لماذا لم تكشف مؤلفة «النبيذة» شخصية الأستاذ؟

قراءة في آخر روايات إنعام كجه جي

غلاف الرواية  -  إنعام كجه جي
غلاف الرواية - إنعام كجه جي
TT

لماذا لم تكشف مؤلفة «النبيذة» شخصية الأستاذ؟

غلاف الرواية  -  إنعام كجه جي
غلاف الرواية - إنعام كجه جي

إني أُرجّح أن يكتشف قرَّاء الروايات الثلاث الأُول للمؤلفة إنعام كجه جي، المهاجرة إلى فرنسا منذ عدة عقود، بأن قلبها لم ينفك عن الخفقان في وطنها الأُم، فقد وضعتْ على لسان أحد أبطال «الحفيدة الأميركية» قوله: «شُلتْ يميني إذا نسيتُكِ يا بغداد». «النبيذة» عنوانُ الرواية الرابعة لها والصادرة عن «دار الجديد» في بيروت هذا العام في 340 صفحة.
واسترعتْ انتباهي ــ حتى قبل قراءتي الرواية ــ تاءُ التأنيث في عنوانِها غير المألوف بالنسبة لي على الأقل. استعنتُ بـ«المنجد». لكنه لم ينجدْني. ثم استعنتُ بِمعجم «محيط المحيط» لبطرس البستاني، فتبين لي أن «النبيذة» هي التي لا تُوكَل من هزال. وظهر عند قراءتي الرواية أن منصور البادي، أحد شخوصها، هو الذي نحت الكلمة إذ يقول: أمسكُ القلم وأتردد. أكتب «نبيذ» وأتأمل المفردة. أضيف إليها تاء التأنيث «نبيذة». ثم يهرع مستنجداً بمعجم قديم لجرمانوس فرحات.
تتمحور «النبيذة» بصورة رئيسية حول الحكم في العراق المعاصر خلال حقبِه الملكية والصداميِّة والاحتلال، وإسقاطاته على الشعب ممثلاً بمعاناة امرأتين عراقيتين، هما تاج الملوك عبد الحميد البطلة الرئيسية في الرواية، ورفيقتها وديان الملاح ومعاناة منصور البادي الفلسطيني الذي فقد وطنه. ويرتبط منصور بعلاقة حبٍ مع البطلة تاج الملوك. إلا أنه حبٌ لن يتحقق.
- أسلوب السرد
تُسْرَدُ أحداث الرواية بلغة عربية راقية وسليمة (فيما عدا عبارات الأمثال الشعبية) بأسلوبٍ يشدُّ القارئ ويحفزُّه على الاستمرار في القراءة، ويُبقيه في طورٍ من تساؤلاتٍ لا يجد لها جواباً مباشراً. وهو أسلوب يعتمد التعرج في البعدين الزماني والمكاني، أو كما يُسمى عند أوساط أهل الرياضيات «لاخطي ثنائي الدرجة». وتُضفي المؤلفة حلاوة على السرد بنكهة البيئة المحلية من خزينها الوفير من الأمثلة الشعبية.
تَلتقط المؤلفة بعناية خيوطاً من محيط مجتمعها وتنسج عليها بمغازلَ خيالِها الخصبِ المتبَّلِ ببهاراتٍ من الواقع بساطاً كولاجياً متعدد الأبعاد والألوان، وتُحرِّك فوقه شخصياتِها التي «تُركِّبها» مثلما يُصَنِّعُ الكيميائي مواد جديدة. وهي شخصيات من بنات الخيال لكن القارئ يحس كأنما يعرفها، وهكذا تخلق المؤلفة جواً ساحراً يُغرِق القارئ بالمتعة.
- أبطال الرواية
وُلدتْ تاج الملوك في إيران، وجاءتْ إلى العراق وهي في الخامسة من عمرها مع والدتها وزوج والدتها العراقي. فنشأتْ في بغداد شابة جميلة ومتحررة ومتمردة على تقاليد المجتمع السائدة. استذوقتْ الآداب والشعر بفضل اختلاساتها الإنصاتية في المجالس الأدبية التي كان يعقدها أسبوعياً زوجُ أُمها في بيته. فنمتْ قابلياتُها الكتابية ونضج حسُّها الأدبي. ثم تعلمتْ أساليب وفنون الصحافة فغدتْ رئيسة لتحرير مجلة «الرحاب»، تقابل الوزراء وكبار الشخصيات السياسية في عراق العهد الملكي، منهم الوصي الأمير عبد الإله، والباشا نوري السعيد، وبهجت العطية مدير الأمن العام، ومن خارج العراق كالملك عبد الله جدّ الملك حسين ملك الأردن الراحل، والحبيب بورقيبة، ووزير الخارجية البريطاني آنتوني إيدن. وقد أغدق نوري السعيد على مجلتها مساعدات فصارت بوقاً لآرائه السياسية المؤيدة للإنجليز.
منصور البادي الفلسطيني شخصية مهمة في الرواية. نشأ في نهايات عشرينات القرن الماضي حين بدأ اليهود «يزحفون كالجراد» إلى فلسطين وبداية «الطاخ والطيخ» بينهم وبين الفلسطينيين. يجيد اللغة الإنجليزية بفضل دراسته الثانوية في لندن. ومعتادٌ على تسجيل مذكراته اليومية. وبعد احتلال اليهود أراضيَ فلسطينية جاء إلى بغداد في نهايات أربعينات القرن الماضي ووجد عملاً فيها. لكنه لم يمكثْ طويلاً وانتقل إلى كاراجي، حيث عُيِّن مذيعاً في القسم العربي من إذاعتها.
تبدأ الرواية بتعريف القارئ على تاج الملوك: أرملة مسنة، تجاوز عمرها التسعين، متغضنة الوجه ومنحنية الظهر وتعاني آلاماً في المفاصل، نزيلة مستشفى في باريس، تسير متعكزة عصاها وتتابع من على سريرها في المستشفى أخبارَ ما يُسمى الربيع العربي من خلال راديو صغير. وتُعرف باسم مدام شامبيون، لقب زوجها الذي كان ضابطاً في المخابرات الفرنسية زمن الثورة الجزائرية. ويتفجر شلالُ ذكرياتها عندما تكتشف أن المريض الراقد في شبه غيبوبة في غرفة بالقرب من غرفتها هو الرئيس الجزائري الأسبق أحمد بن بله الذي جاوز عمره التسعين أيضاً. فتسترجع دورَها حين جنِّدتْها المخابرات الفرنسية قبل خمسين عاماً للاشتراك بمحاولة لاغتياله، في القاهرة، بإعطاء إشارة ما. وتتذكر اللحظة الحاسمة التي غيَّرتْ فيها رأيها بعدم إعطاء الإشارة المتفق عليها.
ثم تظهر الشابة وديان الملاح، الشخصية الثانية في الرواية، حين تقوم بزيارتها اليومية لتاج الملوك في المستشفى. البطلتان «صديقتان تفصل بينهما عقود من التفاوت في العمر، الأُولى ضعف عمر الثانية، تتعايشان على الحافة بين التفاهم والتنافر». الأًولى عانتْ من عراق الملكية الذي سُمِّي العهد البائد، والثانية عانت من عراق الجمهورية والحروب والحصار الاقتصادي. كانت وديان الملاح عند بداية الحرب العراقية الإيرانية تدرس الموسيقى في مدرسة الموسيقى والباليه، في ظروف دوي الصواريخ وصافرات الإنذار واللجوء إلى الملاجئ. وعايشت بعد ذلك الحصار الاقتصادي. ثم غدتْ عازفة الكمان في الفرقة السيمفونية العراقية.
تَقَدَمَ إلى خطبتها حبيبها يوسف، الذي كان قد سافر إلى أميركا للدراسة وانتظرتْه خمس سنوات إلى أن عاد حاملاً شهادة الدكتوراه وعُيِّن أستاذاً في كلية الهندسة. وكانا يأملان أن يعيشا حياة سعيدة. لكن الرياح لم تجرِ كما تشتهي السفن. إذ دُفِعَ يوسف إلى الانضمام إلى شلة «الأُستاذ» الشرير مما أدَّى به أخيراً إلى فسخ خطوبته إلى وديان. لقد رآها «الأستاذ» معه فدعاها وحدها إلى حفلة تنكرية وأخضعها إلى إحدى نزواته السادية بأن أولج شيئاً حاداً في أُذنيها مزِّق طبلتيهما. فقدت وديان الحاسة الضرورية لسماع الموسيقى وعزفها. إلا أن القدر لم يهملْها تماماً، إذ رتَّبتْ السفارة الفرنسية في بغداد بعثة لعدد من طلبة الموسيقى من بينهم وديان لإكمال دراساتهم في باريس.
أُخضعتْ وديان في فرنسا إلى عمليات جراحية لترقيع طبلتَي أُذنيها. أعادتْ لها جزئياً حاسة السمع. وقادتها المصادفات إلى لقاء تاج الملوك. امرأتان قذفتْهما الأقدار بعيداً عن العراق. ربطتهما علاقة أقوى من الصداقة وأقرب إلى الأمومة. ولكن كيف حملتْ «الرياح» تاج الملوك إلى باريس؟ كانت لها في بغداد سطوة من نفوذ في أوساط الطبقة الحاكمة، بفضل مجلتها «الرحاب» المدعومة من الباشا نوري السعيد، كما ذكرنا. ثم انقلبتْ الموازين عندما «دخل اسم بورتسموث قاموسَها» وقاموسَ جميع العراقيين. في ذلك الميناء البريطاني جرت اجتماعات انتهت بتجديد المعاهدة العراقية البريطانية بمعاهدة أكثر إجحافاً من سابقتها. «قامتْ القيامة في بغداد». إضرابات عمالية ومظاهرات طلابية جعلت العراق كله من شماله إلى جنوبه ومن شرقه إلى غربه ضد المعاهدة. وكان كاتب هذه السطور من بين المتظاهرين وعمره آنذاك ستة عشر عاماً. وتصدتْ الشرطة للحشود ووقع عدد كبير من الجرحى والقتلى من بينهم جعفر، شقيق الشاعر الجواهري.
في لحظة حاسمة قررتْ تاج الملوك النزول إلى الشارع والاشتراك في الاحتجاج. أحاط بها المتظاهرون ورحبوا بانضمامها إليهم. الصحافية الموالية للقصر ومدللة نوري السعيد تتظاهر ضدّه. ثم شاركت في مسيرة تشييع الشهداء وحملت لافتة جمعية الصحافيين ونشرتْ الجرائد صورَها. إذاً لم يعد لها مكان في العراق بعد ذلك. ولما جاءها عرضُ عملٍ في إذاعة كراجي العربية قبلته على الفور، وغادرتْ العراق إلى باكستان.
أغوتْ تاج الملوك رجالاً عديدين ولم يستطعْ أي منهم أن ينال قلبها سوى الفلسطيني منصور البادي. تعرَّفتْ عليه من خلال عملهما الإذاعي المشترك في كراجي. كان يصغرها بعدة سنوات إلا أن شخصيتَه الطاغية جعلته أكبر في عينها. لكن الظروف عادت وباعدتْ بينهما في قارتين مختلفتين. ورغم تباعدهما بقيا عاشقين من بُعد أي «Remote Love» يتواصلان بين حين وآخر بالمراسلة أو عبر التلفون على أمل اللقاء يوماً ما. وتزوج كل منهما بِمَنْ لا يحب. قذف القدر بمنصور بعد إنهاء عَقْدِه في إذاعة كراجي إلى كراكاس في فنزويلا حيث ارتقى مناصب عالية فيها إلى أن صار مستشاراً مقرباً من الرئيس الفنزويلي شافيز.
أمّا تاج الملوك فتوجهتْ في بداية الأمر إلى مسقط رأسها. وهناك في إيران صار لها، للمرة الأُولى في حياتها، علاقة حميمة مع أحد أمراء العائلة الملكية الأسبق. ثم تزوجتْ ضابط المخابرات الفرنسية الكومندان سيريل شامبيون الذي زج بها للعمل معه واستثمر زواجَه منها لخدمة أهدافه، ومنها محاولة اغتيال بن بلة الفاشلة. هكذا عاشت في باريس وقد غدا اسمها مدام شامبيون. وكانت قد تقدمت في السن حين تعرفت على وديان الملاح، وتَوَثقتْ العلاقات بينهما كنتيجة طبيعية للشعور النفسي بحاجة كلٍ منهما إلى الأُخرى. إذ أن وديان الشابة في حاجة إلى إنسانة مثل أُمها التي تركتْها في بغداد لتكون عوناً لها في تحمل حياتها الخاوية فوجدتْ في مدام شامبيون، أي تاج الملوك، تلك الإنسانة. وتاج الملوك بدورها تفتقر وهي في شيخوختها إلى مَن يكون مستعداً للاستماع إلى تفاخرها بقابلياتها في إغواء الرجال وفي صدِّهم، وأن يكون أيضاً مستعداً إلى مساعدتها على التواصل مع منصور الوادي الرجل الوحيد الذي نال قلبها. وقد حاولتْ وديان أن تكون وسيلة لتقارب العاشقَيْن العجوزين اللذين مضى كل منهما في طريق، لكنها أخفقتْ. وكانتا ــ على الرغم من صداقتهما ــ قطبين متضادين سايكولوجياً. حياة إحداهن مَلأى بالمغامرات العاطفية الحميمة بينما تكاد أن تخلو حياة الأخرى من أمثالها. وعالجتْ المؤلفة التضاد معالجة فرويدية وبلغة رمزية راقية، بِجَعل أحلام وديان الليلية تدور لملءِ ذلك الفراغ.
ما الذي حدا بالسيدة إنعام إلى التكتم على الاسم الصريح لـ«الأُستاذ» الذي له دورٌ مهـمٌ في سيرورة حوادث الرواية؟ أُقرّ بعدم استطاعتي إدراك ذلك السبب. صحيح، إن عراقيي اليوم يعرفون الممحي ــ كما يُقال. فلا حاجة إلى الإفصاح، لكن هل سيبقى القراء العراقيون في سنة 2030 مثلاً يعرفون مَنْ هو؟ وهل يعرفه جميع القراء العرب الحاليين؟
- كاتب عراقي، أستاذ جامعي سابق مقيم في الولايات المتحدة


مقالات ذات صلة

«تمويه»... يكفي أن تكون فلسطينياً كي تعيش مختلفاً

ثقافة وفنون «تمويه»... يكفي أن تكون فلسطينياً كي تعيش مختلفاً

«تمويه»... يكفي أن تكون فلسطينياً كي تعيش مختلفاً

تتقدم عدنية شبلي ببطء في روايتها «تمويه» الصادرة عن «دار الآداب» في بيروت، لترسم صورة إنسانية شفيفة لعائلة صغيرة، تعيش في ظل الاحتلال الإسرائيلي في فلسطين.

سوسن الأبطح (بيروت)
ثقافة وفنون رواية ساخرة عن حال المغرب قبل الاستقلال

رواية ساخرة عن حال المغرب قبل الاستقلال

صدر حديثاً، بالتعاون بين «دار نوفل» (هاشيت أنطون)، ودار «الفاضل للنشر»، رواية «اللّاروب» للكاتب والسياسي المغربي حسن أوريد.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
كتب تحولات سياسية حادة تنعكس على مصائر الشخوص

تحولات سياسية حادة تنعكس على مصائر الشخوص

في روايته «السماء الثامنة»، يطرح الكاتب والروائي المصري محمد سلماوي الحب بوصفه آصرة لا يمكن عزلها عن التاريخ والذاكرة الجمعية، فيتداخل معهما ليطرح سؤالاً...

منى أبو النصر (القاهرة)
كتب اليهود واليونانيون المصريون تركوا أثراً رائداً في الاقتصاد

اليهود واليونانيون المصريون تركوا أثراً رائداً في الاقتصاد

واجهت الأقليات في المجتمع المصري متغيرات وتحولات سياسية واجتماعية واقتصادية وفكرية حادة في حقبة الخمسينيات من القرن الماضي في أعقاب عملية «التمصير» وما تلاه...

رشا أحمد (القاهرة)
كتب كمال سليم... مؤسس نهضة السينما المصرية

كمال سليم... مؤسس نهضة السينما المصرية

في كتابه «رواد الواقعية في السينما المصرية»، الصادر عن الهيئة المصرية العامة لقصور الثقافة ضمن سلسلة «آفاق السينما»، يتوقف الناقد والمؤرخ الفني دكتور وليد سيف..

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

الحارث بن همّام... البطل المنسي في مقامات الحريري

الحارث بن همّام... البطل المنسي في مقامات الحريري
TT

الحارث بن همّام... البطل المنسي في مقامات الحريري

الحارث بن همّام... البطل المنسي في مقامات الحريري

تنهض مقامات الحريري على نسقٍ سرديٍّ ثلاثيٍّ يتوزّع بين المؤلف الخارجي، والراوي الشاهد، والبطل المركزي؛ إذ يتولى القاسم بن علي الحريري (446هـ/1054م - 516هـ/1122م) بناء النص، ويؤدّي الحارث بن همّام وظيفة الراوي الشاهد، في حين يشغل أبو زيد السروجي موقع الشخصية المحورية التي تنتظم حولها المقامات.

صاغ الحريري 50 مقامة، أي 50 حكاية عن أبي زيد السروجي، ورسم لنا شخصية ساحرة ببلاغتها وتصرّفها في فنون الكلام، وساخرة من النخب والعوام، ومتهكّمة على المهن والمؤسسات، وهامزة هازئة بالتسلسل الهرمي الاجتماعي من مختلف الفئات.

شخصية متعدِّدة الأدوار والأطوار؛ متسلّقة اجتماعياً، ومخادعة مراوغة دهيّة ظريفة. تتفوّق على القاضي، وتقلّد الواعظ، وتتوسل المرأة العجوز لاستدرار شفقة الناس وعطفهم ورِفْدِهم.

لقد ركّزت الدراسات النقدية التي تناولت مقامات الحريري على المؤلف، بل ورأى بعض الدارسين أن شخصية المقامة هي شخصية المؤلف لا شخصية بطلها، في حين ركّزت دراسات أخرى على أبي زيد، فألّفت حوله الكتب والمقالات، بينما لم تحظ شخصية الحارث بن همام بعناية مماثلة، ولم يُلتفت إليها بدراسة مستقلة على الرغم من كونها تدخل في صلب الوقائع الحكائية المبثوثة في المقامات بحيث تمثّل نقطة التوازن بين السرد والتأمل، وبين الإعجاب والنقد، وبين الأخلاق والجمال.

وأول مظاهر الفروق في الاهتمام المنصبّ على أبي زيد دون الحارث بن همام، البحث في حقيقة أبي زيد هل هو شخصية حقيقية أم شخصية خيالية، حيث مالت نصوص النقد الأدبي القديم إلى الحديث عن الأصل الحقيقي لهذه الشخصية في حين أن النقد الأدبي المعاصر أنكر ذلك. أما الحارث بن همام فلم يبحث أحد عن حقيقته، بل تسالم الجميع على كونه ناطقاً باسم الحريري، مع العلم أنّ أبا زيد لا يعدو هذه المرتبة أيضاً.

لقد انصبّ الاهتمام فقط على سبب اختيار اسم الحارث، وفسّره ياقوت الحموي بأنّ الحريري عنى نفسه بهذا الاسم أخذاً من قوله صلى الله عليه وسلم: «كلكم حارث وكلكم همّام»، فالحارث الكاسب، والهمّام كثير الاهتمام بأموره، وكان بإمكان النقد الأدبي أن يستغل هذه الإشارة ليوضّح لنا كيف غدا الراوي حارثاً وهمّاماً في هذه المقامات؟ غير أنّه غفل عن طبيعة تكوين الحارث الذي لا يقلّ ثراءً وتعقيداً وبلاغةً عن أبي زيد، إذ لم يلحظ النّقاد أنّه ليس مجرد ناقل للأحداث، بل عين القارئ وضميره ووسيطه الجمالي والأخلاقي في آن واحد.

إنّه جوّاب آفاق، وهي صفة يشترك فيها مع أبي زيد، غير أنه يختلف معه في أسبابها، فأبو زيد له سبب واحد هو الكدية والحصول على المال، أما الحارث فهو يرحل سعياً للرزق مرة، وابتغاءً للمتعة واللهو مرة أخرى، وطلباً للعلم والمعرفة مرة ثالثة، وهو في كلّ رحلة من هذه الرحلات التي يطوّف فيها من بلد لآخر يلتقي بأبي زيد في مظهر مختلف، ويكتشف حيلة جديدة، فيسردها علينا ويقدمها لنا، وتتجاوز مهمته مجرد السرد، فيمهّد للمشهد، ويخلق الإطار الحكائي، لبطل يبدّل صوره وشخصياته، كما يبدّل المحموم وسائده.

تبدأ علاقة الحارث بأبي زيد في أول مقامة من لقاءٍ عابرٍ في صنعاء حين يرى واعظاً «يطبع الأسجاع بجواهر لفظه، ويقرع الأسماع بزواجر وعظه»، فيتتبّعه بعد انفضاض المجلس، ويراه يأوي إلى مغارة يأكل مع تلميذٍ فيها الحنيذ، ويشرب النبيذ، فيكتشف زيف هذا الواعظ، ويسأل التلميذ عن اسم شيخه فيجيبه: «هذا أبو زيد السروجي: سراج الغرباء وتاج الأدباء». من هنا تبدأ هذه العلاقة، ثم تتطور وتمرّ في عدة مراحل متداخلة: مرحلة الدهشة والانخداع في البدايات، إذ ينجذب الحارث إلى بلاغة أبي زيد بسهولة، ويقع في خداعه دون مقاومة، وتبدأ مرحلة الاكتشاف عندما يدرك نمط أبي زيد المتكرّر، ومرحلة التواطؤ، فقد بات يعرف حقيقته، لكنّه يستمر في المتابعة بدافع الإعجاب بل الافتتان، ومرحلة التوتّر الأخلاقي عندما يحاول التوفيق بين رفضه الأخلاقي ومتعة السرد، وأخيراً مرحلة النضج، إذ يصبح واعياً ببنية المقامة نفسها، ويدرك أنّه داخل لعبة أدبية، غير أنّ هذه المراحل لا تسير في خطٍّ تصاعدي واضح، فالمقامات في بنيتها تقوم على إعادة إنتاج موقف الخداع البلاغي في صور متعدِّدة، فتتكرّر الحيلة وتتنوّع الصيغ، دون أن يُبنى ذلك وفق نموٍّ تدريجيٍّ ثابت، فأبو زيد لا يظهر إلا في صورة جديدة، ولا يتكلم إلا بلسان مختلف، ولا يتحرك إلا داخل لعبة تمويهٍ واسعة. هنا يتحول الحارث من ضحيةٍ إلى شاهدٍ واعٍ، وإن ظلّ متورطاً عاطفياً وجمالياً، وبذلك يتّضح أنَّ وظيفة الحارث ليست محايدة. فهو يشارك في تشكيل المعنى ويعيش حالةً دائمةً من التذبذب بين الإعجاب والرفض. حين يسمع خطب أبي زيد المؤثرة، ينجذب إليه جماليّاً، لكنّه حين يكتشف الخديعة ينفر منه أخلاقيّاً. هذا التناقض هو جوهر شخصيته: مبدأ يرفض الكذب، وذائقة جمالية تنجذب إلى براعة الكذب، لذلك نراه أحياناً يوبّخ ضمنياً، وأحياناً يسوّغ، وأحياناً يكتفي بالمشاهدة. وإذا كان أبو زيد متلوّناً، متحوّلاً، مراوغاً، فإن الحارث ثابت نسبياً، ويمثّل نوعاً من «المرجع الأخلاقي»، وهذا التضاد مقصود فنياً: فأبو زيد يعبّر عن الحركة والخداع والتحوّل، والحارث يرمز إلى الثبات والملاحظة والتأمّل.

تتعمّق هذه العلاقة فتغدو نوعاً من الصحبة الفكرية. ينتقل الحارث من موقع المشاهدة إلى تتبّع أبي زيد عبر المدن، ويتحوّل هذا الترحال تدريجياً إلى مدخل لفهم الخداع نفسه: كيف يُبنى؟ كيف يُصدَّق؟ ولماذا ينجذب الناس إليه رغم إدراكهم أنه زيف؟

في بعض المقامات، يتحوّل الحارث من مجرد شاهد على ما يجري إلى دائرة الفعل، فيطلب أحياناً من أبي زيد أداءً بلاغيّاً معيّناً، أو يختبر قدرته على الإقناع، أو يغضّ الطرف عن بعض خداعه. ومع ذلك، لا يمكن وصفه بالمشارك الكامل، إذ يبدو كأنّه يقف في منطقة رمادية بين الحياد والتورّط، يستمتع بالمشهد على الرغم من إدراكه أنّه قائم على الخداع.

ومع تتابع التجربة، يبدأ الحارث في اكتساب وعي أعمق بطبيعة ما يراه؛ ويتحول من ضحيَّةٍ إلى مشارك ضمنيٍّ في إنتاج المتعة السردية. يتعلم كيف يتأرجح بين التصديق والتأويل، وبين الانخداع باللغة والوعي بآلياتها. وهكذا لا يصل إلى يقين نهائيّ، بل إلى وعيٍّ متوتّر يزداد تعقيداً مع كل مقامة، حتى يصبح جزءاً من إنتاج المتعة السردية نفسها، لا مجرد شاهد عليها.

في المقامة الأخيرة، يحدث التحول الأهم: يقرّر أبو زيد التوبة وترك الحيل، ويتجه إلى العبادة والوعظ. هنا ينقلب موقف الحارث بشكل مفاجئ. بدلاً من الفرح، يشعر بخيبة أمل. فالتوبة، رغم قيمتها الأخلاقية، تعني نهاية اللعبة التي كانت تغذي فضوله ومتعة المراقبة لديه، ويبدو أنّ الحارث كان يظن أنه يبحث عن الحقيقة الأخلاقية، لكنّه يكتشف أنّه كان يستمتع بالبنية الجمالية للخداع أكثر من اهتمامه بالحقيقة نفسها.

في المشهد الأخير يحدثنا الحارث عن آخر ما دار بينهما من حوار، إذ يدنو منه «كما يدنو المصافح، وقلت: أوصني أيها الناصح. فقال: اجعل الموت نصب عينك، وهذا فراق بيني وبينك، فودّعته وعبراتي يتحدّرن من المآقي، وزفراتي يتصعّدن من التراقي، وكانت هذه خاتمة التلاقي». 

 

 


«مخبز السعادة»... الحب على الطريقة السويدية

«مخبز السعادة»... الحب على الطريقة السويدية
TT

«مخبز السعادة»... الحب على الطريقة السويدية

«مخبز السعادة»... الحب على الطريقة السويدية

لم يكن غريباً أن تفوز رواية «مخبز السعادة» للكاتبة هيلين هولمستروم بجائزة «أفضل كتاب رومانسي» في السويد، حيث تقوم حبكتها الرئيسية على قصة حب غير متوقعة بين طرفين، بدأ كل شيء بينهما بالنفور قبل أن يتحول إلى مشاعر مشتعلة في سردية تميزت باستبطان الانفعالات الداخلية للمرأة على نحو لافت.

صدرت الرواية أخيراً عن دار «العربي» بالقاهرة، ترجمة نهى مصطفى، وفيها تجد الشخصية الرئيسية «نورا يانسون» نفسها مضطرة لاتخاذ خطوة يائسة لإنقاذ مخبز والديها من الإفلاس فتضطر لقبول المشاركة في برنامج تلفزيوني واقعي، الذي من خلاله يدخل إلى حياتها الشيف الشهير «هنريك إكلوند» ببروده المهني وانتقاداته القاسية.

وبين رائحة الخبز الدافئ وأمسيات الشتاء الطويلة تبدأ المسافة بينهما في التلاشي ويتحول الصدام إلى انجذاب غير متوقع، لكن مع تزايد الضغوط بين ما تفرضه الكاميرا وما يمليه القلب تدرك «نورا» أن المعركة الحقيقية ليست من أجل إنقاذ المخبز فقط، بل من أجل استعادة ثقتها بنفسها وفتح قلبها من جديد، عبر نص ينبض بالدفء، ويحتفي بحرارة البدايات ويبرز قوة الشغف الذي قد يولد في أكثر اللحظات غير المتوقعة.

وُلدت هيلين هولمستروم عام 1984 في السويد وتخرجت في كلية الحقوق وعملت محامية لبعض الوقت لكن شغفها بالكتابة دفعها لترك مهنة المحاماة والتفرغ لكتابة الروايات، حيث صدر أول أعمالها عام 2018 تحت عنوان «العمل بعد الساعات الرسمية»، كما اشتُهرت بكتابة نصوص عاطفية ذات حبكات مشوقة وشخصيات نسائية مثيرة للاهتمام.

ومن أجواء الرواية نقرأ: «وصل هنريك بالقطار في المساء نفسه، كان الثلج يتساقط وبدا المكان أشبه بعالم من الخيال، حاول الاتصال بـ(نورا) ليخبرها أنه في طريقه إليها، لكنها لم تجب بالتأكيد. توجه مباشرة من المحطة إلى شقتها، حيث كان مخبز الحلويات قد أغلق أبوابه في وقت مبكر جداً والباب المؤدي إلى شقتها مغلقاً. حاول الاتصال برقمها مرة أخرى لكنه تحول مباشرة إلى البريد الصوتي.

تنهد وقرر أن يتنزه قليلاً ثم يحاول مرة أخرى، عندما عاد رأي أن نوافذ الشقة مظلمة، نظر حوله وقرر أنه لا خيار أمامه. انحنى وجمع بعض الثلج وشكّل كرة ثلج كبيرة... تراجع بضع خطوات إلى الوراء وصوّب نحو النافذة، أصاب الهدف بلا رد فعل. رمى كرة ثلج أخرى ثم أخرى ثم اثنتين أخريين. فجأة أضيئت الأنوار اقتربت نورا من النافذة ونظرت إليه هزت رأسها واختفت. رن تليفونه برسالة نصية: أنا نائمة لا أريد التحدث الآن ربما غداً. هاتان الكلمتان الأخيرتان جعلتا قلبه ينبض بقوة (ربما غداً)، كانتا الموعد. استيقظت نورا على صوت المنبه. لم تنم نوماً هانئاً بسبب مكالمات هنريك المتكررة ثم ارتطام كرات الثلج بنافذتها، الآن باتت مدينة له بقلب مكسور وإهانة علنية وليلة نوم مضطربة، لكن هناك شيئاً ما في تلك الكرات الثلجية كما لو أنهما بطلا فيلم رومانسي والأفلام الرومانسية لها دائماً نهاية سعيدة.

فكرت أنه ما كان ينبغي أن يكون الأمر هكذا، لم يكن عليها أن تشعر بالغضب أو الألم أو الخذلان، ربما يستحق هنريك فرصة لتبرير موقفه. نهضت من سريرها، شغلت آلة القهوة. كان الأمر معقداً لكليهما والآن ها هو قد جاء إلى هنا يرمى كرات الثلج على نافذتها ومن الواضح أنه مستعد للقتال من أجلها».


احتفاء سوري بالبحتري في مدينته منبج

ملصق «مهرجان البحتري» في مدينة منبج شمال سوريا 21 - 22 مايو الحالي (وزارة الثقافة)
ملصق «مهرجان البحتري» في مدينة منبج شمال سوريا 21 - 22 مايو الحالي (وزارة الثقافة)
TT

احتفاء سوري بالبحتري في مدينته منبج

ملصق «مهرجان البحتري» في مدينة منبج شمال سوريا 21 - 22 مايو الحالي (وزارة الثقافة)
ملصق «مهرجان البحتري» في مدينة منبج شمال سوريا 21 - 22 مايو الحالي (وزارة الثقافة)

أعلنت وزارة الثقافة أن المركز الثقافي في مدينة منبج بريف حلب سيشهد انطلاق فعاليات «مهرجان البحتري 2026» في 20 و21 مايو (أيار) الحالي، بمشاركة نخبة من الشعراء والباحثين والمثقفين السوريين.

ويتضمن المهرجان برنامجاً ثقافياً متنوعاً يضم أمسيات شعرية ومحاضرات فكرية وفقرات إنشادية، في إطار احتفاء يجمع بين الأصالة الأدبية والحضور الثقافي المعاصر، حسب ما أوردته وزارة الثقافة عبر معرفاتها.

وتسعى الفعاليات إلى إحياء الموروث الشعري وتعزيز الحراك الثقافي، عبر تقديم أعمال أدبية وفكرية تبرز مكانة الشعر العربي ودوره في بناء الوعي الثقافي والجمالي.

ويشهد المهرجان مشاركة عدد من الشعراء والباحثين الذين يقدمون قراءات نقدية وأدبية، إلى جانب فقرات إنشادية تستحضر جماليات اللغة وروح التراث العربي.

ويأتي تنظيم «مهرجان البحتري» ضمن سلسلة الفعاليات الثقافية التي تعمل وزارة الثقافة على إطلاقها؛ بهدف تنشيط المشهد الأدبي والفني في مختلف المحافظات.

وكانت الوزارة قد أطلقت أواخر أكتوبر (تشرين الأول) الماضي مهرجان «أيام البُردة الدولي» في دار الأوبرا بدمشق، بمشاركة واسعة من شعراء ومثقفين عرب وسوريين.

وهدف مهرجان «أيام البُردة الدولي» إلى تعزيز التواصل الثقافي والاحتفاء بالتراث الأدبي، عبر برنامج جمع الشعر والفكر والفن في فضاء ثقافي متنوع.

وشارك في المهرجان شعراء من فلسطين، والعراق، والأردن، والبحرين، والسعودية، والكويت، وتونس، وليبيا وسلطنة عمان، إلى جانب نخبة من الشعراء السوريين.

وتوزعت فعاليات «أيام البُردة الدولي» بين دمشق، وحمص، واللاذقية وحلب، في ظاهرة ثقافية احتفت بالشعر العربي ومديح الرسول الكريم ضمن أجواء فكرية وفنية متنوعة.