اليمن بعد صالح... الزعيم الذي مات مرتين

مقرّب من الرئيس السابق: قرار قتله اتخذ على مستوى أعلى من الحوثيين

اليمن بعد صالح... الزعيم الذي مات مرتين
TT

اليمن بعد صالح... الزعيم الذي مات مرتين

اليمن بعد صالح... الزعيم الذي مات مرتين

قُتل الرئيس اليمني السابق علي عبد الله صالح مرتين. المرة الأولى عندما أعلن حلفه مع الحوثيين، والأخرى عندما فض شراكته معهم. الأولى كانت سياسية. والثانية كانت واقعية أكثر مما تخيل وأتباعه. يقول صحافي مقرب منه: «لم يكن هذا قرار عبد الملك الحوثي زعيم الميليشيات التابعة لإيران، إنه قرار أكبر منه، وقد اتخذته طهران».
انتقاماً من انتفاضته، ورعباً من الحالة التي شعر بها الحوثيون، وهي أنهم أمام تهاوٍ لجانب من مشروع وقفت وراءه طهران بكل ثقلها؛ أخرجت الجماعة المتمردة دبابات ومدفعيات وآليات لم تكن حتى تستخدمها لحماية صعدة، معقلها الرئيسي، وهجمت على صالح وقواته بعنف غير مسبوق. ولقد أظهرت مقاطع الفيديو التي بدأت تنهمر على موقع «يوتيوب» شراسة المواجهة. ولقد ذهب محللون يمنيون وغربيون وعرب، استمزجت «الشرق الأوسط» آراءهم، إلى أن الجماعة أقدمت على «انتحار سياسي» اختارته، وإن كانت مرغمة على ما هو أقرب إلى «صراع بقاء». وحسب براء شيبان، الباحث السياسي اليمني: «لم يسبق أن فجّر سياسي بيت خصمه، أو أن تدك الدبابات منازل الخصوم بدبابة ومدفعية داخل العاصمة اليمنية».
يمن جديد، وصنعاء جديدة، يسير فيها أبو علي الحاكم، رئيس الاستخبارات في صفوف حكومة الانقلاب، ومحمد علي الحوثي، رئيس اللجنة الثورية الانقلابية، وبقية الآتين من كهوف صعدة ومران، على تصفية كل من يقف أمامهم. وانفجرت صنعاء في أجواء لم تشهد لها مثيلاً لها في التاريخ الحديث.
رغم مقتله، ما زال علي عبد الله صالح شاغل اليمنيين واليمن... الذي لا يمكن التطرق إليه من دون المرور على صالح أو عائلته، أو قائمة واسعة من المحسوبين. لقد كان الرجل على مدار أربعة عقود، طرفاً في كل شيء. الأمن والأمل، السخط والفرح.
وحّد اليمنيين معه عام 1990، وفرّقهم بحرب جنوبهم عام 1994، و«دوزن» حروباً ستاً ضد الحوثي. ثم عاد ليوحّد اليمن، لكن ضده هذه المرة عام 2011، ليفرّقه مرة أخرى بالتحالف مع الانقلاب عام 2014، ثم استعد لطي تاريخ رمادي، بصفحة بيضاء في الثاني من ديسمبر (كانون الأول) الحالي، ومضى بعدها بيومين.
تكفي جولة في صور وكالات الأنباء ومواقع الفيديو التي خرجت غداة صدمة صنعاء لتشي بما حدث. منازل سوداء، ومتاجر مدمرة، وآليات عسكرية باتت تشبه الأسمال، وسيارات تحولت إلى رماد.
صراع القوة بين «المؤتمر» والحوثيين بدأ فتيله أمام مسجد الصالح في صنعاء يوم الأربعاء 29 نوفمبر (تشرين الثاني) 2017، وفيه قُتل خلال مناوشات واشتباكات نحو 16 شخصاً، واستمرت المناوشات يومين تخللتهما وساطات ودعوات تهدئة. وطرد أعوان الرئيس اليمني السابق الحوثيين والتقطوا صورة العميد طارق صالح - الذي قتل أيضاً - وهو يصلي الجمعة مع الجموع، حين نقلت قناة «اليوم» الصلاة، وأعادتها نكاية في الحوثيين أكثر من مرة في اليوم نفسه.
بُعيد الصلاة، ولأول مرة منذ احتجاجات 2014 التي أعقبت الانقلاب، سمعت شوارع في صنعاء هتافات ضد التمرد. خرج الناس من المسجد ورددوا «لا حوثي بعد اليوم»، وأردفوها بالهتاف الشهير «بالروح، بالدم، نفديك يا يمن».
الانتصار الإعلامي لدى الحوثيين أشد وقعاً. جُنّ جنون الميليشيات وهم يرون صورهم وصور صرختهم تمزق في الشوارع التي لم يتركوا ركناً فيها من دون إلصاق أو طبع الشعار. توجسوا خشية الزوال، ولملموا صفوفهم وحشدوا سريعاً.
في اليوم ذاته، خرج بيان عن حزب المؤتمر الشعبي يندد بعدم التزام الحوثيين بالتهدئة، وبأن مشاة الاحتفال بالمولد لم تتعرضهم قوات صالح بأذى. لكن قوات حوثية هاجمت العميد طارق عبد الله صالح، قائد قوات حرس صالح، وقتل 3 من أفراد حراسته. كما طال الهجوم المكثف عائلة صالح وقيادات من حزبه.
في تلك الليلة، عاشت صنعاء أجواء أكثر سخونة من تلك التي عاشتها في أغسطس (آب) وفي أعقاب احتفالية السبعين، وما تلاها من حوادث، أبرزها مقتل العسكري خالد الرضي.
الفرق بين الحادثتين، أن صالح ابتلع مقتل الرضي، لكنه ضاق ذرعاً بحصار الحوثيين وجشعهم وإجرامهم. أعلن هذه المرة فض الشراكة. دوى تصريحه كقنبلة غيرت مسار الشراكة، وأخذت تعزل الحوثيين.

اغتيال صالح
تعددت روايات القتل وتوحّد القاتل. فبين الاستدلال بمقاطع الفيديو التي ظهرت ببشاعة لتؤكد أنه لقي حتفه هارباً ضمن موكب سيارات رباعية الدفع، إلى نظرية موته مقاتلاً في منزله أعقبتها تجهيزات للتصوير. لكن بياناً نُسب إلى نجله أحمد نعى فيه والده، وأورد أنه قتل وهو في منزله. ويظهر أن البيان أكثر مصداقية من بيانات أخرى جرى نفيها. ولكن لا يزال مصير جثته غامضاً، ومن اللافت أنه «لم يجرؤ شيخ قبلي أو وجيه أو طرف المطالبة بها، إلا النساء اللائي قمعن وهوجمن في صنعاء»، وفقاً ليمني يعمل في مؤسسة حكومية فضّل عدم الإشارة إلى اسمه خشية الاستهداف.
يقول الدكتور مانويل ألميدا، الباحث في شؤون الشرق الأوسط، معلقاً: «إن قيادة الحوثيين ستأسف لقتل صالح من قبل ميليشياتهم الخاصة، إنها نقطة تحول محتملة في الصراع». وبينما تنقل وكالة «رويترز» عن مسؤول كبير في حزب صالح القول: «إن الحوثيين كانوا يريدون منه أن يسلم أسلحته وينزع سلاح مقاتليه، لكن صالح رفض، ذهب آخر إلى أنه جرى إعدام الرئيس السابق برصاصة في الرأس بعدما حاول الصمود في موقف دفاعي أخير داخل منزله». وهذه هي الفرضية التي تتطابق مع بيان نجله أحمد.

ملصقات الموت
جدير بالذكر، أنه سبق للسفير السعودي لدى اليمن محمد آل جابر أن قال: «إيران ترسل الموت إلى اليمن». والحقيقة أن هذه العبارة تصدق اليوم في شوارع صنعاء. إذ يقول يمني يدرس في العاصمة، اكتفى بالترميز إلى اسمه بـ«كريم.ش»: إن «أركان صنعاء باتت مملوءة بالملصقات: حوثي يرتدي بدلة، ويقولون شهيداً، حوثي مخزن، ويقولون شهيداً، حوثي لابس الجنبية، ويقولون شهيداً... الموت إن نجونا منه فهو يلاحقنا عبر هذه الملصقات. منذ رحيل صالح، والحوثيون أخذوا يحاولون بكل الطرق إذكاء التبريرات لإقناع اليمنيين بأنهم وأدوا الفتنة، لكن ذلك لن ينطلي علينا»، يقول كريم: «نعيش الرعب بكل ما تعنيه الكلمة من معنى».
وفي محاولة للهرب، يصعب جداً على الشخص إيجاد ملاذ بخلاف إذا كان من عائلة في ريف بعيد عن الاشتباكات، سواء الجارية في صنعاء أو الأخرى بين التحالف والانقلاب. ويقول الباحث البراء شيبان الناشط الحقوقي اليمني في حديث هاتفي معه: «لم أر رعباً بهذا الشكل في صنعاء من قبل. يبدو أن تنظيمهم (أي تنظيم الحوثيين) قوي، لا أحد يستطيع الخروج من صنعاء الآن من دون تفتيش دقيق، حتى في تفاصيل التفاصيل، مثل الهاتف وكافة الرسائل وحتى قائمة الأسماء يتم تفتيشها، الكومبيوتر المحمول... تحدثت مع أهلي في صنعاء قالوا إنهم يستمعون إلى مكبرات صوت تنادي في أوقات متفرقة بعدم الخروج (حظر تجول)، كأنك في كوريا الشمالية، وربما أسوأ».

دور القبائل
تتضارب الآراء حول دور القبائل، فهناك من يشعر بأن تأثيرهم مبالغ فيه، وهناك من خوّن بعضهم، في حين يطالب آخرون بمنح القبائل وشيوخها مزيداً من الوقت لامتصاص الصدمة، متكلين على أن كتلة قبلية لو تحركت بالكامل، وليس بمجاميع صغيرة أو متفرقة، فإنها ستحدث الفارق. وهنا يقول مسؤول يمني مقرب من قيادات المؤتمر في القاهرة: «حاشد مكسورة إلى حد كبير الآن، فمن يقودها اليوم؟ بيت الأحمر أمضوا فترة كبيرة بعيدين عن القبيلة، لكن إذا التأموا فالناس من الممكن أن يعودوا معهم. ومن القبائل التي تستطيع قلب المعادلة خولان... خولان مهمة جداً؛ فهناك بيت الرويشان وبني ظبيان وآل الشريف، وهي مجموعة لا بأس بها، لكن المشكلة أن الناس مكسورة الآن أيضاً». وأردف: «القوات الموجودة في صرواح لو وصلت إلى خولان قد يصطف معها الناس، ويبدو أن استراتيجية التحالف لو تحولت من الجو إلى الأرض لغدت النتائج أسرع من الميدان... وأيضاً هناك قبائل همدان، وقبائل أرحب (وهي تقريباً جميعها مع الشرعية)». وتجدر الإشارة إلى أن أبي علي، الحاكم المسؤول الحوثي القادم من صعدة، جمع القبائل (الموالية لعلي عبد الله صالح) قبيل مقتله بيوم واحد، وحاول أن يرسل رسالة مضمونها «ابتعدوا عن علي عبد الله صالح».. «بمعنى آخر أوصلوا لهم رسالة مفادها نحن الباقون وعلي عبد الله صالح زائل. وكانوا حتى يصرخون الصرخة الحوثية من خوفهم وخشيتهم» بحسب المسؤول اليمني.
بيد أن مقرباً من قيادات المؤتمر الشعبي العام - طالب إغفال اسمه أو منصبه - لديه قراءة أخرى؛ إذ يقول: «لا يجوز تخوين القبائل، مع أنه لا يصح الإفراط في الثقة بها. ما زالوا مؤثرين في اللعبة، بالسلاح والمقاتلين والأرض، إضافة إلى مداخل ومنافذ. وهم وإن ما عادوا رقماً صعباً، فليسوا بالضعف الذي يصوره ناشطو التواصل الاجتماعي».
ويروج شيوخ قبائل، بحسب مصادر إعلامية، رسائل مفادها «لو ضمنوا دعماً قوياً فإنهم سيقضون على الحوثيين، لكن هناك قدراً كبيراً من التوجس... فهم ليسوا طرفاً مضموناً». ثمة شيوخ تحدثوا عن مسألة شك وتخوين، ويقول أحدهم «مثلنا مثل كل اليمنيين متضايقين من الحوثيين ونكرههم؛ لأنهم دمروا البلاد وخربوها، وإذا وجدنا دعماً حقيقاً (ليس مالياً)، بل عسكرياً من خلفنا سنتقدم». ويضيف: «اليمنيون لا يريدون العيش في ظل الحوثيين، وبدأوا يتقبلون أي شيء يحصل لصنعاء إلا أن يحكمهم الحوثيون، كل الخيارات إلا الحوثي».
بدوره، يرى الباحث السياسي اليمني نجيب غلاب، أن مسألة تغيير ولاءات القبيلة ككتلة شعبية ونخبة قبلية «يعتمد أساساً على وجود قوة مسلحة قادرة على مساعدة القبائل في الخلاص من الضغط والسياسات الحوثية القهرية التي بدأت تفرضها الميليشيات عليهم».
يقول غلاب: «أعتقد أن القبائل المهمة تستطيع تحريك جبهات عسكرية باتجاه خولان وصولاً إلى سنحان. وممكن القبيلة كلها تنتفض... والحوثية لا تستطيع السيطرة على القبيلة إلا عبر القهر وتفجير المنازل. وحقاً هناك على الأقل 3 شيوخ في حاشد فُجّرت منازلهم. وصحيح أن بعض المشايخ الآخرين عقدوا صفقات مع الحوثية، لكنها ليست كبيرة، ولا ننسَ أن هناك عملية إنهاك لدى القبائل منذ بدء العمليات العسكرية، والقبائل بشقيها مع التحالف وضده رفدت بكثير من الرجال والسلاح، وهي نقطة يجب أن تؤخذ بعين الاعتبار».
ويتابع غلاب: «وضع الاقتصاد سيئ، ولا توجد أمام الناس خيارات للتحرك إلا إذا كانت هناك قوة عسكرية تؤمن وتضمن حمايتهم من الحوثية وتدعمهم عسكرياً». ويستطرد شارحاً: «ستتحول القبائل إلى حاضن للقوى العسكرية الطاردة للحوثية... وأمام ذلك، الحوثية قمعها مستمر إلا إذا انتفضت كتلة قبلية بالكامل، وليس بمجاميع صغيرة أو متفرقة. الانتفاض الكامل لقبيلة قد يحدث تغيراً لأنه يصعب على الحوثية قمعهم بشكل كامل ومحكم، ولو دخلوا في صراع فستدخل الحوثية في صراع كبير معهم».

مستقبل اليمن

يرى جوست هيلترمان، من «المجموعة الدولية للأزمات»، أن الأحداث الأخيرة ترجح احتمال تصاعد الحرب في اليمن، ويقول «رغم أن الحوثيين قوة عسكرية مهمة فهم لم يختبروا السياسة أو الحكم. تغلغلهم في أوساط الناس محدود ومع الوقت ستكون هذه ميزة لأعدائهم»، ويتابع: «لكن هذا لن يحدث في القريب العاجل؛ لذا يبدو أن الصراع سيتفاقم». أما جيرالد فايرستاين، السفير الأميركي السابق في اليمن الذي يعمل في «معهد الشرق الأوسط» في واشنطن، فيرى إن الحوثيين خاضوا الحرب بعدها بشكل كبير من دون صالح. ووفقاً لتقرير نشرته «رويترز» أمس كتب فايرستاين في نشرة سياسية: «كان صالح قد أصبح قوة مستنفدة إلى حد كبير بحلول الوقت الذي قتل فيه...».
عودة إلى مانويل ألميدا، الذي يقول: إن «المفاجأة الوحيدة لهذه الأحداث الأخيرة تتمثل في أن الأمر استغرق وقتاً طويلاً لكي ينهار الاتفاق بين صالح والحوثيين. ولم يحدث هذا الاشتباك في وقت سابق؛ لأن كلا الجانبين كان يخشى أن يؤدي كل منهما إلى مواجهة بعضهما بعضاً... وهو ما من شأنه أن يضعفهما حتى في الحرب ضد الشرعية والتحالف، لكن تبقى المسألة منذ الماضي مؤكدة أن تحالف الفريقين كان أشبه بالمستحيل». ويضيف أنه «بعيداً عن المظالم وانعدام الثقة التي تعود إلى حروب صعدة الستة، التي خاضها الطرفان منذ عام 2004، كانت هناك اختلافات عميقة بين الجانبين منذ ساعد مؤيدو صالح المقاتلين الحوثيين على الاستيلاء على العاصمة اليمنية. ويبدو تقريباً أنه كلما حاول الطرفان العمل معاً ازدادت خلافاتهما، وكان ذلك هو الحال عندما أعلن مؤيدو صالح من مؤتمر الشعب العام وقيادة الحوثي عن تشكيل حكومة مشتركة في صيف عام 2016. وهذا أدى فقط إلى تكثيف المنافسة على التأثير والموارد بين المجموعتين.
ويكمل ألميدا «...منذ استيلائهم على العاصمة عام 2014، تمكن المسلحون الحوثيون من كسب الكثير من النفوذ والسلطة على حساب صالح ومؤيديه في المؤتمر الشعبي العام. وفي الآونة الأخيرة، لم يعتمدوا على القوى المؤيدة للصالح لقيام بالمجهود الحربي ضد الحكومة اليمنية الشرعية كما هو الحال في بداية الصراع... لكن اغتيال صالح، إلى جانب الفوضى التي أطلقها المسلحون الحوثيون، على الأرجح، سيعملان على تحويل العديد من أنصار صالح والقوات العسكرية ضد الحوثيين. ويمكن أن يساعدا أيضاً في تجنيد القبائل الشمالية ضد الحوثيين».
ولكن ماذا عن المؤتمر الشعبي العام؟ يرى نجيب غلاب، أن الحوثية «ستحاول على إجبار مؤتمريي الداخل على محاولة إعادة تشكيل القيادة، وضخ قيادة ليصبح المؤتمر ذراعاً حوثية بشكل كامل، لصياغة مؤتمر (متحوث)، ليمتصوا قدر الإمكان المؤتمريين والقوى الأخرى، وستجبرهم لاحقاً بتشكيل ضغط». ويعتقد غلاب أنه «يجب إعادة ترتيب أوراق المؤتمر وتماسكه، ويحتاج إلى التعامل بواقعية مع إعادة ترتيب قياداته وبناء جبهة موحدة بين كافة أجنحته، والجناح المنتفض في 2 ديسمبر (كانون الأول)، قدرته ما زالت قوية وبإمكان المؤتمريين إحداث تغير جذري لبناء لُحمة واحدة في إدارة المعركة ضد الحوثية، وليس سياسياً وحسب، لكنه سيمكن القوى الموالية للمؤتمر أن تحارب، سواء كانت عسكرية أو أمنية أو قبلية».
ثم يقول: «الحوثية من ناحية فعلية تعيش في عزلة. قوتها فقط في الإفراط باستخدام السلاح، ولديها مجاميع مسلحة، لكنها في الأخير أصبحت تواجه غضباً داخلياً، لا تمتلك تحولها في المحيط القبلي والمدني أي قبول».
ويكمل «هناك ردة فعل شعبية غاضبة ستلاحق الحوثية، خصوصاً الجرائم التي ترتكبها الآن والإعدامات وحدت إجماعاً وطنياً ضدهم، فهي لا تستطيع تقديم خدمات للمواطن وبداية تحرير الحديدة ضغط عليها... من في صنعاء أصبحوا كالرهائن». ويختم غلاب بتوقع «ظهور تمردات مسلحة عبر ترتيب أوراق بعض قوى المؤتمر العسكرية الباقية بشكل آخر».



مصر تُنسِّق مع اليونان لاستعادة جثامين ضحايا غرق مركب هجرة غير شرعية

سفير مصر لدى اليونان يستقبل أقارب ضحايا مركب هجرة غير شرعية (الخارجية المصرية)
سفير مصر لدى اليونان يستقبل أقارب ضحايا مركب هجرة غير شرعية (الخارجية المصرية)
TT

مصر تُنسِّق مع اليونان لاستعادة جثامين ضحايا غرق مركب هجرة غير شرعية

سفير مصر لدى اليونان يستقبل أقارب ضحايا مركب هجرة غير شرعية (الخارجية المصرية)
سفير مصر لدى اليونان يستقبل أقارب ضحايا مركب هجرة غير شرعية (الخارجية المصرية)

تُنسِّق السلطات المصرية مع نظيرتها في اليونان، سعياً للحصول على جميع البيانات الخاصة بغرق 21 مهاجراً مصرياً كانوا على متن قارب متجه إلى اليونان، قبل نحو أسبوع، بما يشمل حصر عدد الضحايا وإعادة جثامينهم إلى مصر، وكذلك معرفة مصير من تم إنقاذهم.

ووفق بيان نشرته وزارة الخارجية المصرية، الاثنين، التقى سفير مصر لدى اليونان، عمر عامر، بمقر السفارة، أقارب ضحايا الحادث الذي وقع أمام جزيرة كريت، معرباً عن خالص التعازي والمواساة لأسر الضحايا.

وكانت «الخارجية» المصرية قد أعلنت في 25 فبراير (شباط) الماضي غرق 21 مصرياً كانوا على متن قارب متجه إلى اليونان انطلاقاً من إحدى الدول المجاورة، وعلى متنه 50 من المهاجرين غير الشرعيين. وذكرت أن 18 مصرياً من الغرقى ما زالوا مفقودين، بينما تأكد مصرع ثلاثة.

وفي لقائهم مع السفير، استفسر أقارب الضحايا عما خلصت إليه جهود السفارة لمتابعة تداعيات الحادث، والإجراءات المتخذة لإعادة الجثامين إلى مصر، ومتابعة أحوال المواطنين الذين أمكن إنقاذهم.

وأكد السفير عامر أن السفارة تواصل تكثيف اتصالاتها مع السلطات اليونانية منذ وقوع الحادث، سعياً للحصول على كافة البيانات الخاصة بالناجين، وأيضاً بيانات المتوفين حتى يتسنى إبلاغ ذويهم، مناشداً أبناء الجالية عدم الاستماع ولا التعامل مع أي جهة غير رسمية تدعي تسهيل السفر أو توفير فرص عمل في الخارج.

مهاجرون تم إنقاذهم بعد غرق مركبهم الذي انطلق من سواحل ليبيا باتجاه أوروبا (أرشيفية- أ.ب)

وجدد السفير التحذير من الهجرة غير الشرعية، وما تنطوي عليه من مخاطر جسيمة، وقال: «الوقت حان للتوقف تماماً عن محاولات الهجرة غير الشرعية، لما تسببت فيه من فقدان العديد من خيرة شباب مصر»، راجياً أن تكون هذه الحادثة «هي الأخيرة، حفاظاً على أرواح المواطنين المصريين». وأكد أنه «لا بديل عن الالتزام بالمسارات القانونية والآمنة للهجرة».

وأضاف: «اتفاق العمالة الموسمية يعد الوسيلة الأمثل للحصول على فرصة عمل آمنة وقانونية، وهو ما تقوم السفارة بتنفيذه حالياً مع الجانب اليوناني الذي يرحب بالعمالة المصرية، لما تتمتع به من سمعة طيبة».

وأعرب عامر عن ترحيب السفارة دائماً باستقبال أبناء الجالية للاستماع إلى ما لديهم من شواغل ومطالب، داعياً إلى اجتماعات دورية معهم لمتابعة مشكلاتهم، حتى تتسنى إثارتها مع الجانب اليوناني لمعالجتها.

وسبق أن أعلنت وزارة الخارجية المصرية في ديسمبر (كانون الأول) الماضي وفاة 14 مواطناً في حادث غرق مركب بالقرب من ميناء جزيرة كريت اليونانية، كان على متنه 34 من المهاجرين غير الشرعيين من جنسيات مختلفة.


إسقاط مُسيرات فوق مطار أربيل بشمال العراق

تصاعد الدخان واللهب قرب مطار أربيل الدولي بكردستان العراق عقب انفجارات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي في عمليات اعتراض مكثفة أمس (د.ب.أ)
تصاعد الدخان واللهب قرب مطار أربيل الدولي بكردستان العراق عقب انفجارات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي في عمليات اعتراض مكثفة أمس (د.ب.أ)
TT

إسقاط مُسيرات فوق مطار أربيل بشمال العراق

تصاعد الدخان واللهب قرب مطار أربيل الدولي بكردستان العراق عقب انفجارات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي في عمليات اعتراض مكثفة أمس (د.ب.أ)
تصاعد الدخان واللهب قرب مطار أربيل الدولي بكردستان العراق عقب انفجارات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي في عمليات اعتراض مكثفة أمس (د.ب.أ)

اعترضت الدفاعات الجوية طائرتين مُسيّرتين، على الأقل، باكراً، صباح اليوم الاثنين، قرب مطار أربيل، عاصمة إقليم كردستان في شمال العراق الذي يضم قواعد أميركية، وفق ما أفاد مصوِّر «وكالة الصحافة الفرنسية».

ويجري اعتراض مسيّرات باستمرار فوق أربيل منذ بدء الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران، حيث تتعرض أربيل، التي يقع بها أيضاً مجمع ضخم للقنصلية الأميركية، لهجمات بمُسيرات تُسقطها الدفاعات الجوية.

يأتي ذلك فى الوقت الذي أعلن فيه فصيل عراقي يُعرف بـ«سرايا أولياء الدم»، فجر اليوم، أنه شن هجوماً بسِرب من الطائرات المُسيرة استهدف قاعدة «فكتوريا» العسكرية في مطار بغداد الدولي.

وقال الفصيل المسلَّح، في بيان: «التزاماً منا بتكليفنا الشرعي وقصاصاً للقائد علي الخامنئي ودعماً للجمهورية الإسلامية الإيرانية، نفّذ مجاهدونا، اليوم الاثنين، هجوماً بسِرب من الطائرات المُسيرة استهدف قاعدة فكتوريا العسكرية في مطار بغداد».


حكومة الزنداني أمام اختبار صعب لمواجهة منظومة الفساد

الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)
TT

حكومة الزنداني أمام اختبار صعب لمواجهة منظومة الفساد

الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)

تسعى الحكومة اليمنية الجديدة بقيادة شائع الزنداني، لتنفيذ التزامها بالإصلاحات المالية والإدارية، بهدف استعادة الثقة المحلية والدولية في مواجهة تغول الفساد، الذي أظهر تقرير دولي وقوع البلاد ضمن أسوأ 5 بلدان حول العالم في مكافحته، في حين يرى خبراء أن التحدي يتجاوز الإرادة السياسية المعلنة، ليمسّ بنية النظام الاقتصادي والسياسي نفسه.

ووقع اليمن ضمن أسوأ الدول أداءً عالمياً في مكافحة الفساد بالقطاع العام، بعد أن احتلّ المرتبة 177 من أصل 182 دولة في مؤشر مدركات الفساد لعام 2025 الصادر عن منظمة الشفافية الدولية، في تصنيف يعكس انهيار منظومة الحوكمة والمساءلة في الدولة المنقسمة بفعل الحرب، إلى جانب تفشي الرشوة والجبايات غير القانونية.

وتواجه الحكومة اليمنية ضغوطاً داخلية وخارجية لإظهار تقدم ملموس في مكافحة الفساد، خصوصاً مع ارتباط الدعم الدولي بإصلاحات مالية ومؤسسية، وتتعامل حالياً مع البيئة السياسية والأمنية المنقسمة التي تجعل أي إصلاح عميق محفوفاً بتوازنات قوى معقدة.

وتعهد رئيس الحكومة اليمنية الجديدة، شائع الزنداني، مطلع هذا الشهر، بمنح الأولوية لمكافحة الفساد وتعزيز الأداء المؤسسي وتحسين ظروف المعيشة والخدمة للمواطنين، وتسريع الإجراءات ورفع مستويات الأداء.

بعد تشكيل الحكومة الجديدة ينتظر اليمنيون إصلاحات جادة تنهي معاناتهم وتردي المعيشة (رويترز)

ويؤكد فارس النجار، مستشار مكتب الرئاسة اليمنية للشؤون الاقتصادية، أنه لم يعدْ ممكناً اختصار معركة الفساد في إجراءات جزئية أو حملات إعلامية؛ بل بإعادة بناء منظومة الحوكمة المالية وفي بنية مؤسسية واضحة تربط بين السياسة المالية والسياسية النقدية، وتعزز الشفافية والمساءلة في إدارة المال العام.

ويوضح النجار لـ«الشرق الأوسط»، أن الحكومة عملت على مسارات متكاملة مع الشركاء الدوليين؛ مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، وركزت الأولويات على إصلاح الإدارات المالية العامة وضبط الإنفاق، وتطوير بعض آليات التحصيل، وهو ما انعكس في كثير من المشاريع الداعمة للتوجه نحو الحوكمة المالية والنقدية.

ولا تزال مؤسسات الرقابة القضائية والإدارية في اليمن ضعيفة ومن دون استقلالية تامة، مما يجعل تنفيذ مكافحة الفساد وتطبيق القوانين بشكل موحد وفعّال، أمراً صعباً في بيئة سيادية ضعيفة.

إعادة تعريف الفساد

يبدو تراجع اليمن في مؤشر الفساد أكثر من مجرد نتيجة ظرفية للحرب الممتدة لأكثر من عقد؛ بل هو انعكاس لتحول الفساد من ظاهرة إدارية إلى مكوّن بنيوي في اقتصاد الحرب، ومع استمرار هذا الواقع، يبقى أي معالجات نقدية أو مالية محدود الأثر، ما لم يمسّ جوهر العلاقة بين السلطة والموارد والسلاح.

وقفة احتجاجية في مدينة تعز (قبل سنوات) احتجاجاً على استمرار تردي المعيشة بسبب الفساد (أ.ف.ب)

ويقدّم الأكاديمي اليمني المتخصص في الاقتصاد السياسي للحرب، يوسف شمسان، قراءة بنيوية لأسباب تراجع اليمن في المؤشر، ويؤكد أن الفساد في مرحلة ما قبل الحرب لم يكن انحرافاً عن النظام؛ بل كان جزءاً من آليته التشغيلية.

ووفقاً للتحليل الذي طرحه شمسان لـ«الشرق الأوسط»، مثّل الفساد أداة لضمان استمرار الاختلالات الهيكلية، من خلال تعطيل القوانين وتحويل المؤسسات إلى أدوات لحماية النخبة السياسية والاقتصادية، وبهذا المعنى، لم تكن مكافحة الفساد خياراً واقعياً داخل النظام، لأن محاربته كانت ستعني المساس بأسسه.

وبحسب شمسان، فإن التحول الأخطر حدث بعد اندلاع الحرب، عندما انتقل الفساد من الحماية بالقانون والمؤسسة إلى الحماية بالقوة والسلاح، وأصبح جزءاً من اقتصاد الحرب، ومصدراً رئيسياً للريع والتمويل، ليتمركز في قطاعات سيادية حاسمة، مثل الجيش والأمن والنفط والغاز والمالية العامة والبنك المركزي والكهرباء والمساعدات الإنسانية.

لم تنجُ المساعدات الإنسانية في اليمن من الفساد الذي حولها إلى مورد ريعي وسوق سوداء (رويترز)

وشهدت البلاد خلال سنوات الحرب، إنشاء قوات عسكرية وأمنية وهمية، وازدواجية في مرتبات المنتمين إلى هذين القطاعين، إضافة إلى فساد في عقود الإمداد، وتهريب الوقود والسلاح، بينما أبرمت عقود غير شفافة في قطاع الطاقة إلى جانب إيرادات خارج الموازنة، وتحويل الموارد إلى شبكات نفوذ مسلحة.

اختبار الإرادة

في ظل هذه التعقيدات، تراجع سعر العملة اليمنية بشكل كبير، متسبباً في انهيار القدرة الشرائية وتردي المعيشة بفعل سوء إدارة سعر الصرف، ونهب الإيرادات، وشبكات التحويل غير القانونية، فيما استشرى الفساد بعقود قطاع الكهرباء، وتحولت المساعدات الإنسانية إلى مورد ريعي وسوق سوداء.

من جهته، يرى الباحث الاقتصادي اليمني عبد الحميد المساجدي، أن ترتيب اليمن المتأخر في مؤشر الشفافية الدولية ليس مفاجئاً؛ بل يمثل «تأكيداً رقمياً» على انهيار مؤسسات الدولة.

يمني رفقة أطفاله قرب مخيم للنزوح في مأرب حيث يعاني النازحون من سوء إدارة المساعدات الإنسانية (رويترز)

ويلفت، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن المؤشر يقيس الرشوة، ويعكس ضعف الحوكمة، وتسييس الموارد العامة، وتآكل منظومة الرقابة والمساءلة.

ويعدد المساجدي أبرز مظاهر الفساد خلال السنوات الأخيرة، كازدواجية المؤسسات المالية والنقدية التي أنتجت تضارباً في القرارات وإضعافاً لاستقلال السياسة النقدية، والتوسع في الإنفاق غير المنتج، وغياب الانضباط في إدارة الإيرادات، خصوصاً في القطاعات السيادية واقتصاد الامتيازات والاحتكارات المرتبط بشبكات النفوذ، ما شوّه بيئة المنافسة وأقصى القطاع الخاص الحقيقي.

ويبين أن هذه الممارسات لم تبقَ في إطار الانحراف الأخلاقي؛ بل تحولت إلى عامل اقتصادي مباشر لتآكل العملة، وارتفاع تكلفة الاستيراد، وتراجع الاستثمار المحلي والأجنبي، وزيادة المخاطر السيادية وتكلفة التمويل.

الفساد في اليمن تحول من ظاهرة إدارية إلى مكوّن بنيوي في اقتصاد الحرب (رويترز)

وبينما ينبه النجار إلى أن برامج التعاون مع البرنامج السعودي لإعادة إعمار اليمن، لم تقتصر على تقديم الدعم المالي؛ بل تضمنت شروطاً لمعايير الحوكمة وآليات الإنفاق وتحسين الخدمات، يتوقع أن تشهد الفترة المقبلة تركيزاً أكبر على عدد من الإجراءات العملية؛ كتفعيل الحساب الحكومي الموحد وإقرار الموازنة العامة، وتوسيع نطاق الرقمنة.

ويشدد شمسان على أن الدولة التي لا تحتكر العنف والإيراد والقرار لا تستطيع فعلياً محاربة الفساد. وضمن اقتصاد الحرب، وفق قوله، يصبح الفساد عقلانياً ومربحاً ومحمياً بالقوة، ما يجعل الخطاب الإصلاحي غير كافٍ ما لم يُكسر هذا المنطق البنيوي، حيث تكمن نقطة الانطلاق الحقيقية في كسر الحلقة التي جعلت الفساد جزءاً من اقتصاد الحرب.

ولا يستبعد المساجدي إمكانية التحسن؛ لكنه يربطه بشروط واضحة مثل توحيد المؤسسات المالية، وتعزيز استقلال البنك المركزي، وتفعيل أجهزة الرقابة، ورقمنة الإيرادات والجمارك والضرائب، وشفافية كاملة على الموارد السيادية، وربط أي دعم خارجي بإصلاحات قابلة للقياس.