإسرائيليين في منطقة القرن الأفريقي، والبحر الأحمر.

وقالت الخارجية الإسرائيلية في بيان، مساء الأربعاء، إنه تم تعيين ميخائيل لوتيم، الذي يشغل حالياً منصب «السفير الاقتصادي المتنقل» في قارة أفريقيا، والسفير السابق لدى كل من كينيا، وأذربيجان، وكازاخستان، «سفيراً غير مقيم لدى أرض الصومال».

وجاء هذا بعد شهرين من إعلان الإقليم الانفصالي في فبراير (شباط) الماضي تعيين محمد حاجي أول سفير له لدى إسرائيل.

وكانت إسرائيل قد اعترفت في ديسمبر 2025 بالإقليم الانفصالي، الذي يقع في بقعة استراتيجية مطلة على البحر الأحمر بالقرب من باب المندب، كدولة مستقلة. وأعقب ذلك زيارة قام بها وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر للإقليم في يناير (كانون الثاني) الماضي.

وقبل الاعتراف الإسرائيلي، لم يحظ الإقليم منذ إعلانه الانفصال عن الصومال عام 1991 بأي اعتراف رسمي، رغم أنه كان يتصرف وكأنه كيان مستقل إدارياً، وسياسياً، وأمنياً.


الحكومة اليمنية تعزّز الشراكات الدولية لدعم الاقتصاد والخدمات

الحكومة اليمنية تركز على الإصلاحات الاقتصادية وتحسين الخدمات (سبأ)
الحكومة اليمنية تركز على الإصلاحات الاقتصادية وتحسين الخدمات (سبأ)
TT

الحكومة اليمنية تعزّز الشراكات الدولية لدعم الاقتصاد والخدمات

الحكومة اليمنية تركز على الإصلاحات الاقتصادية وتحسين الخدمات (سبأ)
الحكومة اليمنية تركز على الإصلاحات الاقتصادية وتحسين الخدمات (سبأ)

في تحرك يعكس توجهاً لتعزيز مسار التعافي الشامل، كثّفت الحكومة اليمنية خلال مشاركتها في اجتماعات الربيع 2026 لمجموعة البنك الدولي وصندوق النقد الدولي في واشنطن، جهودها لتوسيع الشراكات الدولية، مع التركيز على ثلاثة مسارات رئيسية، هي: تمكين السلطات المحلية، دعم الإصلاحات الاقتصادية، معالجة أزمة المياه المتفاقمة، خصوصاً في مدينة عدن.

وتُظهر هذه التحركات، التي قادها عدد من الوزراء والمسؤولين الاقتصاديين، محاولة لإعادة بناء الثقة مع المؤسسات المالية الدولية، واستقطاب الدعم الفني والمالي اللازمين لمواجهة التحديات المتراكمة التي خلفتها سنوات الحرب، إلى جانب تداعيات التوترات الإقليمية على الاقتصاد اليمني الهش.

وتصدر ملف تمكين السلطات المحلية جدول أعمال اللقاءات مع البنك الدولي، حيث ناقشت وزيرة التخطيط والتعاون الدولي أفراح الزوبة، مع فريق البنك سبل دعم الحكومة في تطوير العلاقة بين المركز والمحافظات، بما يعزز تقديم الخدمات والتنمية الاقتصادية على المستوى المحلي.

وأكد وزير الإدارة المحلية، بدر سلمة، أن هذا الملف يحظى بأولوية لدى مجلس القيادة الرئاسي، مشيراً إلى اعتماد نهج تدريجي يقوم على تأهيل السلطات المحلية أولاً، ثم تطبيق نماذج اللامركزية في عدد محدود من المحافظات قبل التوسع.

ويهدف هذا التوجه، حسب المسؤولين، إلى تقليل المخاطر المرتبطة بالتحول السريع، والاستفادة من التجارب التطبيقية، بما يضمن بناء نموذج مستدام للحكم المحلي، قادر على الاستجابة لاحتياجات المواطنين.

من جانبها، شددت أفراح الزوبة على أن تمكين السلطات المحلية يمثل ركيزة أساسية في بناء «عقد اجتماعي جديد» بين الدولة والمواطن، معتبرة أن هذا المسار يسهم في تعزيز الاستقرار المؤسسي وتهيئة بيئة مواتية للتنمية.

وأبدى البنك الدولي استعداده للعب دور الشريك التقني، عبر تقديم الدعم الفني والاستفادة من التجارب الدولية المقارنة، فيما اتفق الجانبان على تشكيل فريق فني مشترك لمتابعة هذا الملف، والتحضير لمؤتمر دولي مرتقب في يونيو (حزيران) المقبل.

أزمة المياه في عدن

في موازاة ذلك، برز ملف المياه بوصفه من أكثر القضايا إلحاحاً، خصوصاً في مدينة عدن التي تواجه أزمة حادة نتيجة تراجع الموارد المائية وتداخل مياه البحر مع الخزانات الجوفية.

وخلال لقاء جمع وزير المياه والبيئة، توفيق الشرجبي، مع مسؤولي البنك الدولي، جرى استعراض واقع الأزمة، حيث تعتمد المدينة بشكل رئيسي على خزان دلتا تُبن الذي يشهد انخفاضاً مستمراً في منسوب المياه.

وتسعى الحكومة إلى إطلاق مشروع استراتيجي لتحلية مياه البحر، بوصفه حلاً طويل الأمد لأزمة المياه، ضمن برنامج متعدد المراحل يمتد لعشر سنوات، ويُعد الأول من نوعه في اليمن.

اجتماعات يمنية في واشنطن لاستجلاب الدعم الدولي (سبأ)

ويتضمن البرنامج ثلاث مراحل رئيسية، تبدأ بإدارة الموارد المائية وتحسين خدمات المياه والصرف الصحي، إلى جانب تجريب محطات تحلية صغيرة تعمل بالطاقة الشمسية، قبل الانتقال إلى إنشاء محطة تحلية كبرى لعدن، ثم التوسع إلى مناطق أخرى.

وأكدت وزيرة التخطيط أهمية إشراك القطاع الخاص ومؤسسات التمويل الدولية منذ المراحل الأولى، بما يعزز فرص الاستثمار ويضمن استدامة المشاريع، في ظل توجه حكومي لتعزيز الشراكة بين القطاعين العام والخاص.

كما اتفق الجانبان على تشكيل لجنة فنية مشتركة للتحضير لمشروع محطة التحلية الكبرى، واستكمال متطلبات عرض المرحلة الأولى على مجلس إدارة البنك الدولي خلال مايو (أيار) المقبل، مع التحضير المبكر للمراحل اللاحقة.

استئناف الحوار مع صندوق النقد

على صعيد الإصلاحات الاقتصادية، شهدت اجتماعات واشنطن تقدماً في استئناف مشاورات المادة الرابعة بين اليمن وصندوق النقد الدولي، بعد انقطاع دام سنوات، في خطوة تعكس رغبة الحكومة في إعادة الانخراط في مسار الإصلاحات الاقتصادية.

وخلال لقاء جمع محافظ البنك المركزي اليمني ووزير المالية مع مسؤولين في الصندوق، جرى بحث الخيارات المتاحة لدعم المرحلة المقبلة، بما يشمل معالجة الاختلالات في السياسات المالية والنقدية.

ويُنظر إلى هذه المشاورات بوصفها مدخلاً أساسياً للاستفادة من برامج التمويل التي يقدمها الصندوق، إلى جانب تعزيز الثقة الدولية بالاقتصاد اليمني.

الإصلاحات التي تقودها الحكومة اليمنية تحظى بدعم دولي (سبأ)

وأكد المسؤولون اليمنيون التزامهم بمواصلة تنفيذ الإصلاحات اللازمة لتحقيق الاستقرار الاقتصادي الكلي، في وقت يواجه فيه الاقتصاد ضغوطاً متزايدة نتيجة ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين وأسعار السلع والطاقة.

كما تناولت اللقاءات تداعيات التصعيد الإقليمي في الشرق الأوسط، وتأثيره على الاقتصادات الهشة، بما في ذلك اليمن، حيث تسببت هذه التطورات في زيادة الأعباء على المالية العامة وميزان المدفوعات.

في سياق موازٍ، بحث وزير المالية ومحافظ البنك المركزي مع رئيس صندوق النقد العربي تنفيذ برنامج الإصلاحات الشاملة، مع التركيز على البيانات المالية ومستوى التقدم في تنفيذ مصفوفة الإصلاحات.

وأكدت الحكومة التزامها بمواصلة الإصلاحات في المجالات المالية والنقدية، بما يسهم في تعزيز الموارد العامة، ومكافحة الفساد، وترسيخ مبادئ الشفافية والحوكمة.

وأشاد المسؤولون بالدعم المقدم من السعودية وصندوق النقد العربي، معتبرين أنه يشكل ركيزة أساسية لجهود التعافي الاقتصادي.

من جانبه، جدد صندوق النقد العربي تأكيده على مواصلة دعم الحكومة اليمنية، بما يعزز الاستقرار الاقتصادي ويحسن الأوضاع العامة في البلاد.