«إعلان ترمب»... يدفع الفلسطينيين إلى الحائط

تداعيات عالمية لاعتراف أميركا بالقدس عاصمة لإسرائيل

«إعلان ترمب»... يدفع الفلسطينيين إلى الحائط
TT

«إعلان ترمب»... يدفع الفلسطينيين إلى الحائط

«إعلان ترمب»... يدفع الفلسطينيين إلى الحائط

الذي يعرفه الفلسطينيون جيداً، أنه لا يمكن توقيع اتفاق سلام وإنهاء الصراع مع إسرائيل، من دون أن تكون القدس عاصمةً للدولة الفلسطينية، وذلك لأنها باختصار «القدس»... المدينة التي تضم أقدس المقدسات الإسلامية والمسيحية، و«درة تاج المدن الفلسطينية»، والوحيدة المرتبطة بشكل عميق بالرواية والتاريخ والدين.
ولا يفهم الفلسطينيون وحدهم هذه الحقيقة. بل يفهمها العالم كله، ولذا امتنع عن تأييد ضم إسرائيل للمدينة بشقيها الشرقي والغربي، حتى جاء الرئيس الأميركي دونالد ترمب، وأعلن الأربعاء الماضي، اعتراف الولايات المتحدة بالقدس عاصمة لإسرائيل... في «إعلان» وضع الجميع، العالم والفلسطينيين والعرب، في اختبار صعب ومعقد، وفتح الأبواب على احتمالات لا حصر لها.
في مرحلة ما، صعبة ومتقدمة في مفاوضات كامب ديفيد في الولايات المتحدة قبل 17 سنة، التي حضرها كل من الرئيس الأميركي الأسبق بيل كلينتون، والرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات، ورئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إيهود باراك، ضغط الأميركيون والإسرائيليون على عرفات من أجل «حل وسط» في القدس. ذلك «الحل» يشمل سيادة فلسطينية مع ترتيبات سيادية لإسرائيل في أمتار محددة في المسجد الأقصى، إلا أن عرفات أمام ذهول كلينتون وطاقمه، رفض ذلك بشدة، قبل أن يحتدّ النقاش ويتهمه كلينتون بأنه جاء هنا ليقول «لا» فقط. ثم ضغط عليه أكثر واستعان بطاقمه من أجل قبول أو تأجيل الاتفاق على القدس، فناداه عرفات لحضور جنازته إذا وافق على التنازل عن أمتار من القدس أو تركها بلا حل.
كان عرفات الزعيم الفلسطيني الأقدر على إنجاز اتفاق بهذا الشكل، لأنه كان يملك آنذاك كل شيء؛ كاريزما كبيرة، وشعبية جارفة، وتاريخاً طويلاً يحترمه الفلسطينيون كثيراً، و«قبضة حديدية» على السلطة، ودعماً عربياً وغربياً شبه مطلق، لكنه لم يفعل. وفق هذا الفهم «العرفاتي» يعمل القادة الفلسطينيون الآخرون، إذ في فلسطين ثمة مقولة معروفة «لا أحد يمكن له أن يقدم تنازلاً لم يقدمه عرفات». واليوم بعد نحو 3 عقود من المفاوضات، التي لم تحسم ملفاً واحداً، حتى الملفات الأسهل من القدس، يعترف الرئيس الأميركي الحالي دونالد ترمب بالقدس «عاصمة كاملة لإسرائيل»، منحازاً إلى الرواية الإسرائيلية، ومتجاهلاً الروايتين الفلسطينية والعربية التاريخية والدينية... وهذا بجانب تدميره، كما يقول منتقدو الرئيس الأميركي، عملية السلام المترنحة، ووضعه الشرق الأوسط كله على مرجل يغلي، ودفعه الفلسطينيين إلى الحائط... مجبراً إياهم على مواقف وقرارات ما كانوا يرغبون بها في يوم من الأيام.

هدوء ما قبل العاصفة
في الحقيقة، لم يتوقع المسؤولون الفلسطينيون إقدام ترمب على هذه الخطة، ربما لأنهم اعتقدوا، على الأقل، أن الصفقة التي يحضّر لها الرجل ستمنعه من خطوات تدميرية، ولأنه أيضاً يحظى بعلاقات جيدة مع دول عربية ترفض المسّ بالمدينة، لكن ترمب اعتبر أن خطوته هذه تمثل «نهجاً جديداً» تجاه النزاع العربي الإسرائيلي. وهو مبرر لم يفهمه الفلسطينيون الذين وضعهم الرئيس الأميركي في «الزاوية» ودفعهم من أجل مواجهةٍ ربما لا قِبلَ لهم بها.
الآن يدرس الفلسطينيون خياراتهم الصعبة. وبصراحة قال مصدر فلسطيني كبير لـ«الشرق الأوسط» إن «الخيارات صعبة لكن لا يمكن أن يمر القرار مرور الكرام». وأضاف «ندرك الحاجة إلى الأميركيين. لسنا دولة يمكن أن تحارب الولايات المتحدة، لكن سنقول لهم (لا) كبيرة مهما كلف الأمر». وأردف المصدر أن الرئيس الفلسطيني محمود عباس، الذي بدأ مشاورات مكثفة مع زعماء دول غربية وعربية، سيعقد سلسلة اجتماعات للهيئات القيادية؛ مركزية فتح، وتنفيذية منظمة التحرير، واجتماع استثنائي للمجلس المركزي لمنظمة التحرير. وتابع: «سيتم التشاور والنظر في عدة اقتراحات. سنبحث سبل الرد».
على الطاولة اقتراحات مختلفة، بعضها ستقدمه فصائل مثل حركة «حماس» و«الجهاد الإسلامي»، ستحضران اجتماع المجلس المركزي. ومنها قطع العلاقات مع واشنطن، ورفض أي دور لها في العملية السلمية، وتقديم شكوى في مجلس الأمن. وهذا مع إمكانية الدعوة إلى الانسحاب من العملية السلمية وسحب الاعتراف بإسرائيل، واستئناف الانضمام إلى المؤسسات الدولية، وتصعيد مبرمج على الأرض يشمل احتجاجات في القدس نفسها، وتقارباً أكبر مع «حماس» يتضمن تشكيل «حكومة وحدة» وطنية تشارك فيها الحركة الإسلامية، إضافةً إلى تحديد العلاقة مع إسرائيل.
ومن ثمّ، سيكون على المجلس المركزي -وهو أعلى هيئة فلسطينية تشريعية- في حالة انعقاده، البت في هذه القرارات التي يبدو بعضها صعب التطبيق بالنسبة إلى الفلسطينيين المحكومين باتفاقيات دولية ومحلية، ويتلقون مساعدات من الأميركيين كذلك.
محمد اشتية، عضو اللجنة المركزية لحركة فتح، قال إن القيادة الفلسطينية «ستقوم بمراجعة تامة لاتفاق أوسلو»، معلناً أن المفاوضات بشكلها السابق «ذهبت إلى غير رجعة». وتحدث اشتية عن تجسيد الدولة الفلسطينية كأحد الخيارات، وطالب كذلك الأمم المتحدة بإرسال فريق متخصص لترسيم حدود دولة فلسطين، على حدود الرابع من يونيو (حزيران) 1967.
وتابع اشتية موضحاً: «لقد تم تخطي كل الخطوط الحمراء، وإذا كان يريد (الرئيس الأميركي) الضغط علينا ويعتقد أن ذلك جزء من تحضير لمسار سياسي فإنه مسار فاشل سلفاً. الولايات المتحدة لم تعد ذات صلة». ثم أعلن عن «نهاية حقبة تاريخية بدأت في 1993»، قائلاً: «سنراجع (أوسلو)، وأعتقد أن المفاوضات بشكلها السابق ذهبت بلا رجعة... سنسرع المصالحة ولا رجعة في ذلك... سنرتب البيت الداخلي من أجل إعادة وظيفة السلطة». كما أوضح أن القيادة تدرس إبطال مشروع القرار الخاص بالقدس في المحاكم والمحافل الدولية. وبهذا يكون الفلسطينيون حدّدوا، كخيارات أولية، إخراج واشنطن من عملية السلام، والتوجه إلى مؤسسات دولية، وتقديم شكوى في مجلس الأمن ضد الولايات المتحدة، وإعادة تعريف وظيفة السلطة، ووضع «أوسلو» على طاولة التشريح.

الشكوى للأمم المتحدة
من جهة أخرى، كان المراقب الدائم لدولة فلسطين لدى الأمم المتحدة السفير رياض منصور، قد أعلن أن دولة فلسطين قدمت شكوى حول القدس ضد الولايات المتحدة، حيث بعثت القائمة بالأعمال بالإنابة السفيرة فداء عبد الهادي ناصر، برسائل متطابقة إلى مندوب اليابان (رئيس مجلس الأمن هذا الشهر)، وإلى الأمين العام للأمم المتحدة، ورئيس الجمعية العامة.
ودعت السلطة في الرسالة، وفي ضوء «القرار المؤسف للغاية» الذي أعلنه الرئيس الأميركي، «في مخالفة لقرارات مجلس الأمن والإجماع الدولي الطويل الأمد، مجلس الأمن إلى معالجة هذه المسألة الحرجة دون تأخير، والعمل بسرعة على الوفاء بمسؤولياته». وطالبت المجتمع الدولي «بضرورة إعادة تأكيد موقفه الواضح والقانوني بشأن القدس، ورفضه جميع الانتهاكات التي تمس بهذا المركز القانوني من أي كان ومتى كان، وحثته على المطالبة بإلغاء القرار الأميركي».
وإضافة إلى ذلك، يفكر الفلسطينيون في التوجه إلى محاكم دولية. وهم يأملون في النهاية أن يسفر كل هذا الضغط عن تراجع الولايات المتحدة عن القرار. وفي هذا السياق قال مسؤول فلسطيني (طلب التكتم على اسمه) لـ«الشرق الأوسط»: «التراجع ممكن، ولمَ لا. لكننا نعرف أن التراجع السريع صعب». وأضاف: «الموقف الفلسطيني والعربي والدولي بشكل ما قد يهدد مصالح وعلاقات الولايات المتحدة، والضغط الشعبي قد يغيّر المعادلة».
ولكن، بينما تفضل القيادة الفلسطينية التروّي، لم ينتظر الشارع الفلسطيني كثيراً. فلقد خرج الفلسطينيون في مظاهرات غضب شعبية واشتبكوا مع الجيش الإسرائيلي في الضفة الغربية -بما فيها القدس وقطاع غزة- وهتفوا ضد الخطوة الأميركية في خصوص القدس. وتظاهر الفلسطينيون خصوصاً عند نقاط التماسّ في الضفة وعند الحدود في قطاع غزة، وأحرقوا صوراً وأعلاماً أميركية، ورشقوا قوات إسرائيلية بالحجارة والزجاجات الفارغة، ورد الجنود بالرصاص الحي والمطاط وقنابل الغاز والصوت. وتفجّرت هذه المواجهات في ظل دعوات الفصائل الفلسطينية للتعبير عن الغضب الشعبي. في المقابل، ثمة مَن يدفع إلى أكثر من ذلك، إذ تريد حركة «حماس»، ومعها «الجهاد الإسلامي»، تفجير «انتفاضة» جديدة. وكان إسماعيل هنية، رئيس المكتب السياسي للحركة، واضحاً حين دعا إلى إطلاق «انتفاضة جديدة». وهذه الدعوات لم تكن مفاجئة في إسرائيل التي تحضّرت تماماً لردود فعل مع قلق متنامٍ.

قلق إسرائيلي يوازي الابتهاج
أما داخل إسرائيل، صحيح أن ثمة قلقاً من تصعيد محتمل، لكن لا بد من القول إن إسرائيل لم تتلقَّ عبر عقود طويلة هدية مثل هذه. حتى إن رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو قارن بين اعتراف ترمب بالقدس عاصمةً لإسرائيل وبين «إعلان بلفور»، واصفاً اعتراف ترمب بأنه «لحظة كبيرة في تاريخ القدس والصهيونية». أما بالنسبة إلى عامل القلق، فإنه موجود ويكاد يوازي الابتهاج.
ولقد أوصت قيادة الجيش الإسرائيلي مختلف الوحدات العسكرية المنخرطة في تدريبات، بأن تكون متأهبة لنقلها في أي لحظة إلى الأراضي الفلسطينية، وذلك تحسباً من توسّع المواجهات مع الفلسطينيين. واتُّخذت التوصية في ختام مناقشات أجرتها هيئة الأركان العامة للجيش الإسرائيلي جرى خلالها بحث فرص تدهور الأوضاع الأمنية خلال الأيام المقبلة على ضوء قرار ترمب. وأكدت قيادة الأركان الإسرائيلية «جاهزية الجيش للتصدي لأي مواجهات قد تندلع ميدانياً»، استجابةً للتصريحات والدعوات الصادرة عن الفصائل الفلسطينية والداعية إلى تصعيد الحراك من خلال فعاليات الغضب والمظاهرات. وشملت إجراءات الحيطة في المنطقة، الأميركيين أنفسهم. إذ طلبت وزارة الخارجية الأميركية من دبلوماسييها الامتناع عن السفر إلى إسرائيل والأراضي الفلسطينية حتى يوم 20 من ديسمبر (كانون الأول) الحالي. وأصدرت كذلك بياناً موجهاً إلى المواطنين الأميركيين يحذّر من زيارة «البلدة القديمة» في القدس والضفة الغربية.

ردود فعل عربية ودولية
وكما هو معروف ومتوقع، رفْض القرار الأميركي لم يقتصر على الفلسطينيين، بل رفضته غالبية الدول في العالم والعربية والإسلامية، إذ عدت جامعة الدول العربية القرار بأنه سابقة تتناقض مع سياسات الإدارات الأميركية المتعاقبة منذ عام 1995، وتنتهك أيضاً الاتفاقيات التعاقدية بما فيها اتفاقية أوسلو.
وعلى الصعيد الدولي، قال الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، إن القرار «سيهدد السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين، وإن القدس مرتبطة بالحل النهائي بينهما، ولا بديل عن حل الدولتين واعتبار القدس عاصمة لكل من إسرائيل وفلسطين». وأعرب الاتحاد الأوروبي عن قلقه البالغ بشأن القرار وتداعياته المحتملة على آفاق السلام. وقالت رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي إنها ضد القرار قبل التوصل لاتفاق بشأن الوضع النهائي. واتخذت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل موقفاً مشابهاً، وقالت إنها لا تدعم قرار ترمب حول القدس «لكونه يخالف القانون الدولي». وكان هذا ما ركز عليه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الذي شدد على أن «وضع القدس يحدده الإسرائيليون والفلسطينيون من خلال المفاوضات». وبينما قال وزير الخارجية الإيطالي أنجيلينو ألفانو، إن بلاده «تشعر بالفزع» من تداعيات القرار، وصف الرئيس التركي رجب طيب إردوغان القرار بأنه «يبعث قلقاً بالغاً حيال السلام والاستقرار... وهو غير مسؤول وغير قانوني»، قال متحدث باسم الكرملين الروسي إن «القرار الأميركي لا يساعد على التسوية بالشرق الأوسط».

أميركا: ترحيب وانتقادات
وفي الولايات المتحدة، على الرغم من أن كثيراً من المشرعين الجمهوريين والديمقراطيين رحبوا بقرار ترمب حول القدس، انتقد آخرون هذه الخطوة. إذ قال توماس فريدمان، الكاتب الأميركي بصحيفة «نيويورك تايمز»، إن الرئيس الأميركي «قدّم جوهرة تاج السياسة الخارجية للولايات المتحدة دون مقابل بإعلان القدس عاصمة لإسرائيل». وأضاف فريدمان في مقابلة مع شبكة «سي إن إن»، أن «مسألة موقع السفارة الأميركية ونقلها من تل أبيب إلى القدس، كانت أكثر القضايا حساسية في السياسة الخارجية الأميركية على مدى 70 سنة، والآن تقديمنا لها هكذا، ونقل السفارة والاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، بشكل شخصي، فأنا لست ضد ذلك لو كان جاء في الإطار الصحيح، ولست ضد ذلك الآن إن كان هناك مقابل لذلك».
ثم تابع قائلاً: «تخيل ما كان يمكننا الحصول عليه في المقابل؟ نتنياهو أراد ذلك بشدة وهو يمر بأزمة سياسية. كان بإمكان ترمب أن يقول له أنت تريد هذا الاعتراف بشدة، ولكن في المقابل أريد أن تصدر حظراً على بناء أي مستوطنات في الضفة الغربية، لسببين: الأول، للحفاظ على احتمال التوصل لحل الدولتين. والثاني، للحفاظ على الفصل بين الإسرائيليين والفلسطينيين. ولكن عوضاً عن ذلك قدم ترمب (لنتنياهو) مجاناً واحدة من جواهر تاج السياسة الخارجية الأميركية».
كذلك حذر الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما من «هشاشة الديمقراطية... ومخاطر صعود النازية»، مستشهداً بتجربة ألمانيا في عهد أدولف هتلر. وقال أوباما خلال مشاركته في اجتماع لنادي شيكاغو الاقتصادي، أول من أمس (الخميس): «الخطر ينمو... ويجب أن نعتني بحديقة الديمقراطية هذه، وإلا فقد تنهار الأوضاع بسرعة». ومع أن أوباما لم يذكر أحداً بالاسم، أو سبب تصريحاته، لكن تصريحاته تشير بشكل ضمني إلى الرئيس الحالي وقراراته.

الخطوة مؤجلة والموقع ينتظر
على صعيد آخر، قال وزير الخارجية الأميركي ريكس تيلرسون إنه من غير المرجح نقل السفارة الأميركية إلى القدس هذا العام أو حتى الذي يليه. لكن نظرياً، ثمة قطعة أرض في القدس مخصصة لبناء السفارة الأميركية الجديدة منذ عام 1989. ففي عهد الرئيس الأميركي الأسبق رونالد ريغان، وتحديداً في آخر يوم من فترته الرئاسية عام 1989. وقّع السفير الأميركي لدى إسرائيل وقتها ويليام براون، عقد استئجار قطعة أرض في القدس الغربية، قيمته دولار واحد في العام، لمدة 99 سنة. واليوم فإن قطعة الأرض تلك الواقعة في منطقة مرغوب بها جداً من القدس، على أطراف حي «تل بيوت»، ما زالت مهملة غير مسكونة، لكن ليس أكيداً أن تُعتمد.
ويقول مسؤولون أميركيون إنه بعد تفجير تنظيم القاعدة السفارتين الأميركيتين في كل من تنزانيا وكينيا عام 1998، فإن معايير أمنية جديدة فُرضت على جميع السفارات الأميركية، أهمها أن تفصل بين مبانيها والشوارع المحاذية مسافة 100 قدم (30 متراً)؛ تحسباً لأي انفجار سيارة ملغمة أو اعتداء آخر، وفي ضوء القوانين الجديدة، فإن تلك الأرض ليست كبيرة بما فيه الكفاية.
ثمة خيار محتمل آخر، هو أن تستخدم الولايات المتحدة مبنى آخر من مبانيها في القدس، فالخارجية الأميركية تدير عدة مبانٍ قنصلية لها في القدس، تقدم خدمات للمدينة إضافة إلى الأراضي الفلسطينية، ونظرياً يمكن لأي منها أن يُحوَّل إلى سفارة؛ أقدم تلك المباني هو مبنى القنصلية الأميركية العامة الذي أنشئ عام 1912 والكائن في 18 شارع أغرون على مقربة من القدس القديمة.
ثمة مبنى قنصلي أميركي آخر أحدث في حي «أرنونا» بالقدس، لا يبعد كثيراً عن الأرض المستأجرة في «تل بيوت»، لكن عكس مبنى شارع أغرون وعكس قطعة أرض «تل بيوت» الواقعَين ضمن «الخط الأخضر» الذي يحدد أجزاء القدس التي كانت تحت سيطرة إسرائيل قبل حرب 1967، فإن مبنى «أرنونا» القنصلي يقع على حدود عام 1967 بين مناطق السيطرة الإسرائيلية ومنطقة كانت آنذاك منزوعة السلاح بعد اتفاق هدنة 1949. وكانت صحيفة «هآرتس» الإسرائيلية قد ذكرت العام الماضي، أن مسؤولين في القدس قالوا إن المبنى مصمم خصيصاً لكي يغدو سفارة ذات يوم. وعلى الرغم من أن متحدثة باسم الخارجية الأميركية رفضت ذكر عدد الموظفين في مجمع «أرنونا»، فإن تقارير من مكتب المفتش العام بالخارجية الأميركية قالت إن 582 موظفاً قنصلياً أميركياً يعملون متوزعين في أنحاء القدس، مقارنةً بـ960 موظفاً بالسفارة الأميركية في تل أبيب.
في نهاية المطاف ثمة قدس واحدة يعرفها الفلسطينيون والعرب والمسلمون والمسيحيون. قدس تضم أقدس المقدسات وتاريخاً طويلاً وبيوتاً عتيقة وشوارع سار عليها الأنبياء، جذورها ضاربة في التاريخ، وكل طبقة أرض فيها تشهد على معركة دامية سابقة. إنها كما وصفها الشاعر الراحل محمود درويش «امرأة من حليب البلابل».



الصومال: «عفو رئاسي» عن «المُضلَّلين» يضيق الخناق على حركة «الشباب»

عناصر من الجيش الصومالي تكافح مسلحي «حركة الشباب» في منطقة حوادلي بمحافظة شبيلى الوسطى (وكالة الأنباء الصومالية)
عناصر من الجيش الصومالي تكافح مسلحي «حركة الشباب» في منطقة حوادلي بمحافظة شبيلى الوسطى (وكالة الأنباء الصومالية)
TT

الصومال: «عفو رئاسي» عن «المُضلَّلين» يضيق الخناق على حركة «الشباب»

عناصر من الجيش الصومالي تكافح مسلحي «حركة الشباب» في منطقة حوادلي بمحافظة شبيلى الوسطى (وكالة الأنباء الصومالية)
عناصر من الجيش الصومالي تكافح مسلحي «حركة الشباب» في منطقة حوادلي بمحافظة شبيلى الوسطى (وكالة الأنباء الصومالية)

اتخذت الرئاسة الصومالية خطوةً جديدةً تجاه «حركة الشباب» المتشددة، بإعلانها العفو عن «الشباب المضلَّل» الذي انخرط في صفوف الحركة، وذلك حال تخليهم عن الفكر المتطرف.

تلك الخطوة يراها خبير صومالي متخصص في الشؤون الأفريقية، تحدث لـ«الشرق الأوسط»، تعزز فرص تضييق الخناق على «حركة الشباب» شريطة أن تتوفر شروط عدة منها الدمج وإعادة التأهيل.

وأفادت وكالة الأنباء الصومالية، الاثنين، بأن رئيس البلاد حسن شيخ محمود «قرر إصدار عفو عن الشبان الذين تم تضليلهم بالفكر المتطرف في صفوف ميليشيات الخوارج (مصطلح يطلق محلياً على حركة الشباب) في حال تخليهم عن الفكر المتطرف»، مضيفاً أن الدولة ستوفر لهم حياة جديدة وفرصاً لبناء مستقبلهم، ليصبحوا جزءاً لا يتجزأ من المجتمع.

يأتي ذلك بينما يشن الجيش الوطني عملية عسكرية مخططة تستهدف «فلول ميليشيات الخوارج التي تتحصن في منطقة حوادلي بمحافظة شبيلى الوسطى، في إطار الجهود المتواصلة الهادفة إلى القضاء على الإرهاب»، حسب ما نقلته الوكالة الأحد.

استهداف مسلحين تابعين لـ«حركة الشباب» في إقليم هيران (وكالة الأنباء الصومالية)

ويستضيف الصومال بعثة الاتحاد الأفريقي لدعم الاستقرار، المعروفة باسم «أوصوم»، التي بدأت عملياتها رسمياً بداية من يناير (كانون الثاني) 2025، بعد اعتماد مجلس الأمن الدولي قراراً بشأنها في ديسمبر (كانون الأول) 2024 بهدف دعم الصومال في مكافحة «حركة الشباب» التي تتصاعد «عملياتها الإرهابية» في الصومال منذ 15 عاماً.

ويرى الباحث في الشأن الصومالي عبد الولي جامع بري أن العفو الذي أعلنه شيخ محمود «يمكن قراءته من ثلاث زوايا: أمنية، واجتماعية، واستراتيجية. وهو أداة مهمة، لكن نجاحه ليس مضموناً ما لم يُدعم بسياسات مكملة».

وأضاف أن العفو في حد ذاته خطوة إيجابية «لفتح باب العودة، خاصة وأن كثيراً من الشباب انضموا تحت التضليل أو الإكراه، وأن إيجاد مخرج آمن يشجع المنشقين على ترك التنظيم، فضلاً عن كونها رسالة إنسانية وسياسية تُظهر أن الدولة تفرّق بين القيادات المتشددة والشباب المغرر بهم، وتعزز صورة الحكومة كجهة حاضنة لا انتقامية».

يأتي ذلك وسط تصاعد عمليات «حركة الشباب»، حيث قال «مرصد الأزهر لمكافحة التطرف» إن «نذير الخطر الإرهابي يتصاعد على امتداد الحدود الصومالية - الكينية خلال شهر رمضان، في ظل استراتيجية دموية تنتهجها (حركة الشباب) لترهيب المدنيين وتنفيذ ضربات عابرة للحدود».

وأوضح المرصد في بيان، الاثنين، أن «هذا التصعيد الميداني بدأ ليلة السبت الماضي، حين نفذت عناصر الحركة الإرهابية إعدامات رمياً بالرصاص بحق 10 مدنيين في منطقتي بوالي بجوبا الوسطى وكونيا بارو بشبيلي السفلى جنوب الصومال»، لافتاً إلى أن الحركة تضاعف نشاطها في هذا التوقيت لاستغلال الشعور الديني العام في رمضان.

ويرى بري أن الحركة تستغل الأجواء الدينية، «لذا فإن قرار العفو وحده لا يكفي إذا لم يُربط ببرامج إعادة تأهيل حقيقية، لكي ينجح في محاصرة (حركة الشباب) عبر استمرار النصيحة الدينية والفكرية والدمج الاقتصادي ومتابعة أمنية ذكية».

Your Premium trial has ended


الحوثيون يعلنون الطوارئ تحسباً لهجوم أميركي على إيران

عروض عسكرية حوثية في المدن الخاضعة لسيطرتهم (إعلام محلي)
عروض عسكرية حوثية في المدن الخاضعة لسيطرتهم (إعلام محلي)
TT

الحوثيون يعلنون الطوارئ تحسباً لهجوم أميركي على إيران

عروض عسكرية حوثية في المدن الخاضعة لسيطرتهم (إعلام محلي)
عروض عسكرية حوثية في المدن الخاضعة لسيطرتهم (إعلام محلي)

في خطوة تعكس تصاعد القلق داخل أوساط الجماعة الحوثية من احتمال هجوم أميركي على إيران قد يتسع ليشمل أذرع طهران في المنطقة، أعلنت السلطات التابعة للجماعة في صنعاء رفع مستوى الطوارئ والاستعداد لمواجهة أي تطورات عسكرية محتملة، بالتزامن مع تصعيد خطاب التعبئة الدينية والدعوة إلى «الجهاد»، حيث لا يستبعد مراقبون أن تنخرط الجماعة في الصراع إلى جانب إيران.

وجاء الإعلان الحوثي عقب اجتماع نادر للجنة الطوارئ التابعة للحكومة غير المعترف بها دولياً، برئاسة القائم بأعمال رئيسها محمد مفتاح، حيث ناقش المجتمعون - وفق وسائل إعلام الجماعة - إجراءات رفع الجاهزية على المستويين المركزي والمحلي، وتعزيز قدرات المؤسسات المعنية بالتعامل مع الحالات الطارئة، خصوصاً الدفاع المدني والقطاعات الخدمية.

ويرى محللون يمنيون أن توقيت الاجتماع يعكس مخاوف الحوثيين من احتمال تعرضهم لتداعيات أي ضربات عسكرية قد تستهدف إيران، في ظل ارتباط الجماعة السياسي والعسكري بما يُعرف بمحور «الممانعة»، وهو ما قد يجعل مناطق سيطرتهم جزءاً من مسرح ردود الفعل الإقليمية.

وحسب المصادر الحوثية، ناقشت لجنة الطوارئ آليات تعزيز الاستجابة السريعة للأزمات، بما يشمل رفع جاهزية فرق الإنقاذ والإغاثة وتقوية البنية التشغيلية لقطاع الطوارئ، الذي يضم عدداً من الوزارات والمؤسسات المرتبطة بالأمن والخدمات.

اجتماع نادر للجنة الطوارئ في حكومة الحوثيين الانقلابية (إعلام محلي)

وأكد محمد مفتاح خلال الاجتماع أن «الوضع الاستثنائي» يتطلب استمرار الاستعداد الكامل، داعياً إلى دعم مصلحة الدفاع المدني بالكوادر والمعدات اللازمة، بما يمكّنها من الحد من الخسائر البشرية والمادية في حال وقوع هجمات أو تطورات عسكرية مفاجئة.

ويشير مراقبون إلى أن الإعلان عن اجتماعات لجنة الطوارئ يُعد أمراً غير معتاد، إذ غالباً ما تبقى تحركاتها بعيدة عن الإعلام، ما يعزز فرضية أن الجماعة تتوقع سيناريوهات تصعيد تتجاوز الإطار المحلي اليمني.

كما انتقد المسؤول الحوثي الحشود العسكرية الأميركية في المنطقة، ورأى أنها تمثل تهديداً لاستقرار دول الشرق الأوسط، ومتهماً واشنطن بالسعي إلى فرض الهيمنة على مقدرات المنطقة، وهو خطاب يتكرر في بيانات الجماعة بالتوازي مع كل توتر إقليمي.

احتواء الضغوط

وتزامنت إجراءات الطوارئ الحوثية مع تصعيد ملحوظ في الخطاب التعبوي، حيث كثّفت الجماعة الفعاليات الجماهيرية والمسيرات المناهضة للسياسات الأميركية والإسرائيلية، إضافة إلى توسيع حملات التجنيد، خصوصاً في أوساط الطلاب والشباب.

ويرى سياسيون يمنيون أن هذا التصعيد يأتي أيضاً في سياق محاولة احتواء حالة الاحتقان الشعبي الكبيرة نتيجة الأزمة الاقتصادية الحادة، واستمرار انقطاع رواتب الموظفين منذ سنوات، واتساع رقعة الفقر، فضلاً عن مواجهات قبلية متفرقة في عدد من المحافظات.

تعسف الحوثيين ضد الوكالات الإغاثية حرم ملايين اليمنيين من الحصول على المساعدات (أ.ف.ب)

وحسب هؤلاء، فإن ربط الوضع المحلي بالصراع الإقليمي يمنح الجماعة فرصة لإعادة توجيه الرأي العام نحو «الخطر الخارجي»، بما يسهم في تخفيف الضغط الداخلي المتصاعد.

وفي السياق ذاته، نظمت الجماعة عروضاً عسكرية في عدد من المدن الخاضعة لسيطرتها، في استعراض للقوة العسكرية ورسائل ردع داخلية وخارجية، بينما عدّ مراقبون أن هذه التحركات تهدف أيضاً إلى ترسيخ حالة التعبئة النفسية لدى السكان.

وفي موقف أكثر وضوحاً، أصدرت رابطة رجال الدين التابعة للحوثيين بياناً دعت فيه إلى رفع مستوى التعبئة والاستعداد القتالي، مطالبة السكان بالالتزام بتوجيهات زعيم الجماعة، ومؤكدة ضرورة «النفير الواسع» لمواجهة ما وصفته بالتهديدات الأميركية والإسرائيلية.

كما أدانت الرابطة الضربات الإسرائيلية ضد مواقع مرتبطة بــ«حزب الله» في لبنان، وعدّت التهديدات الموجهة لإيران دليلاً على اتساع المواجهة، داعية إلى ما سمته «وحدة الساحات»، وهو مفهوم سياسي تتبناه القوى المتحالفة مع طهران في المنطقة.

وشدد البيان على أن «الجهاد ووحدة الصف» يمثلان السبيل الوحيد لمواجهة التحديات الراهنة، داعياً إلى مقاطعة المنتجات الأميركية والإسرائيلية وتحريض السكان على التعبئة العامة.

تصعيد ميداني

وبالتوازي مع هذه التحركات السياسية والتعبوية الحوثية، شهدت جبهات الساحل الغربي اليمني تصعيداً عسكرياً لافتاً، إذ أفادت مصادر عسكرية بسقوط قتلى وجرحى في صفوف القوات المشتركة (الحكومية) إثر هجوم حوثي واسع استهدف مواقع في مديرية حيس جنوب محافظة الحديدة.

تجنيد مستمر ضمن حملات التعبئة الحوثية (إعلام محلي)

ووفق المصادر، أسفر الهجوم عن مقتل ستة عسكريين وإصابة نحو ثلاثة عشر آخرين، بعد معارك دارت في مناطق خط حيس - الجراحي وجبال ذو بأس شمال المدينة، في محاولة للسيطرة على مواقع استراتيجية.

ويشير مراقبون إلى أن مدينة حيس تمثل موقعاً جغرافياً بالغ الأهمية، كونها تربط بين الساحل والمرتفعات الداخلية المؤدية إلى محافظتي تعز وإب، إضافة إلى كونها بوابة جنوبية رئيسية لمحافظة الحديدة المطلة على البحر الأحمر.

ويرى محللون أن التصعيد الحوثي الميداني بالتزامن مع إعلان الطوارئ يعكس استراتيجية مزدوجة للجماعة، تجمع بين الاستعداد لأي تصعيد خارجي وتعزيز مواقعها الميدانية داخلياً.


حراك حكومي واسع في عدن لتعزيز الخدمات وبناء المؤسسات

نشاط مكثف في ميناء عدن مع رسوّ 3 سفن تجارية (إكس)
نشاط مكثف في ميناء عدن مع رسوّ 3 سفن تجارية (إكس)
TT

حراك حكومي واسع في عدن لتعزيز الخدمات وبناء المؤسسات

نشاط مكثف في ميناء عدن مع رسوّ 3 سفن تجارية (إكس)
نشاط مكثف في ميناء عدن مع رسوّ 3 سفن تجارية (إكس)

مع عودة الحكومة اليمنية إلى العاصمة المؤقتة عدن وعقد أول اجتماعاتها من الداخل، بدأت مؤسسات الدولة مرحلة من الحراك التنفيذي المكثف، عكستها اجتماعات موسعة وتحركات متزامنة لعدد من الوزارات، في مؤشر على توجه حكومي لإعادة تنشيط العمل المؤسسي وتعزيز حضور الدولة في مختلف القطاعات الخدمية والتنموية.

وفي حين يشدد رئيس الوزراء شائع الزنداني على العمل من الداخل وتقليص مهام سفر الوزراء إلى الخارج، تسعى الحكومة، وفق مسؤولين، إلى تحويل عودتها الميدانية إلى نقطة انطلاق لمرحلة إصلاح إداري واقتصادي تستند إلى رفع كفاءة الأداء، وتعزيز التنسيق بين المؤسسات، وتفعيل الحوكمة والرقابة، بما يسهم في تحسين الخدمات العامة وتثبيت الاستقرار في المناطق المحررة.

في هذا السياق، عقد وزير الدفاع، الفريق الركن طاهر العقيلي، اجتماعاً موسعاً في عدن ضم مساعدي الوزير ورؤساء الهيئات العسكرية، بحضور نائب رئيس هيئة الأركان، اللواء الركن أحمد البصر؛ لمناقشة أولويات المرحلة المقبلة داخل المؤسسة العسكرية.

وأكد العقيلي أهمية تعزيز التنسيق والتكامل بين مختلف الهيئات العسكرية بما يحقق الانسجام في تنفيذ المهام الوطنية، مشدداً على ضرورة إجراء تقييم شامل لأداء المرحلة الماضية، ومراجعة الإنجازات والتحديات؛ بهدف تصحيح الاختلالات وتعزيز كفاءة العمل المؤسسي.

وزير الدفاع اليمني طاهر العقيلي يترأس اجتماعاً للقادة في عدن (سبأ)

وأشار إلى «أهمية تفعيل آليات الرقابة وترسيخ قيم الشفافية والنزاهة والانضباط، بوصفها ركائز أساسية لإعادة بناء مؤسسة عسكرية حديثة قادرة على مواكبة متطلبات المرحلة الراهنة».

كما شدد وزير الدفاع اليمني على المضي في تطبيق الحوكمة الإلكترونية وتطوير الأنظمة الإدارية، في خطوة تهدف إلى «تحديث بنية العمل المؤسسي وتقليل البيروقراطية»، مثمناً في الوقت ذاته دعم «تحالف دعم الشرعية» بقيادة المملكة العربية السعودية، وما يقدمه من إسناد مستمر للمؤسسة العسكرية اليمنية.

واستمع الوزير خلال الاجتماع، وفق الإعلام الرسمي، إلى تقارير تفصيلية من رؤساء الهيئات بشأن سير تنفيذ الخطط العسكرية والصعوبات التي تواجه الأداء، في إطار توجه حكومي لإرساء ثقافة التقييم الدوري والمساءلة المؤسسية.

صدارة الأولويات

بالتوازي مع التحركات العسكرية، ركزت وزارة الإدارة المحلية على إعادة تفعيل دور السلطات المحلية بوصفها محركاً أساسياً للتنمية الاقتصادية والخدمية.

وأكد وزير الإدارة المحلية، المهندس بدر باسلمة، خلال اجتماع ضم قيادات الوزارة، أهمية إجراء تقييم شامل لأداء السلطات المحلية في المحافظات؛ «بهدف تحديد مكامن الضعف وتعزيز نقاط القوة، بما يضمن تنفيذ برامج تنموية واستثمارية أعلى فاعلية».

وأوضح باسلمة أن المرحلة الحالية تتطلب تمكين السلطات المحلية اقتصادياً وتنموياً، وتعزيز التنسيق مع المنظمات الدولية والقطاع الخاص لدعم المشروعات الخدمية والتنموية، مشيراً إلى أن «منح صلاحيات أوسع للوحدات الإدارية الكفؤ يمثل خطوة أساسية نحو ترسيخ الحكم الرشيد».

وزير الإدارة المحلية اليمنية بدر باسلمة خلال اجتماع في عدن (سبأ)

وشدد الوزير على أن تعزيز اللامركزية المالية والإدارية «سيمكن السلطات المحلية من قيادة التنمية المستدامة بكفاءة أكبر، بما يسهم في تحسين مستوى الخدمات وتخفيف الأعباء عن الحكومة المركزية».

ويرى مراقبون أن هذا التوجه يعكس تحولاً تدريجياً نحو نموذج إداري أعلى مرونة، يمنح المحافظات دوراً أوسع في إدارة مواردها وتحقيق التنمية المحلية.

وفي قطاع التعليم، عقد وزير التعليم العالي والبحث العلمي، الدكتور أمين القدسي، سلسلة لقاءات منفصلة مع قيادات الجامعات الحكومية والأهلية، بينها جامعة عدن، والجامعة الألمانية الدولية، وجامعة العلوم والتكنولوجيا، إضافة إلى مجلس الاعتماد الأكاديمي وضمان جودة التعليم العالي.

ونوقشت في اللقاءات آلياتُ «تطوير الأداء المؤسسي للجامعات وتعزيز جودة العملية التعليمية، مع التركيز على تطبيق معايير أكاديمية حديثة تسهم في تحسين مخرجات التعليم ومواءمتها مع احتياجات سوق العمل ومتطلبات التنمية».

رهان على تنشيط قطاعات الثقافة والسياحة في اليمن بقيادة الوزير مطيع دماج (سبأ)

وأكد القدسي أن الوزارة تتحمل مسؤولية وطنية في رسم السياسات المنظمة لقطاع التعليم العالي، مشدداً على ضرورة تعزيز العمل التكاملي بين الجامعات والجهات الرقابية لمعالجة أوجه القصور وتجاوز التحديات التي فرضتها سنوات الحرب.

كما استعرضت الاجتماعات مستوى تنفيذ البرامج الأكاديمية والتحديات التي واجهت المؤسسات التعليمية، والجهود المبذولة للحفاظ على استقرار العملية التعليمية رغم الظروف الاقتصادية والأمنية المعقدة.

تحريك القطاعات الخدمية

وفي إطار الحراك الحكومي الأوسع، ترأس وزير الثقافة والسياحة، مطيع دماج، اجتماعاً لقيادات الوزارة لمناقشة إعداد استراتيجية ثقافية وسياحية جديدة، مع التركيز على إعادة تنظيم صناديق التنمية الثقافية والترويج السياحي، وتوجيه مواردها نحو تنشيط الفعاليات الثقافية وجذب الاستثمار السياحي.

ووجّه الوزير بإعداد دليل للفرص السياحية في اليمن بهدف استقطاب المستثمرين، إلى جانب وضع تصور متكامل لإدارة المواقع السياحية في سقطرى وعدن وحضرموت، وحصر المنشآت السياحية المملوكة للدولة تمهيداً لإعادة تأهيلها.

جانب من اجتماع ترأسه وزير النقل في الحكومة اليمنية محسن حيدرة (سبأ)

وفي قطاع النقل، عقد الوزير محسن حيدرة اجتماعاً موسعاً ناقش تطوير أداء الهيئات والمؤسسات التابعة للوزارة، مؤكداً أن خدمات النقل تمثل شرياناً أساسياً للاقتصاد الوطني وحياة المواطنين اليومية.

وشدد حيدرة على «ضرورة استكمال خطط تطوير القطاع وفق مصفوفة إجراءات واضحة، مع التزام تطبيق القوانين وبسط سيادة الدولة في المنافذ والموانئ، ومعالجة الاختلالات القائمة، بما يعزز التعافي الاقتصادي واستدامة الخدمات».

أما على صعيد الشباب والرياضة، فقد ناقش الوزير نايف البكري، مع مدير مكتب المبعوث الأممي إلى اليمن ألبرت سكوت، جهود الحكومة لتعزيز الاستقرار في عدن والمحافظات المحررة، مؤكداً التزام الحكومة مواصلة الإصلاحات وتقريب مؤسسات الدولة من المواطنين.

ودعا البكري المجتمع الدولي إلى تقديم دعم أكبر لجهود الإصلاح والاستقرار، مشيداً بدعم «تحالف دعم الشرعية» وجهود الأمم المتحدة في الدفع نحو عملية السلام، فيما أكد المسؤول الأممي وجود مؤشرات إيجابية في أداء الحكومة خلال المدة الأخيرة.