عبد الله دوكوري... الصبر والمعاناة صنعا منه نجماً

مسيرة اللاعب الفرنسي كانت مليئة بالصعاب والعقبات حتى بات عنصراً أساسياً في واتفورد

TT

عبد الله دوكوري... الصبر والمعاناة صنعا منه نجماً

يقدم نادي واتفورد أداء رائعا جعله إحدى أبرز مفاجآت الموسم الحالي للدوري الإنجليزي الممتاز، ويعود الفضل في ذلك بصورة جزئية إلى التألق اللافت للاعب خط الوسط الفرنسي عبد الله دوكوري، الذي نجح أخيرا في إظهار قدراته وإمكاناته الكبيرة. ويتميز دوكوري باللياقة البدنية الكبيرة والقدرة على الاستحواذ على الكرة وتمريرها بشكل رائع، فضلا عن قدرته على تسجيل الأهداف، والمساهمة في إحرازها مع فريقه في الموسم الحالي. وقد واجه اللاعب الفرنسي الكثير من العقبات التي أخرت حصوله على فرصة مناسبة لإظهار قدراته الفنية.
يقول دوكوري: «لم أستسلم مطلقا، وكنت أعرف دائما كيف أكون صبورا»، مشيرا إلى أنه تعرض لإصابة خطيرة في نفس الركبة مرتين كما واجه وضعا معقدا كان سيجبره على الرحيل عن واتفورد حتى قبل أن يلعب أي مباراة مع الفريق، لولا تأخر أوراق انتقاله لمدة 33 ثانية فقط. يقول دوكوري: «كوني ثاني أصغر ثمانية أشقاء ساعدني كثيرا، إذ كان يتعين علي دائما أن أنتظر دوري، حتى لو كان للذهاب للعب (البلاي ستيشن). وكان يتعين عليك أن تضمن أنك ستستغل الفرصة جيدا عندما تأتي. وينطبق نفس الأمر على كرة القدم».
وفي عام 2010، وصف دوكوري بأنه أحد النجوم الصاعدة بقوة في عالم كرة القدم الأوروبية، رغم أنه كان قد فشل قبل ثلاث سنوات في الالتحاق بأكاديمية كليرفونتين الفرنسية المرموقة. يقول دوكوري: «كان ذلك الأمر محبطا للغاية، لأنها أكاديمية أسطورية وكنت أحلم بالانضمام لها، لكن ذلك جعلني أكثر إصرارا على الالتحاق بأحد الأندية». ويتميز دوكوري بقدرته على الحديث بلباقة كبيرة. يقول مدرس التربية الرياضية السابق لدوكوري، مايكل بيلين، إن شخصية دوكوري تتسم بالتصميم والإرادة، وهو ما يعد نقطة قوة كبيرة لديه. وعندما كان دوكوري يبلغ من العمر 12 عاما انتخبه زملاؤه كأحد مستشاري المدرسة على المستوى المحلي، واستخدم منصبه للضغط على الحكومة المحلية لبناء مرافق كرة القدم مناسبة غرب العاصمة الفرنسية باريس، حيث نشأ مع والديه اللذين يعود أصلهما إلى مالي.
لم يتمكن دوكوري من الانضمام لأي ناد حتى كان عمره 11 عاما، وعن ذلك يقول: «لكي أذهب إلى النادي الوحيد الموجود في المنطقة التي كنت أعيش بها كان يتعين علي عبور طريق مزدحم للغاية، ولم تكن والدتي ترغب في ذلك. ولم توافق على ذلك إلا عندما ذهب إليها سكان آخرون وقالوا لها: (يجب عليك أن تسمحي له بالذهاب، فالأشياء أكثر تنظيما هناك، وسيكون قادرا على النجاح)». وبالإضافة إلى عمله في مجال التعليم، كان بيلين يعمل كشافا لنادي رين ورشح دوكوري للانضمام للنادي. انضم دوكوري إلى نادي رين وقدم أداء رائعا أهله للانضمام لصفوف المنتخب الفرنسي في مراحل عمرية مختلفة. وفي عام 2010، صنع هدفا لبول بوغبا لاعب خط وسط مانشستر يونايتد حاليا في المباراة التي خسرتها فرنسا بهدفين مقابل هدف وحيد في الدور نصف النهائي لكأس الأمم الأوروبية تحت 17 عاما أمام المنتخب الإنجليزي، الذي كان خط وسطه يضم ناثانيل تشالوبا، الذي يلعب إلى جوار دوكوري الآن في واتفورد.
يقول دوكوري: «كان هذا أول شيء تحدثنا عنه عندما التقينا هنا مرة أخرى. أتذكر أنني كنت معجبا للغاية بأدائه وأداء بعض لاعبي المنتخب الإنجليزي آنذاك، مثل مهاجم كريستال بالاس حاليا كونور ويكهام، الذي سجل هدفي المنتخب الإنجليزي في تلك المباراة. لقد كانت مباراة جيدة ووقتا ممتعا لأن المنتخبين الفرنسي والإنجليزي كانا يقيمان في نفس الفندق، وبعد ذلك لعبنا تنس الطاولة سويا. أتذكر أنني دخلت في حوار مع المهاجم الإنجليزي ذي الأصل الكونغولي الذي يلعب لفريق بورنموث حاليا بينيك أفوبي، على وجه التحديد، لأن بول بوغبا كان يعرفه وكان يجيد الحديث باللغة الفرنسية».
وبعد وقت قصير من تلك المسابقة، تعرض دوكوري لأول إصابة خطيرة وكانت عبارة عن قطع في الرباط الصليبي للركبة اليسرى. يقول دوكوري عن ذلك: «قلت لنفسي إنه لا يوجد أي شيء سيمنعني من استكمال مسيرتي الكروية، لكنه في الحقيقة كان وقتا صعبا للغاية، خاصة أنني لم أكن قد أصبحت لاعبا محترفا بعد. لكن نادي رين كان يثق في قدراتي ووقع عقدا جديدا معي رغم أنني كنت مصابا، وأعتقد أنني قد رددت الدين للنادي في السنوات التالية». وأخيرا، شارك دوكوري في أول مباراة له مع الفريق الأول لنادي رين عام 2013 وترك بصمة واضحة وأحرز هدفا في تلك المباراة. لكن في وقت لاحق من هذا العام، تعرض لنفس الإصابة مرة أخرى، ليخرج من تشكيلة المنتخب الفرنسي المشاركة في نهائيات كأس العالم تحت 20 عاما، وهي البطولة التي نجح المنتخب الفرنسي في الحصول عليها.
يقول دوكوري: «كان الغياب عن تلك البطولة ضربة قوية للغاية بالنسبة لي، لكنني قلت لنفسي مرة أخرى: الطريقة الوحيدة لتعويض ذلك هي التألق مع الفريق الأول لنادي رين». وخلال فترة تعافيه من الإصابة، حصل دوكوري على دعم كبير من ابن عمه لادجي دوكوري، بطل العالم السابق في سباق 110 أمتار حواجز. يقول دوكوري: «لم نكن نعرف بعضنا البعض جيدا عندما كنا صغارا، لأنه كان يعيش في مكان بعيد عن المكان الذي كنت أعيش به، لكننا بدأنا نعرف بعضنا البعض بصورة أفضل بعد ذلك، وساعدني كثيرا لأنه كان قد تعرض لإصابات خطيرة قبل ذلك. لقد طالبني بأن أحافظ على تركيزي وأن أعمل بجدية كبيرة وألا أكون أنانيا. ومن بين الأسباب التي جعلتني أريد أن أكون لاعب كرة قدم هو أن أساعد عائلتي وأصدقائي من الناحية المالية، وكان هذا أحد الأسباب أيضا التي أمدتني بالقوة من أجل الاستمرار رغم الصعوبات التي واجهتها».
وأضاف دوكوري: «كان الشيء الجيد يتمثل في أنني كنت أعرف على الأقل أنني قادر على العودة لأنني قد فعلت ذلك بالفعل من قبل بعد تعرض للإصابة الأولى. لكن هذه التجربة جعلتني أفكر بصورة أفضل وتعلمت أن أعتني بنفسي كثيرا وأن أكون أكثر قوة وأن أبني عضلاتي بصورة أفضل. وما زلت أعمل على ذلك كل يوم في صالة الألعاب الرياضية. يتعين عليك أن تعرف إمكاناتك البدنية جيدا، وهو ما يعني أيضا أنه يجب عليك أن تعرف متى تحصل على قسط من الراحة. في بعض الأحيان، يتعامل المدير الفني مع الأمر ويمنحني راحة لمدة يوم حتى أعود بصورة أفضل بعد ذلك».
وسرعان ما استعاد دوكوري مستواه القوي بعد العودة من الإصابة وجذب أنظار نادي واتفورد، الذي حاول الحصول على خدماته في صيف 2015، رفض دوكوري ذلك العرض لأن زوجته كانت حاملا ولم يكن يرغب في الانتقال. لكن واتفورد أعاد المحاولة مرة أخرى بعد ستة أشهر ووافق رين على عرض بقيمة ثمانية ملايين جنيه إسترليني. وانتقل دوكوري على الفور إلى نادي غرناطة الإسباني على سبيل الإعارة. يقول دوكوري: «لم أكن أتوقع ذلك، لكنهم قالوا لي: لدينا عدد كبير من لاعبي خط الوسط هنا ويجب عليك أن تذهب لتساعد غرناطة على تجنب الهبوط. وبالفعل قمت بذلك، كما أن اللعب في إسبانيا قد ساعدني على أن أصبح أفضل من الناحية الفنية، لأن كرة القدم هناك تتسم بالسرعة والقوة واللعب من لمسة واحدة، حتى في التدريبات».
ويضيف: «لكن الدوري الإنجليزي أكثر إثارة ويعتمد على الناحية الهجومية بصورة أكبر، وهذا هو المكان الذي كنت أرغب دائما في اللعب به، لأنني رأيت لاعبين مثل لاعب خد وسط مانشستر سيتي الإيفواري يايا توريه ولاعب خط وسط آرسنال السابق أبو ديابي يتألقون هنا، وهم من نوعية لاعبي خط الوسط الذين أريد أن أكون مثلهم، من حيث الركض بالكرة في المساحات الخالية. لعبت بشكل جيد في إسبانيا، وكنت أعتقد أنني سأدخل التشكيلة الأساسية لنادي واتفورد بشكل أسرع مما حدث بالفعل لدى عودتي. لكن اتضح أن المدير الفني للفريق آنذاك الإيطالي والتر ماتزاري لم يكن يثق في قدراتي. وكنت أتساءل في بعض الأحيان عن السبب الذي جعل النادي يتعاقد معي من الأساس! في فرنسا من الصعب أن تفهم أن يقوم أحد الأندية بإنفاق ملايين الجنيهات على شراء لاعب ثم لا يشركه في المباريات، لكن في إنجلترا قد لا يشركون اللاعب في المباريات ولا يندمون على ذلك لأنهم يملكون الكثير من الأموال».
وفي اليوم الأخير من فترة الانتقالات الصيفية لعام 2016، بعد مشاركة وحيدة في التشكيلة الأساسية لواتفورد وكان ذلك في كأس رابطة الأندية الإنجليزية المحترفة أمام غيلينغهام، كان دوكوري على متن طائرة خاصة في مطار لوتون في طريقه إلى نادي لوريان الفرنسي للعب على سبيل الإعارة. لكن الرحلة ألغيت بعدما وصلت أوراق الصفقة إلى الاتحاد الدولي لكرة القدم (الفيفا) بعد 33 ثانية فقط من انتهاء فترة الانتقالات الصيفية. لذلك، استمر دوكوري في انتظار الحصول على فرصة من أجل إثبات قدراته مع نادي واتفورد. وحصل دوكوري على تلك الفرصة بعد أربعة أشهر بسبب الإصابات التي عصفت بالفريق.
شارك دوكوري في أول مباراة له مع واتفورد في الدوري الإنجليزي الممتاز أمام توتنهام هوتسبير في يوم رأس السنة الجديدة عام 2017، وكان ذلك يتزامن مع عيد ميلاده الرابع والعشرين. خسر واتفورد هذه المباراة بأربعة أهداف مقابل هدف وحيد، لكن دوكوري قدم أداء لافتا للأنظار ونجح في حجز مكانه في التشكيلة الأساسية بعد ذلك، وأصبح يلعب دورا محوريا في الفريق بعد رحيل المدير الفني السابق ماتزاري والتعاقد مع ماركو سيلفا خلال الصيف الجاري لقيادة الفريق. يقول دوكوري، الذي يؤمن بأن سيلفا والكثير من لاعبي فريق واتفورد قادرون على تحقيق نتائج عظيمة: «أخبرني فور توليه مسؤولية الفريق بأنه يتوقع أن أكون لاعبا مهما للغاية في طريقة لعبه».
وأضاف: «إنه طموح مثل بعض اللاعبين هنا والذين أعتقد أنهم سينتقلون إلى أندية أكبر يوما ما. إنه يهتم بأدق التفاصيل وقريب للغاية من اللاعبين، ويعتمد على المنافسة من أجل أن يبذل الجميع قصارى جهدهم ويقدمون أفضل ما لديهم، في الوقت الذي يحافظ فيه على العمل الجماعي بين الفريق. بالنسبة لي، نصحني فيما يتعلق بالتمركز داخل الملعب وكيفية اتخاذ القرارات بصورة أفضل. العمل معه ممتع للغاية، ويشرح لنا كثيرا عبر الفيديو كيف نلعب كفريق أو حتى بصورة فردية. وبالنسبة لي، كان يركز معي على الأشياء الجيدة التي أقوم بها وكذلك على الأخطاء التي أرتكبها حتى أتجنبها في المستقبل. لقد يساعدني حقا على تطوير قدراتي».
وكان سيلفا رفض الشهر الماضي الإفصاح عن طبيعة مستقبله مع واتفورد. وزعمت تقارير في وسائل إعلام بريطانية أن إيفرتون لا يزال يسعى لتولي سيلفا المسؤولية خلفا لرونالد كومان في غوديسون بارك. ورفض واتفورد بالفعل عرضا من إيفرتون في هذا الصدد. وقال متحدث باسم واتفورد لشبكة سكاي سبورتس آنذاك: «لن نؤيد أي مفاتحة للتعاقد مع مدربنا سواء من إيفرتون أو من أي فريق آخر سواء ينافس في الدوري الإنجليزي الممتاز أو في الخارج».
وعند سؤاله عن مدى التزامه بالبقاء مع واتفورد عقب الأداء الذي دفع فريقه للتقدم للمركز الثامن في الدوري الممتاز، رد سيلفا بإجابات غامضة.
وقال سيلفا في مقابلة مع محطة سكاي سبورتس: «ليس لدينا أي مصدر للإلهاء. نعرف ما يجب أن نقوم به. قمنا بعمل رائع حتى الآن وبذل اللاعبون أقصى الجهد كما أدوا بشكل جيد حقا ونحن نستحق الوجد في هذا المركز بل أعلى منه».
وأضاف: «مستقبلي هو هذا الموسم. سنواصل الاستعداد. وضعنا خطط الحصص التدريبية الجديدة بالفعل. هذا هو مستقبلي». وتابع: «أفهم الأسئلة جيدا لكن هناك بعض الأشياء التي لا يمكن التحكم فيها. أدرك ما بيدي حاليا وهو الموسم الحالي. اللاعبون يدركون مدى التزامي وهناك أمور في كرة القدم لا يمكن التحكم بها وأي شيء قد يحدث».


مقالات ذات صلة

الاتحاد البريطاني يستبعد ريتشاردسون من بطولة العالم للدراجات

رياضة عالمية ماثيو ريتشاردسون خارج فريق بريطانيا بمونديال الدراجات (رويترز)

الاتحاد البريطاني يستبعد ريتشاردسون من بطولة العالم للدراجات

أعلن الاتحاد البريطاني للدراجات، الاثنين، استبعاد ماثيو ريتشاردسون من المشاركة في بطولة العالم المقررة في شنغهاي.

«الشرق الأوسط» (لندن)
رياضة عالمية قالت أليكس كولفين مديرة كرة القدم النسائية في الاتحاد الدولي للاعبين المحترفين «فيفبرو» (رويترز)

الأندية تعرض تجميد بويضات اللاعبات... حماية للمستقبل أم ضغط لتأجيل الأمومة؟

قالت أليكس كولفين مديرة كرة القدم النسائية في الاتحاد الدولي للاعبين المحترفين (فيفبرو).

«الشرق الأوسط» (مانشستر )
رياضة عالمية سحابة من الشكوك تخيم على «البريميرليغ» بسبب الاتهامات الموجهة إلى مانشستر سيتي (أ.ف.ب)

سحابة من الشكوك تخيم على «البريميرليغ» بسبب الاتهامات الموجهة إلى مانشستر سيتي

خرج مانشستر سيتي سالماً من استقبال عدائي في «أنفيلد»، خلال أول مباراة له منذ صدور حكم بإدانته في قضية مخالفات مالية واسعة النطاق.

«الشرق الأوسط» (ليفربول (المملكة المتحدة))
رياضة عالمية روبرتو دي تشيربي (رويترز)

مدرب توتنهام يرى بوادر تحسُّن رغم استمرار غياب الانتصارات

يواصل فريق توتنهام بحثه عن أول انتصار له في الدوري الإنجليزي الممتاز هذا الموسم، ولكن مدربه روبرتو دي تشيربي يتوجه بفريقه إلى إسبانيا لإقامة معسكر تدريبي.

«الشرق الأوسط» (لندن )
رياضة عالمية هل يخطف لامين يامال الكرة الذهبية هذا العام؟ (إ.ب.أ)

يامال يزاحم هاري كين على الكرة الذهبية... هل قدّم ما يكفي للفوز بالجائزة؟

لامين يامال يراهن على المهارة والتأثير في المباريات، في حين يستند هاري كين إلى أرقام تهديفية استثنائية في سباق يبدو أكثر تقارباً من أي وقت مضى.

The Athletic (برشلونة)

هل تعود كأس أمم أفريقيا لنظام العامين؟

رئيس الاتحاد الأفريقي لكرة القدم «الكاف» باتريس موتسيبي ورئيس الـ«فيفا» جياني إنفانتينو يحييان الجماهير من المنصة الشرفية خلال بطولة كأس الأمم الأفريقية 4 يناير 2026 (أ.ب)
رئيس الاتحاد الأفريقي لكرة القدم «الكاف» باتريس موتسيبي ورئيس الـ«فيفا» جياني إنفانتينو يحييان الجماهير من المنصة الشرفية خلال بطولة كأس الأمم الأفريقية 4 يناير 2026 (أ.ب)
TT

هل تعود كأس أمم أفريقيا لنظام العامين؟

رئيس الاتحاد الأفريقي لكرة القدم «الكاف» باتريس موتسيبي ورئيس الـ«فيفا» جياني إنفانتينو يحييان الجماهير من المنصة الشرفية خلال بطولة كأس الأمم الأفريقية 4 يناير 2026 (أ.ب)
رئيس الاتحاد الأفريقي لكرة القدم «الكاف» باتريس موتسيبي ورئيس الـ«فيفا» جياني إنفانتينو يحييان الجماهير من المنصة الشرفية خلال بطولة كأس الأمم الأفريقية 4 يناير 2026 (أ.ب)

لم يكد الحِبر الذي كُتب به قرار تحويل بطولة كأس الأمم الأفريقية إلى نظام السنوات الأربع يجفّ حتى خرج رئيس «الكاف» باتريس موتسيبي ليفجّر مفاجأة من العيار الثقيل، مُعلناً رغبة «الاتحاد» في التراجع والعودة إلى النظام التقليدي التاريخي: إقامة البطولة كل عامين.

هذا التحول الدراماتيكي يعكس صراعاً مكتوماً بين الرغبة في الحفاظ على الهوية الأفريقية الشعبية، والضغوط المالية والروزنامات الدولية التي تفرضها الأندية الأوروبية والاتحاد الدولي «فيفا».

أبعاد القرار... زلزال في الرأس الأخضر يخلط أوراق الأجندة الدولية

تأتي تصريحات موتسيبي، التي أطلقها، اليوم الجمعة، خلال «المؤتمر الاستراتيجي للاتحاد الأفريقي لكرة القدم» بجزيرة «سال» في الرأس الأخضر، بحضور رئيس الـ«فيفا» جياني إنفانتينو، ونخبة من خبراء اللعبة، لتؤكد أن القرار القارّي ليس مجرد تنظيم مواعيد، بل هو مسألة استراتيجية ترتبط بمداخيل الاتحادات الوطنية التي تعتمد على هذه البطولة كمصدر تمويل رئيسي لتطوير اللعبة والمنشآت.

ويبدو أن التراجع السريع نحو نظام العامين يكشف عن مراجعة عميقة للتوجه السابق للاتحاد الأفريقي، إذ كان الهدف من ذلك التغيير استيعاب نظام جديد لإقامة بطولة دوري الأمم الأفريقية سنوياً لتملأ الأجندة الدولية، وهو ما قال موتسيبي حينها إنه سيكون أكثر ربحية للمؤسسة القارية والاتحادات التابعة لها. فالتفكير في إلغاء نظام السنوات الأربع يوضح أن «الكاف» استشعر خطورة غياب «الكان» لفترات طويلة على الشغف الجماهيري والقيمة التسويقية للمسابقة القارية الأولى، مفضلاً التمسك بخصوصية قارتهم وعدم التنازل عن إرثهم الكُروي تلبية لرغبات أندية القارة العجوز.

رئيس «الكاف» باتريس موتسيبي يتابع قمة صن داونز والأهلي المصري من مدرجات ملعب «لوفتوس فيرسفيلد» بجنوب أفريقيا 19 سبتمبر 2026 (رويترز)

تاريخ البطولة... من 3 منتخبات في الخرطوم إلى قمة التنافس القاري

لفهم عمق هذا الإرث، يجب العودة بالذاكرة إلى شتاء عام 1957، حين انطلقت الشرارة الأولى للبطولة في العاصمة السودانية الخرطوم بمشاركة 3 منتخبات فقط هي مصر، والسودان، وإثيوبيا، عقب تأسيس الاتحاد الأفريقي.

ومنذ تلك النسخة التي تُوّج الفراعنة بلقبها الأول، تحولت البطولة إلى تظاهرة ثقافية ورياضية تُعبر عن استقلال الشعوب الأفريقية وتماسكها القاري، حيث استمرت تلعب بانتظام شديد كل عامين، مقدمةً للعالم أساطير كُروية حفرت أسماءها في السجلات العالمية.

وطوال عقود، صمد هذا الموعد الثابت أمام كل التحديات السياسية والاقتصادية، ليصبح بمثابة «الأولمبياد الأفريقي»، الذي لا يمكن لعشاق الساحرة المستديرة في القارة العيش من دونه.

خريطة الأبطال والدول المشارِكة... صراع العمالقة على عرش السمراء

عبر تاريخها الطويل، شهدت البطولة تحولات جذرية في عدد الدول المشارِكة، إذ قفز العدد من 3 منتخبات ليصبح 8 في السبعينيات، ثم 12، و16، وصولاً إلى النظام الحالي الذي يضم 24 منتخباً يتنافسون في نهائيات شرسة تقام على ملاعب القارة.

وتتربع مصر على عرش الأرقام القياسية كأكثر الدول فوزاً باللقب برصيد 7 كؤوس، يليه منتخب الكاميرون «الأسود غير المروَّضة» بـ5 ألقاب، ثم غانا بـ4 ألقاب، وتأتي نيجيريا وساحل العاج في المراتب التالية بـ3 ألقاب لكل منهما، في خريطة تنافسية تعكس تقلب موازين القوى الرياضية بين شمال القارة وغربها ووسطها.

لوائح وقوانين اللعبة... تطور تنظيمي يواكب معايير الاحتراف العالمي

لم يقتصر التطور على عدد المنتخبات، بل امتد إلى القوانين المنظِّمة وتوقيتات المسابقة، فبعد عقود من إقامة البطولة في شهريْ يناير (كانون الثاني) وفبراير (شباط) وسط الموسم الكُروي الأوروبي، مما كان يثير أزمات حادة مع الأندية الكبرى التي تضم النجوم الأفارقة، اتجه «الكاف»، في السنوات الأخيرة، إلى ترحيل البطولة لتقام في فصل الصيف تماشياً مع الأجندة الدولية، وإن كانت بعض النسخ تعود للشتوية لظروف الطقس الاستوائي.

وتخضع المسابقة راهناً لأحدث قوانين الاتحاد الدولي، بما في ذلك تطبيق تقنية الفيديو المساعد «VAR» منذ الأدوار الأولى، ونظام المجموعات الست التي يتأهل منها المتصدر والوصيف وأفضل أربعة ثوالث إلى دور الستة عشر، وهي حزمة من القوانين التي نقلت «الكان» من العشوائية التاريخية إلى قمة الاحترافية التنظيمية العالمية.


لندن تستضيف «أسبوع القادة الرياضي»... وعيون صناع القرار تتجه نحو استراتيجيات «السيادي السعودي»

جانب من فعاليات أسبوع القادة الرياضي في لندن (الشرق الأوسط)
جانب من فعاليات أسبوع القادة الرياضي في لندن (الشرق الأوسط)
TT

لندن تستضيف «أسبوع القادة الرياضي»... وعيون صناع القرار تتجه نحو استراتيجيات «السيادي السعودي»

جانب من فعاليات أسبوع القادة الرياضي في لندن (الشرق الأوسط)
جانب من فعاليات أسبوع القادة الرياضي في لندن (الشرق الأوسط)

انطلقت في العاصمة البريطانية لندن، أعمال قمة «أسبوع القادة الرياضي» (Leaders Week London) الممتدة على مدار يومين في معقل نادي تشيلسي الإنجليزي «ستامفورد بريدج»، وسط حضور استثنائي يضم أكثر من 100 متحدث من كبار الرؤساء التنفيذيين والمستثمرين وصناع القرار في قطاع الرياضة والأعمال حول العالم.

وتأتي نسخة هذا العام لتناقش ملفات ساخنة تُعيد رسم خريطة الاقتصاد الرياضي العالمي، وفي مقدمتها تدفقات رؤوس الأموال الجريئة، والتحولات الرقمية المدفوعة بالذكاء الاصطناعي، بجانب القفزات التجارية غير المسبوقة التي تشهدها الرياضة النسائية.

ثقل سعودي في المشهد الرياضي الدولي

وتتجه أنظار المراقبين والمشاركين في القمة نحو المشاركة السعودية الحيوية، التي تجسد العمق الاستراتيجي للمملكة كقوة تحولية في صناعة الرياضة العالمية. ويبرز اسم صندوق الاستثمارات العامة (PIF) كأحد أهم محاور النقاش في أروقة القمة، نظراً للدور المحوري الذي يلعبه الصندوق في صياغة نماذج استثمارية مستدامة عابرة للقارات.

وتأتي هذه المشاركة في وقت نجحت فيه الرياضة السعودية في فرض نفسها كمركز جذب رئيسي للأحداث الرياضية الكبرى عالمياً، تماشياً مع مستهدفات «رؤية السعودية 2030» التي وضعت القطاع الرياضي كأحد الروافد الأساسية لتنويع الاقتصاد، وبناء الشراكات الدولية، وتعزيز جودة الحياة.

إعادة تعريف «اقتصاد الرياضة» والاستثمار الجريء

وتشهد جلسات القمة نقاشات موسعة حول صعود صناديق الثروة السيادية ومجموعات الملكية الخاصة، حيث يستعرض قادة قطاع المال والرياضة آليات تقييم الأندية والبطولات وتطوير البنية التحتية للمسابقات.

ويرى خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط» أن النموذج السعودي في الاستثمار الرياضي، والقائم على الموازنة بين الاستحواذات الدولية النوعية وتطوير المواهب المحلية، بات يشكل مرجعية دراسية في كيفية تحويل الرياضة من مجرد نشاط ترفيهي إلى قطاع اقتصادي منتج ومستدام.

الذكاء الاصطناعي ومستقبل البث الرقمي

المحور التقني لم يغب عن الأجندة؛ حيث تفرد القمة مساحات واسعة لبحث دمج الذكاء الاصطناعي في تحليل الأداء الرياضي وتخصيص تجربة المشجعين. وتناقش الجلسات كيف يمكن للأندية والاتحادات الكبرى الاستفادة من البيانات الضخمة لتعزيز الإيرادات التجارية وتطوير البث الرقمي عبر منصات العرض المباشر للمستهلك (DTC)، وهي خطوة تسعى من خلالها المؤسسات الرياضية إلى جذب الأجيال الجديدة التي باتت تفضل المحتوى الرقمي التفاعلي والقصير على حساب البث التلفزيوني التقليدي.

استدامة مالية ونمو تاريخي للرياضة النسائية

وفي سياق متصل، تسلط القمة الضوء على «الانفجار التجاري» للرياضة النسائية، وميلاد عهد جديد يعتمد على فصل الحقوق التجارية والرعايات للأندية النسائية عن فرق الرجال. ويبحث المجتمعون سبل الحفاظ على وتيرة هذا النمو التاريخي، وتطوير البنى التحتية الإدارية والفنية لتواكب القيمة السوقية المتصاعدة للبطولات النسائية حول العالم.

وتختتم القمة أعمالها ببحث التوسع الجغرافي للمسابقات الكبرى، وبناء الشراكات العابرة للحدود، في وقت يجمع فيه خبراء المال والرياضة على أن لغة الاستثمار الرياضي باتت المحرك الأساسي للدبلوماسية الناعمة وبناء الجسور الاقتصاديّة بين شرق العالم وغربه.


إيقاف برنامج مجدي عبد الغني يجدد الجدل حول «التعصب الكروي» بمصر

مجدي عبد الغني (حسابه على «فيسبوك»)
مجدي عبد الغني (حسابه على «فيسبوك»)
TT

إيقاف برنامج مجدي عبد الغني يجدد الجدل حول «التعصب الكروي» بمصر

مجدي عبد الغني (حسابه على «فيسبوك»)
مجدي عبد الغني (حسابه على «فيسبوك»)

جدد إيقاف برنامج «البلدوزر» الذي يقدمه الكابتن مجدي عبد الغني على شاشة قناة «الشمس» المصرية عقب مشادة كلامية بين ضيفيه الرياضيين ربيع ياسين وأسامة حسن الجدل حول «التعصب الكروي» إعلامياً.

وقرر «المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام» إيقاف برنامج «البلدوزر» بناءً على توصيات من لجنة الشكاوى مع استدعاء الممثل القانوني للقناة، وإلزام جميع وسائل الإعلام بمنع ظهور ضيفي البرنامج ربيع ياسين وأسامة حسن لحين انتهاء التحقيقات بشأن «المخالفات التي حدثت بحلقة، السبت.

وجاء قرار الإيقاف بالتزامن مع استدعاء «نقابة الإعلاميين» فريق عمل البرنامج، الذي يضم مقدم الحلقة ومعدها ومخرجها، إلى جانب الضيفين اللذين يتكرر استضافتهما في البرنامج، مساء كل سبت. ووصف نقيب الإعلاميين طارق سعدة، في بيان صدر، الأحد، ما حدث خلال الحلقة بأنه «لا يليق بالإعلام الرياضي المصري».

«الأعلى للإعلام» يوقف برنامج مجدي عبد الغني على قناة «الشمس» الفضائية (الهيئة الوطنية للإعلام)

وهذه ليست المرة الأولى التي يتم فيها إيقاف برنامج رياضي بسبب تصريحات حدثت على الهواء، فسبق أن أوقف المجلس برنامج «كورة كل يوم» الذي يقدمه كريم حسن شحاتة على خلفية «مخالفة الأكواد والمعايير الإعلامية»، كما مُنع نجم النادي الأهلي أحمد بلال من الظهور لمدة 3 أسابيع مع تغريم القناة 50 ألف جنيه (الدولار يساوي 52 جنيهاً في البنوك) لمخالفة «الأكواد الإعلامية».

وشهدت حلقة مجدي عبد الغني المُلقب بـ«البلدوزر» مشادة كلامية خلال نقاش رياضي بشأن حظوظ الأهلي في المنافسة على لقب الدوري، بعدما أعلن ربيع ياسين توقعه تتويج الفريق بالبطولة، وهو ما دفع أسامة حسن للرد عليه بعبارة «ابقى قابلني»، ومع استمرار الحوار، وجه ياسين سؤالاً حاداً إلى حسن حول موقفه إذا حصد الأهلي اللقب، لتتصاعد حدة النقاش، وتتبادل الأطراف عبارات غاضبة.

وحاول مجدي عبد الغني احتواء الموقف وتهدئة الطرفين، لكن ياسين غادر الاستوديو على نحو مفاجئ، ليضطر البرنامج إلى قطع الحلقة، والذهاب إلى فاصل إعلاني. وبحسب المقاطع التي نشرتها القناة عبر حسابها على «يوتيوب»، عاد ياسين إلى الاستوديو بعد انتهاء الفاصل، واستؤنفت الحلقة.

وقال نقيب الإعلاميين طارق سعدة لـ«الشرق الأوسط» إن النقابة قررت استدعاء فريق العمل بسبب ما صدر من تجاوزات في الحلقة، مؤكداً أن موقف النقابة مرتبط بالعاملين في المجال الإعلامي بشكل مباشر وفق الاختصاصات التي حددها القانون.

ربيع ياسين (حسابه على «فيسبوك»)

وبحسب مصادر لـ«الشرق الأوسط» فإن لجنة الشكاوى بـ«الأعلى للإعلام» ستتخذ قراراً نهائياً خلال الأيام القليلة المقبلة بعد استكمال التحقيقات فيما حدث من «تجاوزات على الهواء» بعد الاستماع لجميع الأطراف على أن يصدر بيان رسمي في وقت لاحق.

وترى ليلى عبد المجيد العميد أستاذة الإعلام بجامعة القاهرة أن «ظاهرة التوتر والمشادات في البرامج التلفزيونية لا تقتصر على البرامج الرياضية، لكنها تأخذ حيزاً أكبر في هذا النوع من البرامج بسبب حالة التعصب المرتبطة بالمجال الرياضي، سواء بين الإعلاميين أو الجمهور.

وأوضحت في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» أن «الخلاف في الرأي يجب أن يظل داخل إطار الحوار، من دون رفع الصوت أو الدخول في مشادات»، مشيرة إلى أن «بعض البرامج شهدت في فترات سابقة اشتباكات بين الضيوف وصلت إلى حد التعدي الجسدي، وهو أمر تراه مرفوضاً تماماً».

وأضافت أن «خطورة هذه الممارسات لا تتوقف عند حدود الحلقة، وإنما تمتد إلى الجمهور والأجيال الجديدة التي تشاهدها؛ لأنها تقدم نموذجاً سلبياً للتعامل مع الاختلاف، وتحول الحوار من تبادل للأفكار إلى صراع ومواجهة»، لافتة إلى أن «ذلك قد يسهم في زيادة حالات التعصب والتطرف التي تظهر في الملاعب، خصوصاً في كرة القدم؛ ما يجعل ظهور هذه النماذج على شاشة التلفزيون يرسخها بدلاً من مواجهتها».

أسامة حسن (حسابه على «فيسبوك»)

وأشارت عبد المجيد إلى «أهمية تدخل الجهات المعنية بعد التحقيق في مثل هذه الوقائع، وفرض عقوبات تتناسب مع طبيعة المخالفة»، موضحة أن «عقوبات الإيقاف أو المنع لفترات محددة لم تنجح حتى الآن في القضاء على الظاهرة؛ ما يستدعي عقوبات أكثر حدة، وقد يصل الأمر، في الحالات المتكررة، إلى المنع النهائي»، معتبرة أن «تطبيق عقوبة صارمة على حالة أو حالتين قد يسهم في الحد من هذه الظواهر السلبية».