اليمن بعد صالح... الزعيم الذي مات مرتين

مقرّب من الرئيس السابق: قرار قتله اتخذ على مستوى أعلى من الحوثيين

اليمن بعد صالح... الزعيم الذي مات مرتين
TT

اليمن بعد صالح... الزعيم الذي مات مرتين

اليمن بعد صالح... الزعيم الذي مات مرتين

قُتل الرئيس اليمني السابق علي عبد الله صالح مرتين. المرة الأولى عندما أعلن حلفه مع الحوثيين، والأخرى عندما فض شراكته معهم. الأولى كانت سياسية. والثانية كانت واقعية أكثر مما تخيل وأتباعه. يقول صحافي مقرب منه: «لم يكن هذا قرار عبد الملك الحوثي زعيم الميليشيات التابعة لإيران، إنه قرار أكبر منه، وقد اتخذته طهران».
انتقاماً من انتفاضته، ورعباً من الحالة التي شعر بها الحوثيون، وهي أنهم أمام تهاوٍ لجانب من مشروع وقفت وراءه طهران بكل ثقلها؛ أخرجت الجماعة المتمردة دبابات ومدفعيات وآليات لم تكن حتى تستخدمها لحماية صعدة، معقلها الرئيسي، وهجمت على صالح وقواته بعنف غير مسبوق. ولقد أظهرت مقاطع الفيديو التي بدأت تنهمر على موقع «يوتيوب» شراسة المواجهة. ولقد ذهب محللون يمنيون وغربيون وعرب، استمزجت «الشرق الأوسط» آراءهم، إلى أن الجماعة أقدمت على «انتحار سياسي» اختارته، وإن كانت مرغمة على ما هو أقرب إلى «صراع بقاء». وحسب براء شيبان، الباحث السياسي اليمني: «لم يسبق أن فجّر سياسي بيت خصمه، أو أن تدك الدبابات منازل الخصوم بدبابة ومدفعية داخل العاصمة اليمنية».
يمن جديد، وصنعاء جديدة، يسير فيها أبو علي الحاكم، رئيس الاستخبارات في صفوف حكومة الانقلاب، ومحمد علي الحوثي، رئيس اللجنة الثورية الانقلابية، وبقية الآتين من كهوف صعدة ومران، على تصفية كل من يقف أمامهم. وانفجرت صنعاء في أجواء لم تشهد لها مثيلاً لها في التاريخ الحديث.
رغم مقتله، ما زال علي عبد الله صالح شاغل اليمنيين واليمن... الذي لا يمكن التطرق إليه من دون المرور على صالح أو عائلته، أو قائمة واسعة من المحسوبين. لقد كان الرجل على مدار أربعة عقود، طرفاً في كل شيء. الأمن والأمل، السخط والفرح.
وحّد اليمنيين معه عام 1990، وفرّقهم بحرب جنوبهم عام 1994، و«دوزن» حروباً ستاً ضد الحوثي. ثم عاد ليوحّد اليمن، لكن ضده هذه المرة عام 2011، ليفرّقه مرة أخرى بالتحالف مع الانقلاب عام 2014، ثم استعد لطي تاريخ رمادي، بصفحة بيضاء في الثاني من ديسمبر (كانون الأول) الحالي، ومضى بعدها بيومين.
تكفي جولة في صور وكالات الأنباء ومواقع الفيديو التي خرجت غداة صدمة صنعاء لتشي بما حدث. منازل سوداء، ومتاجر مدمرة، وآليات عسكرية باتت تشبه الأسمال، وسيارات تحولت إلى رماد.
صراع القوة بين «المؤتمر» والحوثيين بدأ فتيله أمام مسجد الصالح في صنعاء يوم الأربعاء 29 نوفمبر (تشرين الثاني) 2017، وفيه قُتل خلال مناوشات واشتباكات نحو 16 شخصاً، واستمرت المناوشات يومين تخللتهما وساطات ودعوات تهدئة. وطرد أعوان الرئيس اليمني السابق الحوثيين والتقطوا صورة العميد طارق صالح - الذي قتل أيضاً - وهو يصلي الجمعة مع الجموع، حين نقلت قناة «اليوم» الصلاة، وأعادتها نكاية في الحوثيين أكثر من مرة في اليوم نفسه.
بُعيد الصلاة، ولأول مرة منذ احتجاجات 2014 التي أعقبت الانقلاب، سمعت شوارع في صنعاء هتافات ضد التمرد. خرج الناس من المسجد ورددوا «لا حوثي بعد اليوم»، وأردفوها بالهتاف الشهير «بالروح، بالدم، نفديك يا يمن».
الانتصار الإعلامي لدى الحوثيين أشد وقعاً. جُنّ جنون الميليشيات وهم يرون صورهم وصور صرختهم تمزق في الشوارع التي لم يتركوا ركناً فيها من دون إلصاق أو طبع الشعار. توجسوا خشية الزوال، ولملموا صفوفهم وحشدوا سريعاً.
في اليوم ذاته، خرج بيان عن حزب المؤتمر الشعبي يندد بعدم التزام الحوثيين بالتهدئة، وبأن مشاة الاحتفال بالمولد لم تتعرضهم قوات صالح بأذى. لكن قوات حوثية هاجمت العميد طارق عبد الله صالح، قائد قوات حرس صالح، وقتل 3 من أفراد حراسته. كما طال الهجوم المكثف عائلة صالح وقيادات من حزبه.
في تلك الليلة، عاشت صنعاء أجواء أكثر سخونة من تلك التي عاشتها في أغسطس (آب) وفي أعقاب احتفالية السبعين، وما تلاها من حوادث، أبرزها مقتل العسكري خالد الرضي.
الفرق بين الحادثتين، أن صالح ابتلع مقتل الرضي، لكنه ضاق ذرعاً بحصار الحوثيين وجشعهم وإجرامهم. أعلن هذه المرة فض الشراكة. دوى تصريحه كقنبلة غيرت مسار الشراكة، وأخذت تعزل الحوثيين.

اغتيال صالح
تعددت روايات القتل وتوحّد القاتل. فبين الاستدلال بمقاطع الفيديو التي ظهرت ببشاعة لتؤكد أنه لقي حتفه هارباً ضمن موكب سيارات رباعية الدفع، إلى نظرية موته مقاتلاً في منزله أعقبتها تجهيزات للتصوير. لكن بياناً نُسب إلى نجله أحمد نعى فيه والده، وأورد أنه قتل وهو في منزله. ويظهر أن البيان أكثر مصداقية من بيانات أخرى جرى نفيها. ولكن لا يزال مصير جثته غامضاً، ومن اللافت أنه «لم يجرؤ شيخ قبلي أو وجيه أو طرف المطالبة بها، إلا النساء اللائي قمعن وهوجمن في صنعاء»، وفقاً ليمني يعمل في مؤسسة حكومية فضّل عدم الإشارة إلى اسمه خشية الاستهداف.
يقول الدكتور مانويل ألميدا، الباحث في شؤون الشرق الأوسط، معلقاً: «إن قيادة الحوثيين ستأسف لقتل صالح من قبل ميليشياتهم الخاصة، إنها نقطة تحول محتملة في الصراع». وبينما تنقل وكالة «رويترز» عن مسؤول كبير في حزب صالح القول: «إن الحوثيين كانوا يريدون منه أن يسلم أسلحته وينزع سلاح مقاتليه، لكن صالح رفض، ذهب آخر إلى أنه جرى إعدام الرئيس السابق برصاصة في الرأس بعدما حاول الصمود في موقف دفاعي أخير داخل منزله». وهذه هي الفرضية التي تتطابق مع بيان نجله أحمد.

ملصقات الموت
جدير بالذكر، أنه سبق للسفير السعودي لدى اليمن محمد آل جابر أن قال: «إيران ترسل الموت إلى اليمن». والحقيقة أن هذه العبارة تصدق اليوم في شوارع صنعاء. إذ يقول يمني يدرس في العاصمة، اكتفى بالترميز إلى اسمه بـ«كريم.ش»: إن «أركان صنعاء باتت مملوءة بالملصقات: حوثي يرتدي بدلة، ويقولون شهيداً، حوثي مخزن، ويقولون شهيداً، حوثي لابس الجنبية، ويقولون شهيداً... الموت إن نجونا منه فهو يلاحقنا عبر هذه الملصقات. منذ رحيل صالح، والحوثيون أخذوا يحاولون بكل الطرق إذكاء التبريرات لإقناع اليمنيين بأنهم وأدوا الفتنة، لكن ذلك لن ينطلي علينا»، يقول كريم: «نعيش الرعب بكل ما تعنيه الكلمة من معنى».
وفي محاولة للهرب، يصعب جداً على الشخص إيجاد ملاذ بخلاف إذا كان من عائلة في ريف بعيد عن الاشتباكات، سواء الجارية في صنعاء أو الأخرى بين التحالف والانقلاب. ويقول الباحث البراء شيبان الناشط الحقوقي اليمني في حديث هاتفي معه: «لم أر رعباً بهذا الشكل في صنعاء من قبل. يبدو أن تنظيمهم (أي تنظيم الحوثيين) قوي، لا أحد يستطيع الخروج من صنعاء الآن من دون تفتيش دقيق، حتى في تفاصيل التفاصيل، مثل الهاتف وكافة الرسائل وحتى قائمة الأسماء يتم تفتيشها، الكومبيوتر المحمول... تحدثت مع أهلي في صنعاء قالوا إنهم يستمعون إلى مكبرات صوت تنادي في أوقات متفرقة بعدم الخروج (حظر تجول)، كأنك في كوريا الشمالية، وربما أسوأ».

دور القبائل
تتضارب الآراء حول دور القبائل، فهناك من يشعر بأن تأثيرهم مبالغ فيه، وهناك من خوّن بعضهم، في حين يطالب آخرون بمنح القبائل وشيوخها مزيداً من الوقت لامتصاص الصدمة، متكلين على أن كتلة قبلية لو تحركت بالكامل، وليس بمجاميع صغيرة أو متفرقة، فإنها ستحدث الفارق. وهنا يقول مسؤول يمني مقرب من قيادات المؤتمر في القاهرة: «حاشد مكسورة إلى حد كبير الآن، فمن يقودها اليوم؟ بيت الأحمر أمضوا فترة كبيرة بعيدين عن القبيلة، لكن إذا التأموا فالناس من الممكن أن يعودوا معهم. ومن القبائل التي تستطيع قلب المعادلة خولان... خولان مهمة جداً؛ فهناك بيت الرويشان وبني ظبيان وآل الشريف، وهي مجموعة لا بأس بها، لكن المشكلة أن الناس مكسورة الآن أيضاً». وأردف: «القوات الموجودة في صرواح لو وصلت إلى خولان قد يصطف معها الناس، ويبدو أن استراتيجية التحالف لو تحولت من الجو إلى الأرض لغدت النتائج أسرع من الميدان... وأيضاً هناك قبائل همدان، وقبائل أرحب (وهي تقريباً جميعها مع الشرعية)». وتجدر الإشارة إلى أن أبي علي، الحاكم المسؤول الحوثي القادم من صعدة، جمع القبائل (الموالية لعلي عبد الله صالح) قبيل مقتله بيوم واحد، وحاول أن يرسل رسالة مضمونها «ابتعدوا عن علي عبد الله صالح».. «بمعنى آخر أوصلوا لهم رسالة مفادها نحن الباقون وعلي عبد الله صالح زائل. وكانوا حتى يصرخون الصرخة الحوثية من خوفهم وخشيتهم» بحسب المسؤول اليمني.
بيد أن مقرباً من قيادات المؤتمر الشعبي العام - طالب إغفال اسمه أو منصبه - لديه قراءة أخرى؛ إذ يقول: «لا يجوز تخوين القبائل، مع أنه لا يصح الإفراط في الثقة بها. ما زالوا مؤثرين في اللعبة، بالسلاح والمقاتلين والأرض، إضافة إلى مداخل ومنافذ. وهم وإن ما عادوا رقماً صعباً، فليسوا بالضعف الذي يصوره ناشطو التواصل الاجتماعي».
ويروج شيوخ قبائل، بحسب مصادر إعلامية، رسائل مفادها «لو ضمنوا دعماً قوياً فإنهم سيقضون على الحوثيين، لكن هناك قدراً كبيراً من التوجس... فهم ليسوا طرفاً مضموناً». ثمة شيوخ تحدثوا عن مسألة شك وتخوين، ويقول أحدهم «مثلنا مثل كل اليمنيين متضايقين من الحوثيين ونكرههم؛ لأنهم دمروا البلاد وخربوها، وإذا وجدنا دعماً حقيقاً (ليس مالياً)، بل عسكرياً من خلفنا سنتقدم». ويضيف: «اليمنيون لا يريدون العيش في ظل الحوثيين، وبدأوا يتقبلون أي شيء يحصل لصنعاء إلا أن يحكمهم الحوثيون، كل الخيارات إلا الحوثي».
بدوره، يرى الباحث السياسي اليمني نجيب غلاب، أن مسألة تغيير ولاءات القبيلة ككتلة شعبية ونخبة قبلية «يعتمد أساساً على وجود قوة مسلحة قادرة على مساعدة القبائل في الخلاص من الضغط والسياسات الحوثية القهرية التي بدأت تفرضها الميليشيات عليهم».
يقول غلاب: «أعتقد أن القبائل المهمة تستطيع تحريك جبهات عسكرية باتجاه خولان وصولاً إلى سنحان. وممكن القبيلة كلها تنتفض... والحوثية لا تستطيع السيطرة على القبيلة إلا عبر القهر وتفجير المنازل. وحقاً هناك على الأقل 3 شيوخ في حاشد فُجّرت منازلهم. وصحيح أن بعض المشايخ الآخرين عقدوا صفقات مع الحوثية، لكنها ليست كبيرة، ولا ننسَ أن هناك عملية إنهاك لدى القبائل منذ بدء العمليات العسكرية، والقبائل بشقيها مع التحالف وضده رفدت بكثير من الرجال والسلاح، وهي نقطة يجب أن تؤخذ بعين الاعتبار».
ويتابع غلاب: «وضع الاقتصاد سيئ، ولا توجد أمام الناس خيارات للتحرك إلا إذا كانت هناك قوة عسكرية تؤمن وتضمن حمايتهم من الحوثية وتدعمهم عسكرياً». ويستطرد شارحاً: «ستتحول القبائل إلى حاضن للقوى العسكرية الطاردة للحوثية... وأمام ذلك، الحوثية قمعها مستمر إلا إذا انتفضت كتلة قبلية بالكامل، وليس بمجاميع صغيرة أو متفرقة. الانتفاض الكامل لقبيلة قد يحدث تغيراً لأنه يصعب على الحوثية قمعهم بشكل كامل ومحكم، ولو دخلوا في صراع فستدخل الحوثية في صراع كبير معهم».

مستقبل اليمن

يرى جوست هيلترمان، من «المجموعة الدولية للأزمات»، أن الأحداث الأخيرة ترجح احتمال تصاعد الحرب في اليمن، ويقول «رغم أن الحوثيين قوة عسكرية مهمة فهم لم يختبروا السياسة أو الحكم. تغلغلهم في أوساط الناس محدود ومع الوقت ستكون هذه ميزة لأعدائهم»، ويتابع: «لكن هذا لن يحدث في القريب العاجل؛ لذا يبدو أن الصراع سيتفاقم». أما جيرالد فايرستاين، السفير الأميركي السابق في اليمن الذي يعمل في «معهد الشرق الأوسط» في واشنطن، فيرى إن الحوثيين خاضوا الحرب بعدها بشكل كبير من دون صالح. ووفقاً لتقرير نشرته «رويترز» أمس كتب فايرستاين في نشرة سياسية: «كان صالح قد أصبح قوة مستنفدة إلى حد كبير بحلول الوقت الذي قتل فيه...».
عودة إلى مانويل ألميدا، الذي يقول: إن «المفاجأة الوحيدة لهذه الأحداث الأخيرة تتمثل في أن الأمر استغرق وقتاً طويلاً لكي ينهار الاتفاق بين صالح والحوثيين. ولم يحدث هذا الاشتباك في وقت سابق؛ لأن كلا الجانبين كان يخشى أن يؤدي كل منهما إلى مواجهة بعضهما بعضاً... وهو ما من شأنه أن يضعفهما حتى في الحرب ضد الشرعية والتحالف، لكن تبقى المسألة منذ الماضي مؤكدة أن تحالف الفريقين كان أشبه بالمستحيل». ويضيف أنه «بعيداً عن المظالم وانعدام الثقة التي تعود إلى حروب صعدة الستة، التي خاضها الطرفان منذ عام 2004، كانت هناك اختلافات عميقة بين الجانبين منذ ساعد مؤيدو صالح المقاتلين الحوثيين على الاستيلاء على العاصمة اليمنية. ويبدو تقريباً أنه كلما حاول الطرفان العمل معاً ازدادت خلافاتهما، وكان ذلك هو الحال عندما أعلن مؤيدو صالح من مؤتمر الشعب العام وقيادة الحوثي عن تشكيل حكومة مشتركة في صيف عام 2016. وهذا أدى فقط إلى تكثيف المنافسة على التأثير والموارد بين المجموعتين.
ويكمل ألميدا «...منذ استيلائهم على العاصمة عام 2014، تمكن المسلحون الحوثيون من كسب الكثير من النفوذ والسلطة على حساب صالح ومؤيديه في المؤتمر الشعبي العام. وفي الآونة الأخيرة، لم يعتمدوا على القوى المؤيدة للصالح لقيام بالمجهود الحربي ضد الحكومة اليمنية الشرعية كما هو الحال في بداية الصراع... لكن اغتيال صالح، إلى جانب الفوضى التي أطلقها المسلحون الحوثيون، على الأرجح، سيعملان على تحويل العديد من أنصار صالح والقوات العسكرية ضد الحوثيين. ويمكن أن يساعدا أيضاً في تجنيد القبائل الشمالية ضد الحوثيين».
ولكن ماذا عن المؤتمر الشعبي العام؟ يرى نجيب غلاب، أن الحوثية «ستحاول على إجبار مؤتمريي الداخل على محاولة إعادة تشكيل القيادة، وضخ قيادة ليصبح المؤتمر ذراعاً حوثية بشكل كامل، لصياغة مؤتمر (متحوث)، ليمتصوا قدر الإمكان المؤتمريين والقوى الأخرى، وستجبرهم لاحقاً بتشكيل ضغط». ويعتقد غلاب أنه «يجب إعادة ترتيب أوراق المؤتمر وتماسكه، ويحتاج إلى التعامل بواقعية مع إعادة ترتيب قياداته وبناء جبهة موحدة بين كافة أجنحته، والجناح المنتفض في 2 ديسمبر (كانون الأول)، قدرته ما زالت قوية وبإمكان المؤتمريين إحداث تغير جذري لبناء لُحمة واحدة في إدارة المعركة ضد الحوثية، وليس سياسياً وحسب، لكنه سيمكن القوى الموالية للمؤتمر أن تحارب، سواء كانت عسكرية أو أمنية أو قبلية».
ثم يقول: «الحوثية من ناحية فعلية تعيش في عزلة. قوتها فقط في الإفراط باستخدام السلاح، ولديها مجاميع مسلحة، لكنها في الأخير أصبحت تواجه غضباً داخلياً، لا تمتلك تحولها في المحيط القبلي والمدني أي قبول».
ويكمل «هناك ردة فعل شعبية غاضبة ستلاحق الحوثية، خصوصاً الجرائم التي ترتكبها الآن والإعدامات وحدت إجماعاً وطنياً ضدهم، فهي لا تستطيع تقديم خدمات للمواطن وبداية تحرير الحديدة ضغط عليها... من في صنعاء أصبحوا كالرهائن». ويختم غلاب بتوقع «ظهور تمردات مسلحة عبر ترتيب أوراق بعض قوى المؤتمر العسكرية الباقية بشكل آخر».



«المرحلة الثانية» من «اتفاق غزة» تنشد «انتقالاً منضبطاً» لتجاوز التعثر

فلسطينيون يسيرون بجوار الملاجئ وسط أنقاض المباني المدمرة في مدينة غزة (أ.ف.ب)
فلسطينيون يسيرون بجوار الملاجئ وسط أنقاض المباني المدمرة في مدينة غزة (أ.ف.ب)
TT

«المرحلة الثانية» من «اتفاق غزة» تنشد «انتقالاً منضبطاً» لتجاوز التعثر

فلسطينيون يسيرون بجوار الملاجئ وسط أنقاض المباني المدمرة في مدينة غزة (أ.ف.ب)
فلسطينيون يسيرون بجوار الملاجئ وسط أنقاض المباني المدمرة في مدينة غزة (أ.ف.ب)

تراوح المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة مكانها منذ نحو شهر من إطلاقها نظرياً وفق تصريحات أميركية، وسط دعوات لانتقال منضبط نحوها لتحقيق الاستقرار، وعدم تجدد القتال.

ويرى خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط» أن الانتقال يجب أن يكون متوازياً وسلسلاً بحيث ينفذ طرفا الحرب «حماس» وإسرائيل التزاماتهما بالتوازي، مما يجنب المرحلة الثانية حالة التعثر الحالية، وسط مخاوف من احتمال تجدد الحرب، وتأخر تنفيذ الاتفاق، مقابل تعويل على أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب سيضغط من أجل تحقيق انتصار شخصي يقربه من حلم جائزة نوبل للسلام.

وأفادت «وكالة أنباء الشرق الأوسط» الرسمية في مصر، السبت، بأن «الهلال الأحمر المصري يواصل جهوده الإنسانية في استقبال وتوديع الدفعة 15 من الجرحى والمرضى والمصابين الفلسطينيين الوافدين، والمغادرين، ومرافقتهم في إنهاء إجراءات العبور».

وينتظر هؤلاء المغادرون إلى غزة آمالاً بشأن اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، الذي يشهد تعثراً في مرحلته الثانية منذ إعلان واشنطن بدءها في 15 يناير (كانون الثاني) الماضي، وسط استشعار المجتمع الدولي مخاطر تهدد الاتفاق.

وأكدت وزيرة الخارجية البريطانية، إيفيت كوبر، وجود فرصة سانحة لكسر دوامة العنف، والمعاناة، وصولاً إلى سلام، وأمن دائمين في الشرق الأوسط، محذرة من أن وقف إطلاق النار في قطاع غزة لا يزال هشاً في ظل رصد انتهاكات من الطرفين قد تقوض مسار الخطة الأميركية للسلام.

ودعت في تصريحات مساء الجمعة إلى انتقال منضبط في «المرحلة الثانية»، بما يشمل نشر قوة الاستقرار الدولية بالتوازي مع انسحاب الجيش الإسرائيلي، ومعالجة الأزمة الإنسانية، مع التشديد على شرط نزع سلاح حركة «حماس»، وضمان عدم توليها أي دور في إدارة القطاع مستقبلاً.

منازل مدمرة في مخيم النصيرات وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)

الخبير بـ«مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية»، الدكتور عمرو الشوبكي، يرى أن «المرحلة الثانية تحتاج بالأساس إلى انتقال بالتوازي، خاصة أن خطة ترمب تنص على نزع سلاح (حماس)، لكنها أيضاً تنص على انسحاب إسرائيل بالكامل من القطاع، وبالتالي يجب النظر إلى غزة بعين واحدة، ويجب أن يخاطب الجميع بالتزاماتهم دون تركيز على طرف دون الآخر».

وأشار إلى أن «المرحلة الثانية تتمثل في إنهاء الوجود العسكري لـ(حماس)، وهذا لن يتحقق إلا إذا التزمت إسرائيل بالالتزامات التي يجب أن تنفذها، ومنها الانسحاب من غزة، وعدم استهداف الفلسطينيين، والذهاب لأفق سياسي، والسماح بوجود شرطة فلسطينية، وعمل لجنة التكنوقراط من القطاع».

وقال المحلل السياسي الفلسطيني، أيمن الرقب، إن «المرحلة الثانية تحتاج ليس فقط لانتقال منضبط، بل لانتقال سلس»، مستدركاً: «لكن هذه أمور شكلية للغاية، لأن الاتفاق أمامه كثير من العثرات على مستوى التنفيذ، سواء في نزع السلاح، أو انسحاب إسرائيل، أو نشر قوات الاستقرار الدولية، أو غيرها من البنود، بسبب غياب التفاهمات بشأنها».

ووسط ذلك، أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية»، الجمعة، بأن «حركة (حماس) استعادت السيطرة على جزء انسحب منه الجيش الإسرائيلي في قطاع غزة، ونشرت قوة شرطة محلية، وتعمل على إعادة تفعيل الإدارات العامة».

وذكر نيكولاي ملادينوف المبعوث الذي عينه ترمب للإشراف على التنسيق بعد الحرب في غزة خلال اجتماع «مجلس السلام» أن نحو ألفي فلسطيني سجلوا أسماءهم في جهاز الشرطة خلال الساعات الأولى من فتح باب التقديم.

فيما قال جاسبر جيفرز اللواء في الجيش الأميركي الذي عُيّن قائداً لقوة حفظ السلام متعددة الجنسيات في غزة في الاجتماع إن الخطة طويلة الأمد للقوة هي تدريب نحو 12 ألف شرطي للعمل في القطاع.

خيام وملاجئ في مخيم للنازحين قرب ساحة الجندي المجهول في مدينة غزة (أ.ف.ب)

ويرى الرقب أن الحديث عن 12 ألف شرطي سيدربون لا يكفي لتغطية غزة، موضحاً أن خروج شرطة «حماس» دون وجود بديل سيحدث فراغاً أمنياً، ولن تقبل به «حماس»، وستطرح الإحلال الجزئي عبر مرحلة انتقالية قد تمتد لأشهر، وبالتالي لا بد من الإسراع في هذا الانتقال المنظم وبشكل سلس عبر تفاهمات، محذراً من أن واشنطن قد تعمل في ظل هذا الجمود لبدء إعمار المناطق التي تحت سيطرة إسرائيل، وتسمح لتل أبيب بشن معارك ضد الحركة.

ويشير إلى أن المسار الأفضل لهذا الانتقال يكون عبر تفاهمات مع «حماس» تقوم على التدرج، لا سيما في تسليم وتسلم المهام الأمنية، موضحاً: «لكن كل ما نراه على أرض الواقع ليس حلاً لإنهاء الصراع، ولكن مسكنات مؤقتة لا تفضي إلا إلى إطالة أمد الأزمة».

قيما يعتقد الشوبكي أن إسرائيل مصرة على أن تدفع «حماس» فقط ثمن الاستحقاقات، لكن لا تزال هناك فرص لنجاح الخطة وعدم تعثرها حرصاً من ترمب، لأنه ينظر له كرجل سلام، ويبحث عن فرصة للحصول على جائزة نوبل وغيرها، مما يجعله يضغط أكثر رغم التفاصيل المعقدة، والتحديات الكثيرة لنجاح الاتفاق.


لماذا تغيب مصر عن المشاركة في «قوة الاستقرار» بغزة؟

صورة تذكارية للمشاركين في الاجتماع الأول لمجلس السلام (مجلس الوزراء المصري)
صورة تذكارية للمشاركين في الاجتماع الأول لمجلس السلام (مجلس الوزراء المصري)
TT

لماذا تغيب مصر عن المشاركة في «قوة الاستقرار» بغزة؟

صورة تذكارية للمشاركين في الاجتماع الأول لمجلس السلام (مجلس الوزراء المصري)
صورة تذكارية للمشاركين في الاجتماع الأول لمجلس السلام (مجلس الوزراء المصري)

جاء الإعلان عن الدول المشاركة في «قوة الاستقرار الدولية» بقطاع غزة، خلال الاجتماع الأول «لمجلس السلام» في واشنطن، دون أن يتضمن مصر التي اقتصر دورها على تدريب القوات الشرطية، ليطرح تساؤلات حول أسباب هذا الغياب.

وتعد «قوات استقرار غزة» أحد أبرز البنود للمرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، التي بدأت منذ منتصف الشهر الماضي، لكنها لم تر النور بعد رغم تشكل أجهزة تنفيذية عديدة، مثل «مجلس السلام» الذي يشرف على القطاع برئاسة ترمب، و«لجنة إدارة قطاع غزة» الفلسطينية.

وخلال الاجتماع الأول لـ«مجلس السلام العالمي» في واشنطن، الخميس، قال قائد قوة الأمن الدولية في قطاع غزة جاسبر جيفرز إن «5 دول تعهدت بإرسال قوات للمشاركة في قوة أمنية دولية لقطاع غزة»، وأشار إلى أن تلك الدول تضم «إندونيسيا، والمغرب، وكازاخستان، وكوسوفو، وألبانيا»، كما تعهدت دولتان بتدريب الشرطة، وهما مصر، والأردن.

الغياب المصري عن «قوة الاستقرار» أرجعه عسكريون ودبلوماسيون مصريون تحدثوا لـ«الشرق الأوسط» لعدم وجود ضمانات يرونها ضرورية لقبول القاهرة المشاركة بالقوات، مشيرين إلى أن مصر لديها رغبة في أن يتم تحديد مهام عملها وآليات وجودها داخل القطاع وكيفية تعاملها مع الفلسطينيين لكي لا تفاجأ بأنها في مواجهة «فصائل المقاومة»، إلى جانب تحديد دورها في التعامل مع الاعتداءات الإسرائيلية المستمرة، والممنهجة.

وأكدت الحكومة المصرية «استمرار دورها في تدريب عناصر الشرطة الفلسطينية»، وقال رئيس الوزراء المصري، مصطفى مدبولي، خلال الاجتماع الأول لـ«مجلس السلام» إن «بلاده ستواصل تدريب عناصر الشرطة الفلسطينية لحفظ الأمن داخل القطاع»، وأكد على «أهمية مهام محددة للمجلس التنفيذي لغزة، لدعم عمل اللجنة الوطنية لإدارة القطاع».

رئيس الوزراء المصري خلال مشاركته في الاجتماع الأول لمجلس السلام العالمي بواشنطن الخميس (مجلس الوزراء المصري)

ويرى الخبير العسكري اللواء سمير فرج أن «من المهم تحديد طبيعة مهمة (قوة الاستقرار) الدولية في قطاع غزة، قبل الحديث عن مشاركة مصر بقوات فيها»، وأشار إلى أن «هناك فارقاً بين ما إذا كانت المهمة لحفظ السلام أو لفرض السلام»، منوهاً إلى أنه «إذا كان الهدف فرض السلام فقد يعني ذلك اللجوء لتدخل عسكري في مواجهة عناصر (المقاومة الفلسطينية)، وهو ما لا تريده القاهرة».

ويقول فرج، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إن «مهمة قوة الاستقرار الدولية غير معروفة حتى الآن، وتحرص القاهرة على التريث لحين تحديد أدوار وآليات عمل هذه القوة»، وأشار إلى أن «مصر لم تتخلَّ عن دعم الفلسطينيين في غزة، حيث تتنوع تحركاتها ما بين دعم سياسي عبر استضافة (اللجنة التكنوقراط)، ودعم أمني من خلال تدريب أفراد الشرطة الفلسطينية، بالإضافة إلى الدور الإنساني والإغاثي من خلال المساعدات التي تقدم يومياً إلى سكان القطاع».

وشدد وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مراراً على أهمية «سرعة تشكيل ونشر قوة الاستقرار الدولية لمراقبة وقف إطلاق النار، وضمان تدفق المساعدات الإنسانية»، إلى جانب «دعم نشر عناصر الشرطة الفلسطينية للاضطلاع بدورها في حفظ الأمن».

فيما أرجع عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية، السفير يوسف الشرقاوي، عدم الإعلان عن مشاركة مصر بالقوة إلى عدم وجود ضمانات لا بد أن تتوفر أولاً، في مقدمتها «تحديد آليات عملها وكيف ستمارس أدوارها ومهمتها ونوع تسليحها وكيف ستتعامل مع الشعب الفلسطيني».

وأوضح في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن «هذه الضمانات ضرورية لحماية حقوق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره، مع أهمية ضمان عدم تجدد الاعتداءات الإسرائيلية الممنهجة بحق الفلسطينيين». ويعتقد أنه يجب «التفرقة بين أن يكون نشر (قوة الاستقرار) ضمن مسار مشروع حل الدولتين، أو أن وجودها في غزة يأتي كنوع من الوصاية الجديدة على الفلسطينيين ودعم الأمن الإسرائيلي».

ويوضح الشرقاوي أن «القاهرة لم تترك مساراً لدعم غزة إلا وسارت فيه، وأن السلام العادل والشامل لن يبدأ إلا بمسار سياسي شامل، يتضمن إجراءات لاستعادة الأمن، وإعادة الإعمار في قطاع غزة»، مشيراً إلى أن «(مجلس السلام العالمي) في اجتماعه الأول قدم تعهدات لدعم الفلسطينيين ومن المهم العمل على تنفيذها».


تطور وسائل القمع يكشف عن هشاشة علاقة الحوثيين بالمجتمع

مسلح حوثي يراقب تجمعاً لرجال القبائل في صنعاء (إ.ب.أ)
مسلح حوثي يراقب تجمعاً لرجال القبائل في صنعاء (إ.ب.أ)
TT

تطور وسائل القمع يكشف عن هشاشة علاقة الحوثيين بالمجتمع

مسلح حوثي يراقب تجمعاً لرجال القبائل في صنعاء (إ.ب.أ)
مسلح حوثي يراقب تجمعاً لرجال القبائل في صنعاء (إ.ب.أ)

في حين تكشف التقارير الحقوقية عن جملة واسعة من الانتهاكات التي ارتكبتها الجماعة الحوثية ضد سكان مناطق سيطرتها خلال العام الماضي، يتسع مشهد الانفلات الأمني على نحو لافت، في تزامن مثير مع تدهور الأوضاع وتفاقم الاحتقان الاجتماعي، بما يعكس اتساع الشرخ بين علاقة الحوثيين بالمجتمع والقبائل.

وتُظهر التقارير الحقوقية ووقائع الانفلات الأمني تطوُّرَ الممارسات الحوثية في التعاطي مع مختلف القضايا من السياسة الأمنية التي تعتمد على الاعتقالات والاختطافات واستخدام القضاء، إلى حملات عسكرية تستهدف المدنيين مباشرةً، بالاعتقالات الجماعية والقتل خارج القانون وتجنيد الأطفال واستهداف الأعيان المدنية.

في هذا السياق، نددت الحكومة اليمنية بالحملة العسكرية الحوثية على منطقة عزلة بيت الجلبي في مديرية الرجم التابعة لمحافظة المحويت (شمال غرب) والاعتداء على أهاليها، باستخدام مختلف أنواع الأسلحة، طبقاً لما أورده الإعلام الرسمي.

ودفعت الجماعة الحوثية بتعزيزات عسكرية ضخمة إلى المنطقة، وفرضت حصاراً مشدداً على إحدى القرى عقب مقتل القيادي مجلي عسكر فخر الدين، الذي ينتمي إلى قوات الأمن المركزي التابعة للجماعة، برصاص مسلح قبلي خلال حملة أمنية على القرية أدت إلى مقتل أحد أهلها.

وتسبب مقتل القيادي الحوثي في تسيير الجماعة حملة عسكرية واسعة لتعزيز الحملة الأمنية، مما زاد من منسوب التوتر، حسب مصادر محلية، خصوصاً أن الحملة الأمنية الأولى جرت ضمن مساعي الجماعة لإطلاق حفّار آبار احتجزه الأهالي بسبب خلافات محلية.

وأدى تدخل القائمين على الحملة، وبينهم القيادي الذي لقي مصرعه، إلى مفاقمة الخلافات التي كانت في طريقها للحل بوساطات قبلية تقليدية، وبسبب انحياز القادة الحوثيين لأحد أطراف الخلاف، وقعت الاشتباكات.

ودعت الحكومة اليمنية مبعوث الأمين العام للأمم المتحدة إلى اليمن إلى سرعة التحرك لوقف هذه الانتهاكات، مطالبةً جميع المكونات السياسية والاجتماعية والمنظمات الحقوقية بالوقوف في وجه هذه الانتهاكات.

نفوذ بنهب الأراضي

في سياق هذا التغول الحوثي شهدت منطقة المحجر في مديرية همدان، الواقعة على الأطراف الشمالية الغربية من صنعاء، حملة عسكرية يتولى مسؤوليتها القيادي مهدي اللكمي المكنّى «أبو شامخ»، لمصادرة أراضٍ يؤكد مُلَّاكها صدور حكم قضائي لصالحهم.

عنصر حوثي ضمن استعراض مسلح نظمته الجماعة في محافظة عمران (أ.ف.ب)

ونشرت الحملة عدداً كبيراً من مسلحيها في المنطقة التي اشتكى أهاليها من وقوع انتهاكات متعددة بحقهم؛ بينها الاعتداءات الجسدية والاعتقال، وتشديد القيود على الحركة، والمنع من مغادرة المنازل.

وخلال الأعوام الماضية وسّعت الجماعة الحوثية أنشطتها في مديرية همدان للاستيلاء على الأراضي بغرض استحداث تجمعات سكنية لأنصارها وعائلات قتلاها المقربين من القيادة العليا، إلى جانب منشآت أخرى بينها سجون ومقرات للأجهزة الأمنية.

وبينما قُتل سبعة أشخاص وأُصيب خمسة آخرون في مديرية برط التابعة لمحافظة الجوف (شمال شرقي صنعاء)، في أول أيام شهر رمضان، إثر تجدد ثأر قديم بين قبيلتي المكاسير وآل أبو عثوة بني هلال، كانت مدينة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، مسرحاً لاعتداء عناصر أمنية حوثية على أحد السكان بإطلاق النار عليه وإصابته بجراح خطيرة، واقتحام منزله ونهب محتوياته بسبب خلافات مالية بينه وبين أحد هذه العناصر.

تطور منهجي للقمع

حسب تقارير مؤسسات حقوقية محلية، فإن الجماعة الحوثية كثفت انتهاكاتها خلال العام الماضي، وطوَّرت من نهجها في استهداف المدنيين، ضمن مخاوفها من ازدياد الغضب الشعبي بسبب ممارساتها والأوضاع المعيشية المتدهورة التي أوصلت السكان إليها.

الحوثيون فرضوا حصاراً على الشخصيات الاجتماعية وقادة أمنيين وعسكريين سابقين (إ.ب.أ)

ووثّق «مركز رصد للحقوق والتنمية» 868 انتهاكاً خلال العام، في محافظة البيضاء (241 كيلومتراً جنوب شرقي صنعاء) مثّل الاعتقال التعسفي والاختطاف 79 في المائة منها، لتتحول المحافظة إلى «سجن مفتوح».

وتصدرت مديرية القريشية قائمة المناطق التي طالتها الانتهاكات بـ592 حالة، حيث تعرضت على مدار العام للحصار والقصف بمختلف الأسلحة، وسقط من أهاليها 40 قتيلاً و32 جريحاً، واحتجزت الجماعة 16 جثماناً ورفضت تسليمها إلا بشروط عدَّها التقرير مُهينة لذوي القتلى، إضافةً إلى اعتداءات على مساجد ومنشآت تعليمية وتدمير منازل.

ويَبرز انفجار محطة غاز في مديرية الزاهر، الذي أودى بحياة أكثر من 35 شخصاً، مؤشراً إضافياً على هشاشة البيئة الاقتصادية وغياب الرقابة والاستهتار بحياة وسلامة السكان.

مسلحون حوثيون يحاصرون قريةً شمال غربي صنعاء ضمن مساعي السيطرة على الأراضي (إكس)

وفي الجوف، سجلت «منظمة عدالة» 8860 انتهاكاً خلال العام الماضي، بينها 24 حالة قتل خارج القانون، و24 حالة اختطاف وتعذيب، فضلاً عن مقتل أكثر من 12 مدنياً عند إحدى النقاط.

وتضمنت الانتهاكات 1509 وقائع كان ضحاياها من الأطفال، وشملت تجنيد 300 طفل واستخدام 709 في أعمال عسكرية، إضافةً إلى اقتحام ونهب منشآت وفعاليات ذات طابع طائفي، مما أدى إلى نزوح 6589 مدنياً.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended